https://m-salihalbdrany.blogspot.com/ فكــــــر اليقظـــــــة Mindfulnesshttps://m-salihalbdrany.blogspot.com/

بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 11 أبريل 2026

238- الفرقـــــــــان

 عربي 21

( وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ )

منهج طرح الأفكار:


الله عز وجل خلق الآدمية كسلالة بشرية تتميز بمنظومتها العقلية، لذا تقييد ما تتميز به السلالة بغير معايير القيم والأخلاق يعد انتهاكا لدورها في التفكير والإبداع.. القرآن، الكتاب، الفرقان، الذِكر، الضياء.. عندما أردت أن أنقى كم الأفكار في توضيحها وجدت ضعفا بنيويا عند الكثير من الباحثين وفي فهم القرآن نفسه ككتاب وفرقان وذكر حكيم. كل من يطرح يحاول أن يقول لا الأولون ولا الآخرون أصابوا في شرح المعنى وإنما أنا الوحيد الذي يقدم لكم المعنى الصواب، ومن الطبيعي أن يظهر مؤيدون لهذا الشرح ومخالفون.

فهناك التأييد الأعمى الذي يؤيد منطق الطرح دون أن يجري تعسف على الذهن البشري، فكل من يطرح رأيا بالتأكيد عنده منطق مقنع لمسار فكري أو في قواعد اللغة ومعاني الكلمات، وعليه يبني الفكرة، فليس من فكرة خالية من المنطق الذي يؤيدها، بين مقتنع ومخالف ناظر من زاوية أخرى. والمخالفة للأسف عندنا تذهب إلى التسفيه والتكفير غالبا وربما الشتيمة، وهنا ينشغل البعض بالرد على الناس أكثر من القيام بمهمته في التفسير حتى وأنت تسمع مسألة يفترض أنها إعجازيه أو معاني غامضة، فتجد أنك أمام شخص يسفه الآخرين ويسبهم ويفقد قيمة بدأ بها متوازنا، لأن الاعتراضات عليه أصابت الأنا ورفعت الشطط، والشطط عندما أصاب إبليس سُمي شيطانا، وكذلك كل إنسان أيضا يقع في نفس المنزلق الأناني فيبدأ في تسخيف طرحه قبل غيره بجعل الأنا محوره، متفرغا للمناكدات.

"فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ"

الشروحات القديمة هي قراءات على قدر المعرفة في ذاك العصر، والقرآن يتحدث مع المنظومة العقلية، ومهمتنا ليست تسفيه الأولين، كما أنها ليست تقديسهم، فهذا القرآن ينزل كل يوم وكل عصر، والمعاني تأخذ سعة ما توصل إليه الإنسان من معرفة، فليس شرحه في مجتمع صغير كشرحه في مجتمع كبير غير متجانس. هذه الآية مثلا إن قرأتها أنها أستعاذة عند الشروع في القراءة، فأنت تقرأ فهما لها، لكن هنالك أفهام في المراد من القرآن ومنهج النظر إلى معانيه، فهذه الآية لها معنى غير المعنى الذي يقول استعذ بالله من الشيطان قبل القراءة، لأن المشكلة عندنا ومعنا في عصرنا ليست خارجية وإنما داخلية، فعلي وأنا أكتب هذا الكلام أن أسأل الله أن يصوبني، وأن لا أتبع نزوات النفس في الشرح والتفسير أو التأويل، هنا المعنى؛ استحضر الله ولا تجعل نفسك تشطط بالأنا والتماد والتعصب لفهمك وإنما هنالك أفهام، فـ"استعذ" أثناء القراءة هي التفكر والتدبر وتحصين نفسك من سوء الشطط.

قل رأيك ولا تسفه الآخرين:

إن كان مسعانا لله ونرجو رحمته، فاحسب أن هذا ما سيستحضر دوما، إقناع الناس ليست مهمتنا وأن يمتدحنا الناس ليس غايتنا، أقول ما أرى بعد دراسة مستفيضة، أتعامل مع الله في العمل كأمانة أقدمها للبشرية ككل، لست وكيلا، لست مسيطرا، هنالك من سيقف ضد ما أرى فلا أنشغل كثيرا بالتحديات لما طرحت، فالأصل أن أطرح لا أن أجبر الناس على الاتفاق معي، فقد أكون مخطئا في الطرح فيصوبون خطئي، هنا لست منشغلا بالرد على الرد وإنما عقل الرد، فإن وجدته ارتجالا سطحيا فسلاما، لأن من يطرح الأمور بشكل سطحي يعبر عن منهج جدلي سفسطائي سيستمر بإلقاء السلبيات من الأفكار والمشاعر وغيرها.

