https://m-salihalbdrany.blogspot.com/ فكــــــر اليقظـــــــة Mindfulnesshttps://m-salihalbdrany.blogspot.com/

بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 5 سبتمبر 2026

272 - السؤال الخطأ وصفة لانهيار البلاد

 رابط المصدر غربي 21


سأل أفلاطون: كيف تجعلون هذا الخط أقصر دون أن تلمسوه أو تمحوا منه شيئاً؟ وكان قد رسم خطا مستقيما، سكت الجميع ليجيب أرسطوطاليس بخط آخر بجانبه ولكنه أطول منه بكثير.

المشكلة ليست دوما هي السؤال ولكن بمنطق السؤال ومنطق الحل الذي تعطيه، وهي من معالم النسبية في كل أمر منظور في السياسة والإصلاح الاقتصادي. العمل الجاد، ليس بالضرورة أن آتي إلى نظام عامل مستقر لأحذف منه أو أضيف، بل أن أضع نظاما موازيا وتجري معه دراسات ورقابة وإحصاءات وفهم لرد فعل المواطن وهل وضعه انتقل للرفاهية أم زادت عذاباته، آتي لوضع نظام يتجنب السلبيات، فليس تعظيم الموارد في الدولة أن تجلب لها المال من الشعب الذي هو السياج الحصين لقلعة الدولة. حجر إثر حجر ستفتح ثغرة وربما ينهار جانب أو كل جدار القلعة، خصوصا إن كنت في أرض تملؤها القوارض وحفرت الأرض لأعشاشها التي تزفر الطاعون وباتت الأسس فوق أرض ليست سميكة وما انفكت أواصر تماسكها تقطع كل يوم.

تحسين الوضع ليس بإضعاف القلعة وإنما القضاء على القوارض الأصلية وجحورها، وليس أفراخها فقط ولا أعشاش القصب، الحل برسم خط أطول أو دائرة أوسع تعزز من حماية قلعة الشعب لأكون متحصنا فيها بلا ثغرات.

سؤال منسوب لأينشتاين:

هنا يظهر الفرق بين حل المشكلة وحل السؤال؛ فقد ننجح في تنفيذ الحل المطلوب، ثم نكتشف أن المشكلة التي كنا نعالجها لم تكن هي المشكلة الحقيقية


"خرج رجلان من مدخنة منزل، أحدهما وجهه متسخ بالرماد والسواد، والآخر وجهه نظيف تماماً. مَن منهما سيغسل وجهه؟".. سارع الطلاب بالقول: "الرجل صاحب الوجه المتسخ بالطبع"! وعندما قال خطأ؛ ارتدوا ليقولوا "إذن، صاحب الوجه النظيف هو من سيغسل وجهه". رد أينشتاين: "السؤال نفسه غير منطقي من الأساس! كيف يمكن لرجلين أن ينزلا من مدخنة واحدة، فيخرج أحدهما نظيفاً والآخر متسخاً؟".

في هذا المثل يجب أن نبحث عن العبرة والحكمة من القصة: السؤال قبل الحل.

التشكيك في الفرضيات: قبل أن تبحث عن حل لأي مشكلة، تأكد أولاً من صحة المعطيات والسؤال نفسه؛ فكثير من المشاكل تكون وهمية أو مبنية على فرضيات خاطئة.

فإذا كان السؤال: كيف نزيد إيرادات الدولة؟ فسوف ينصرف التفكير بصورة طبيعية إلى البحث عن مورد جديد أو زيادة مورد قائم، أما إذا كان السؤال:كيف نزيد قدرة الدولة المالية من دون أن نضعف القدرة الاقتصادية للمواطن؟ فإن مجال الحل يتسع، ويدخل فيه الإنتاج والاستثمار وتقليل الهدر وتحسين الإدارة ومكافحة التسرب المالي، لا مجرد زيادة ما يدفعه المواطن.

وهنا يظهر الفرق بين حل المشكلة وحل السؤال؛ فقد ننجح في تنفيذ الحل المطلوب، ثم نكتشف أن المشكلة التي كنا نعالجها لم تكن هي المشكلة الحقيقية.

ميزان الأثر لا ميزان الإيراد

مفهوم النسبية: نحن نرى أنفسنا غالباً من خلال انعكاسنا في عيون الآخرين (مثلما نظر الرجل النظيف إلى المتسخ)، وهو ما قد يمنحنا رؤية مضللة عن حقيقتنا.

ليس كل ما يدخل خزينة الدولة دعما لها، ولا كل ما يخرج منها خسارة بالضرورة، فالمبلغ الذي تنفقه الدولة على دراسة جيدة، أو نظام رقابة، أو تطوير قاعدة معلومات، أو اختبار مشروع قبل تعميمه، قد يبدو في الموازنة إنفاقاً إضافياً، لكنه قد يمنع خسارة أكبر بكثير، وفي المقابل، قد يبدو تحصيل إيراد جديد نجاحاً مالياً إذا نظرنا إليه من داخل الخزينة فقط، بينما يكون أثره خارجها زيادة في كلفة الإنتاج أو النقل أو الغذاء، وانخفاضاً في القوة الشرائية، ثم تراجعاً في النشاط الاقتصادي، وزيادة أسعار البنزين في العراق عام 2006 كان الشرارة لتضخم ما زالت تتدحرج كرته.

ولهذا ينبغي أن يكون السؤال الأصح: ما الأثر الصافي للقرار على الدولة والمواطن والاقتصاد معاً؟ فالدولة ليست خزينة منفصلة عن المجتمع؛ خزينة الدولة في النهاية تتحرك داخل اقتصاد يصنعه الناس وينفقون فيه وينتجون ويستهلكون ويدخرون، لننظر إلى تقييمات المؤسسات الدولية.

القرار ليس تجربة تُجرى على بلد كامل

في الهندسة لا نهدم المنشأة القائمة لمجرد أن لدينا تصوراً لمنشأة أفضل؛ بل نصمم البديل، ندرسه، نختبره، ونقيس أداءه، ثم نقرر الانتقال إليه. والإصلاح الاقتصادي والإداري لا يختلف في جوهره.

