فكــــــر اليقظـــــــة Mindfulness
مدونة تعالج يقظة الفكر الإسلامي والفهم الإنساني والحداثة بما يرتقي بالقيمة الادمية & multi languages by google availablem ,
بحث هذه المدونة الإلكترونية
الجمعة، 28 أغسطس 2026
271: كيسنجر: جواب لقراءة افتراضية حول العراق
منهج كيسنجر:
على الرغم من أن ما نشر على لسان كيسنجر أراه لا يتسق مع عبقرية كعبقرية كيسنجر، فأغلبه يبدو قراءة وتحليل ذكي للكاتب، لكن سأفترض صحته لأهمية التصور المبعثر هذا.
أي مفكر عندما يكتب يستحضر تاريخ أمته عمليا، وكيسنجر ليس بدعا من القول خصوصا عندما يناقش منطقة المتوسط الإسلامي، فهو يتحدث منطلقا من نظريات مدنية، دون تفهم للحضارة الفكرية للمنطقة، خصوصا عندما ضرب مثلا بداعش عن الإسلام العابر للحدود، متجاهلاً أن هذا التنظيم، حسب ما تواتر من تسريبات وشهادات وتحليلات متعددة، وُجد في بيئة تداخلت فيها أجهزة مخابرات دولية باتفاقات متباينة النفوذ، وهو ليس الإسلام الصالح لإدارة الحياة في واقعنا كما يفكر به أغلب النخب.
الإسلام غائب وليس له وجود كفكر، والموجود هو التدين الغريزي غالبا، وهو منقطع عن إدارة الواقع منذ زمن طويل. الإسلام غايته العدل والسلطة وسيلة، وهذا غير موجود بينما السلطة غاية كما هو دارج في نظم اليوم، أما المدنية فهي تراكم جهد بشري عالمي ممكن أن ترشَّد بالسلوك الإسلامي المنبعث من جذور القيم، وليس السلوك الجالس على منضدة النفعية فحسب كما نمط الحداثة التي تحتضر اليوم.
فهم كيسنجر للمذاهب كأنها طوائف؛ وواقعاً، أن هنالك فرقاً بين المذاهب التي لا غبار عليها وبين الطائفية التي تقع تحت تأثير السياسة، ومجموعة ذات مصالح، غالبا فاسدة لأنها منفلتة أو مشوهة للقيم الحقيقية التي تزعمها، سواء يزعمون الإسلام مثلا أو الزعم بحماية وانتماء لمذهب. وهذا لا يحتاج إثباتا، فهو أكثر افتضاحا من قرد البابون، فالتداخلات لم تكن بالصيغة التي وصفها وإنما هنالك نوع من تداخل المصالح وركوبها على الطائفة أو العرق، لكن واقعا أن هذا محض أسلوب تخفّي كما يظل الليل وظلامه أي نهّاب.
بريطانيا العراق:
بريطانيا أتت بحكم الاستراتيجية واحتلت العراق واكتشاف النفط ثبتها فيه، لكنها أزالت عن أكتافها كل أوزارها في العراق من استخدام الناس، الهاربين من أوطانهم في الليفي ثم توطينهم بلا سند قانوني، ولم تكن تفكر بالعراق أكثر من الهند لولا تغيير العوامل الجيوسياسية، وتنبه الهنود وتغيير تكتيكاتهم من اجل الاستقلال، فنشأ العراق دولة صعبة المراس تركتها بريطانيا مع ما فيها من الألغام التي تفجرت على العراقيين. فلم تعمل على تكييف أمة نشأت بلا حدود لتتعامل مع الحدود، وتركت كل أيديولوجيات العالم الفاشلة تدخل قوالب على مجتمع عشائري يتعامل بتوازنات اعتاد إحكامها مع السلطات.
فالقومية التي فشلت في الغرب أتت إلى المنطقة، والشيوعية التي لم تتجاوز الاشتراكية طيلة فاعليتها إلى أن انتهت دخلت في العراق، والدعوات الإسلامية التي تشوهت بالتضييق والسجون والمنع لم تكوّن مراكز دراسات وإنما بقيت تنظر إلى الخلف كنظرة أي فاشل يطلب الملامح الطيبة والزمن الجميل في ماضيه، حتى إنهم لم يحسنوا تصريف أمورهم، وربما لو تركوا لكانوا الأقرب إلى نظام جديد أفضل من الوستفالي المكسور (وأظن كيسنجر سيقول هذا)؛ نظام مدني، لأن الإسلام أصلا قابل وقادر على إنتاج الآليات، لكن حملات التشكيك والحروب الكلامية والسجون التي ما زالت مستمرة إلى يومنا هذا، لم تعطِ الفرصة للمنطقة لتشكل شخصيتها، وتنتج نظامها الذي يتعامل مع العالم وفق الأساليب المدنية وليس من خلال المصلحة الضيقة التي اختلت بالتجربة عند الاحتكاك مع الآخر في أوروبا، والغزو الإمبراطوري وبعنجهية نيرونية تواجه العالم اليوم بقوة ضاربة مدمرة للحرث والنسل.
العراق خيار صحيح:
اختيار كيسنجر للعراق في الحقيقة يعبر عن بعد نظره؛ ويتناقض مع السعة التحليلية، نعم العراق مقياس، لكن ما برر كيسنجر به هو مقاربات. العراق وسوريا مهمان جدا لإنشاء نظام جديد أو حداثة جديدة إن فسح المجال لهما، حضارة ومدنية ليست محاربة أو مقاتلة كما هو تصور الغرب لنهضة المسلمين، بل حضارة فكرية تحمي الثورة المدنية من الفساد الذي أحدثه التشوه والحرمان والاضطهاد المتعدد الأشكال، وهذا نتيجة طبيعية للقوالب وضغط الشعوب بها، وصراع الأطماع باسم الأيدولوجيات. اتفق إذن أن النظم التي جربت على المجتمع هي نظم فاشلة وجاءت مقولبة ترفع أعلام الطغيان والفساد مغلفة باسم القومية أو الحداثة أو الدين..