ما نحتاجه فعلا:

ظهرت في الأمة نخبة من المفكرين خارج الصندوق، وطرحوا الكثير من الكلام، والشمولية عادة يحدث فيها الزلل، فهم وقعوا في نفس عيوب منهج السابقين وهو محاولة الإجابة على كل الأسئلة، والقطع في الجواب، ولا يوجد لا أعلم! أي "هذا لا يمكن" و"من قاله فهو لا يفهم".. وهكذا يقعون في مصيدة الشطط فيفسرون أمورا في فهمهم أنها حقائق وبلا "الله أعلم". هنا نحتاج إلى الشمولية في المعايير وليس التفسير، أمور المراجعات الفقهية تحتاج مراجعات غير تقليدية، ونحتاج أن نعد كادرا لمراكز الدراسات، وليس تكرار أو اعتماد الشهرة وإنما وضع معايير للتقرير ومنهج للتدبر والتفكير.

هل هي تسميات أم صفات أم أوجه؟

عندما نأتي إلى القرآن الكريم فهو مفهوم كمصطلح أنه ما بين الدفتين، ونجد كلام الله، يقول: القرآن، والمثاني، والفرقان، والذِكر، الكتاب هدى للمتقين، والكتاب هدى للناس، والإيمان بالغيب، ثم الدعوة إلى التفكر بالخلق وعلوم الفضاء والكيمياء والفيزياء.

هذه شرحت من الأولين والآخرين بعدة طرق والمشترك بينهم أسلوب المسطرة على كل شيء، وعندما أجريت بحثا لاحظت أن شرح الكل صحيح من جانب، فالقرآن بالذات لا يفسَّر بأن هذا يعني كذا وذاك كذا، فقد يختلف المعنى من فهم لفهم ومن عصر لعصر، ففي موضع القرآن بما يعني هو الاسم والوصف، وفي موقف هو الكتاب من حيث محتواه، وهو الكتاب والحكمة، وهو الفرقان في موقف.

الكتاب للمتقين في مرحلة الإيمان الغيبي وهو سيهديهم الطريق، والكتاب للناس عند توسع المعرفة والرسالة، إنها مدلولات لمراحل وليست توقيفية بمعنى واحد، والاختلاف بها قد لا ترى فائدة منه أصلا في تعريف يضعها في صندوق الأحادية وهي مفتوحة منيرة.

علينا أن ندرك أن الإسلام منهج حياة وليس تقديسا للأشياء والآراء والمعاني، وأن هنالك أدوارا موزعة على الأمة متى ما عرفت طريقها متجاوزة الأنا لتستقيم على المنهج، وهذا لا يأتي بالنفاق والشقاق وسوء الأخلاق، أو طلب الدنيا بغير قصد الآخرة، فطلب الآخرة في حقيقته هو طلب الدنيا كمهمة بنظام وقيم وفهم لمعنى الآدمية وكرامة الإنسان، وليس الاستحواذ أو حصولك على المال ولا يهم بأي طريق أو المنصب والجاه، فأنت ستفقد التوازن إن سعيت لواحدة بغير الأخرى. فالله قال "إني جاعل في الأرض خليفة" أي سلالة جديدة، والفساد يأتي من سوء فهم المهمة، فإن أردت الدنيا كغاية فلك هي لكن ليس لك نصيب في الآخرة، وإن أردت الآخرة بشطط وبدع تقلل من قيمة الرسالة والمهمة وعمارة الأرض فإنك ستحاسب بميزان. لكن للآخرة سعي ونظام، ترتصف النفوس لتسير بالصراط المستقيم إلى أبواب الجنان بالعمل والإحسان، والفهم أول البنيان.


الثلاثاء، 7 أبريل 2026

237 --- الميـــــــــــــــــــــــــــــاه تقرير لكي لا يخدعنا التفاؤل

 



خلاصة والغاية من هذا التقرير:

إن وجود الماء هذا العام لا يعني أن الظروف تحسنت

ضرورة العمل على بدائل للأمطار واستعدادات لخزن المياه في السنين التي تتمطر في خضم الفوضى المناخية

الاتفاقيات الدولية والتعاون المشترك لمواجهة المستقبل مهم

مشاريع كالتي طرحت أو ما يقدمه الفنيون يجب أن تدرس وتصمم وتنفذ بأسرع وقت ضمن تخطيط يسابق العطش.



