https://m-salihalbdrany.blogspot.com/ فكــــــر اليقظـــــــة Mindfulnesshttps://m-salihalbdrany.blogspot.com/

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 20 مارس 2026

233 - ذات الواح ودســـــــــــــــــــــر (معالجة جديدة)

 رابط عربي 21

صحراء الفكر:

وصل نوح عليه السلام منتهى الفاعلية، كانت استشرافا وليس إحباطا وهروبا.. نوح يمثل أي داعية في عصرنا لا وسيلة عنده إلا إخلاص الدعوة، والمحبة والصبر على التسفيه والاستهزاء. ولعلنا اليوم نحس بهذا من أناس لا يحاولون أن يفكروا، واعتبروا الثبات على الجهل والجهالة تنويرا فكريا، لا يريدون التقدم خطوة إلى الله، وشغلتهم بهرجة الحياة فلا يرون شعاع محبة نوح العصر لهم، في صحراء الأفكار وسيادة التفاهة والنفاق؛ من أجل مصالح ضيقة يتحولون إلى مسوخ، ومع وعلو الفاسدين وفقر الصالحين!

سنخشى الفتنة على أنفسنا والقلة القليلة التي تحاول استنبات الأرض، بل الفاسدون يتكاثرون ويتوالدون وما أكثر من كان على مسار صحيح لينحرف إلى ما لا يرضي الله؛ إما تطرفا وعدوانا أو وكالة لم تُعطَ له فكان مجرما ونموذجا سيئا يصد عن سبيل الله بجهله، أو في التبديد والاسترخاء، أو بشتى ما نرى من سبل في الابتعاد عن الرأي السديد، إنها مرحلة الضلال التي تحتاج إلى سفينة النجاة، سفينة ليست بلا تخطيط أو فكر رشيد، وإنما ببناء محكم سفينة ذات الواح ودسر.

الركوب في السفينة:

في السفينة آدمي عاقل، وحيوانات هي سلسلة غذائية لبعضها، لكنها تعبر عن الحياة الجديدة والبناء الإيجابي الذي يحتفظ بديمومة الخليقة، وإلا فالله قادر على خلق جديد


ليس كل الناس يركبون هذه السفينة، إنها سفينة الفهم والعلم، وأرقى المشاعر من الإحساس الذي يجمع الحب والتقوى والعمل الإيجابي يرتحل بفكرة إنشاء مجتمع جديد بعد أن تمخر بين أمواج كالجبال.. حين تركب السفينة ما تزال الصحراء تسف برمالها على وجهك، ما زال السفهاء يستهزئون بك، ما زالت الحياة مطلوب منك حفظها، ما زال حبك لهؤلاء القوم والأمل موجود.

السفينة وطن أمة التجديد:

السفينة اليوم هي نسب ورحم القيم العليا.. الله فتح لك وعلمك بناء السفينة وتحصينها وتوزيع غرفها ونشر السلام بضبط الغرائز، وهذّب المؤثرات، ففي السفينة آدمي عاقل، وحيوانات هي سلسلة غذائية لبعضها، لكنها تعبر عن الحياة الجديدة والبناء الإيجابي الذي يحتفظ بديمومة الخليقة، وإلا فالله قادر على خلق جديد.

وأنت تبحر بعقيدتك تذكر ديمومة الخليقة، فليست النجاة من القهر والاضطهاد والغربة بين الأهل أو من الموت هي النجاة بالنفس أو بمن يشبهك، وإنما النجاة بالحياة ككل وعندها سيزهق الباطل والشر متى أذِنَ الله وفار التنور. والتنور كناية تقبل التفسير أن الأمور تحدث من حيث أضدادها، لقد انبعث الماء من كل مكان وجاء من مكان النار؛ هنا الموازين تغيرت والإنذار بالإعصار، وحينما تكون في السفينة فأنت ذا ثقة عالية أنها صامدة وآمنة.

إنه عمل غير صالح:

في مشهد نوح وابنه درس للجميع، فليس أعز من الولد إلا الحفيد أو السبط، لم يك ابن نوح مؤمنا، وذاك لعمري ألم كبير للدعاة عندما يشذ أبناؤهم أو من خاصتهم عن الدعوة ويخرجون إلى الفتنة مهما كانت أشكالها، ألم لا يمكن أن يوصف إلا أن يخففه الله باليقين، أما وقد بلغت اليقين تبقى الأبوّة غريزة، ليس من أمل أن تهدي لي ابني هذا، لقد نسيت يا نوح أنك وما تفعل آية لغيرك، نسيت أيها الداعية أنك تُختبر كغيرك ولست بدعا من القول، ونسيت أن خيار من شذ عنك سيخاف سفينة من خشب ترتفع وارتفاع الموج وتنخفض بشدة انخفاض الموج، فتقول ليته معنا، لكنه ليس معك فهو لا يثق بالألواح والدسر وإنما بالجبل المستقر؛ إنه عمل غير صالح، إنه ترجم ثقتك بالله وتواضعك جنونا، فابنك هو من معك، أما هذا فلا ينتسب إليك في الحياة الجديدة، إنه لا يصلح لبناء المستقبل، "يا بني اركب معنا"، لن يثق بما تقاذفته الأمواج، فهذا لا يؤمن بمن صممها ومن نفذها ولا يفهم ما يعني الماء.. "سآوي" إلى الجهة القوية والأرض الصلبة فأنت تتخيل النجاة، لكن الرأفة في قلب الداعية لا تضعف، 

اختبار الحرمان لا يعرفه إلا من عاناه ولا مكافأة على الصمود معه إلا ما عند الله؛ عندما ينسى العامل المتمكن أن يعين أخاه المحروم ويكتفي بانتقاده إن انحرف

فالبشر ضعيف أمام عواطفه، ضعيف حتى في ندمه على أخطائه وتوجهه إلى الصواب، ضعيف أمام من يحب، والله أرحم وأكرم، ولن يريك الله ما تكره فيمن تضعف أمام عاطفتك نحوه، لن يريك ابنا أو حفيدا وأنت في محنة، بل سيرأف بك كما أمر الموج أن يحيل بينه وبين مشهد غرق ابنه وهو متحفز العواطف.. إن ربا يضع التفاصيل حكيم فلا تخف.