ينبغي أن تنتقل الدولة من سؤال: هل نفذنا القرار؟ إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا حدث للمجتمع بعد أن نفذنا القرار؟ ومن القرار الفردي إلى دورة القرار المؤسسي، فالقرار الاقتصادي والسيادي ليست رأياً وإنما وفق السياقات العلمية المعروفة من الموازنة إلى الموازنة مرة أخرى


يمكن للدولة أن تنشئ نظاماً موازياً محدود النطاق، يخضع للدراسة والرقابة والإحصاء، ثم تقارن نتائجه بالنظام القائم، فإذا أثبت النظام الجديد أنه أكثر كفاءة وأقل كلفة وأكثر نفعاً للمواطن، أمكن توسيعه تدريجياً، وبذلك لا يصبح المواطن كله مختبراً لقرار واحد، ولا تصبح الدولة مضطرة إلى التراجع بعد أن تكون كلفة التجربة قد أصابت المجتمع بأكمله.إن الإصلاح الرشيد لا يبدأ دائماً بإزالة النظام القائم، بل قد يبدأ ببناء نموذج أفضل إلى جواره، وهذا ليس ترفاً مؤسسياً.

من القرار النرجسي إلى القرار المتواضع

نرجسية القرار في منطقه الداخلي، ومعياره هو ما يحدثه بعد التنفيذ: هل انخفضت الكلفة؟ هل ارتفع الإنتاج؟ هل تحسنت قدرة الأسرة على العيش؟ هل ازداد الاستثمار؟ هل تحسنت الخدمة؟ وهل أصبح المجتمع أكثر قدرة على تحمل المستقبل؟

لذلك ينبغي أن تنتقل الدولة من سؤال: هل نفذنا القرار؟ إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا حدث للمجتمع بعد أن نفذنا القرار؟ ومن القرار الفردي إلى دورة القرار المؤسسي، فالقرار الاقتصادي والسيادي ليست رأياً وإنما وفق السياقات العلمية المعروفة من الموازنة إلى الموازنة مرة أخرى.

وفي هذه الدورة يكون لمراكز الدراسات المستقلة، والجامعات، ومؤسسات المجتمع المدني المتخصصة، والرقابة المهنية؛ دور حقيقي، لا دور شكلي، وقد تكون لهذه العملية كلفة محدودة، لكنها ينبغي أن تُفهم باعتبارها كلفة حماية للمال العام لا عبئاً عليه. فالإنفاق على معرفة القرار قبل اتخاذه قد يكون أقل بكثير من كلفة إصلاح قرار خاطئ بعد تعميمه.

الدولة التي تقوى من الداخل

ولذلك فإن تعظيم موارد الدولة لا ينبغي أن يعني دائماً البحث عن مورد جديد من المواطن؛ فالمواطن نفسه هو جزء من القاعدة التي تقوم عليها الدولة، كل زيادة في العبء عليه ينبغي أن تُقاس بما تولده من إيراد، وبما قد تسحبه في المقابل من قدرته على الاستهلاك والإنتاج والاستثمار والادخار.

نخبة البلد تصمم ثريات تحملها السقوف، وإن لم تدخل غينيس بحجمها، أما الموارد التي تضيع بسبب ضعف الإدارة والفساد، فهي ثغرات في جدار الدولة، وإننا لن نصلح الشقوق بتغطيتها وهي تشير إلى أسس منخورة، بل بملء الفجوات.

الجمعة، 28 أغسطس 2026

271: كيسنجر: جواب لقراءة افتراضية حول العراق

 رابط عربي 21


منهج كيسنجر:

على الرغم من أن ما نشر على لسان كيسنجر أراه لا يتسق مع عبقرية كعبقرية كيسنجر، فأغلبه يبدو قراءة وتحليل ذكي للكاتب، لكن سأفترض صحته لأهمية التصور المبعثر هذا.

أي مفكر عندما يكتب يستحضر تاريخ أمته عمليا، وكيسنجر ليس بدعا من القول خصوصا عندما يناقش منطقة المتوسط الإسلامي، فهو يتحدث منطلقا من نظريات مدنية، دون تفهم للحضارة الفكرية للمنطقة، خصوصا عندما ضرب مثلا بداعش عن الإسلام العابر للحدود، متجاهلاً أن هذا التنظيم، حسب ما تواتر من تسريبات وشهادات وتحليلات متعددة، وُجد في بيئة تداخلت فيها أجهزة مخابرات دولية باتفاقات متباينة النفوذ، وهو ليس الإسلام الصالح لإدارة الحياة في واقعنا كما يفكر به أغلب النخب.

الإسلام غائب وليس له وجود كفكر، والموجود هو التدين الغريزي غالبا، وهو منقطع عن إدارة الواقع منذ زمن طويل. الإسلام غايته العدل والسلطة وسيلة، وهذا غير موجود بينما السلطة غاية كما هو دارج في نظم اليوم، أما المدنية فهي تراكم جهد بشري عالمي ممكن أن ترشَّد بالسلوك الإسلامي المنبعث من جذور القيم، وليس السلوك الجالس على منضدة النفعية فحسب كما نمط الحداثة التي تحتضر اليوم.

فهم كيسنجر للمذاهب كأنها طوائف؛ وواقعاً، أن هنالك فرقاً بين المذاهب التي لا غبار عليها وبين الطائفية التي تقع تحت تأثير السياسة، ومجموعة ذات مصالح، غالبا فاسدة لأنها منفلتة أو مشوهة للقيم الحقيقية التي تزعمها، سواء يزعمون الإسلام مثلا أو الزعم بحماية وانتماء لمذهب. وهذا لا يحتاج إثباتا، فهو أكثر افتضاحا من قرد البابون، فالتداخلات لم تكن بالصيغة التي وصفها وإنما هنالك نوع من تداخل المصالح وركوبها على الطائفة أو العرق، لكن واقعا أن هذا محض أسلوب تخفّي كما يظل الليل وظلامه أي نهّاب.