                                                             

السبت، 4 أبريل 2026

236- وسوسة الانسان وصروف الزمان

 رابط عربي 21


أعماق الإنسان

وأنا أجول مستعرضا الناس وتقلباتهم والزمان، وقامات فقدت انتماءها لشحة المتشدقين بالقيم، أو أناسا أضحوا غير مبالين بمشاعر الآخرين؛ فأحزن على البشر الذين يهربون من الذنب الصغير بالكبير ولعلني أعذره مضطرا، وأدعو له بالفرج، وما يحزن أكثر هو الإصرار عندما يزعم أن ما يقترفه من نفاق هو نصرة للمبادئ والقيم، بينما هو يسيء إلى المبادئ والقيم.. أهو الخوف. أهو ضعف الثقة بالله؟ إنها لقمة العيش المرة زمن الفساد وضيق عيش القابضين على القيم، أم هو تنقله مع رحلة تكسير القيم في دكاكين النفوذ والفساد التي تستعين بالشريف لتبييض سمعتها ثم يسيء هو لسمعته مع وسوسة فقدان الرزق وضياع نمط العيش وانهيار جدار الصمود؟

تعريف الوسوسة

ما بين الأمل والخوف، ينبض صوت خفي يُدعى الوسوسة، ليست مجرد همسة عابرة، وصفها أرسطو بأنها خلل في التخيل، حيث يطغى الوهم على الحقيقة لدرجة يُصدقها العقل، وعرفها الغزالي بأنها "حجاب يشغل القلب عن الحق"، ومهما رأى الفلاسفة في الوسوسة من الشر، أراها قلقا وجوديا وتصورا يولد الخوف مما ينتج عن الأحداث وحالة من التفكير لحل ما لا معطيات لحله.

في هذا المأزق الوجودي، يهرب الإنسان من صغير متوهم إلى كبير واقع، يخشى خسارة وظيفة أو دخل محدود، فيتنازل عن مبدأ أخلاقي أعظم، يخاف الفقر الموهوم، فيبيع ضميره بثمن بخس، يقلق أو تقلق على أولادها، تفسد علاقاتها الاجتماعية


تبدأ الوسوسة بنبض صغير: "ماذا لو خسرت الرزق؟ ماذا لو انهار مستوى عيشي؟ ماذا لو عجزت عن حماية من أحب؟ وهذه لحظة فشل في اختبار الإيمان وتحميل النفس ما ليس عليها.

كلما حاول الإنسان مواجهة الوسوسة بالتفكير فيها أو تجنبها، ازدادت قوتها، لأن القلق نفسه يُفرز دوبامينا خفيا يحوّل الخوف إلى إدمان، هكذا تتحول الوسوسة إلى حلقة مفرغة: خوف، تضخيم كارثي، تنازل مؤقت؛ قد يستديم، إحساس بالذنب، وسوسة.. وهكذا.

في هذا المأزق الوجودي، يهرب الإنسان من صغير متوهم إلى كبير واقع، يخشى خسارة وظيفة أو دخل محدود، فيتنازل عن مبدأ أخلاقي أعظم، يخاف الفقر الموهوم، فيبيع ضميره بثمن بخس، يقلق أو تقلق على أولادها، تفسد علاقاتها الاجتماعية.

الوسوسة في الفكر الإسلامي

وفي التراث الإسلامي، يصف ابن القيم الوسوسة بأنها "حديث نفس يهجم على القلب بغير اختيار"، ويبدو أنه يعدها من اللمم؛ "أن الله يتجاوز عنها ما لم يُعمل بها أو يتكلم"، لكن المشكلة ليست في مجرد الوسوسة، بل في الاسترسال معها حتى يصبح التنازل والتخلي عادة، أو القلق سمة.

الخلط بين حالة مرضية وأن تكون من سمات الشخصية هو الإصرار، وفقدان الموازنة العقلية في السلوك، ومعاملة الاضطرار وكأنه حالة طبيعية، والوسوسة أحيانا تخوين النفس ربما لأنه يتصور أن هنالك خيانة لمبادئه من أجل حماية عزيز عليه، وهو واقعا قدم التضحية من أجل كتم شر أكبر.. سؤالان يثبتان أن الأمر داخل النفس، فالوسوسة هنا ضعف تمييز بين التوازن والهدر، هو مضطر اضطرارا وجوديا، الوسوسة جعلته يرى الرزق رهينة نقلته إلى الخوف بل الرعب، وأصبح التوكل وهما، والصدق رفاهية لا يقدر عليها إلا الأقوياء.