العراق والنظم:
قصة الجيوش وحفاظها على الوستفالية لم يكن الكلام المنسوب لكيسنجر بها موفقا، فمحمود الحفيد ثار مرتين، المرة الأولى كان يخاف على دينه من الغزاة، وينتظر أن تصحو الدولة العثمانية، فلما احتضرت كما احتضرت الدولة العباسية زمن المغول، استحضر الحفيد سيرة عثمان طغرل بك ليكون ملكا على قومه ويقودهم إلى سلطنة أو خلافة جديدة؛ لم يدع إلى قومية، من أحبطه ليس الجيش العراقي وإنما الليفي البريطاني المتكون من أناس أغراب قبل أن يجنسوا لاحقا عراقيا. والجيش الملكي قمع الفتن التي نشأت مع الإنكليز في المنافسات غير العقلانية واستثارة العشائر، أما في العهد الجمهوري فقد حكم العسكر البلد، والعسكر حلولهم معروفة خصوصا عندما يؤدلجون، والأمثلة كثيرة.
عموما بجملة حاسمة يسمح بها المقال؛ أن صراعات أيديولوجيات القوالب المستوردة أوصلتنا من احتلال إلى احتلال.
ما المطلوب؟
لم ينتحر العالم -كما نسب لكيسنجر- في 2003، بل انتحر عندما عادى الإسلام وتركه من الضغط ينتج هذه المسوخ التي تقودها عمليا مخابرات العالم بالصفات المتعددة التي ذكرناها والتي لم نذكرها، أو بشكل الإلحاد والليبرالية. العالم انتحر عندما مكن للكيان الصهيوني أن يظلم اليهود باسم اليهود كما يفعل الفاسدون من ظلم لأهلهم وباسم أهلهم، وأثار الكيان الكراهية والعصبية والتطرف العنصري كما يفعل الفاسدون باسم الإسلام والبعض باسم مسيحية -يهودية الأساطير والأوهام، التي تستخدم التكنولوجيا لتدمير العالم وكأن الأمر واجب مقدس مثل الحروب الصليبية في العصور الوسطى..
نحتاج أن تتنفس هذه المنطقة، أن يسمح لها بفهم عقيدتها وثقافتها، عندها ستشع وتعطي النماذج الإصلاحية ليس عبر الجيوش والأساطيل وإنما عبر التواصل الاجتماعي وما سينتجه العلم من وسائل تقارب بين الشعوب.
الخميس، 27 أغسطس 2026
270- خزان الافكار
الشبكة مباشـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر
خزّان الأفكار
ومضة:
في رحلة التعلم اقترح الدكتور طارق السامرائي اقتراحا،
استحسنه الدكتور قيس العبيدي، فكان منطلقا لهذا المقال
مقدمة:
اليوم وفي عالم متناقض ملئ وفارغ في نفس الوقت، يصبح
اختيارك لشراء خلاط لمطبخ البيت مسألة تخضع للمعلوماتية ودراسة ليست هينة وأنت
تتجول في صفحات الإنترنيت وعروض البيع والعلامات التجارية وما تستحصل من ميزات،
فما بالك ومسارات بناء البلدان وتعاملات الدول وسياسة فيها كل كلمة تقولها بمقدار
وحساب، ليس من انتظار في عالم الوقت فيه متسارع وتحتاج القرار المدروس والخطط
البعيدة المدى وقيادة كل شيء من توجيه طاقات الشباب إلى ماذا يفعل وكيف يفعل ليحقق
الأمثل في الإنجاز، هنا يبرز مفهوم "خزانات الأفكار" أو "مجامع
التفكير" (Think Tanks) ليس فقط كمؤسسات بحثية مغلقة خلف الجدران، بل كمنظومة عقلية ومنهج حياة
متكامل، إن تحويل هذا المفهوم من أروقة السياسة الدولية إلى سلوك يومي، كفيل
بإحداث ثورة في طريقة تفكير وعمل ثلاثة أعمدة رئيسية في المجتمع: الطلبة،
والسياسيون، والعلماء، وهؤلاء سيحددون مصير ودرجة رقي الأمة
كيف تفكر خزانات الأفكار:
ثلاثة ركائز ينبغي أن تفهم: التحليل القائم على الأدلة والبراهين، الاستشراف المستقبلي للقضايا قبل
حدوثها، وتعدد التخصصات حيث يجتمع الطبيب والاقتصادي والمهندس لحل مشكلة واحدة،
نوع من الموسوعية في تكامل الاختصاصات والعاملين لا يعرفون الأنا بل نكمل بعضنا،
لكن تبقى الحقوق محفوظة والا ضاع الإنتاج إن ضاعت، في يدك هاتف محمول، هنالك شركة
صنعته، لكنه جهد مجموعة الكل يعلم ما أنتج كل فرد فيها، لكن المخرجات بالتكامل
بينهم معا، فلا صانع له واحد وإنما المجموع.
لنأتي إليها واحدة فواحدة:
1. المنهجية القائمة على الأدلة: استبدال الانطباعات
الشخصية بالبيانات الكمية والكيفية المستمدة من مسوح ميدانية ونماذج قياسية لتجنب
التحيز، قواعد البيانات أساس البناء.
2. الاستشراف المستقبلي
(Prospective Studies): بناء السيناريوهات البديلة وتحليل
المخاطر بناءً على مؤشرات استباقية لمعالجة الأزمات قبل طور التبلور، كما فعلت
مؤسسة "راند" في دراساتها
التاريخية التي شكلت ملامح الاستراتيجيات الدولية الاستباقية.
3. التحليل المحايد وعابر التخصصات (Interdisciplinary): تفكيك الظواهر عبر
دمج حقول معرفية متعددة (كالاقتصاد، وعلم الاجتماع، والتقنية) لضمان تقديم رؤية
مستقلة ومجردة من المصالح الضيقة.
طالب العلم مختبر فكري:
- إن يُهتم بالحافظة فهذا
ليس طائر العلم بل سكة قطار، وفحص النظريات ليس تسفيهها وتقييم الناس ليس
تصيد أخطاؤهم وإنما السؤال كيف استثمر؟ كيف أفكر؟ ألف مرة اسأل كيف ومرة
واحدة لماذا؟ أما البقاء عند لماذا؟ فلن تجد حلا، دوما هنالك خطط وبدائل خزانات
الأفكار؛ السياسي الناجح هو من يملك عقلية مرنة تتقبل البدائل، ويدرك أن
العناد السياسي أمام الحقائق العلمية يقود إلى الكوارث، كذلك المستثمر
والتاجر والعامل في خزان الأفكار أيضا.