بريطانيا العراق:

بريطانيا أتت بحكم الاستراتيجية واحتلت العراق واكتشاف النفط ثبتها فيه، لكنها أزالت عن أكتافها كل أوزارها في العراق من استخدام الناس، الهاربين من أوطانهم في الليفي ثم توطينهم بلا سند قانوني، ولم تكن تفكر بالعراق أكثر من الهند لولا تغيير العوامل الجيوسياسية، وتنبه الهنود وتغيير تكتيكاتهم من اجل الاستقلال، فنشأ العراق دولة صعبة المراس تركتها بريطانيا مع ما فيها من الألغام التي تفجرت على العراقيين. فلم تعمل على تكييف أمة نشأت بلا حدود لتتعامل مع الحدود، وتركت كل أيديولوجيات العالم الفاشلة تدخل قوالب على مجتمع عشائري يتعامل بتوازنات اعتاد إحكامها مع السلطات.

فالقومية التي فشلت في الغرب أتت إلى المنطقة، والشيوعية التي لم تتجاوز الاشتراكية طيلة فاعليتها إلى أن انتهت دخلت في العراق، والدعوات الإسلامية التي تشوهت بالتضييق والسجون والمنع لم تكوّن مراكز دراسات وإنما بقيت تنظر إلى الخلف كنظرة أي فاشل يطلب الملامح الطيبة والزمن الجميل في ماضيه، حتى إنهم لم يحسنوا تصريف أمورهم، وربما لو تركوا لكانوا الأقرب إلى نظام جديد أفضل من الوستفالي المكسور (وأظن كيسنجر سيقول هذا)؛ نظام مدني، لأن الإسلام أصلا قابل وقادر على إنتاج الآليات، لكن حملات التشكيك والحروب الكلامية والسجون التي ما زالت مستمرة إلى يومنا هذا، لم تعطِ الفرصة للمنطقة لتشكل شخصيتها، وتنتج نظامها الذي يتعامل مع العالم وفق الأساليب المدنية وليس من خلال المصلحة الضيقة التي اختلت بالتجربة عند الاحتكاك مع الآخر في أوروبا، والغزو الإمبراطوري وبعنجهية نيرونية تواجه العالم اليوم بقوة ضاربة مدمرة للحرث والنسل.

العراق خيار صحيح:

اختيار كيسنجر للعراق في الحقيقة يعبر عن بعد نظره؛ ويتناقض مع السعة التحليلية، نعم العراق مقياس، لكن ما برر كيسنجر به هو مقاربات. العراق وسوريا مهمان جدا لإنشاء نظام جديد أو حداثة جديدة إن فسح المجال لهما، حضارة ومدنية ليست محاربة أو مقاتلة كما هو تصور الغرب لنهضة المسلمين، بل حضارة فكرية تحمي الثورة المدنية من الفساد الذي أحدثه التشوه والحرمان والاضطهاد المتعدد الأشكال، وهذا نتيجة طبيعية للقوالب وضغط الشعوب بها، وصراع الأطماع باسم الأيدولوجيات. اتفق إذن أن النظم التي جربت على المجتمع هي نظم فاشلة وجاءت مقولبة ترفع أعلام الطغيان والفساد مغلفة باسم القومية أو الحداثة أو الدين..

العراق والنظم:

قصة الجيوش وحفاظها على الوستفالية لم يكن الكلام المنسوب لكيسنجر بها موفقا، فمحمود الحفيد ثار مرتين، المرة الأولى كان يخاف على دينه من الغزاة، وينتظر أن تصحو الدولة العثمانية، فلما احتضرت كما احتضرت الدولة العباسية زمن المغول، استحضر الحفيد سيرة عثمان طغرل بك ليكون ملكا على قومه ويقودهم إلى سلطنة أو خلافة جديدة؛ لم يدع إلى قومية، من أحبطه ليس الجيش العراقي وإنما الليفي البريطاني المتكون من أناس أغراب قبل أن يجنسوا لاحقا عراقيا. والجيش الملكي قمع الفتن التي نشأت مع الإنكليز في المنافسات غير العقلانية واستثارة العشائر، أما في العهد الجمهوري فقد حكم العسكر البلد، والعسكر حلولهم معروفة خصوصا عندما يؤدلجون، والأمثلة كثيرة.

عموما بجملة حاسمة يسمح بها المقال؛ أن صراعات أيديولوجيات القوالب المستوردة أوصلتنا من احتلال إلى احتلال.

ما المطلوب؟

لم ينتحر العالم -كما نسب لكيسنجر- في 2003، بل انتحر عندما عادى الإسلام وتركه من الضغط ينتج هذه المسوخ التي تقودها عمليا مخابرات العالم بالصفات المتعددة التي ذكرناها والتي لم نذكرها، أو بشكل الإلحاد والليبرالية. العالم انتحر عندما مكن للكيان الصهيوني أن يظلم اليهود باسم اليهود كما يفعل الفاسدون من ظلم لأهلهم وباسم أهلهم، وأثار الكيان الكراهية والعصبية والتطرف العنصري كما يفعل الفاسدون باسم الإسلام والبعض باسم مسيحية -يهودية الأساطير والأوهام، التي تستخدم التكنولوجيا لتدمير العالم وكأن الأمر واجب مقدس مثل الحروب الصليبية في العصور الوسطى..

نحتاج أن تتنفس هذه المنطقة، أن يسمح لها بفهم عقيدتها وثقافتها، عندها ستشع وتعطي النماذج الإصلاحية ليس عبر الجيوش والأساطيل وإنما عبر التواصل الاجتماعي وما سينتجه العلم من وسائل تقارب بين الشعوب.

الخميس، 27 أغسطس 2026

270- خزان الافكار

 الشبكة مباشـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر


خزّان الأفكار

ومضة:

في رحلة التعلم اقترح الدكتور طارق السامرائي اقتراحا، استحسنه الدكتور قيس العبيدي، فكان منطلقا لهذا المقال

مقدمة:

اليوم وفي عالم متناقض ملئ وفارغ في نفس الوقت، يصبح اختيارك لشراء خلاط لمطبخ البيت مسألة تخضع للمعلوماتية ودراسة ليست هينة وأنت تتجول في صفحات الإنترنيت وعروض البيع والعلامات التجارية وما تستحصل من ميزات، فما بالك ومسارات بناء البلدان وتعاملات الدول وسياسة فيها كل كلمة تقولها بمقدار وحساب، ليس من انتظار في عالم الوقت فيه متسارع وتحتاج القرار المدروس والخطط البعيدة المدى وقيادة كل شيء من توجيه طاقات الشباب إلى ماذا يفعل وكيف يفعل ليحقق الأمثل في الإنجاز، هنا يبرز مفهوم "خزانات الأفكار" أو "مجامع التفكير" (Think Tanks) ليس فقط كمؤسسات بحثية مغلقة خلف الجدران، بل كمنظومة عقلية ومنهج حياة متكامل، إن تحويل هذا المفهوم من أروقة السياسة الدولية إلى سلوك يومي، كفيل بإحداث ثورة في طريقة تفكير وعمل ثلاثة أعمدة رئيسية في المجتمع: الطلبة، والسياسيون، والعلماء، وهؤلاء سيحددون مصير ودرجة رقي الأمة