فلا تهنوا..

إن من الدعاة والمؤمنين من يركب السفينة ويبقى ينظر إلى الجبل فيراه الأقوى والأمتن.. المال والجاه والقوة بيد الفاسد وهو في اختبار صبر، وقد يخرج من السفينة متجها إلى قمة جبل قريب يرى عليها من التجأ إليها من أهله أو معارفه؛ لعله يحس بالأمان من رعب الأمواج المتلاطمة والتي تعبث بالسفينة ثم لا يرى سفينته تستوي على الجودي.. اختبار الحرمان لا يعرفه إلا من عاناه ولا مكافأة على الصمود معه إلا ما عند الله؛ عندما ينسى العامل المتمكن أن يعين أخاه المحروم ويكتفي بانتقاده إن انحرف.

إن الثقة ليس بقائد ولا بوسيلة ولا بسفينة وإنما الثقة بالله هي الأساس، وإن قصر تجاهك حتى كل من تعرف أنه يملك الحبل فلا يمده ليعيدك ويترجاك أن تنبذ نزوتك؛ فاعلم أن الله جعل للصابرين المحتسبين المتمسكين الدؤوبين بابا لا ينازعهم عليه أحد وهم يدخلون إلى الجنة.

وبشر الصابرين حين ترسو على الجودي وتعود الحياة كما كانت لتعود الانقسامات إلى الخير والشر، فليس الأمر في انتصار حاسم لأحد القطبين، وإنما هو امتحان لمنظومتنا العقلية وكيف تفرق أين الصواب؛ أهو في ذات الألواح والدسر التي تلعب بها أمواج كالجبال، أم على جبال غرقى تبدو ثابتة وآمنة؟

السبت، 14 مارس 2026

232- سورة الكهف فلسفة تكامل العقيدة

 رابط عربي 21

تقرير مستقبل لا سردية مضت

ليست سورة الكهف سردا وعظيا عن فتنٍ قديمة، بل بيانا مكثفا في سؤال معاصر جدا: ما الذي يبقى حين تتغير كل المعايير؟ وهي لا تروي قصصا تاريخية فحسب، بل تقدم إطارا فلسفيا متكاملا يصحح العقيدة، ومنهج النظر، والقيم بميزان التوحيد، دلالة وعظة على مراحل الارتقاء من الضعف إلى التمكين وتشرح معنى التمكين.

العالم من حولنا يقيس النجاح بالكثرة: كثرة المال، النفوذ، المتابعين، كثرة التفسيرات، والسورة، بهدوء حاسم، تقترح معيارا مختلفا تماما: ليس ما تملك، بل ما تصمد به، إنها لا تحذر من الفتنة بقدر ما تعيد تعريف الإنسان أمامها وتطرح الأسئلة العصرية:

- هل الحقيقة تُقاس بالأغلبية أم بالثبات؟ أهل الكهف = استبداد ضد الهوية الحقيقية.. في فتنة الهوية: هل تختار الأمان أم المعنى؟

- هل المال دليل استحقاق؟ صاحب الجنتين = الرأسمالية بوصفها وعدا زائفا بالرفاهية.. في فتنة المال: هل تختار الامتلاك أم الامتنان؟

- هل المعرفة مبرر للغموض الأخلاقي؟ موسى والخضر = أزمة الثقة بين التأني عقلا والاستعجال.. في فتنة المعرفة: هل تختار التعجل أم التواضع؟

- هل السلطة إصلاح أم إفساد مقنّع؟ ذو القرنين = سؤال الدولة العادلة.. في فتنة السلطة: هل تختار السيطرة أم العدل؟

1. الانسحاب شجاعة أحيانا

قصة الفتية ليست تمجيدا للهروب، بل تفكيكا لفكرة البطولة السائدة؛ البطولة في المخيال العام مواجهةٌ مباشرة، صدامٌ صاخب، حضورٌ في الساحة، لكن السورة تطرح احتمالا آخر: ماذا لو كان أعظم انتصار هو أن تمنع العالم من إعادة تشكيلك؟

الفتية لم يغيروا السلطة، ولم يسقطوا نظاما، ولم يخوضوا معركة سياسية، فعلوا شيئا أبسط وأصعب: رفضوا أن يعيد الخارج تعريف داخلهم، لكنهم علموا أن وعد الله حق، وقد يكون الاعتزال ملاذا من الفتن في زمن تضغط فيه البيئة على الفرد ليذوب في القالب العام، وتكون حماية الهوية فعل مقاومة، ليس الانسحاب دائما ضعفا؛ أحيانا يكون حفاظا على المعنى من التآكل البطيء.

القيمة هنا واضحة: المساومة على العقيدة هزيمة، والنجاة باعتزال ما يجعلك تثلمها.

2. هل التملك هوية

صاحب الجنتين لم يُخطئ لأنه غني، الخطأ بدأ عندما اعتبر الغنى تفسيرا لذاته، تحولت الجنتان من نعمة إلى برهان استحقاق، ومن وسيلة إلى تعريف للوجود.

هذه آلية نفسية تتكرر في كل عصر: نربط قيمتنا بما نملك، الشهادة تصبح قيمة، المنصب يصبح قيمة، الرصيد يصبح قيمة، ومع الوقت، لا نعود نرى أنفسنا إلا عبر ما بأيدينا، القيمة الفلسفية:

- نقد المادية: المال والولد زينة الدنيا الزائلة: "مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ". القيمة الحقيقية ليست في الملكية، بل في التوحيد والعمل الصالح.

- الأخلاقيات: الغرور يؤدي إلى السقوط؛ التواضع والشكر هما أساس السعادة الحقيقية.

