ومضة المقال:
ليس حفيدي (من ابنتي) يحيى، الذي عمره شهر الآن، هو دافعي لكتابة هذا المقال، وإن كان اسمه تيمنا بيحيى، أو من يسميه المسيحيون "يوحنا المعمدان".. حنان من الله معنى اسمه والقرآن قال "وَحَنَانا مِّن لَّدُنَّا"، وهنا كان الدافع لكتابة هذا المقال إذ صوّب يحيى عليه السلام معانيَ كثيرة في سلوكه، كمعنى الحنان، والقوة، والفعل المضارع في قوله تعالى "يَوْمَ يَمُوتُ".. معجزتان في الخلق أنهتا بني إسرائيل من النبوة في النسل، هما ابنا الخالة يحيى ابن اليصابات وزكريا، وعيسى بن مريم كلمة الله "كُن فَيَكُونُ". عندما تنظر إلى سيرتهما تسأل: ما الرسالة التي أُرسلت عن طريق يحيى وما الرسالة التي أرسلت عن طريق المسيح؟ نبي ورسول أتيا إلى قوم فقُتل يحيى، ورُفع المسيح (أو صلب وفق السردية المسيحية وهذا ليس بحثنا هنا)، لكن الفكرة أن ما وصل إليه القوم من الفساد بما لا يمكن إصلاحه، ما أشبه أقوام اليوم -وليس الصهاينة وحدهم- وفسادهم في المنطقة ببني إسرائيل، وإدارة الجميع من روما حيث قيصر الأحمر واليوم حيث سرديات بتهمة الخرافة تتشاتم بها عناصر التطرف ممن في الحكم أو خارجه.
من يحيى عليه السلام:
لن أدخل في سردية معروفة، لكن نبي الله يحيى رسالته أتت معه، وهو صبي صغير تمكن من العلم بالتوراة وجوامعها، "خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ"، القوة في واقعنا اليوم تعني الجبروت والفساد ليتمكن الفساد من المجتمع، بيد أن القوة التي عرفها يحيى هي قوة المعرفة وقوة الخطاب والصمود على المبدأ، وأما الحكم فهو ليس السلطة وإنما السلطة هي الإلمام المعرفي. الحكم يعني إحكام الفهم سواء في الشريعة أو الدولة، أي فهم الشريعة قبل تفسيرها والبت فيها، وفهم البيئة والأمة وحاجاتها وكيفية سياستها قبل السلطة أو الاستبداد والدخول في دوار الظلم الذي يخرج الآدمية عن رسالتها.
يوحنا المعمدان معجزةٌ تحمل رسالة بدمها:
سأل زكريا ربه أن ينجب ولدا يرث علمه ورسالة حملها آل يعقوب، رسالة موسى التي انشغل عنها رجال الدين وتحول الهيكل إلى مكان للمضاربات والصيارفة ومعاملات التجارة، وانتشر فساد الدنيا فلم يعد أحد يؤتمن على الرسالة من زكريا فأراد عليما بها قادرا على إدارتها، هذا فهم زكريا، لكن الله أراد رفع الرسالة عن قوم فقدوا أهلية حمل الرسالة، وأقام عليهم الحجة عندما أهدروا دم نبي معجزة، حامل للشريعة وصارم على ما يخالفها؛ حدث -إن صحت رواية التاريخ- يتكرر كل زمان، فيصبح المصلحون على مذبح هيرودس وبغواية التفاهة، فما انفكت سالومي تُعجب هيرودس في عصرنا برقصتها وتطلب رأس يحيى على طبق، فترى السجون تبلي عمر المصلحين وكراسي السلطة للتافهين.
القرآن يقول: "وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيا" (مريم: 15)، لقد جاء القرآن بالفعل المضارع، وما أراه أن حالة يحيى في الموت بالمضارع وولادته بالماضي تدل على استمرار ولادة المصلحين، مع تكرار قهر الاستبداد والتفاهة والجهل للعلم والمعرفة حينما يضيق صدر التافهين بكلمة الحق على مدى العصور، فما برح إلى اليوم يُضطهد يحيى ويقدم رأسه على طبق لإرضاء التفاهة، وأمسى الفساد الكبير يسود العالم، لكنه مقهور مهزوم.
يحيى والمسيح عليهما الصلاة والسلام دليل إثبات:
الاثنان عملا لنفس الهدف، عالم ومن طفولته ابن نبي، والنبي من تحدثه السماء، ثم حفيد عمران من ابنته بكن فيكون، ومعاداة الناس لهما كان دليلا كافيا على انعدام الإصلاح، وأصبح الدين من وسائل الخداع والتسلط والطغيان والاستبداد على الأتباع، فكان بقتل يحيى قتل للعلم والشريعة، ومع المسيح كانت محاولة قتل الصلة بالله، فكانت أمة مختارة ليرى الناس الفساد والطغيان وما يحل بهما، ولتنقل الرسالة إلى فرع إسماعيل فيأتي الإسلام والنبي الخاتم حاملا كتابا يحمل شريعة سمحاء، وفيه الفرقان الذي يفصل بين الحق والباطل. والحكمة التي تنظر إلى الواقع استقراء له، فليُستنبط من الكتاب ما يحل به مشاكل الأمة ذاك الذي يصلح لكل زمان ومكان عندما يقوم تقوم فكرة يحيى والمسيح، وعندما يتراجع الناس إلى التفاهة والفساد يقفون إلى صف من ظن أنه أعدم الرسول.
.jpg)