كيف تفكر خزانات الأفكار:

ثلاثة ركائز ينبغي أن تفهم: التحليل القائم على الأدلة والبراهين، الاستشراف المستقبلي للقضايا قبل حدوثها، وتعدد التخصصات حيث يجتمع الطبيب والاقتصادي والمهندس لحل مشكلة واحدة، نوع من الموسوعية في تكامل الاختصاصات والعاملين لا يعرفون الأنا بل نكمل بعضنا، لكن تبقى الحقوق محفوظة والا ضاع الإنتاج إن ضاعت، في يدك هاتف محمول، هنالك شركة صنعته، لكنه جهد مجموعة الكل يعلم ما أنتج كل فرد فيها، لكن المخرجات بالتكامل بينهم معا، فلا صانع له واحد وإنما المجموع.

لنأتي إليها واحدة فواحدة:

1.     المنهجية القائمة على الأدلة: استبدال الانطباعات الشخصية بالبيانات الكمية والكيفية المستمدة من مسوح ميدانية ونماذج قياسية لتجنب التحيز، قواعد البيانات أساس البناء.

2.     الاستشراف المستقبلي (Prospective Studies): بناء السيناريوهات البديلة وتحليل المخاطر بناءً على مؤشرات استباقية لمعالجة الأزمات قبل طور التبلور، كما فعلت مؤسسة "راند" في دراساتها التاريخية التي شكلت ملامح الاستراتيجيات الدولية الاستباقية.

3.     التحليل المحايد وعابر التخصصات (Interdisciplinary): تفكيك الظواهر عبر دمج حقول معرفية متعددة (كالاقتصاد، وعلم الاجتماع، والتقنية) لضمان تقديم رؤية مستقلة ومجردة من المصالح الضيقة.

طالب العلم مختبر فكري:

  • إن يُهتم بالحافظة فهذا ليس طائر العلم بل سكة قطار، وفحص النظريات ليس تسفيهها وتقييم الناس ليس تصيد أخطاؤهم وإنما السؤال كيف استثمر؟ كيف أفكر؟ ألف مرة اسأل كيف ومرة واحدة لماذا؟ أما البقاء عند لماذا؟ فلن تجد حلا، دوما هنالك خطط وبدائل خزانات الأفكار؛ السياسي الناجح هو من يملك عقلية مرنة تتقبل البدائل، ويدرك أن العناد السياسي أمام الحقائق العلمية يقود إلى الكوارث، كذلك المستثمر والتاجر والعامل في خزان الأفكار أيضا.

قيادة الشارع غير إرضاءه، إرضاؤه يعني حقنة مهدئة لكن قيادة الشعب تأتي عندما يرى اليقين وان السلامة في تفكير قيادته وقيادته ليست خارقة ولكن تعتمد خزان الأفكار.

كثير من الناس يظن أن العالم والعبقري كقارئة الفنجان، لكن المستشرف للاقتصاد والمياه والوقائع السياسية والعلاقات لا ينجم وإنما عنده قواعد بيانات وهي في تحديث وتأهيل للقرار.

الصومعة:

استقراء الواقع وليس تصوره كما نحب هي الخطوة الأولى نحو دفع الكرة الجامدة إلى اعلى كي أفككها وارصف طريق التفكير وابلطه وأتأمل حدائقه وبساتينه وهي تنتج الأفكار من كل نوع، اليوم لابد من إدراك الأمور والا سنبقى في حالة الطوارئ وحلول الأزمة وهذا لا يأتي بالأحلام وإنما بخزان الأفكار والإرادة على تطبيقه، فالعزم إن بدى في المفكرين فانه عاطل بلا إرادة الزعامات المنفذة والتي تقود صناعة الحياة

لا أوهام وإنما مسارات:

لا احلم وإنما أضع مسارات افترض أسوأ الأحوال وأفضلها واضع المسارات لكل منها وادرسها كلفة وتنفيذ، استشير وأنير وأستنير، لن تحل الأمور إلا اذا وضعنا منهجا ورؤية، الكل يجب أن يفكر ويستشرف ويسأل ويجيب، الإنسان الفذ ليس حافظا ولا منجما وإنما في مكتبه قواعد بيانات ومعادلات وحسابات، تعتاد تطمئن تحصل على الرفاهية وان قل مالك، أما بالارتجال والعبثية فلا راحة بال ولا رفاهية مع القلق العظيم على كل شيء وان كنت تملك الكثير من المال، مجتمع لا يعتمد التفكير والتخطيط خارج الزمن ومحض لوحة وفرشاة لكنه ليس رساما بل سيحمل الرسام الفرشاة من هذا المجتمع ليرسم أفكاره على لوحة هذا المجتمع.

خلاصة القول:

خزان الأفكار ليس موضة ولا ترف فكري، ولا تبجح ولا هيكل، بل هو فعل مؤسسي وتكامل في الأدوار وبعد النظر، والنطق بلغة واحدة والسؤال الدائم كيف ستنجز المهمة التي ستبدأ ضمن خطط معدة، إذن هو حتمية حضارية واستراتيجية لتبني "ثقافة تفكير" كنهج حياة يومي، عندما تتكامل أدوار الطالب الذي يبحث، والسياسي الذي يقرر بناءً على البرهان، والعالم الذي يخرج بمعرفته إلى الواقع، ننتقل بمجتمعاتنا من عشوائية ردود الأفعال إلى استدامة الفعل المخطط، لنبني قيادات واعية تقود مستقبلها بأدوات الاستشراف العلمي الثابت.