- التطبيق: فلسفة "الأخسرين أعمالا" (الآية 103-104): من يحسب أنه يحسن صنعا وهو في ضلال.

إن المعطيات لا تَعِدُ بالثبات، وحين ينهار الخارج، ينهار معه البناء الداخلي إذا كان قائما عليه.

السقوط في القصة ليس مجرد خسارة مادية، بل انهيار وهْم؛ وهم أن الوفرة ضمان، والسورة تذكّرنا بحقيقة قاسية: ما يُبنى على الوهم ينهار، ليس لأنه يفقد المتعة بل لأنه يفقد الامتداد والقيمة المضافة للآدمية، القيمة البديلة ليست الفقر، بل التحرر من الارتهان، أن تملك الشيء دون أن يملكك.

3. لغتان لصالِحَين:

في قصة موسى والرجل الصالح، تتجلى لحظة توتر معرفي عميقة؛ أفعال تبدو غير مبررة: سفينة تُخرق، غلام يُقتل، جدار يُقام بلا مقابل. الاعتراض هنا طبيعي، بل ضروري، فوفق الشريعة أو القانون التي تعنى بمسار الحياة بين الناس، فهذا مستغرب من رجل صالح، يعمل في فضاء آخر وبمعان، أخرى بيد أنه درس للقائد بأن يكون متأنيا. القيمة هنا ليست الجهل، بل التواضع المعرفي، أن تدرك أن زاوية رؤيتك ليست المشهد كله.

4. حين تُختبر القوة

ذو القرنين نموذج لسلطة لا تتضخم بذاتها؛ لا تريد علوّا في الأرض ولا فسادا.. تمكينٌ واسع، حركةٌ في الأرض، قدرةٌ على البناء والمنع، ومع ذلك، لا يتحول الإنجاز إلى أسطورة شخصية.

القوة في حد ذاتها آليه لهدف الذي يحدد معناها هو اتجاهها، يمكن أن تكون وسيلة قهر، ويمكن أن تكون أداة حماية، الفارق ليس في مقدار النفوذ، بل في الغاية التي يخدمها.

في عالم تميل فيه السلطة إلى صناعة مجدها الخاص، يقدّم هذا النموذج تصورا مختلفا: القيمة ليست في السيطرة، بل في منع الفساد وحماية الضعيف، التمكين امتحان، لا مكافأة، ليس هو إيعاز بظلم واستبداد كما يحصل في واقعنا بسيطرة الروابط الهابطة والأنانية.

القيمة الفلسفية:

- فلسفة السياسة والأخلاق: السلطة نعمة إلهية مشروطة بالتوحيد والعدل؛ "مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ"، فالقوة لا تُستخدم للطغيان بل للإصلاح والدفاع عن الضعفاء.

- اعلم الوجود: كل "سبب" (وسيلة) في الدنيا محدود، والحقيقة في الآخرة.

- التطبيق: نموذج للقائد الفاضل المطلوب في عصرنا: يجمع بين القوة والرحمة دون استكبار.

إعادة ترتيب المعايير

عند تأمّل القصص الأربع معا، يظهر خيط واحد يجمعها: كل فتنة تعيد طرح سؤال القيمة.

السورة لا تهاجم العالم، لكنها ترفض أن تجعل منه معيارا نهائيا؛ النجاح، وفق هذا المنظور، ليس أن تتفوق في شروط اللحظة، بل أن تعرف معنى إنك تحسن صنعا.

قد تخسر موقعا، وقد تخسر مالا، وقد تخسر تفسيرا كنت واثقا منه، لكن الخسارة الحقيقية تبدأ عندما تخسر المبدأ الذي كنت تقيس به كل ذلك.

خاتمة: ما الذي يبقى؟

الفتنة ليست استثناء في التجربة الإنسانية؛ إنها القاعدة. ستُختبر في هويتك، وفي ممتلكاتك، وفي أفكارك، وفي سلطتك إن امتلكتها، والسؤال لن يكون: ماذا حققت؟ بل: ماذا حافظت عليه؟

سورة الكهف، في جوهرها، ليست قصة عن الماضي، إنها تذكير بأن القيمة لا تُقاس بتصفيق الناس، بل بما تستطيع أن تدافع عنه حين يتغير التصفيق.

يبقى السؤال لك وحدك: عندما تتعارض المصلحة مع المعنى، أيهما ستعتبر خسارته أقل ألما؟

السبت، 7 مارس 2026

231 - يا يحيى خذ الكتاب بقوة

 رابط عربي 21


ومضة المقال:

ليس حفيدي (من ابنتي) يحيى، الذي عمره شهر الآن، هو دافعي لكتابة هذا المقال، وإن كان اسمه تيمنا بيحيى، أو من يسميه المسيحيون "يوحنا المعمدان".. حنان من الله معنى اسمه والقرآن قال "وَحَنَانا مِّن لَّدُنَّا"، وهنا كان الدافع لكتابة هذا المقال إذ صوّب يحيى عليه السلام معانيَ كثيرة في سلوكه، كمعنى الحنان، والقوة، والفعل المضارع في قوله تعالى "يَوْمَ يَمُوتُ".. معجزتان في الخلق أنهتا بني إسرائيل من النبوة في النسل، هما ابنا الخالة يحيى ابن اليصابات وزكريا، وعيسى بن مريم كلمة الله "كُن فَيَكُونُ". عندما تنظر إلى سيرتهما تسأل: ما الرسالة التي أُرسلت عن طريق يحيى وما الرسالة التي أرسلت عن طريق المسيح؟ نبي ورسول أتيا إلى قوم فقُتل يحيى، ورُفع المسيح (أو صلب وفق السردية المسيحية وهذا ليس بحثنا هنا)، لكن الفكرة أن ما وصل إليه القوم من الفساد بما لا يمكن إصلاحه، ما أشبه أقوام اليوم -وليس الصهاينة وحدهم- وفسادهم في المنطقة ببني إسرائيل، وإدارة الجميع من روما حيث قيصر الأحمر واليوم حيث سرديات بتهمة الخرافة تتشاتم بها عناصر التطرف ممن في الحكم أو خارجه.