قيادة الشارع غير إرضاءه، إرضاؤه
يعني حقنة مهدئة لكن قيادة الشعب تأتي عندما يرى اليقين وان السلامة في تفكير
قيادته وقيادته ليست خارقة ولكن تعتمد خزان الأفكار.
كثير من الناس يظن أن العالم
والعبقري كقارئة الفنجان، لكن المستشرف للاقتصاد والمياه والوقائع السياسية
والعلاقات لا ينجم وإنما عنده قواعد بيانات وهي في تحديث وتأهيل للقرار.
الصومعة:
استقراء الواقع وليس تصوره كما نحب هي الخطوة الأولى نحو
دفع الكرة الجامدة إلى اعلى كي أفككها وارصف طريق التفكير وابلطه وأتأمل حدائقه
وبساتينه وهي تنتج الأفكار من كل نوع، اليوم لابد من إدراك الأمور والا سنبقى في
حالة الطوارئ وحلول الأزمة وهذا لا يأتي بالأحلام وإنما بخزان الأفكار والإرادة
على تطبيقه، فالعزم إن بدى في المفكرين فانه عاطل بلا إرادة الزعامات المنفذة
والتي تقود صناعة الحياة
لا أوهام وإنما مسارات:
لا احلم وإنما أضع مسارات افترض أسوأ الأحوال وأفضلها
واضع المسارات لكل منها وادرسها كلفة وتنفيذ، استشير وأنير وأستنير، لن تحل الأمور
إلا اذا وضعنا منهجا ورؤية، الكل يجب أن يفكر ويستشرف ويسأل ويجيب، الإنسان الفذ
ليس حافظا ولا منجما وإنما في مكتبه قواعد بيانات ومعادلات وحسابات، تعتاد تطمئن
تحصل على الرفاهية وان قل مالك، أما بالارتجال والعبثية فلا راحة بال ولا رفاهية
مع القلق العظيم على كل شيء وان كنت تملك الكثير من المال، مجتمع لا يعتمد التفكير
والتخطيط خارج الزمن ومحض لوحة وفرشاة لكنه ليس رساما بل سيحمل الرسام الفرشاة من
هذا المجتمع ليرسم أفكاره على لوحة هذا المجتمع.
خلاصة القول:
خزان الأفكار ليس موضة ولا ترف فكري، ولا تبجح ولا هيكل،
بل هو فعل مؤسسي وتكامل في الأدوار وبعد النظر، والنطق بلغة واحدة والسؤال الدائم
كيف ستنجز المهمة التي ستبدأ ضمن خطط معدة، إذن هو حتمية حضارية واستراتيجية لتبني
"ثقافة تفكير" كنهج حياة يومي، عندما تتكامل أدوار الطالب الذي يبحث،
والسياسي الذي يقرر بناءً على البرهان، والعالم الذي يخرج بمعرفته إلى الواقع،
ننتقل بمجتمعاتنا من عشوائية ردود الأفعال إلى استدامة الفعل المخطط، لنبني قيادات
واعية تقود مستقبلها بأدوات الاستشراف العلمي الثابت.
الثلاثاء، 25 أغسطس 2026
269 -هل مازالت أمتك تحبك يا رسول الله
رابط الزمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــان
الرسالة
الخالدة:
الإسلام ليس دينَ طقوس
وعبادة في الهيئة فحسب، بل هو فكر كامل شامل له نظرة عن الكون بأدق وصفه وعن الحياة
وكيف نعيش فيها ونمط السلوك الذي فيها والتي تليق بالآدمية المميزة بمنظومتها
العقلية وهذه نظرة الإسلام إلى الإنسان المكرم وليس المجرّم ولا النجس، بل الإنسان
المتميز المبدع.
هذه الرسالة هي إقامة
السلالة (الخلافة لسلالات أخرى أدنى من آدم المتميز بالمنظومة العقلية عنها)
وعبادة الله بأعمال هذه المنظومة وعمارة الأرض، علينا أن نفهم أن علاقة الله
بالبشر هي هذه؛ تكليف أعطيت وسائله، وذللت وسائطه، فمن أحسن استخدام ما كرمه الله
به احبه الله وحبَّ الله للبشر وحبَّ البشر لله ليس حبَّ هيامٍ ولا غرامٍ ولا
تغييب للمنظومة العقلية أو إذلال الهيئة الآدمية وقيمته وكرامته، بل الإحسان قدر
الإمكان وعلى الاجتهاد ومداه يكون حب الله لعباده، وعلى هذا الاجتهاد يبنى حبالعباد لله
لماذا نحبه:
الرسول (ص) حامل للرسالة
ونموذجٌ لها، حبه ليس غراماً وهياماً أيضًا وإنما اتباع للقدوة في مسيرة الحياة لا
تقليدا كما غيره وإنما هو مجسدا للمنهج والفكر وعلى محبه أن ينتج آليات تلك السيرة
لزمانه، صحيح أن رسول الله مسلم من المسلمين لكنه معلمٌ مبشرٌ منذرٌ، ليس هو وكيلا
ولا جبارا مسيطرا، إنما هو بشر يوحى إليه وينقل للناس أمرَ رَبِّه، من اجل هذا فحبّه
لا يعبر عنه بغياب الوعي والهيام وإنما بملك زمام الصحوة واليقظة والنهضة لإصلاح
البشرية، المشكلة في فهمنا للإسلام مريرة، هو يتعامل مع منظومة العقل وليس
مستثيراً للعواطف، هو اعتبر الإنسان مكرّماً وليس مذنبًا يسعى لإثبات براءته طول
عمره، خُلق لمهمة وليس للعذاب والغم والاستعباد بالأفكار الضالة أو باي نوع من
طغيان البشر، خلق للحب إذن بالعمل ولا يجتمع الحب مع الكراهية التي تولد هدم
الإنسان والعمران ونحن نرى جلياً ما يفعل البشر وطغيانه من فساد في الأرض.
استنارة:
ماذا يعني رقصك وغناؤك
وأنت تحتفل بمولد الرسول إلا تسخيفًا وغطاءً لمنظومة العقل، إذن المطلوب إبراز هذه
المنظومة في مثل هذا اليوم والذكرى بأن نكون فعلا خلفاء في الأرض صالحين لا مفسدين
كنسخ بشرية سبقت وأفسدت كانت لا تمتلك ما يمتلك آدم فانتهت وبادت.
