من "تفاهة الشر" إلى اللامعيارية الواعية
في مقالي السابق عن "اللامعيارية الواعية"، حاولت الكشف عن آلية حكم واعية وممنهجة تعتمد على قلب المعايير الأخلاقية والإدارية بشكل متعمد، ليست هذه اللامعيارية فوضى عشوائية أو نتيجة غباء، بل نظام يجعل الفساد أداة تشغيل والتفاهة وسيلة سيطرة مستدامة.
عندما عدت إلى أعمال حنا أرندت، وجدت في تحليلاتها شريكاً نظرياً عميقاً يمنح مفهومي أساساً فلسفياً قوياً، ويعطي أفكارها في الوقت نفسه حيوية محلية معاصرة من "تفاهة الشر" إلى اللامعيارية الواعية في كتابها أيخمان في القدس، تقول أرندت: "الشر لا يظهر دائماً في صورة الشيطان، بل غالباً ما يكون في صورة موظف عادي يتوقف عن التفكير". اللامعيارية الواعية تأخذ هذه الفكرة إلى أبعد من ذلك، توقف التفكير ليس عرضياً، بل يُصنع بيئة تجعله شرطاً للنجاح، ففي بعض المؤسسات، يتقدم الموظف الذي يكون أقرب للمسؤول بأن يكون المرآة الساحرة ويغطي أطماعه ولا يسأل بل هو عبد مأمور كما يقال.
تقرير عن تفاهة الشر: وصفت أرندت كيف ينشأ الشر من أفراد عاديين توقفوا عن التفكير الحقيقي وتحولوا إلى تروس في آلة بيروقراطية. لم يكن الشر يحتاج إلى شياطين، بل إلى غياب مَلَكة التفكير.
اللامعيارية الواعية: توقف التفكير ليس عرضياً، بل يُصنع بيئة كاملة تجعله شرطاً للنجاح. في بعض المؤسسات الإدارية، يتقدم الموظف الذي يظهر "مرونة" في تجاوز الإجراءات الرسمية، ويُوصف بـ"القادر على حل المشكلات"، بينما يبقى الملتزم بالقوانين والإجراءات في مكانه، ويُنظر إليه أحياناً كغير قادر على التكيف مع الواقع. هكذا يتحول غياب التفكير الأخلاقي إلى استراتيجية جماعية، والفوضى إلى أداة حكم فعالة تزوير المجتمع والاغتراب المعياري في أصول الشمولية.
تحدثت أرندت عن "تزوير المجتمع" (atomization): تحويل الأفراد إلى ذرات معزولة تفقد روابطها الاجتماعية والأخلاقية، مما يسهل السيطرة عليها ويدمر "المجال العام"، أما في اللامعيارية الواعية فأصف الاغتراب المعياري: قلب المفاهيم من الداخل.
مثال واقعي في مجال التعليم:
في بعض المدارس والجامعات، يحظى الطالب الذي يحصل على درجات عالية بوسائل سريعة أو علاقات باهتمام أكبر كـ"ناجح براغماتي"، بينما يُنظر إلى الطالب الذي يعتمد على الجهد والفهم العميق كـ"بطيء" أو "غير واقعي"، هذا يؤدي تدريجياً إلى تراجع قيمة المعرفة الحقيقية وتعزيز ثقافة "النتيجة بأي وسيلة".
في التعليم، تظهر اللامعيارية عندما يُكافأ التركيز على الشهادات والمظاهر أكثر من بناء القدرات الحقيقية، فيصبح الطالب "الناجح" هو من يتقن الاختصارات والحفظ، بينما يُهمش من يسعى للعمق والإبداع في التفكير. هذا يؤدي إلى جيل يرى في "الذكاء الاجتماعي" السريع بديلاً عن المعرفة المنهجية.
في مجال الأعمال والمهن أيضاً، يُقدم رائد الأعمال الذي يحقق مكاسب سريعة عبر تسهيلات وعلاقات كقدوة نجاح، بينما يبقى صاحب المشروع الذي يركز على الجودة والشفافية طويلاً في المنافسة. هكذا ينهار الإيمان بالقيم الكبرى، ويصبح تدمير المجال العام هدفاً استراتيجياً وليس نتيجة جانبية.
صناعة الوهم وعقلنة الفساد في مختلف المجالات: رأت أرندت، في الدعاية الشمولية قدرة على صناعة واقع بديل؛ في اللامعيارية الواعية، تكون هذه الصناعة أكثر براغماتية: إقناع الناس بأن "هذا هو الواقع الوحيد الممكن".
في الإعلام:
- يُبرز بعض المحتوى الإعلامي قصص "النجاح السريع" لشخصيات تحقق شهرة عبر الجدل والإثارة، ويقدمها كأمثلة على "الذكاء الاجتماعي"، بينما يصور المتخصصين الهادئين الذين يقدمون تحليلاً عميقاً كبعيدين عن اهتمام الجمهور.
- من خلال اختيار الضيوف والنماذج، يُعزز الإعلام صورة أن "المرونة الأخلاقية" هي مفتاح التقدم، وأن الالتزام الصارم بالمعايير قد يكون عائقاً أمام التطور في عصر سريع.
- كذلك، عندما تُروج وسائل إعلامية لشخصيات متنفذة رغم أخطائها الواضحة كقدوات، فإنها تساهم في عقلنة الواقع القائم وتحويل الفوضى إلى أمر طبيعي وحيوي.
في مجالات أخرى:
رأت أرندت في الدعاية الشمولية قدرة على صناعة واقع بديل يعزل الجماهير عن الحقائق، أما في اللامعيارية الواعية، فالدعاية أبسط وأقوى: لا تحتاج إلى أيديولوجيا كبرى، يكفيها أن تقنع الناس بأن "هذا هو الواقع الوحيد الممكن". يُقدَّم الفاسد كـ"براغماتي ناجح"، والمصلح كحالم فاشل"، ويشجع على هذا تكرار الوصف من أناس فاشلين عاجزين أو تتملكهم الأنانية. بهذا يصبح الفساد منطقياً، بل ضرورياً للبقاء.
خاتمة:
الوعي كأداة مقاومة في حياة العقل: أكدت أرندت أن التفكير الحر هو الدرع الأخير الذي يحمي الإنسان من أن يصبح ترساً في الآلة، وأنا أرى أن مواجهة اللامعيارية الواعية تبدأ بالضبط من هنا: إعادة بناء المعايير، ورفض قلب المفاهيم، واستعادة معنى النجاح الحقيقي القائم على الكفاءة والأمانة والرزانة.
بهذا الاندماج بين "اللامعيارية الواعية" وفكر حنا أرندت، أستطيع القول إن ما وصفته أرندت كنتيجة للشموليات في القرن الماضي تحول في واقعنا إلى استراتيجية حكم معاصرة واعية، اللامعيارية لا تنفي أرندت، بل تكملها وتحدثها، وتبث في أفكارها روحاً عربية معاصرة تحولها من تحليل تاريخي إلى أداة فهم ومقاومة بناءة، التخلف ليس قدراً، ولا فوضى عفوية، بل هندسة يمكن تفكيكها بالوعي نفسه الذي أنتجها. الدعوة اليوم هي لاستعادة القدرة على التفكير، وإعادة بناء المجال العام، وإحياء القيم التي تجعل المجتمعات قادرة على التقدم الحقيقي والمستدام.