من يحيى عليه السلام:

لن أدخل في سردية معروفة، لكن نبي الله يحيى رسالته أتت معه، وهو صبي صغير تمكن من العلم بالتوراة وجوامعها، "خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ"، القوة في واقعنا اليوم تعني الجبروت والفساد ليتمكن الفساد من المجتمع، بيد أن القوة التي عرفها يحيى هي قوة المعرفة وقوة الخطاب والصمود على المبدأ، وأما الحكم فهو ليس السلطة وإنما السلطة هي الإلمام المعرفي. الحكم يعني إحكام الفهم سواء في الشريعة أو الدولة، أي فهم الشريعة قبل تفسيرها والبت فيها، وفهم البيئة والأمة وحاجاتها وكيفية سياستها قبل السلطة أو الاستبداد والدخول في دوار الظلم الذي يخرج الآدمية عن رسالتها.

يوحنا المعمدان معجزةٌ تحمل رسالة بدمها:

سأل زكريا ربه أن ينجب ولدا يرث علمه ورسالة حملها آل يعقوب، رسالة موسى التي انشغل عنها رجال الدين وتحول الهيكل إلى مكان للمضاربات والصيارفة ومعاملات التجارة، وانتشر فساد الدنيا فلم يعد أحد يؤتمن على الرسالة من زكريا فأراد عليما بها قادرا على إدارتها، هذا فهم زكريا، لكن الله أراد رفع الرسالة عن قوم فقدوا أهلية حمل الرسالة، وأقام عليهم الحجة عندما أهدروا دم نبي معجزة، حامل للشريعة وصارم على ما يخالفها؛ حدث -إن صحت رواية التاريخ- يتكرر كل زمان، فيصبح المصلحون على مذبح هيرودس وبغواية التفاهة، فما انفكت سالومي تُعجب هيرودس في عصرنا برقصتها وتطلب رأس يحيى على طبق، فترى السجون تبلي عمر المصلحين وكراسي السلطة للتافهين.

القرآن يقول: "وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيا" (مريم: 15)، لقد جاء القرآن بالفعل المضارع، وما أراه أن حالة يحيى في الموت بالمضارع وولادته بالماضي تدل على استمرار ولادة المصلحين، مع تكرار قهر الاستبداد والتفاهة والجهل للعلم والمعرفة حينما يضيق صدر التافهين بكلمة الحق على مدى العصور، فما برح إلى اليوم يُضطهد يحيى ويقدم رأسه على طبق لإرضاء التفاهة، وأمسى الفساد الكبير يسود العالم، لكنه مقهور مهزوم.

يحيى والمسيح عليهما الصلاة والسلام دليل إثبات:

الاثنان عملا لنفس الهدف، عالم ومن طفولته ابن نبي، والنبي من تحدثه السماء، ثم حفيد عمران من ابنته بكن فيكون، ومعاداة الناس لهما كان دليلا كافيا على انعدام الإصلاح، وأصبح الدين من وسائل الخداع والتسلط والطغيان والاستبداد على الأتباع، فكان بقتل يحيى قتل للعلم والشريعة، ومع المسيح كانت محاولة قتل الصلة بالله، فكانت أمة مختارة ليرى الناس الفساد والطغيان وما يحل بهما، ولتنقل الرسالة إلى فرع إسماعيل فيأتي الإسلام والنبي الخاتم حاملا كتابا يحمل شريعة سمحاء، وفيه الفرقان الذي يفصل بين الحق والباطل. والحكمة التي تنظر إلى الواقع استقراء له، فليُستنبط من الكتاب ما يحل به مشاكل الأمة ذاك الذي يصلح لكل زمان ومكان عندما يقوم تقوم فكرة يحيى والمسيح، وعندما يتراجع الناس إلى التفاهة والفساد يقفون إلى صف من ظن أنه أعدم الرسول.

السبت، 28 فبراير 2026

230 - السفور والحجاب مقاربة تاريخية - فلسفية فكرية

 رابط عربي 21


الصورة مركبة بالذكاء الاصطناعي ومن الارشيف الحقيقي

السفور والحجاب بين التاريخ والدين والتحليل النفسي

لم يكن الغرب دائما كما نراه اليوم، فصورة المرأة الأوروبية السافرة التي أصبحت رمزا للحداثة لم تكن هي الصورة السائدة قبل قرن واحد فقط؛ التحول لم يكن فجائيا، بل كان نتيجة اعتماد نظريات كنظرية فرويد النفسية، وعوامل (الاقتصاد، الفلسفة، السياسة.. الخ).

أولا: الغرب قبل السفور: حتى بدايات القرن العشرين، كانت النساء في أوروبا وأمريكا يغطين رؤوسهن ويرتدين ملابس فضفاضة في المجال العام، خصوصا داخل الكنائس والأماكن الرسمية، والصور الفوتوغرافية من العصر الفيكتوري ومن بدايات القرن الماضي تُظهر ذلك بوضوح.

لم يكن هذا الغطاء بدافع الإسلام من حيث المفهوم الفقهي، لكنه كان تعبيرا عن الاحتشام الاجتماعي وكشف الرأس كان يُعد خروجا عن الذوق العام والحشمة والعفة، ولعل الحجاب المشابه للمسلمين كان نتيجة التقليد للأندلس كما قلد الغرب بداية بملابس "كوستم" (Costume) الذي كان يطلق على السترة والتنورة أو البنطلون (الشروال) لاحقا. إذن الفكرة القائلة إن السفور هو "الوضع الطبيعي" الغربي فكرة حديثة نسبيا.

ثانيا: (فرويد 6 أيار/ مايو 1856 -23 أيلول/ سبتمبر 1939)

إعادة تعريف الكبت، والتحول الفكري العميق ارتبط بصعود التحليل النفسي، خاصة أفكار سيغموند فرويد، أبرز أفكاره:

* الإنسان تحركه دوافع لا واعية.