بناء العلاقات الصحيحة
مع المجتمع والناس بل الأسرة، والأبناء ورثة المهمة وليس امتدادا لنا وحسب.
هل نحب الرسول
فعلا؟
هذا يحتاج إلى جواب بضعة
أسئلة سنضع نموذجا منها
1.
هل تعتبر أن وجود شخص ناجح ينتقص من مكانتك
فتؤذيه أو تهمشه بنفوذك؟ لو كان الإنصاف هو الديدن؛ لما وصلنا إلى هذا الحال،
والأمر يضيع بين جرأة الجاهل وحرص العالم.
2.
هل أعنت أخاك وهو في ضيق، أم خفت أن تقع في ضيق
مثله ولا تجد ما يعينك عليه؟ لو لم نكن كذلك لما وجدنا أحد يواجه مخاوفه وحده
ولرأينا أن الحياة أسهل، تعمل أنت على سد حاجة أخيك ويسد حاجتك أخ لك.
3.
هل فرحت بتفوق أخٍ أو أخت في إبداع وقدمته كنعمة
من الله تحمل حلا أم بخلت حتى بكلمةٍ تشجعه على الاستمرار؟ لو لم نكن الإمعَّات
البخيلة لوجدنا لنا مشاهير وعزوة وكانوا لنا عونا وفخرا، لكننا بتنا مجتمعا طاردا
كارها لكل إبداع منا متفاخرين بغيرنا شاكين عجزا نحن نصنعه.
4.
هل سادنا أشرافنا؟ إذا لما وجدنا هذا الفساد
والظلم بالعباد والطغيان.
5.
هل قاطعنا الفاسد أم احتفينا به فغيَّرنا معايير
الرسول وقلنا نحن نحبه زوراً وبهتانًا، لو لم نكن كذلك لما عاد فاسد من السجن بعد
فساده واستقبل استقبال الفاتحين.
فلا ترقص ولا تشوِّه
نفسك وكرامتك الإنسانية وأنت تزعم حب نبي أو ولي، فحب الأنبياء ثم الأولياء ليست
عواطف وإنما حب منظومة عقلية لمنهج ومسار، حب ليس حب الهوى والجوي وخزعبلات
ومتاهات، إنه حب لخير الكائنات ومساره وآل بيته والرعيل الأول من المقربين عندما
قال عمر احبك يا رسول الله إلا نفسي فقال ونفسك يا عمر قال ونفسي يا رسول الله،
فهم أن الحب ليس عاطفة وإنما هو عقيدة وفكر ومنهج، هو طهارة النفس من الكراهية
والتعالي عن الزائل طلبا للدائم، وهذا اغلى من كل ما لدينا، لأننا إن أحييناه
حيينا وإن أمتناه فسنجد انفسنا كما نحن اليوم، على هامش الأمم متفرقين لا أقول
متفرقين كدول ولا كمدن ولا كمجتمع بل حتى كعوائل وأسر .... وكل عام وأنتم إلى الله
أقرب وصلِّ اللهم على محمد وآلة كلما ذكرك الذاكرون وكلما نسي وغفل عن ذكرك الغافلون.
الجمعة، 21 أغسطس 2026
268- قراءة فلسفية في المدارس السيادية لأعمدة تأسيس العراق الستة
فخ القاضي:
تعاني الأدبيات السياسية والتاريخية المهتمة بالشأن العراقي من فخ اختزالي مزمن؛ إذ تُصر غالبية القراءات على حصر الجيل المؤسس للدولة الحديثة (ما بعد عام 1921) في ثنائيات قطبية جامدة: إما "نخبة وطنية" في مواجهة الانتداب، أو "أدوات وظيفية" مرتهنة للإرادة البريطانية، وفي مسار موازٍ، يتم اختزال هؤلاء الرجال في نهاياتهم الدرامية والمأساوية؛ فنقرأ العهد الملكي من خلال مشهد انتحار السعدون، أو اغتيال العسكري، أو سحل نوري السعيد، أو تهديد بقايا الليفي للسيادة الوطنية بحكم من أناس يتقمصون دور القاضي بلا معايير ملائمة، ولا يعرفون حيثيات ما يقضون فيه.
هذا الاختزال لا يظلم التجربة التاريخية فحسب، بل يعجز بنيوياً عن تفسير ظاهرة بالغة الأهمية: كيف استطاعت مجموعة محدودة من النخب، على اختلاف رؤيتها في الاستراتيجية والتكتيك السياسي؛ أن تؤسس جهازاً إدارياً ومؤسساتياً صلباً استمر في العمل لعقود طويلة حتى بعد اختفاء الفاعلين أنفسهم؟
تنطلق هذه الدراسة الاستقرائية من فرضية بديلة، تتجاوز السرد الوصفي للأشخاص نحو صياغة نموذج تفسيري يرى في جيل التأسيس تجسيداً لما يمكن تسميته بـ"نظرية المدارس السيادية"، فالشخصيات هنا ليست مجرد فواعل سياسية تبحث عن السلطة، بل هي "نماذج مثالية" بمفهوم ماكس فيبر، يمثل كل منها وظيفة سيادية وركيزة فلسفية لا غنى عنها لبناء الدولة الحديثة.
تجاوز السرد الوصفي للأشخاص نحو صياغة نموذج تفسيري يرى في جيل التأسيس تجسيداً لما يمكن تسميته بـ"نظرية المدارس السيادية"، فالشخصيات هنا ليست مجرد فواعل سياسية تبحث عن السلطة، بل هي "نماذج مثالية" بمفهوم ماكس فيبر، يمثل كل منها وظيفة سيادية وركيزة فلسفية لا غنى عنها لبناء الدولة الحديثة
التفكيك الفلسفي لأعمدة البناء الستة (المدارس السيادية)
لم تكن الدولة العراقية الناشئة بحاجة إلى حكام متشابهين، بل كانت بحاجة إلى منظومة وظائف متكاملة، ويمكن تفكيك الرؤية الفلسفية لجيل التأسيس من خلال ست مدارس أساسية:
انطلق الملك فيصل الأول من وعي مبكر بأن الدولة لا تُفرض بحد السلاح أو بالنصوص القانونية الجافة ما لم يتشكل في عمقها مجتمع يشعر بوحدة المصير، فكانت مدرسة بناء الأمة عنده تتلخص في أن "الدولة الجغرافية" تسبق "الدولة الشعبوية" في العراق، ولذلك ركز على صياغة هوية وطنية جامعة قادرة على صهر التباينات العشائرية والمذهبية والإثنية في بوتقة المواطنة، انطلاقاً من أن المؤسسات كتل خرسانية باردة ما لم تدب فيها روح الأمة.
