سأل أفلاطون: كيف تجعلون هذا الخط أقصر دون أن تلمسوه أو تمحوا منه شيئاً؟ وكان قد رسم خطا مستقيما، سكت الجميع ليجيب أرسطوطاليس بخط آخر بجانبه ولكنه أطول منه بكثير.
المشكلة ليست دوما هي السؤال ولكن بمنطق السؤال ومنطق الحل الذي تعطيه، وهي من معالم النسبية في كل أمر منظور في السياسة والإصلاح الاقتصادي. العمل الجاد، ليس بالضرورة أن آتي إلى نظام عامل مستقر لأحذف منه أو أضيف، بل أن أضع نظاما موازيا وتجري معه دراسات ورقابة وإحصاءات وفهم لرد فعل المواطن وهل وضعه انتقل للرفاهية أم زادت عذاباته، آتي لوضع نظام يتجنب السلبيات، فليس تعظيم الموارد في الدولة أن تجلب لها المال من الشعب الذي هو السياج الحصين لقلعة الدولة. حجر إثر حجر ستفتح ثغرة وربما ينهار جانب أو كل جدار القلعة، خصوصا إن كنت في أرض تملؤها القوارض وحفرت الأرض لأعشاشها التي تزفر الطاعون وباتت الأسس فوق أرض ليست سميكة وما انفكت أواصر تماسكها تقطع كل يوم.
تحسين الوضع ليس بإضعاف القلعة وإنما القضاء على القوارض الأصلية وجحورها، وليس أفراخها فقط ولا أعشاش القصب، الحل برسم خط أطول أو دائرة أوسع تعزز من حماية قلعة الشعب لأكون متحصنا فيها بلا ثغرات.
سؤال منسوب لأينشتاين:
"خرج رجلان من مدخنة منزل، أحدهما وجهه متسخ بالرماد والسواد، والآخر وجهه نظيف تماماً. مَن منهما سيغسل وجهه؟".. سارع الطلاب بالقول: "الرجل صاحب الوجه المتسخ بالطبع"! وعندما قال خطأ؛ ارتدوا ليقولوا "إذن، صاحب الوجه النظيف هو من سيغسل وجهه". رد أينشتاين: "السؤال نفسه غير منطقي من الأساس! كيف يمكن لرجلين أن ينزلا من مدخنة واحدة، فيخرج أحدهما نظيفاً والآخر متسخاً؟".
في هذا المثل يجب أن نبحث عن العبرة والحكمة من القصة: السؤال قبل الحل.
التشكيك في الفرضيات: قبل أن تبحث عن حل لأي مشكلة، تأكد أولاً من صحة المعطيات والسؤال نفسه؛ فكثير من المشاكل تكون وهمية أو مبنية على فرضيات خاطئة.
فإذا كان السؤال: كيف نزيد إيرادات الدولة؟ فسوف ينصرف التفكير بصورة طبيعية إلى البحث عن مورد جديد أو زيادة مورد قائم، أما إذا كان السؤال:كيف نزيد قدرة الدولة المالية من دون أن نضعف القدرة الاقتصادية للمواطن؟ فإن مجال الحل يتسع، ويدخل فيه الإنتاج والاستثمار وتقليل الهدر وتحسين الإدارة ومكافحة التسرب المالي، لا مجرد زيادة ما يدفعه المواطن.
وهنا يظهر الفرق بين حل المشكلة وحل السؤال؛ فقد ننجح في تنفيذ الحل المطلوب، ثم نكتشف أن المشكلة التي كنا نعالجها لم تكن هي المشكلة الحقيقية.
ميزان الأثر لا ميزان الإيراد
مفهوم النسبية: نحن نرى أنفسنا غالباً من خلال انعكاسنا في عيون الآخرين (مثلما نظر الرجل النظيف إلى المتسخ)، وهو ما قد يمنحنا رؤية مضللة عن حقيقتنا.