* الكبت الجنسي يولّد اضطرابات.

* التحرر من الكبت يؤدي إلى توازن نفسي.

لم يدعُ فرويد صراحة إلى السفور، لكنه غيّر مفهوم الرغبة والجسد، فلم يعد ضبط الجسد فضيلة أخلاقية بالضرورة، بل أصبح يمكن أن يُفسر كقمع نفسي. ثم جاء تلاميذه، مثل ويلهلم رايش الذي ربط بين التحرر الجنسي والتحرر السياسي، معتبرا أن المجتمعات المحافظة تنتج أنظمة استبدادية، فأخذ الجسد يتحول من مجال أخلاقي إلى مجال سياسي.

ثالثا: التحول الكبير بعد الحربين العالميتين بعد الحرب العالمية الأولى ثم الثانية، حيث أُعيد تعريف الجسد ودوره في المجال العام. فقد حدثت تحولات جذرية، أنشأت بيئة للتبرير لنظرية فرويد مثلا ومن تبعه بها:

* دخول المرأة بقوة إلى سوق العمل.

* تراجع سلطة الكنيسة وتغير بنية الأسرة التقليدية.

* صعود الإعلام الجماهيري..

رابعا: الرأسمالية وصناعة الجسد: مع صعود الإعلام والسينما، خاصة في بيئة مثل هوليوود، أصبح الجسد أداة تسويق. الرأسمالية تحتاج إلى إثارة الرغبة لبيع المنتجات؛ الإعلانات، والموضة، صناعة التجميل.. كلها استفادت من كشف الجسد أكثر من ستره، فالجسد لم يعد فقط تعبيرا شخصيا، بل أصبح عنصرا اقتصاديا، وهو أمر لا تقصده أي سافرة تقليدا في مجتمعنا.

خامسا: من فرض الستر إلى فرض الكشف: المفارقة أن بعض الدول الغربية التي كانت تعتبر الحجاب عرفا اجتماعيا أصبحت تمنعه اليوم باسم الحرية والعلمانية؛ الغرب انتقل من الحجاب إلى السفور باسم الحرية، اليوم بعض دوله تمنع الحجاب باسم الحرية نفسها، ومثال لها قوانين منع النقاب في فرنسا.

* المبدأ تغير: من فرض الستر إلى فرض الكشف، وكلاهما تدخل في حرية الجسد، وفق معايير الليبرالية، فالتعبير الجسدي شكل من أشكال الحرية كما عرفت الحرية.

* الرغبة ليست شيئا يجب ضبطه بل إدارته، وهنا لا تعني الفاحشة شيئا، وإنما هي متعة كيف تمارسها.

هل الحجاب يمنع التقدم؟

لا يوجد دليل علمي يربط بين الحجاب والتخلف الحضاري؛ التقدم مرتبط بالتعليم، والحكم الرشيد، والبحث العلمي، والاستقرار السياسي، والدول التي تعاني ليست متأخرة بسبب الحجاب، بل بسبب اختلالات بنيوية أعمق، فدول كثيرة فيها محجبات طبيبات ومهندسات وأكاديميات.

سادسا: مفهوم الحجاب في الفقه الإسلامي: في الفقه الإسلامي، الحجاب ليس مجرد تقليد ثقافي، بل حكم شرعي، الآيات الأساسية:

- "وليضربن بخمرهن على جيوبهن" (النور: 31).

- "يدنين عليهن من جلابيبهن" (الأحزاب: 59).

فالثابت من الفقه: أن ستر الجسد "عدا الوجه والكفين" فرض، وهو من العلاقة مع الله والمجتمع.

سابعا: طاعة الله في الإسلام مقابل الحرية الجسدية في الحداثة هنا جوهر الخلاف الفلسفي: في الرؤية الإسلامية أن المرأة هي بنيان المجتمع، والإحسان في تربيتها فيه رضا الله والجنة، وأنها ليست سلعة أو جسدا لمتعة الرجل، بل الاثنان في مهمة بناء الأسرة وإدامة السلالة ورابط مهم في إدارة العنصر الأول في المجتمع. الرغبة وجدت غريزة من أجل إدامة السلالة، أي المتعة كعامل ديمومة للعلاقة، فليس جسدها موضع نقاش، أما الأقوال الفقهية في التعريف بكلمة عورة وغيرها فهي كلمات ليست مقدسة في التعبير يمكن الاستعاضة عنها لأن الجسد سواء للرجل وفق التعريف أو المرأة فيه أماكن لا تظهر للناس، والمرأة لا تُظهر ما يثير غريزة الرجل كي يتعامل معها ككينونة بشرية وليس من نظرة ذكورية، وهذا يحصل في مجتمعنا مهما غلف بصفة الكياسة والندية.

الأمر لا يتعلق بالعفة وحدها وإن كانت كقيمة اجتماعية، بل يتعلق بموقف المرأة، أما الجانب الذكوري الذي لا تقابله الأنوثة عند المرأة بدقة، فالمرأة السليمة النفسية ليست تتعامل مع الذكورة عند الرجال فهي لا ترى إلا رجلا واحدا في هذا الاتجاه، وهذه ميزة الأنوثة، الرجل حتما غير ذلك ولكل قاعدة شواذ.

في الرؤية الحداثية الغربية:

* الغرب لم يكن دائما سافرا، بل هو حديث في السفور

* التحول ارتبط بعوامل نفسية، الاقتصاد الرأسمالي، وصعود الفردانية.

* أفكار فرويد ساهمت في إعادة تعريف الكبت والحرية.