وفي مسار متوازٍ، مثّل عبد المحسن السعدون مدرسة الشرعية الدستورية والواجب كما قال كانط، والضمير القانوني للدولة الناشئة؛ إذ لم تكن الدستورية عنده ترفاً سياسياً بل كانت الضمانة الأخلاقية لوجود الدولة، مدفوعاً بإيمان عميق بأن الدولة التي تنتهك قوانينها من أجل مكاسب مؤقتة تحكم على نفسها بالفناء، وهو ما جعل صداماته تنبع من نزعة مبدئية ترى في القانون أصل السيادة.
أما جعفر العسكري فقد أسس مدرسة القوة المشروعة والمؤسسية في بيئة إقليمية مضطربة، مدركاً أن احتكار العنف المشروع هو الشرط الأول لبقاء الدولة، عبقرية فلسفية تجلت في أنه لم ينظر إلى الجيش باعتباره أداة للهيمنة أو بديلاً عن السلطة المدنية، بل بوصفه إحدى مؤسسات الدولة الخاضعة للقانون، لتقدم نهايتها تحذيراً مبكراً من خطورة انزلاق أدوات القوة إلى معترك الصراع السياسي.
ومن جانبه، جسد ياسين الهاشمي مدرسة الإدارة المركزية والبيروقراطية القائمة على مفهوم "الدولة الإدارية، حيث آمن بأن هيبة الدولة لا تنبع من الخطابات، بل من كفاءة جهازها التنفيذي وقدرته على بسط النظام، فكانت البيروقراطية عنده هي العمود الفقري الذي يحمي المجتمع من الانزلاق نحو الفوضى البدائية وتُعلي سلطة المؤسسة على الولاءات الفرعية، وفي الديون التي كانت ستستمر دفوعاتها وفوائدها إلى الثمانينات، وسك الدينار العراقي بمتابعة حيدر رستم فأنتج عملة وطنية بدل الروبية الهندية.
وعلى مستوى الجغرافيا السياسية، كان نوري السعيد يقرأ العراق من الخارج إلى الداخل عبر مدرسة الواقعية الاستراتيجية، فلم يكن سؤاله مقيداً بكيفية حكم العراق معزولاً عن العالم، بل بكيفية حماية هذا الكيان الناشئ في بيئة دولية تتصارع فيها الإمبراطوريات، فصاغ فلسفة تقوم على أن الدول الصغيرة تحميها شبكة التحالفات الذكية والموازنات الجيوسياسية المتقنة، لتصبح الدولة عنده وحدة مناورة في نظام دولي معقد لا يرحم الضعفاء.
وبرز جميل المدفعي قائد الميدان ممثلا لجمعية العهد في ثورة تلعفر في 1920، ورجل التهدئة الحكيم ليمثل مدرسة التوازن والاحتواء السياسي وصمام الأمان في لحظات الانسداد؛ فكانت فلسفته تقوم على التسوية والامتصاص والتدخل لمنع تحول التنافس المشروع إلى صراع وجودي صفري، إيماناً منه بأن بقاء الدولة يعتمد على قدرتها على استيعاب التباينات وتدوير الزوايا الحادة، فالحفاظ على الكيان أولى عنده من انتصار أي جبهة سياسية.
القوانين الحاكمة لمعادلة الدولة
بناءً على هذا الاستقراء التاريخي، يمكننا استنباط أربعة قوانين أساسية تشكل الهيكل النظري لـ"نظرية المدارس السيادية":
• القانون الأول (معادلة القوة): قوة الدولة هي حاصل توازن وظائفها السيادية المشتركة، وليست مجموع قوة الحكام الفردية، ويمكن صياغتها رياضياً بأن قوة الدولة تساوي المحصلة بين تلك الوظائف المتكاملة.
• القانون الثاني (قانون الاحتكار والمقايضة الصفرية): كلما تحولت وظيفة سيادية إلى مركز احتكار مطلق، اختل توازن الدولة وتآكلت شرعيتها؛ فإذا طغت مدرسة القوة (الجيش) ماتت الشرعية الدستورية، وإذا طغت مدرسة الواقعية الخارجية (التحالفات) تآكلت الهوية الوطنية والسيادة الداخلية.
• القانون الثالث (قانون الموت السريري للدول): لا تموت الدول برحيل قادتها أو بوفاة رجالها، وإنما تموت عندما تنقطع سلاسل التوريد الفكري للمدارس التي أنشأتها.
• القانون الرابع (عتبة التأسيس الحضاري): تبدأ الحضارة السياسية للدولة عندما تتحول "مدارس الرجال" إلى "مؤسسات مستقلة عن الرجال"، بحيث تصبح الرؤية الفلسفية عقيدة مؤسساتية عابرة للأجيال.
التشخيص الاستقرائي وأزمة الانقطاع التاريخي
فشل العراقيون اللاحقون في تحويل مرحلة التأسيس إلى فلسفة ومأسسة وراحوا يحاكمون المؤسسين وبدل السؤال التأسيسي العظيم: "كيف نشغّل معمل الدولة ونطوره؟"، حل السؤال السلطوي الضيق: "من يسيطر على الإدارة؟"
إن التدقيق الاستقرائي في مسيرة الدولة العراقية يكشف عن حقيقة بنيوية مغيّبة: إن الدولة العراقية قد أُسّست وأُنجزت بالفعل كـ"معمل متكامل" واكتملت خطوط إنتاجه، لم تكن الأزمة يوماً في غياب المخطط أو نقص التروس والمحركات؛ فقد نجح الجيل المؤسس في ضبط إحداثيات الآلة وصياغة وظائفها السيادية، إلا أن المعضلة التاريخية بدأت عندما تحول هذا المعمل المكتمل إلى يد "مدراء تعاقبوا عليه" دون أن يمتلكوا فلسفة التشغيل أو يستوعبوا هندسة البناء.
بدلاً من إدارة المعمل وتشغيله لإنتاج الاستقرار والتنمية، انشغل المدراء الجدد بالصراع على مقعد الإدارة ذاته، ولأنهم لم يدركوا أن القيمة تكمن في توازن التروس وتكاملها، راحوا يفككون أجزاء المعمل قطعة فقطعة؛ فاستُهلكت مؤسسة الجيش في الانقلابات لتلغي الشرعية الدستورية، وجُيشت البيروقراطية لخدمة الولاءات الضيقة لتلتهم كفاءة الإدارة، وحُوّلت السياسة الخارجية إلى أداة للمغامرات أو التبعية المطلقة لتقوض السيادة.
فشل العراقيون اللاحقون في تحويل مرحلة التأسيس إلى فلسفة ومأسسة وراحوا يحاكمون المؤسسين وبدل السؤال التأسيسي العظيم: "كيف نشغّل معمل الدولة ونطوره؟"، حل السؤال السلطوي الضيق: "من يسيطر على الإدارة؟"، فبقيت الجدران والمناصب، وتفككت المحركات الاستراتيجية.
الرؤية الاستشرافية لمستقبل الدولة العراقية
علينا فهم "نظرية المدارس السيادية"، فهي تجربة عراقية، يمكن أن تعيد تشغيل المعمل السيادي، وصياغة عقد اجتماعي جديد؛ ثورة إدارية، رؤية، واستعادة لمفهوم الأمن والحوكمة الرقمية والخدمات طريق الخلاص من ارث المحاصصة الذي عطل الإنتاج وقضى على أدواته، استشراف سياسة خارجية حول نقطة توازن وشبكة مصالح، ووضع آليات كفيلة بامتصاص الأزمات.
الاثنين، 17 أغسطس 2026
السبت، 15 أغسطس 2026
266- الإرادة والمطاولة: فلسفة الوجود ومواجهة القهر في المشكاة النبوية
تأمل في حديث نبوي:
الإرادة والمطاولة:
فلسفة الوجود ومواجهة القهر في المشكاة النبوية
(اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ
الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجَزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ،
وَغَلَبَةِ الدَّيْنِ، وَقَهْرِ الرِّجَالِ)
ومضة:
النظر للإرادة بالمفهوم الفلسفي الإسلامي يأخذ الحديث
النبوي من سياق التبرك اللفظي إلى مصاف "المنهج الحركي لبناء الإنسان الصامد"، فالإسلام لا يرى في الإنسان كائناً مسلوب الإرادة مسيرا بالحتميات، والا
ما معنى الثواب والعقاب بل قبل هذا الحساب وإنما يراه مكلفاً ومسؤولاً، وجعل
الحرية في الاختيار والعزيمة شرطاً أساسياً لصحة هذا التكليف، « حتى الدول حين تتحول
الديون من أرقام في الموازنة إلى
"شروط هيكلية" تفرضها مؤسسات دولية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي،
فإنها تنتقل من سياقها المالي الصرف لتصبح أداة قهر وتسلط عابرة للقارات، تسلب
المجتمعات سيادتها وتتحكم في تفاصيل حياة المواطن اليومية، وعندما تعجز عن السيطرة
على الفساد فهذا قهر الرجال
وهن العاطفة وقهر العجز
تبدأ مأساة الإنسان عندما يعجز عن حماية من يحب، ليس فقط
من عوادي الزمن وظلم الآخرين، بل حتى من "نزوات" المحبوب نفسه، إن هذا
العجز يمثل ذروة "قهر الرجال"؛ فالقهر ليس سوى تجريد الإنسان من قدرته
على الفعل وحرمانه من حق الحماية.
عندما يعجز عن صد عاصفة شعورية تعصف باهله ووطنه وامته،
يتحول القهر من ضغط خارجي إلى تآكل داخلي، هنا يولد "العجز والكسل"
كمرحلة تالية للقهر، حيث يفقد العقل المحرك الأساسي للمقاومة، ويتحول الكيان
الإنساني من فاعل في الكون إلى مفعول به.
الحرية شرط العطاء:
الإنسان المقهور والمكبّل بالديون (سواء كانت ديوناً
مالية، أو التزامات خانقة) هو إنسان مسلوب الإرادة، والمصلح أو المواطن الصالح لا
يمكنه تقديم النفع لشعبه أو وطنه وهو يعيش حالة "العجز والكسل"، التعوذ هنا
رفض واعي للمظاهر التي تحوّل الإنسان الإيجابي إلى عنصر خامل ومستهلك، "وأعوذ
بك من "قهر الرجال" هي في جوهرها استعاذة من وضع يُسلب فيه الإنسان
حريته لأن القهر يعطل فاعلية التكليف ويجعل المرء عاجزاً عن الوفاء بمسؤولياته
تجاه ربه، ونفسه، وأمته، وهي إشارة لاتباع الآليات علمها الله لعباده وجعلها من
سنن الكون في التدافع وليس آليات إبليس والخنوع التي مسارها إلى غضب الله.
أن استعباد الدول من قوى أكبر منها وإجبارها على الخضوع،
وبدل تحقيق الرفاهية للشعب تذهب إلى استعباده بعجزه أمامها وأمام نفسه كما عجز
الدولة أما غيرها، وكسلها عن المواجهة يجعلها تفرض عليه فوق طاقته كما فرض عليها
فوق طاقتها، فتغلبه الديون كما غلبتها الديون، لكن المواطن وهو عاجز في كل هذا واقعا
تحت قهر الرجال إجبارا، وتقع الدولة في قهر الرجال اختيارا، وهذا أشد مما استعاذ
منه رسول الله(ص).
فخ "الهموم" مقابل واقعية
"العقبات"
تتشكل جغرافيا النفس البشرية بناءً على طريقة رؤيتها
للحياة؛ فحين يتعامل الإنسان مع الدنيا بوصفها كتلة صماء من "الهم
والمشاكل"، فإنه يحكم على إرادته بالضمور، الاستسلام لفكرة أن المشكلة هي
"قدر دائم" يحوّلها سيكولوجياً إلى "همّ مقيم" يورث
"الحزن" وتمثيل الرضا
أما القراءة الواعية، فتقتضي تحويل "المشاكل"
إلى "عقبات"، الفرق بين الإثنين أن الهم مستنقع يغرق فيه المرء، أما
العقبة فهي جدار صُنع ليُتسلق أو يُهدم، إدراك الدنيا كمسار مليء بالمنعطفات
والعقبات يمنح النفس مرونة مجابهة القهر، فالألم في هذا السياق يصبح ثمناً مستحقاً
للعبور، وليس سياجاً يمنع الحركة.
المطاولة والديون الوجودية
الحياة في جوهرها ليست سباق سرعة، بل هي "معركة
مطاولة" تحتاج إلى نَفَس طويل وإرادة صلبة لاجتياز الأزمات أو تسديد
"الديون"، وهنا يتسع مفهوم "الدَيْن" في الفلسفة النبوية
ليتجاوز معناه المادي الضيق (المال) إلى أبعاد وجودية وأخلاقية شاملة.
الديون أنواع، وأثقلها هي الديون غير المرئية:
- الدين تجاه الوطن والشعب: وهو الالتزام الأخلاقي والتاريخي
بتقديم النفع، وحماية الهوية، والمساهمة في البناء.
- الدين تجاه الذات: وهو السعي لتطويرها وعدم الخضوع
لجهلها أو كسلها.
- الدين تجاه الآخرين: وهو الوفاء بالوعود والمشاعر
والمسؤوليات الاجتماعية.
إن تراكم ما يحتاج تسديداً (بسبب الجبن أو البخل أو
التقاعس) هو ما يؤدي في النهاية إلى "ضلع الدَين" – أي انحناء الظهر
وثقل النفس ــــــــــــ وعندما تنحني النفس تحت وطأة تقصيرها، تصبح لقمة سائغة وتغلب
عاجزة مقهورة فتبدو كتسلط الظرف وهو ما يحصل فعلا كأحد الحالات حتى مع العامل
الجاد المكافح والصادق في المجتمعات المتخلفة الغاطسة بالفوضى
خاتمة: العبور بالإرادة
إن الحديث الشريف لا يقدم مجرد استعاذة لفظية، بل يضع
خريطة طريق تحذيرية؛ إنه ينبهنا إلى أن الضعف يبدأ من الداخل (الهم والحزن)،
لينعكس على الجسد والسلوك (العجز والكسل)، فيثمر تراجعاً عن المواجهة (الجبن
والبخل)، لينتهي الإنسان عبداً لظروفه وللآخرين (غلبة الدين وقهر الرجال).
المخرج الفلسفي والعملي يكمن في "الإرادة
والمطاولة"؛ فالإنسان لكي يحمي من يحب، ولكي يفي بدينه تجاه وطنه وشعبه، عليه
أن يمتلك الشجاعة لتحويل مشاكله إلى عقبات، وأن يدرك أن تسديد ديونه الوجودية هو
السبيل الوحيد للتحرر من قهر الدنيا وغلبة الرجال.
الاثنين، 10 أغسطس 2026
265 -تلفزيون الحياة في ستوديو البيت الأبيض
رابط الشبكة مباشر مجلة الاسرة في المهجر
تلفزيون الحياة في
ستوديو البيت الأبيض
حدّث العاقل
قيل «حدّث العاقل بما لا يُعقل، فإن صدّق فلا عقل له»،
كانت هذه الحكمة تمثل في زمنها اختباراً بسيطاً للعقل وقدرته على التمييز بين
المعقول واللامعقول، غير أن التحول الفلسفي العميق الذي طرأ على مفهوم الخطاب
السياسي المعاصر يتجاوز بكثير ثنائية التصديق والإنكار التقليدية، ليؤسس معياراً
جديداً أكثر تعقيداً وفعالية، قوامه ما يمكن تسميته «إدارة الإدراك»، المشهد
الجيوسياسي الراهن لا يعبر عن غياب للعقلانية أو عن ارتجال عشوائي، بل ينطلق من
عقلانية تنظيمية صارمة تُصاغ فيها المواقف والتصريحات وفق إيقاع درامي محبوك بدقة
متناهية، تظهر الصورة أمام المتابع وكأن هناك كاميرات شفافة تبث أبعاداً خفية من
المسرح السياسي، فيصل إلى تفاصيل يُراد أن يصلها استشرافا للرواية قبل أن تبدأ
فصولها فعلياً، هذه القدرة على صياغة المشهد مسبقاً وتحريك عناصره وفق سيناريو
مدروس تمثل جوهر السياسة الحديثة، حيث لم يعد الهدف الأساسي إقناع الجمهور بحقيقة
مطلقة، بل إعادة تشكيل إدراكه للواقع بطريقة تسمح بتمرير القرارات الكبرى بسلاسة،
المطلوب أن اصدق قصة كنفاد السلاح وجهل عدد الالغام.
سيناريو التناقضات
هنا تكتسب
التناقضات الظاهرة في الخطاب السائد وظيفة بنيوية دقيقة لا يمكن تجاهلها، سواء
تعلق الأمر بقراءات متضاربة للمتغيرات الميدانية في الممرات المائية الحيوية، أو
بتقييمات متباينة لأحجام المخزونات التسليحية ومدى كفايتها الاستراتيجية، فإن هذه
التناقضات ليست أخطاءً عابرة أو نتيجة ارتباك، هي مقصودة مصممة للمحافظة على درجة
معينة من التذبذب والتأرجح الضمني ضمن حدود مُسيطر عليها بكفاءة عالية، تتيح هذه
التذبذبات لصانع القرار قدرة استثنائية على ضبط حركة الأسواق المالية العالمية،
وتعديل التوقعات الاقتصادية بمرونة تامة، ومنح نفسه هامشاً واسعاً لتحريك أدوات
الضغط والتهدئة دون الانزلاق إلى تصادمات غير محسوبة العواقب، فالإعلام في هذه
الحالة لا يعمل كوسيط محايد ينقل الواقع كما هو، بل يتحول إلى أداة هندسية متقدمة
لتحقيق التوازن الدقيق بين الرغبة في حشد الرأي العام والقدرة على التحكم الكامل
في اتجاهاته، الخبر نفسه يمسي مادة قابلة للتشكيل، والتناقض مصدراً للاستقرار
المؤقت، والارتباك الظاهري غطاءً لتخطيط أعمق، إن التركيبة النفسية والأسلوبية
للقيادة السياسية المسؤولة عن إدارة هذا المشهد المعقد ليست وليدة المصادفة أو
المزاج الشخصي، بل هي تركيبة تتناسب كلياً مع متطلبات المرحلة الراهنة، إنها نمط
من الإدارة يقوم على إبقاء الجمهور في حالة ترقب واستنفار مستمرين، بحيث يبقى
الوعي الجمعي معلقاً بين الخوف والأمل، وبين التهديد والتهدئة. ومن هذا المنطلق،
فإن التغطيات ذات الطابع الاستعراضي أو التهديدات المتبادلة التي تملأ الشاشات لا
تمثل النهاية في حد ذاتها، بل تُعد تمهيداً ذا توقيت زمني دقيق لمرحلة لاحقة.
اختفاء هذا النمط التلفزيوني الصاخب أو انقضاء مرحلة
التهويل الاستعراضي لا يعني بالضرورة انفراج الأزمة أو اقتراب الحل، بل يشير في
كثير من الأحيان إلى الانتقال الهادئ نحو مرحلة الأدوات الأكثر خشونة ومباشرة، حيث
يصبح الفعل الميداني حاجبا لكل الكوميديا بصوت الانفجارات وأزيز أدوات تغييب
الحياة.
هندسة الإدراك
وحسابات الزمن السياسي
هنا يبدو التوقيت
دافعا للمناورة، يُحسب الاستحقاق الزمني بعناية فائقة ليصل إلى ذروته بالقرب من
المحطات الانتخابية الحاسمة أو القرارات الاستراتيجية الفاصلة، وتحديداً حول منتصف
أيلول/سبتمبر المترقب، فالذاكرة الجمعية للمستمع والمتابع للخطاب السياسي تتصف
بالسيولة والنسيان السريع؛ لذا لابد بين الحرب والانتخابات أمد قصير نسبياً، فخفض
التصعيد الاستعراضي في لحظة معينة ليس إلا عملية ضبط دقيقة لساعة التوقيت
الجيوسياسي، إنها عملية حسابية معقدة تجمع بين علم النفس الجمعي والاقتصاد
والإعلام، بهدف ضمان أن تصل الرسالة الأقوى والأوضح في اللحظة التي يكون فيها
التأثير أعظم ما يكون؛ بهذا المعنى، يصبح الزمن نفسه أداة سياسية لا تقل أهمية عن
القوة العسكرية أو النفوذ الاقتصادي.
ومضة اسمها الإنسان:
الإنسان بحاجة أن
يحس أنه إنسان بعيداً عن حسابات المسرح السياسي المعقدة ومهارات التوجيه الإعلامي
والاقتصادي البارعة، تبقى المنطقة المعنية بهذه التفاعلات بحاجة ماسة إلى مقاربة
أعمق وأكثر إنسانية لتاريخها الاجتماعي والسياسي، لقد عاشت هذه الجغرافيا
استنزافاً طويلاً وممتداً عبر عقود متتالية من التوترات والصراعات، وهي اليوم بأشد
الحاجة إلى حالة من الاستقرار البنيوي الحقيقي الذي يمنح الإنسان فيها فرصة
لاستعادة إدراكه للمعنى الجوهري للوجود والعيش الهادئ الكريم؛ إن الحياة الدنيا،
مهما امتدت أعمار البشر فيها تبقى سريعة
فلا شيء يضاف للإنسان وقد اتحد والألم، وليس أصعب على النفس البشرية من أن يمضي
بها العمر كله في حالة ترقب دائم لأزمات لم تشارك في صنعها، ولم يكن لها يد في
إدارتها، لتغادر هذه الحياة في النهاية دون أن تحس بطعم الاستقرار الذي هو حق أصيل
لكل مجتمع وكل فرد.
الاستقرار ليس ترفاً سياسياً، بل هو الشرط الأساسي لكي
يشعر الإنسان بأنه إنسان كامل، قادر على التخطيط لمستقبله وبناء حياته بعيداً عن
ظلال التهديدات المتجددة، ونتأمل النهايات إن قراءة الواقع السياسي برزانة
وعقلانية تقتضي احترام الآليات المعقدة التي تحرك كافة الأطراف الدولية
والإقليمية، وفهم الفلسفة العميقة التي تُدار بها الأزمات الكبرى في هذا العصر؛ لا
ينبغي الوقوع في فخ الرفض السطحي أو الانفعال العاطفي السريع، لم نعرف السياسة
الحديثة أنها صراع على المصالح أو توزيع للنفوذ، بل عرفناها أنها صناعة متكاملة
للإدراك الجمعي، حيث تُصاغ الحقائق وتُعاد صياغتها وفق الحاجة، ويُدار الزمن كأداة
استراتيجية، ويُبقى الإنسان معلقاً بين الخوف والرجاء. ومن يدرك هذه الحقيقة بعمق،
يصبح قادراً على قراءة المشهد لا كما يُراد له أن يُقرأ، بل كما هو في جوهره: مسرح
كبير تُدار فيه معارك الوعي قبل أن تُدار الأحداث.
271: كيسنجر: جواب لقراءة افتراضية حول العراق
رابط عربي 21 منهج كيسنجر : على الرغم من أن ما نشر على لسان كيسنجر أراه لا يتسق مع عبقرية كعبقرية كيسنجر، فأغلبه يبدو قراءة وتحليل ذكي للكات...
يقظة فكرgoogle-site-verification: google25f7d3ebc2fdac29.html
-
حرب القرم ما بين الحتمية والعدمية توصيف المشكلة: عندما تفكك الاتحاد السوفيتي، لم يك أمام الغرب إلا القبول بروسيا كوريث للاتحاد ا...
-
مدونة يقظـــــة فكــــــــــــر عندما تغيب الرابطة العليا وتحل محلها روابط هابطة تظهر أصنام الدجل والتخلف مرتدية أجمل أحلامك لتحولها إلى...
-
ثقافـــــــــة الاعتــــــــــــذار الأنا: لم يك إبليس غبيا، لكن كانت الأنا عنده مرتفعة فأعمته عن إدراك قدر نفسه فتاهت وضعفت عندما ق...