ليس كل ما يدخل خزينة الدولة دعما لها، ولا كل ما يخرج منها خسارة بالضرورة، فالمبلغ الذي تنفقه الدولة على دراسة جيدة، أو نظام رقابة، أو تطوير قاعدة معلومات، أو اختبار مشروع قبل تعميمه، قد يبدو في الموازنة إنفاقاً إضافياً، لكنه قد يمنع خسارة أكبر بكثير، وفي المقابل، قد يبدو تحصيل إيراد جديد نجاحاً مالياً إذا نظرنا إليه من داخل الخزينة فقط، بينما يكون أثره خارجها زيادة في كلفة الإنتاج أو النقل أو الغذاء، وانخفاضاً في القوة الشرائية، ثم تراجعاً في النشاط الاقتصادي، وزيادة أسعار البنزين في العراق عام 2006 كان الشرارة لتضخم ما زالت تتدحرج كرته.
ولهذا ينبغي أن يكون السؤال الأصح: ما الأثر الصافي للقرار على الدولة والمواطن والاقتصاد معاً؟ فالدولة ليست خزينة منفصلة عن المجتمع؛ خزينة الدولة في النهاية تتحرك داخل اقتصاد يصنعه الناس وينفقون فيه وينتجون ويستهلكون ويدخرون، لننظر إلى تقييمات المؤسسات الدولية.
القرار ليس تجربة تُجرى على بلد كامل
في الهندسة لا نهدم المنشأة القائمة لمجرد أن لدينا تصوراً لمنشأة أفضل؛ بل نصمم البديل، ندرسه، نختبره، ونقيس أداءه، ثم نقرر الانتقال إليه. والإصلاح الاقتصادي والإداري لا يختلف في جوهره.
يمكن للدولة أن تنشئ نظاماً موازياً محدود النطاق، يخضع للدراسة والرقابة والإحصاء، ثم تقارن نتائجه بالنظام القائم، فإذا أثبت النظام الجديد أنه أكثر كفاءة وأقل كلفة وأكثر نفعاً للمواطن، أمكن توسيعه تدريجياً، وبذلك لا يصبح المواطن كله مختبراً لقرار واحد، ولا تصبح الدولة مضطرة إلى التراجع بعد أن تكون كلفة التجربة قد أصابت المجتمع بأكمله.إن الإصلاح الرشيد لا يبدأ دائماً بإزالة النظام القائم، بل قد يبدأ ببناء نموذج أفضل إلى جواره، وهذا ليس ترفاً مؤسسياً.
من القرار النرجسي إلى القرار المتواضع
نرجسية القرار في منطقه الداخلي، ومعياره هو ما يحدثه بعد التنفيذ: هل انخفضت الكلفة؟ هل ارتفع الإنتاج؟ هل تحسنت قدرة الأسرة على العيش؟ هل ازداد الاستثمار؟ هل تحسنت الخدمة؟ وهل أصبح المجتمع أكثر قدرة على تحمل المستقبل؟
لذلك ينبغي أن تنتقل الدولة من سؤال: هل نفذنا القرار؟ إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا حدث للمجتمع بعد أن نفذنا القرار؟ ومن القرار الفردي إلى دورة القرار المؤسسي، فالقرار الاقتصادي والسيادي ليست رأياً وإنما وفق السياقات العلمية المعروفة من الموازنة إلى الموازنة مرة أخرى.
وفي هذه الدورة يكون لمراكز الدراسات المستقلة، والجامعات، ومؤسسات المجتمع المدني المتخصصة، والرقابة المهنية؛ دور حقيقي، لا دور شكلي، وقد تكون لهذه العملية كلفة محدودة، لكنها ينبغي أن تُفهم باعتبارها كلفة حماية للمال العام لا عبئاً عليه. فالإنفاق على معرفة القرار قبل اتخاذه قد يكون أقل بكثير من كلفة إصلاح قرار خاطئ بعد تعميمه.
الدولة التي تقوى من الداخل
ولذلك فإن تعظيم موارد الدولة لا ينبغي أن يعني دائماً البحث عن مورد جديد من المواطن؛ فالمواطن نفسه هو جزء من القاعدة التي تقوم عليها الدولة، كل زيادة في العبء عليه ينبغي أن تُقاس بما تولده من إيراد، وبما قد تسحبه في المقابل من قدرته على الاستهلاك والإنتاج والاستثمار والادخار.
نخبة البلد تصمم ثريات تحملها السقوف، وإن لم تدخل غينيس بحجمها، أما الموارد التي تضيع بسبب ضعف الإدارة والفساد، فهي ثغرات في جدار الدولة، وإننا لن نصلح الشقوق بتغطيتها وهي تشير إلى أسس منخورة، بل بملء الفجوات.