في الإسلام:

المسألة إذن ليست ملابس ومظهر، إنه صراع بين تصورين للإنسان، هي علاقة مع الله لا بد أن تتوازن؛ لا تتحجب المرأة إلا إرضاء لربها وإجبارها هو إجبارها على النفاق، فلتنظر كل سيدة أو فتاة، هل تحب أن يرضى عنها الله عندها ستتصرف بشكل والتزام لا يطيق مثله الرجال. المرأة العفيفة ليس الحجاب معيارها وإن كان من العفة، لكن الحجاب هو طاعة لخالق الكون.



السبت، 21 فبراير 2026

229 - إنك لا تهدي من احببت

عربي 21


الحب منطلق رغبة الخير:

دون شك، إن الحب دافع كبير لأن يكون من تحبه على صواب أو يسلك طريقا يكون فيها آمنا للوصول إلى رضا الله، فأنت لا تريد أن تقف أمام رأيه عنوة، ولا أن تنتقد، وإنما تريد الأمن والسلام له، وهذه الحالة تظهر عندما يحب إنسان من لا يوافق فهم إيمانه، فالحب إحساس إنساني فيه عاطفة وفكر، لهذا تجد أن هنالك رغبة للنصح، والنصح غالبا لا يفيد وأنت باخع نفسك ترشد إلى الوسائل والسبل التي يصل بها من لا يريد أن يتحرك إلى حيث ترى أنه أمانه، بل هو مطمئن يشبع فعله هواه وأنت ترى أن ما يفعله مسألة تضيع فرصته في الخلود برضا الله، كذلك كان عم الرسول الذي تربى عنده وكان يحبه.

بيد أن الآية هي للعموم، فالله من هدى الرسول وهو من يضع الهداية في الاختيار بمعنى العطاء. ربما يفهم قارئ أن الله يهدي والله يحجب الهداية، في هذا المعنى يمكن أن تأتي لحالات بعلم الله، لكن معنى الهداية هو من يفسر الآية بشكل صحيح، وآيات أخرى تفسر معنى الحب بشكل واضح، وأن الرسول كان مكلفا بمهمة وسعى لأن يوصل رسالته إلى أكبر عدد يمكن يمهد له الطريق ويحثه عليه، وليس فقط يهديه، أي يرشده إلى الفكرة والاستنارة، هنا ينبه اللهُ رسولَه، أنها ليست مهمتك وإنما مهمتك أن تأخذ ما هداك الله إليه وأوضحه ليتضح إلى الناس كافة وهو به الهدي إلى الطريق القويم، وهذا لا يأتي بلا استعداد وجهوزية. 

هداية الدعاة إرشاد، فقط التبليغ بما يعلمون، لا يجبرون أحدا ولا يحكمون عليه. هو نوع من تفعيل المنظومة العقلية، أي تزويدها بالمعلومة، فمن الناس من يصم أذنه أو يضيق صدره إن سمع ما يخالف هواه، ومهما كنت تحبه فهو لن يصغي لك

والجهوزية هي الإيمان؛ "ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدى لِلْمُتَّقِينَ". هذه الآية توضح معنى الله يهدي من يشاء، أي من عنده استعداد ليوازن هواه فلا يطغيه ويستحضر التقوى فتسهل المعرفة والبيان والهدي أي الإرشاد، فهو مع الله مباشرة ومن شرح الله صدره للفهم فقد أوصله قمة الهدي والجهوزية.

الهداية:

هداية الدعاة إرشاد، فقط التبليغ بما يعلمون، لا يجبرون أحدا ولا يحكمون عليه. هو نوع من تفعيل المنظومة العقلية، أي تزويدها بالمعلومة، فمن الناس من يصم أذنه أو يضيق صدره إن سمع ما يخالف هواه، ومهما كنت تحبه فهو لن يصغي لك، ومهما كان يحبك فهو يتمنى أن لا تعيد عليه نصحك، هذا يعرف الحق ولا يريد اتباعه، فيقول إن الله لم يأمر بهذا وإنما استحسنه، أو أنه مستحب وليس فرضا، أو أنا لا أبدو جميلة بلا تبرج أو حجاب، أو أنا أفقد متعة الحياة إن لم أذهب إلى الحفلات والملاهي، أنا سأسجن فكري في قناعات دينية وأحكام.. مهما أحببت هذا الإنسان أو أحبك فلست هاديا له بأكثر من معنى التذكير، فإن زدت فقد فرصة أن تكون قربه ساعة تعمل منظومته العقلية فتدور المعلومة فيوفقه الله حينما تتحرك المنظومة العقلية وتخرج من عبودية الهوى، لأنها حقيقة من يختبر في الدنيا، فمن لا يحب التفكير ولا يسعى للآخرة، فهو حتما يشغل منظومته العقلية في أمور الهوى ويوفق فيه كما يوفق من يشغلها في درب القرب من الله.

المشيئة:

"أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ، أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّة فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، بَلَىٰ قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ" (الزمر: 57-59).

فالهداية من الله بفاعلية المنظومة العقلية، لكن قد ترى أمامك الحق وتصد عنه فتكفر أي تغطيه وتميعه فلا تسمعه وتغضب منه، فلن يهديك الله بتوفيقك إليه، لكن إن سرت في طريق الحق سهل الله لك وهداك، أي وفقك لمعرفة هُداه وأوصلك لرضاه.

"مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُوما مَّدْحُورا، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورا، كُلّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورا" (الإسراء: 18-20).

ومهما بلغت بلاغة الكاتب فهو عاجز أن يوصل الفكرة التي تأتي إلى الذهن من هذه الآيات، انظر إلى حالة العدل، من أراد أن تكون جنته الدنيا فسيعطيه الدنيا، وكلما زاد عطاؤه زاد عذابه لأنه سيتمادى ويطغى، فإن لم يعطه فهو يعطيه الفرصة، فإن لم يتعظ فقد خسر الدنيا والآخرة. أما من أحب الجاه فسيجده، وسيجد الإعجاب والحفاوة والتكريم، وسيعتاد عليها لأنه مع الوقت يظن أنه يستحقها، وسيجري المال والمنصب لكنه لا يوفق فيهما بعمل إلا زاده اندحارا وذما، وإن كان كلامه كله بالقرآن فلا يتجاوز حنجرته إلى فعله.

ما هي الفرصة؟

كثير من الناس يوجه الناس من فوق أو يحتقر الغافل بينما هو مشروع هداية، وكثير من الناس عندهم العلم ولكن ينقصهم السلوك، فالبشر إما أن يضعفوا فيستدركوا، أو أن يطيب لهم الهوى ويخفونه بالنفاق


الإنسان قد يتصرف برد الفعل مع النقص بأساليب التربية، فما أن يتحرر ممن ضغط عليه حتى يذهب بالاتجاه المعاكس لما كان مجبرا أو منشدّا إليه، فإن كانت نفسيته سيئة فستطغيه وإن كانت حسنة فستضع أمامه ما يناسبه من خطاب الهوى، شيء يدخل كينونته ويتفاعل مع عواطفه ويحرك منظومته العقلية بتوازن وتصويبه فيعود إلى الإيمان بفهم جديد، إلى الصواب ولكن بلا ضغط أو إجبار وإنما هذه المرة بتفعيل منظومة العقل والاختيار.

الغفلة تقود إلى الوهم والضياع:

إن الله يرزق الجميع والرزق منه فليس شطارة وإن بدا كذلك، فهنالك من هو أشطر ولكن لا يأتيه ما يأتيك وهنالك من هو أعلم منك فلا يُنتدب لعمل يدر ما يدر لك، وهنالك من يحيط به الناس بدوافع متعددة فيرى أنه حقق ذاته، لكنه ثبّت ذاته على الضلال وهذا أسوأ ما يمكن؛ لأنه لن يرى فرصة محب له حقا يحاول أن يرشده فلعله يصل إلى هداية الله وتوفيقة.

كثير من الناس يوجه الناس من فوق أو يحتقر الغافل بينما هو مشروع هداية، وكثير من الناس عندهم العلم ولكن ينقصهم السلوك، فالبشر إما أن يضعفوا فيستدركوا، أو أن يطيب لهم الهوى ويخفونه بالنفاق.

اللهم إنا نسألك الثبات والنجاة من ميل ينحدر بنا وقارب نجاة نريد أن نصل به فتضيع البوصلة منا.

السبت، 14 فبراير 2026

228 -هيمنـــــــة الشــــــــــر عبـــــرالعصــــور

 رابط عربي 21

الشر البشري:

بين الأنانية والتفسيرات الفلسفية في عالم يعج بالتناقضات الأخلاقية، يبرز تعريف الشر كظاهرة نفسية واجتماعية عميقة: هو تغلب جنوح الغرائز على المنظومة القيمية، أو فهم خاطئ ينبع من "الأنا"، مما يؤدي إلى تمكن الأنانية بدعم من قوى خارجية. هذا التعريف يفسر التناقض الأبدي: لماذا يكره الإنسان الظلم عندما يقع عليه، ثم يمارسه بنفس الوحشية -أو أشد- عندما يتمكن؟ في هذا المقال، نستعرض تفسير فريدريش نيتشه للأخلاق كأداة لفهم هذا التناقض، ثم فلسفة جون لوك عن الظلم كإطار سياسي، مع دمج أفكار هانا أرنت عن "الشر الشائع"، والثيوديسي (تبرئة عدالة الله جل جلاله) عند الغزالي، ولمسة من توماس هوبز الذي يصف الإنسان كذئب لأخيه في غياب القوة المانعة.

- نيتشه: الأخلاق كانتقام مقنع في "جينا لوجيا الأخلاق" (1887)

يقسم نيتشه الأخلاق إلى نوعين: أخلاق السادة (تقدر القوة والنبل) وأخلاق العبيد (تنبع من الضعفاء الذين يحولون ضعفهم إلى فضيلة). عندما يتمكن الضعيف، ينتقم من "السادة" السابقين بتحويل قيمهم إلى "شر"، بينما يمجد ضعفه كـ"تواضع" أو "رحمة"، هذا الانتقام المقنع يصف لماذا يكره الإنسان الظلم ثم يمارسه: لأن الأنانية لا تختفي، بل تُقنع نفسها بأنها "عدالة" عندما تتمكن، ولهذا تجد أن الظالم يتظلم ممن يمنعه عن ظلمه.

ما يعرضه الفلاسفة والمصلحون هو وصفات لمجتمع سليم وكيف يمكن أن تحافظ على سلامته حتى حين


نيتشه يدعو إلى "التجاوز" (الإنسان الأعلى) لخلق قيم جديدة تتجاوز هذا الصراع، لكن الواقع يظهر أن معظم البشر يبقون أسرى "أخلاق العبيد" عندما يحصلون على السلطة، فلا يرى ضميره ظلمه.

- جون لوك: الظلم كانتهاك للعقد الاجتماعي جون لوك

في "رسالتان عن الحكومة" (1689)، يرى الظلم نتيجة طبيعية لتمكن الأنانية في السلطة؛ في حالة الطبيعة الإنسان حر ومتساوٍ، لكن الأنانية تدفع البعض للظلم، لذلك يُبرم الناس عقدا اجتماعيا لإنشاء حكومة تحمي الحقوق (الحياة، الحرية، الملكية)، وإذا انتهك الحاكم العقد بالظلم، يصبح من حقهم الثورة؛ لوك يرى أن الشر (الظلم) ليس قدرا، بل نتيجة تمكن الأنانية في غياب ضوابط قوية، هذا يفسر لماذا يظلم الإنسان عندما يتمكن: لأنه يفقد الضوابط التي كانت تحد من غرائزه.

الحل عند لوك: نظام ديمقراطي قوي يمنع تمكن الأنانية الفردية أو الجماعية.