الثلاثاء، 25 أغسطس 2026

269 -هل مازالت أمتك تحبك يا رسول الله

 

رابط الزمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــان


الرسالة الخالدة:

الإسلام ليس دينَ طقوس وعبادة في الهيئة فحسب، بل هو فكر كامل شامل له نظرة عن الكون بأدق وصفه وعن الحياة وكيف نعيش فيها ونمط السلوك الذي فيها والتي تليق بالآدمية المميزة بمنظومتها العقلية وهذه نظرة الإسلام إلى الإنسان المكرم وليس المجرّم ولا النجس، بل الإنسان المتميز المبدع.

هذه الرسالة هي إقامة السلالة (الخلافة لسلالات أخرى أدنى من آدم المتميز بالمنظومة العقلية عنها) وعبادة الله بأعمال هذه المنظومة وعمارة الأرض، علينا أن نفهم أن علاقة الله بالبشر هي هذه؛ تكليف أعطيت وسائله، وذللت وسائطه، فمن أحسن استخدام ما كرمه الله به احبه الله وحبَّ الله للبشر وحبَّ البشر لله ليس حبَّ هيامٍ ولا غرامٍ ولا تغييب للمنظومة العقلية أو إذلال الهيئة الآدمية وقيمته وكرامته، بل الإحسان قدر الإمكان وعلى الاجتهاد ومداه يكون حب الله لعباده، وعلى هذا الاجتهاد يبنى حبالعباد لله

لماذا نحبه:

الرسول (ص) حامل للرسالة ونموذجٌ لها، حبه ليس غراماً وهياماً أيضًا وإنما اتباع للقدوة في مسيرة الحياة لا تقليدا كما غيره وإنما هو مجسدا للمنهج والفكر وعلى محبه أن ينتج آليات تلك السيرة لزمانه، صحيح أن رسول الله مسلم من المسلمين لكنه معلمٌ مبشرٌ منذرٌ، ليس هو وكيلا ولا جبارا مسيطرا، إنما هو بشر يوحى إليه وينقل للناس أمرَ رَبِّه، من اجل هذا فحبّه لا يعبر عنه بغياب الوعي والهيام وإنما بملك زمام الصحوة واليقظة والنهضة لإصلاح البشرية، المشكلة في فهمنا للإسلام مريرة، هو يتعامل مع منظومة العقل وليس مستثيراً للعواطف، هو اعتبر الإنسان مكرّماً وليس مذنبًا يسعى لإثبات براءته طول عمره، خُلق لمهمة وليس للعذاب والغم والاستعباد بالأفكار الضالة أو باي نوع من طغيان البشر، خلق للحب إذن بالعمل ولا يجتمع الحب مع الكراهية التي تولد هدم الإنسان والعمران ونحن نرى جلياً ما يفعل البشر وطغيانه من فساد في الأرض.

استنارة:

ماذا يعني رقصك وغناؤك وأنت تحتفل بمولد الرسول إلا تسخيفًا وغطاءً لمنظومة العقل، إذن المطلوب إبراز هذه المنظومة في مثل هذا اليوم والذكرى بأن نكون فعلا خلفاء في الأرض صالحين لا مفسدين كنسخ بشرية سبقت وأفسدت كانت لا تمتلك ما يمتلك آدم فانتهت وبادت.

بناء العلاقات الصحيحة مع المجتمع والناس بل الأسرة، والأبناء ورثة المهمة وليس امتدادا لنا وحسب.

هل نحب الرسول فعلا؟

هذا يحتاج إلى جواب بضعة أسئلة سنضع نموذجا منها

1.     هل تعتبر أن وجود شخص ناجح ينتقص من مكانتك فتؤذيه أو تهمشه بنفوذك؟ لو كان الإنصاف هو الديدن؛ لما وصلنا إلى هذا الحال، والأمر يضيع بين جرأة الجاهل وحرص العالم.

2.     هل أعنت أخاك وهو في ضيق، أم خفت أن تقع في ضيق مثله ولا تجد ما يعينك عليه؟ لو لم نكن كذلك لما وجدنا أحد يواجه مخاوفه وحده ولرأينا أن الحياة أسهل، تعمل أنت على سد حاجة أخيك ويسد حاجتك أخ لك.

3.     هل فرحت بتفوق أخٍ أو أخت في إبداع وقدمته كنعمة من الله تحمل حلا أم بخلت حتى بكلمةٍ تشجعه على الاستمرار؟ لو لم نكن الإمعَّات البخيلة لوجدنا لنا مشاهير وعزوة وكانوا لنا عونا وفخرا، لكننا بتنا مجتمعا طاردا كارها لكل إبداع منا متفاخرين بغيرنا شاكين عجزا نحن نصنعه.

4.     هل سادنا أشرافنا؟ إذا لما وجدنا هذا الفساد والظلم بالعباد والطغيان.

5.     هل قاطعنا الفاسد أم احتفينا به فغيَّرنا معايير الرسول وقلنا نحن نحبه زوراً وبهتانًا، لو لم نكن كذلك لما عاد فاسد من السجن بعد فساده واستقبل استقبال الفاتحين.

فلا ترقص ولا تشوِّه نفسك وكرامتك الإنسانية وأنت تزعم حب نبي أو ولي، فحب الأنبياء ثم الأولياء ليست عواطف وإنما حب منظومة عقلية لمنهج ومسار، حب ليس حب الهوى والجوي وخزعبلات ومتاهات، إنه حب لخير الكائنات ومساره وآل بيته والرعيل الأول من المقربين عندما قال عمر احبك يا رسول الله إلا نفسي فقال ونفسك يا عمر قال ونفسي يا رسول الله، فهم أن الحب ليس عاطفة وإنما هو عقيدة وفكر ومنهج، هو طهارة النفس من الكراهية والتعالي عن الزائل طلبا للدائم، وهذا اغلى من كل ما لدينا، لأننا إن أحييناه حيينا وإن أمتناه فسنجد انفسنا كما نحن اليوم، على هامش الأمم متفرقين لا أقول متفرقين كدول ولا كمدن ولا كمجتمع بل حتى كعوائل وأسر .... وكل عام وأنتم إلى الله أقرب وصلِّ اللهم على محمد وآلة كلما ذكرك الذاكرون وكلما نسي وغفل عن ذكرك الغافلون.


