نشرت في عربي 21
جدلية الأمة والدولة
في الواقع المعاصر
تحولات جيوسياسية وتنموية متسارعة، فيما تبدو معالمها في
المنطقة الإيجابي منها والسلبي أيضا، تبدو في ظاهرها صراعاً على الموارد والمشاريع
الاستراتيجية من الأغراب عن المنطقة، وصراع أوهام وأحلام متلبسة ومختفية بما يسخر
عواطف الأمة إلى امر ما، ولكثرة الفرق من هذا النوع مع ضعف التثقيف والمعاني
الصلبة، نجد غياب الأمة وغياب الدولة، هذا الظاهر يشير إلى أزمة بنيوية أعمق: غياب المعادلة المتوازنة لاجتماع
"الأمة" و"الدولة"، فالقراءة العميقة للمشهد المعاصر تفرض على القادة
والمخططين التوقف عن إدارة الأزمات بالمسكنات العشوائية، والانتقال نحو
"الهندسة الاستراتيجية" التي تضبط مواضع النقص في بناء الكيانين.
ضبط المفهوم
لو أردنا أن نشخص الواقع وما نراه من ضعف انتماء للدولة
أو تشتت الكتلة البشرية بالأفكار التي تنتقل بالمصير السلبي للبشر فلن نلمس وجود
أي من الاثنين فالدولة بلا أمة تحميها تظل مجرد هيكل مؤسسي وقانوني واقتصادي هش،
قد تمتلك هذه الدولة أحدث المشاريع التنموية، وأبراجاً شاهقة، وموازنات ضخمة،
لكنها في غياب "أمة" يجمعها وجدان مشترك وهوية مواطنة جامعة، تبقى
كياناً قابلاً للانهيار والتشظي عند أول خضة سياسية أو هزة أمنية؛ لأن الأفراد
فيها لا يشعرون بالانتماء البنيوي للمؤسسة.
الأمة بلا دولة ترعاها تظل مجرد مجتمعات تمتلك هويات
وثقافات وتطلعات مشتركة، ولكنها بلا فاعلية حضارية، غياب الإطار المؤسسي، والضبط
القانوني، والإدارة التنفيذية الرصينة يحيل طاقات المجتمع إلى صراعات جانبية وتشتت
مستمر، مما يجعلها ساحة مستباحة للمشاريع الخارجية
1. هندسة الوعي المعرفي المشترك: إن بناء الأمة في عصر التدفق المعلوماتي
المعاصر لا يتم بالشعارات، بل بإنتاج معرفي وثقافي وتربوي يعالج الأفكار السلبية، ويصنع
نماذجَ سلوكية تتحرك من خلال التنوع والتحديات تجعل من التنوع القائم على قيم
الاحترام والعدل مصدر قوة للدولة لا ثغرة لاختراقها، وتجعل من التحديات وسيلة
للحمة وهذا لا يأتي بالتمايز الفج.
2. هنالك طريقان لبناء الأمة والدولة، إما أن تكون
أمة وتبني دولة فهذه أسس متينة تتحمل التحديات وتواجهها بإصرار يقويها وهو ما نشأت
عليه دولة الرسالة، أو تنشأ دولة وتسعى لتوليد أمة وهو ما حاولت نظم الحكم بعد
الدولة العثمانية تكوينه، لكنها لم تك مؤهلة أو مدركة لرؤية واضحة فارتكزت إلى
المدنية والتنمية التي تعرضت للفساد بلا حماية وتركت الهويات الفرعية التي نشأت
زمن التمزق والخوف لتتعاظم فتحجب تطور متواصل للدولة كمدنية.
منظومة الأخلاق: الجسر الحتمي للاجتماع
الربط هنا بين الدولة والأمة والفكر الحاضن ضرورة؛ فلا
يمكن بناء الآليات الإدارية السليمة بمعزل عن المنظومة الأخلاقية الفلسفية فلأخلاق
في فكر النهضة ليست ترفاً سلوكياً، بل هي معادلة رياضية صلبة تضمن استدامة
المجتمعات، المنظومة السلوكية المنبثقة عن فكر ليست كالمنبثقة عن قيمة أحادية أو
فكرة كما الرأسمالية التي تضع السلوك من فكرة أو قيمة النفعية، مجتمعاتنا وان تخلت
عن فهم قيمها بالانطباعات وبدلت الدين بالتدين كغريزة إلا أنها تحتاج مجموعة القيم
النظيفة الأساسية لتكون أمة ودولة، وليس بتذكية الغرائز واستغلالها في التحشيد
والاستقطاب فهذا تمزيقها حتما وتشظيها لأنها ستفقد الرسالة الجامعة وتركز على إبراز
أمم وهمية ليست محصنة من الفساد ولا هي قادرة على الاتحاد لان عدائها سيكون متسلحا
بامتلاك الحقيقة الوهمي للعقيدة ويصبح الأكثر عداء والآخر هو من كان أخ الأمس
وجعلته الفكرة بتلك المنزلة الحصينة.
الأخلاق السياسية كصمام أمان
تدني السلوك وانحرافه عن القيم المجتمعية في ممارسة
السلطة ينتج الفساد واستحواذ اوليغارشي، عندها سيرى الفرد أن معايير العدالة
والكفاءة مغيبة، فينكفئ نحو هوياته الفرعية الضيقة (العشيرة أو الطائفة) لحماية
نفسه، وبذلك تتفتت "الأمة" حتى لو كان هيكل "الحكومة" قائماً،
لكنه لا يعمل بسياق دولة، فالالتزام بالقانون وسيادة وعدالة التطبيق هي من تنشئ
ركائز الدولة في نفس المواطن فيتحد الفكر مع الحياة المدنية ليشكل ثقافة وسمة
جامعة وهذا يعني وجود أمة، وهو ما مطلوب للدول في المنطقة العربية، والإسلامية
عموما، لأنها تمزقت بعد غياب الفكر الجامع الذي جعل شرعية للدولة واستمرارها موحدة
بشكل أو آخر، وانهيارها جميعا كان لتلاشي هذه الرابطة.
خاتمة: الخيط الفاصل بين النهضة والسقوط
إن "اجتماع الأمة والدولة" من خلال ناظم أخلاقي
متين هو الفاصل بين نهضة الكيانات وسقوطها في الفوضى؛ وعي القادة باللحظة الراهنة،
وشجاعتهم في الاعتراف بمواضع الهشاشة البنيوية، هو الخطوة المهمة للخروج من
عشوائية الإدارة إلى رحابة التخطيط التكاملي، فالدولة القوية هي تلك التي تسندها
أمة واعية، والأمة العظيمة هي تلك التي تقودها دولة مؤسسات عادلة تحكمها منظومة من
القيم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق