ماذا يفعل الأب؟
ماذا يفعل الأب وهو يرى عيني ابنته تغرقان بدمع ينهمر؛ وهي خائفة على ابنها (حفيده)؟ هنا يتوقف القلم مستطلعا ألم الأب والابنة والسبط، هو إحساس الأجيال، عندها يعجز الوصف لتسونامي الألم في صدره.
فماذا يفعل اليوم وهو يرى ابنا مقهورا قهر الرجال؛ أيبكي؟ وهل حرر البكاء أرضا أو سدد دَينا؟ إننا نشاهد كل يوم بناتنا وأبنائنا في هذه الحالة، ونرى ذل الظالم أمام ظالم أظلم منه أيضا، لكن هذا يزيد من نزيف القهر المؤبد الذي نعيش فيه؛ وما فارقنا يوما بسبب نزوة غريب أو قريب ونحن نقلب بل نقرأ صفحات الزمن المر كلمة فكلمة بل حرفا فحرفا، إنه ألم يتجسد فيرتعش له كيان الإنسان، ليس خوفا أو خشية وإنما هو حس حقيقي بدموع لا تتوقف، ترجو الأمل وبِقَهْرِ مَقْهُوُرٍ يكابر ويوقف نزف جرحه براحة يده ويتمتم ناعيا موت الإنسانية وسقوط الآدمية بفشل الإنسان، ثم يأتيك تافه من الشرق أو الغرب متصورا أن ما يراه من رقاعة هي وصف لكل الشعوب، ويريد جهله وسفاهته أن تعتبره معلما وكأن الناس يجب أن يتماهوا مع تفكيره وإلا سينزل عليهم صواعق السماء وحمم براكين الأرض.
الخوف أم الخشية؟
هل يخاف الإنسان؟ هل تخاف الأُسر؟ هل تخاف الأوطان والأمم؟ أم أنها تخشى؟ وماذا تخشى؟
عندما يفقد الإنسان، الأُسرة، الأمة.. تعريف أي شيء، وتبقى الانطباعات عنوان المعرفة؛ يحل وهْم الخوف المحبط للاستمرار. في الزمن المر؛ لا شيء معرّف، والخوف جزء من نظمه وقوانينه، لأن القوانين نصوص تفسرها المصلحة، والمصلحة في الزمن المر هي مصلحة من يجعل الزمن مرا، ولكي يتغير زمنك لا بد أن تغير المكان كمنطق تحليل لازمة النفس، لكن هل يوجد في الأرض اليوم مكان يمر عليك الزمن فيه جميلا؟
الحقيقة أن المكان والزمان موطنهما منظومة عقل الإنسان، فالزمن الحلو هو في ذات المكان من الأرض التي يمر بها الزمن المر، لكن برأس إنسان مختلف، إحساسه وتعريفه للمفاهيم وللمعاني، فما يراه إنسان أو قائد أن الأمة ينقصها، يراه الآخر أنه وضع مثالي، كل الفرق هو فهم الواقع بأساليب مختلفة، ومع المثال يجاب السؤال كما يقال: الإنسان الحامل لفكرة فئوية، هو عنوان من عناوين التخلف أصلا، هو يرى الكمال في تمكين فئته، والأدق تمكينه هو باسم فئته، وهذا غاية الطلب، أما من يبني أمة فإنه يرى تمكين الأمة ونهضتها هو الغاية التي لم تتحقق، وعليه فهنالك المزيد من التغيير والإصلاح مطلوب. هنا تنشأ بلاد الخوف، فأنت لا تعرف كيف يفكر من يرى الصواب في وجوده وتمكينه وما خلا ذلك مرار وقهر. هؤلاء الناس خطرون وهم متمكنون، وكذلك خطرون وهم غير متمكنون ويسعون للتمكين، لأنهم سيكونون العدو المحبط للتطور والنجاح، فهم طاقات سلبية عدمية، أحاديون يجتمعون بغاية حصولهم على ما يريدون لكنهم منفصلون عمليا عن الجميع.
فالخوف هو عندما تتولى هذه الفئة الأمور والقرار، والخشية منها عندما تكون خارج السلطة والقرار لأن الناس يعلمون ما ستفعل هذه الفئة إن تمكنت.
هنا يحس الإنسان بألم الأجيال، هي المستقبل لأناس يعيشون في المكان الذي يراه الظالم حلوا زمانه، وهم الذين يقهرهم هذا الطغيان الرقيع فيكون الخوف على المستقبل ومنه قلم الإحساس العلقم.
هل هو وهْم أم حلم؟
تكاد أحلام الأمم أن تكون وهْما في بلدان لا يُضمن مستقبل فيها، والناس ما بين خوف وخشية، فمنهم من يعرف ما يخشاه ومنهم ما يتحسس ويجهل ما يخافه، لكن النتيجة أن الجاهل المتسلط لا قيمة عنده لعلم أو قلم أو مستقبل بغير فهمه لمعنى التمكين، فترى الطاقات ليست آمنة أو هاربة بحثا عن الأمان، وهي حتما لن تجد تمام الأمان وإنما تغير ما كانت تخشاه إلى مخاوف تقنع نفسها بأنها بعيدة بالأمل أو تتعايش مع تلك المخاوف لأنها لا تهدد حق الحياة ربما، لكن تهدد معناها رغم أن فيها ما يوحي بأنها تعتني بالكرامة الإنسانية كما هو حال "المهجر".
ولعل هذا ترجمة لما فُقد في مجتمعنا من معاني التكافل التي كانت فيه ولا تأتي مُرضية إلا بالفهم لمعنى مفهوم الإسلام؛ ليس لإشباع غريزة أو عصبية لمسلمين، أو لعنصرية أو جمود، وإنما حضارة فكرية تجمع الكل بنظام عصرهم مهما تعدد أديانهم ومشاربهم. وكما الأب ينظر إلى نقص أولاده لسده وإلى مرضهم لعلاجه، ينظر المتمكن إلى الأمة بتنوعها. وهذا ليس وهْما إنما حصل بظرف أقل إمكانية للتنظيم، غير إن إعاقة الفكر في زمننا أبرزت لنا تلك النفوس التي اشتطت بجهلها لتجعله مرّا، وباسمه أفرزت كل أمراض النفوس وحب السلطة والتمزيق، فعندما يلبس إبليس ثياب الملاك ولكن لا يترك مذراته كما يصورونها، عندها سنجد النفوس تباع بالغرائز ما بين جهالة وجهل ونفاق.
الحق أقول لكم أن من عرف الله لا يمكن أن يكون متجبرا ظالما ثم يزعم أنه سيفارق إبليس ويذهب إلى الجنة، وإن مواجهة صفحات الزمن المر لا يُهرب من فصولها بالنفاق.
.jpg)