الجمعة، 21 أغسطس 2026

268- قراءة فلسفية في المدارس السيادية لأعمدة تأسيس العراق الستة

 رابط عربي 21

"علينا فهم نظرية المدارس السيادية، فهي تجربة عراقية، يمكن أن تعيد تشغيل المعمل السيادي، وصياغة عقد اجتماعي جديد"

فخ القاضي:

تعاني الأدبيات السياسية والتاريخية المهتمة بالشأن العراقي من فخ اختزالي مزمن؛ إذ تُصر غالبية القراءات على حصر الجيل المؤسس للدولة الحديثة (ما بعد عام 1921) في ثنائيات قطبية جامدة: إما "نخبة وطنية" في مواجهة الانتداب، أو "أدوات وظيفية" مرتهنة للإرادة البريطانية، وفي مسار موازٍ، يتم اختزال هؤلاء الرجال في نهاياتهم الدرامية والمأساوية؛ فنقرأ العهد الملكي من خلال مشهد انتحار السعدون، أو اغتيال العسكري، أو سحل نوري السعيد، أو تهديد بقايا الليفي للسيادة الوطنية بحكم من أناس يتقمصون دور القاضي بلا معايير ملائمة، ولا يعرفون حيثيات ما يقضون فيه.

هذا الاختزال لا يظلم التجربة التاريخية فحسب، بل يعجز بنيوياً عن تفسير ظاهرة بالغة الأهمية: كيف استطاعت مجموعة محدودة من النخب، على اختلاف رؤيتها في الاستراتيجية والتكتيك السياسي؛ أن تؤسس جهازاً إدارياً ومؤسساتياً صلباً استمر في العمل لعقود طويلة حتى بعد اختفاء الفاعلين أنفسهم؟

تنطلق هذه الدراسة الاستقرائية من فرضية بديلة، تتجاوز السرد الوصفي للأشخاص نحو صياغة نموذج تفسيري يرى في جيل التأسيس تجسيداً لما يمكن تسميته بـ"نظرية المدارس السيادية"، فالشخصيات هنا ليست مجرد فواعل سياسية تبحث عن السلطة، بل هي "نماذج مثالية" بمفهوم ماكس فيبر، يمثل كل منها وظيفة سيادية وركيزة فلسفية لا غنى عنها لبناء الدولة الحديثة.

تجاوز السرد الوصفي للأشخاص نحو صياغة نموذج تفسيري يرى في جيل التأسيس تجسيداً لما يمكن تسميته بـ"نظرية المدارس السيادية"، فالشخصيات هنا ليست مجرد فواعل سياسية تبحث عن السلطة، بل هي "نماذج مثالية" بمفهوم ماكس فيبر، يمثل كل منها وظيفة سيادية وركيزة فلسفية لا غنى عنها لبناء الدولة الحديثة


التفكيك الفلسفي لأعمدة البناء الستة (المدارس السيادية)

لم تكن الدولة العراقية الناشئة بحاجة إلى حكام متشابهين، بل كانت بحاجة إلى منظومة وظائف متكاملة، ويمكن تفكيك الرؤية الفلسفية لجيل التأسيس من خلال ست مدارس أساسية:

انطلق الملك فيصل الأول من وعي مبكر بأن الدولة لا تُفرض بحد السلاح أو بالنصوص القانونية الجافة ما لم يتشكل في عمقها مجتمع يشعر بوحدة المصير، فكانت مدرسة بناء الأمة عنده تتلخص في أن "الدولة الجغرافية" تسبق "الدولة الشعبوية" في العراق، ولذلك ركز على صياغة هوية وطنية جامعة قادرة على صهر التباينات العشائرية والمذهبية والإثنية في بوتقة المواطنة، انطلاقاً من أن المؤسسات كتل خرسانية باردة ما لم تدب فيها روح الأمة.

وفي مسار متوازٍ، مثّل عبد المحسن السعدون مدرسة الشرعية الدستورية والواجب كما قال كانط، والضمير القانوني للدولة الناشئة؛ إذ لم تكن الدستورية عنده ترفاً سياسياً بل كانت الضمانة الأخلاقية لوجود الدولة، مدفوعاً بإيمان عميق بأن الدولة التي تنتهك قوانينها من أجل مكاسب مؤقتة تحكم على نفسها بالفناء، وهو ما جعل صداماته تنبع من نزعة مبدئية ترى في القانون أصل السيادة.

أما جعفر العسكري فقد أسس مدرسة القوة المشروعة والمؤسسية في بيئة إقليمية مضطربة، مدركاً أن احتكار العنف المشروع هو الشرط الأول لبقاء الدولة، عبقرية فلسفية تجلت في أنه لم ينظر إلى الجيش باعتباره أداة للهيمنة أو بديلاً عن السلطة المدنية، بل بوصفه إحدى مؤسسات الدولة الخاضعة للقانون، لتقدم نهايتها تحذيراً مبكراً من خطورة انزلاق أدوات القوة إلى معترك الصراع السياسي.

ومن جانبه، جسد ياسين الهاشمي مدرسة الإدارة المركزية والبيروقراطية القائمة على مفهوم "الدولة الإدارية، حيث آمن بأن هيبة الدولة لا تنبع من الخطابات، بل من كفاءة جهازها التنفيذي وقدرته على بسط النظام، فكانت البيروقراطية عنده هي العمود الفقري الذي يحمي المجتمع من الانزلاق نحو الفوضى البدائية وتُعلي سلطة المؤسسة على الولاءات الفرعية، وفي الديون التي كانت ستستمر دفوعاتها وفوائدها إلى الثمانينات، وسك الدينار العراقي بمتابعة حيدر رستم فأنتج عملة وطنية بدل الروبية الهندية.

وعلى مستوى الجغرافيا السياسية، كان نوري السعيد يقرأ العراق من الخارج إلى الداخل عبر مدرسة الواقعية الاستراتيجية، فلم يكن سؤاله مقيداً بكيفية حكم العراق معزولاً عن العالم، بل بكيفية حماية هذا الكيان الناشئ في بيئة دولية تتصارع فيها الإمبراطوريات، فصاغ فلسفة تقوم على أن الدول الصغيرة تحميها شبكة التحالفات الذكية والموازنات الجيوسياسية المتقنة، لتصبح الدولة عنده وحدة مناورة في نظام دولي معقد لا يرحم الضعفاء.

وبرز جميل المدفعي قائد الميدان ممثلا لجمعية العهد في ثورة تلعفر في 1920، ورجل التهدئة الحكيم ليمثل مدرسة التوازن والاحتواء السياسي وصمام الأمان في لحظات الانسداد؛ فكانت فلسفته تقوم على التسوية والامتصاص والتدخل لمنع تحول التنافس المشروع إلى صراع وجودي صفري، إيماناً منه بأن بقاء الدولة يعتمد على قدرتها على استيعاب التباينات وتدوير الزوايا الحادة، فالحفاظ على الكيان أولى عنده من انتصار أي جبهة سياسية.

القوانين الحاكمة لمعادلة الدولة

بناءً على هذا الاستقراء التاريخي، يمكننا استنباط أربعة قوانين أساسية تشكل الهيكل النظري لـ"نظرية المدارس السيادية":

• القانون الأول (معادلة القوة): قوة الدولة هي حاصل توازن وظائفها السيادية المشتركة، وليست مجموع قوة الحكام الفردية، ويمكن صياغتها رياضياً بأن قوة الدولة تساوي المحصلة بين تلك الوظائف المتكاملة.

• القانون الثاني (قانون الاحتكار والمقايضة الصفرية): كلما تحولت وظيفة سيادية إلى مركز احتكار مطلق، اختل توازن الدولة وتآكلت شرعيتها؛ فإذا طغت مدرسة القوة (الجيش) ماتت الشرعية الدستورية، وإذا طغت مدرسة الواقعية الخارجية (التحالفات) تآكلت الهوية الوطنية والسيادة الداخلية.

• القانون الثالث (قانون الموت السريري للدول): لا تموت الدول برحيل قادتها أو بوفاة رجالها، وإنما تموت عندما تنقطع سلاسل التوريد الفكري للمدارس التي أنشأتها.

• القانون الرابع (عتبة التأسيس الحضاري): تبدأ الحضارة السياسية للدولة عندما تتحول "مدارس الرجال" إلى "مؤسسات مستقلة عن الرجال"، بحيث تصبح الرؤية الفلسفية عقيدة مؤسساتية عابرة للأجيال.

التشخيص الاستقرائي وأزمة الانقطاع التاريخي

فشل العراقيون اللاحقون في تحويل مرحلة التأسيس إلى فلسفة ومأسسة وراحوا يحاكمون المؤسسين وبدل السؤال التأسيسي العظيم: "كيف نشغّل معمل الدولة ونطوره؟"، حل السؤال السلطوي الضيق: "من يسيطر على الإدارة؟"


إن التدقيق الاستقرائي في مسيرة الدولة العراقية يكشف عن حقيقة بنيوية مغيّبة: إن الدولة العراقية قد أُسّست وأُنجزت بالفعل كـ"معمل متكامل" واكتملت خطوط إنتاجه، لم تكن الأزمة يوماً في غياب المخطط أو نقص التروس والمحركات؛ فقد نجح الجيل المؤسس في ضبط إحداثيات الآلة وصياغة وظائفها السيادية، إلا أن المعضلة التاريخية بدأت عندما تحول هذا المعمل المكتمل إلى يد "مدراء تعاقبوا عليه" دون أن يمتلكوا فلسفة التشغيل أو يستوعبوا هندسة البناء.

بدلاً من إدارة المعمل وتشغيله لإنتاج الاستقرار والتنمية، انشغل المدراء الجدد بالصراع على مقعد الإدارة ذاته، ولأنهم لم يدركوا أن القيمة تكمن في توازن التروس وتكاملها، راحوا يفككون أجزاء المعمل قطعة فقطعة؛ فاستُهلكت مؤسسة الجيش في الانقلابات لتلغي الشرعية الدستورية، وجُيشت البيروقراطية لخدمة الولاءات الضيقة لتلتهم كفاءة الإدارة، وحُوّلت السياسة الخارجية إلى أداة للمغامرات أو التبعية المطلقة لتقوض السيادة.

فشل العراقيون اللاحقون في تحويل مرحلة التأسيس إلى فلسفة ومأسسة وراحوا يحاكمون المؤسسين وبدل السؤال التأسيسي العظيم: "كيف نشغّل معمل الدولة ونطوره؟"، حل السؤال السلطوي الضيق: "من يسيطر على الإدارة؟"، فبقيت الجدران والمناصب، وتفككت المحركات الاستراتيجية.

الرؤية الاستشرافية لمستقبل الدولة العراقية

علينا فهم "نظرية المدارس السيادية"، فهي تجربة عراقية، يمكن أن تعيد تشغيل المعمل السيادي، وصياغة عقد اجتماعي جديد؛ ثورة إدارية، رؤية، واستعادة لمفهوم الأمن والحوكمة الرقمية والخدمات طريق الخلاص من ارث المحاصصة الذي عطل الإنتاج وقضى على أدواته، استشراف سياسة خارجية حول نقطة توازن وشبكة مصالح، ووضع آليات كفيلة بامتصاص الأزمات.

السبت، 15 أغسطس 2026

266- الإرادة والمطاولة: فلسفة الوجود ومواجهة القهر في المشكاة النبوية

 

تأمل في حديث نبوي:

الإرادة والمطاولة: فلسفة الوجود ومواجهة القهر في المشكاة النبوية

(اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجَزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَغَلَبَةِ الدَّيْنِ، وَقَهْرِ الرِّجَالِ)

ومضة:

النظر للإرادة بالمفهوم الفلسفي الإسلامي يأخذ الحديث النبوي من سياق التبرك اللفظي إلى مصاف "المنهج الحركي لبناء الإنسان الصامد"، فالإسلام لا يرى في الإنسان كائناً مسلوب الإرادة مسيرا بالحتميات، والا ما معنى الثواب والعقاب بل قبل هذا الحساب وإنما يراه مكلفاً ومسؤولاً، وجعل الحرية في الاختيار والعزيمة شرطاً أساسياً لصحة هذا التكليف، « حتى الدول حين تتحول الديون من أرقام في الموازنة  إلى "شروط هيكلية" تفرضها مؤسسات دولية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، فإنها تنتقل من سياقها المالي الصرف لتصبح أداة قهر وتسلط عابرة للقارات، تسلب المجتمعات سيادتها وتتحكم في تفاصيل حياة المواطن اليومية، وعندما تعجز عن السيطرة على الفساد فهذا قهر الرجال

وهن العاطفة وقهر العجز

تبدأ مأساة الإنسان عندما يعجز عن حماية من يحب، ليس فقط من عوادي الزمن وظلم الآخرين، بل حتى من "نزوات" المحبوب نفسه، إن هذا العجز يمثل ذروة "قهر الرجال"؛ فالقهر ليس سوى تجريد الإنسان من قدرته على الفعل وحرمانه من حق الحماية.

عندما يعجز عن صد عاصفة شعورية تعصف باهله ووطنه وامته، يتحول القهر من ضغط خارجي إلى تآكل داخلي، هنا يولد "العجز والكسل" كمرحلة تالية للقهر، حيث يفقد العقل المحرك الأساسي للمقاومة، ويتحول الكيان الإنساني من فاعل في الكون إلى مفعول به.

الحرية شرط العطاء:

الإنسان المقهور والمكبّل بالديون (سواء كانت ديوناً مالية، أو التزامات خانقة) هو إنسان مسلوب الإرادة، والمصلح أو المواطن الصالح لا يمكنه تقديم النفع لشعبه أو وطنه وهو يعيش حالة "العجز والكسل"، التعوذ هنا رفض واعي للمظاهر التي تحوّل الإنسان الإيجابي إلى عنصر خامل ومستهلك، "وأعوذ بك من "قهر الرجال" هي في جوهرها استعاذة من وضع يُسلب فيه الإنسان حريته لأن القهر يعطل فاعلية التكليف ويجعل المرء عاجزاً عن الوفاء بمسؤولياته تجاه ربه، ونفسه، وأمته، وهي إشارة لاتباع الآليات علمها الله لعباده وجعلها من سنن الكون في التدافع وليس آليات إبليس والخنوع التي مسارها إلى غضب الله.

أن استعباد الدول من قوى أكبر منها وإجبارها على الخضوع، وبدل تحقيق الرفاهية للشعب تذهب إلى استعباده بعجزه أمامها وأمام نفسه كما عجز الدولة أما غيرها، وكسلها عن المواجهة يجعلها تفرض عليه فوق طاقته كما فرض عليها فوق طاقتها، فتغلبه الديون كما غلبتها الديون، لكن المواطن وهو عاجز في كل هذا واقعا تحت قهر الرجال إجبارا، وتقع الدولة في قهر الرجال اختيارا، وهذا أشد مما استعاذ منه رسول الله(ص).

فخ "الهموم" مقابل واقعية "العقبات"

تتشكل جغرافيا النفس البشرية بناءً على طريقة رؤيتها للحياة؛ فحين يتعامل الإنسان مع الدنيا بوصفها كتلة صماء من "الهم والمشاكل"، فإنه يحكم على إرادته بالضمور، الاستسلام لفكرة أن المشكلة هي "قدر دائم" يحوّلها سيكولوجياً إلى "همّ مقيم" يورث "الحزن" وتمثيل الرضا

أما القراءة الواعية، فتقتضي تحويل "المشاكل" إلى "عقبات"، الفرق بين الإثنين أن الهم مستنقع يغرق فيه المرء، أما العقبة فهي جدار صُنع ليُتسلق أو يُهدم، إدراك الدنيا كمسار مليء بالمنعطفات والعقبات يمنح النفس مرونة مجابهة القهر، فالألم في هذا السياق يصبح ثمناً مستحقاً للعبور، وليس سياجاً يمنع الحركة.

المطاولة والديون الوجودية

الحياة في جوهرها ليست سباق سرعة، بل هي "معركة مطاولة" تحتاج إلى نَفَس طويل وإرادة صلبة لاجتياز الأزمات أو تسديد "الديون"، وهنا يتسع مفهوم "الدَيْن" في الفلسفة النبوية ليتجاوز معناه المادي الضيق (المال) إلى أبعاد وجودية وأخلاقية شاملة.

الديون أنواع، وأثقلها هي الديون غير المرئية:

  • الدين تجاه الوطن والشعب: وهو الالتزام الأخلاقي والتاريخي بتقديم النفع، وحماية الهوية، والمساهمة في البناء.
  • الدين تجاه الذات: وهو السعي لتطويرها وعدم الخضوع لجهلها أو كسلها.
  • الدين تجاه الآخرين: وهو الوفاء بالوعود والمشاعر والمسؤوليات الاجتماعية.

إن تراكم ما يحتاج تسديداً (بسبب الجبن أو البخل أو التقاعس) هو ما يؤدي في النهاية إلى "ضلع الدَين" – أي انحناء الظهر وثقل النفس ــــــــــــ وعندما تنحني النفس تحت وطأة تقصيرها، تصبح لقمة سائغة وتغلب عاجزة مقهورة فتبدو كتسلط الظرف وهو ما يحصل فعلا كأحد الحالات حتى مع العامل الجاد المكافح والصادق في المجتمعات المتخلفة الغاطسة بالفوضى

خاتمة: العبور بالإرادة

إن الحديث الشريف لا يقدم مجرد استعاذة لفظية، بل يضع خريطة طريق تحذيرية؛ إنه ينبهنا إلى أن الضعف يبدأ من الداخل (الهم والحزن)، لينعكس على الجسد والسلوك (العجز والكسل)، فيثمر تراجعاً عن المواجهة (الجبن والبخل)، لينتهي الإنسان عبداً لظروفه وللآخرين (غلبة الدين وقهر الرجال).

المخرج الفلسفي والعملي يكمن في "الإرادة والمطاولة"؛ فالإنسان لكي يحمي من يحب، ولكي يفي بدينه تجاه وطنه وشعبه، عليه أن يمتلك الشجاعة لتحويل مشاكله إلى عقبات، وأن يدرك أن تسديد ديونه الوجودية هو السبيل الوحيد للتحرر من قهر الدنيا وغلبة الرجال.

272 - السؤال الخطأ وصفة لانهيار البلاد

 رابط المصدر غربي 21 سأل أفلاطون: كيف تجعلون هذا الخط أقصر دون أن تلمسوه أو تمحوا منه شيئاً؟ وكان قد رسم خطا مستقيما، سكت الجميع ليجيب أرسطو...

يقظة فكرgoogle-site-verification: google25f7d3ebc2fdac29.html