- هوبز: الإنسان ذئب لأخيه في غياب القوة توماس هوبز (1588-1679)

في "الليفياثان" (1651)، يقدم وصفا قاسيا أتفق معه في التوصيف واختلف بالحل، فأنا أرى السلطة للقانون، وهو يساوي بين الجميع. يقول هوبز: في حالة الطبيعة، الإنسان "ذئب لأخيه"، لأن الجميع يسعى لمصلحته الذاتية، والقوة وحدها تمنع الظلم. الإنسان يكره الظلم لأنه يخاف أن يقع عليه، لكنه يمارسه إذا أمن العقاب.

الحل عند هوبز: سلطة مطلقة تفرض السلام بالقوة، لأن الوعظ والأخلاق لا تكفي لكبح الأنانية.

- هانا أرنت: الشر الشائع كسطحية فكرية هانا أرنت، في "آيخمان في القدس" (1963)

ترى الشر شائعا لأنه لا يحتاج إلى نوايا شيطانية، بل إلى غياب التفكير (thoughtlessness). آيخمان لم يكن وحشا، بل موظفا عاديا مطيعا يرى الظلم كـ"واجب وظيفي"، هذا يفسر لماذا يظلم الإنسان عندما يتمكن: لأنه يفقد القدرة على وضع نفسه مكان الضحية، فتصبح الأنانية "عادية"، وعند تمكن الصهيونية كررت المحرقة بالفلسطينيين بعدة مجازر عبر التاريخ وآخرها غزة، فإننا نتحدث عن جيل تربى وهو يجتر ظلم المحرقة وليرتكبها.

- الغزالي: الشر سيطرة النفس الأمارة، في "إحياء علوم الدين"

يرى الشر سيطرة النفس الأمّارة بالسوء على القلب. الإنسان يكره الظلم لأنه يؤذيه، لكنه يمارسه لأن نفسه تحب السلطة والتملك، كغريزة ما لم تجد رادعا تحس أنه يمكن أن يؤذيها في الواقع وليس بوعيد الأديان، فهذا أمر لا تتفاعل معه الغرائز عندما تستعمر منظومة العقل، والكثرة فيما يبدو لم يفعّلوا منظومتهم العقلية، ولا يفيد أن نقول: سيذهب هؤلاء لجهنم ونحن في الحياة، بل علينا أن نبحث عن الطريق المثلى لردع هؤلاء.

كيف نتغلب على هذا الشر؟

الحل أن يُصلح الكل نفسه بصرامة، يلوم نفسه لا الآخرين ويكون بيئة لمنظومة القيم، وأن يخضع المجتمع لقانون يتساوى الجميع أمامه؛ عندها ستنهار بيئة الظلم والظالمين


- نيتشه: تجاوز الأخلاق التقليدية وخلق قيم جديدة تتجاوز الأنانية.

- لوك: نظام ديمقراطي يمنع تمكن الأنانية بالقوة.

- هوبز: سلطة قوية (افهمها محدودة بالقانون) تكبح الغرائز.

- أرنت: إحياء التفكير النقدي والحكم الأخلاقي.

- الغزالي: مجاهدة النفس والتوبة الداخلية.

خلاصة:

ما يعرضه الفلاسفة والمصلحون هو وصفات لمجتمع سليم وكيف يمكن أن تحافظ على سلامته حتى حين، بيد أن كل ما قرأتم ستقولون إنه تنظير لا يملك قوة التغيير وربما كان الظلمة والمغامرون يدعون إليه، ونحن نرى الشر قائما والسفاهة مهابة بقوتها، فإن كان السفيه ضعيفا اختفى كأي حشرة يُدعس ممن استخدمه، وهنا لا بد من سؤال: إن كان الحق منتصرا في عقيدة الأديان فلماذا نرى السفه والجبروت والظلم منتشرا؟ وما خلا نيتشة وتشاؤمه فالفلاسفة غالبا يتوقعون انتصار الحق، وفي عالم اليوم نجد طوباوية الكلام.

الشر لا يُهزم بالمعرفة وحدها، بل بصلاح النفوس للأمة، فعندما يكثر النفاق والانتهازية، والتملق من أجل الفتات، وضعف النخوة، وصوت الحق المخنوق، ويعظَّم السارق والمجرم بدل احتقاره ويكرّم التافه ويُبعد الصالح ويُسفّه العالم الفاهم، ويُفهم الحلم جبنا والجبن يفهم أنه حكمة، وينشغل كل بعيشه متخليا عن منظومته العقلية فاقدا لميزاته الآدمية، وتصبح مخالطة الناس خبث الريح وحرق الملابس؛ فإن التاريخ يقول إن الظلم يستمر طالما يجد هكذا بيئة.. لكن الحل أن يُصلح الكل نفسه بصرامة، يلوم نفسه لا الآخرين ويكون بيئة لمنظومة القيم، وأن يخضع المجتمع لقانون يتساوى الجميع أمامه؛ عندها ستنهار بيئة الظلم والظالمين. الطريق طويل، لكن الوصول ليس مستحيلا.

الأربعاء، 11 فبراير 2026

227- سؤال في المناخ لشرق المتوسط

 سؤال في المناخ لشرق المتوسط

من اهم الخلاصات المتعددة في الدراسة، اننا يجب ان نعمل على بدائل مصادر المياه وان الثوابت التقليدية انتهت والحقيقة اننا متأخرون اكثر من 20 سنة في المباشرة في تغطية آثار القادم

الامطار التي تأتي على شكل موجات شتوية احيانا ليست امرا ثابتا، وان كانت القياسات تعطي تدني خفيف في المعدل السنوي فهنالك اختلاف في نقاط متعددة اهمها الشدة والتزامن والاستمرارية ناهيك عن امكانية تخزينها.



233 - ذات الواح ودســـــــــــــــــــــر (معالجة جديدة)

 رابط عربي 21 صحراء الفكر: وصل  نوح  عليه السلام منتهى الفاعلية، كانت استشرافا وليس إحباطا وهروبا.. نوح يمثل أي داعية في عصرنا لا وسيلة عنده...

يقظة فكرgoogle-site-verification: google25f7d3ebc2fdac29.html