هو يحمل على كتفيه أسرة وأحلاما ومسؤولية ثقيلة، فيصبح التخلي عن مبادئه "حلا" يبدو منطقيا داخل سجن القلق وتخلي من عليه واجب دعمه عن دعمه، فتضيع الطاقات بالمثاليات وما أيسر انتقاد فراغ صبر الجائع وأنت شبعان، فيأخذ الناقد دور القاضي بدل أن يعين.

الإرادة -مهما اغتيلت بالوسوسة- يمكن أن تُبعث من جديد حين يقرر الإنسان أن يحول قرار الضعف إلى دافع نحو الأمل والتوكل الصادق


لعل المتخلي يُعذر فليس كل التخلي عن عزم، لأن القلق الوجودي ليس اختيارا، بل هو جزء أصيل من كينونة الإنسان. بعض الناس يصمدون كما قال كيركغارد: "كلما ازداد الإنسان عمقا في القلق، ازدادت إمكانية عظمته.. إن استطاع أن يحوله إلى إيمان وشجاعة"، لكن هذا ليس القاعدة ويبدو كلاما مثاليا والواقع يتطلب التكاتف والبذل من المتمكن لغير المتمكن، من اجل نظافة الطاقات وعدم تحولها إلى طاقات تبدع في السلبية. فحل مشكلة هذا النوع من الكفاءات هو دعمها من المتمكنين الصالحين، فإن بخلوا أو أرفقوا عطاءهم بالمن وشحنات الشح السلبية، فيفضل العيش منتحرا بالتخلي على أن يبدو مغفلا حين وثق بهذا النوع من الذين لن يهتم لجلدهم له باسم القيم.

الأمل لا يموت

لا تجد عزيمة عند محتار؛ فعندما يثبط الأمل في النفوس فهي تسير ميتة، الأمم السائرة ميتة لا ينقذها إلا هؤلاء الذين يتساقطون اليوم تحت وطأة العيش ويغرقون في طغيان الفساد، الصالحون قولا الغافلون عن واجبهم في تثبيت هؤلاء هم من يجرم بحق هذه الطاقات، وبدل أن يستعيدهم يحمل مذرات تبعدهم عن ساحل النجاة، لا بد من حماية سلام النفس ونقاء الضمير في صروف الزمان.

لكن! الإرادة -مهما اغتيلت بالوسوسة- يمكن أن تُبعث من جديد حين يقرر الإنسان أن يحول قرار الضعف إلى دافع نحو الأمل والتوكل الصادق، فليقطع كل واحد منا هذه الحلقة قبل أن تغتاله، ففي تهذيب القلق الوجودي تكمن عظمة الإنسان، وفي الثبات على المبادئ تكمن العزيمة، فثق بالله ربك.


السبت، 28 مارس 2026

235 - تصويب نظرية داروين في اطار علمي

 


234 - ازمــــــــــة وعي

 عربي 21


ليست أزمة العالم في قلة الناس الذكية والقوية، ولا في ندرة المتعلمين، ولا حتى في غياب الشعارات الأخلاقية، المشكلة أعمق وأشد خفاءً: إنها في الخلط بين الوعي وما يشبهه. فالذكاء، والثقافة، والتدين، كلها صفات قد تتجاور في شخص واحد، لكنها لا تصنع بالضرورة إنسانا واعيا، ولهذا يمكن أن ترى عالما يزداد معرفة، بينما لا يزداد بصيرة، وتزداد فيه الأدوات، بينما تتراجع القدرة على استخدامها بحكمة.

الذكاء:

يمنح الذكاء صاحبه قدرة على التحليل، والربط، واستنتاج ما لا يراه غيره، لكنه لا يمنحه بالضرورة القدرة على رؤية نفسه؛ وهنا يكمن الخلل، فمنظومة العقل التي تستطيع تفكيك أعقد المسائل، قد تعجز عن اكتشاف تحيزاتها الخاصة، بل الأخطر من ذلك، أنه الإنسان قد يستخدم ذكاءه لتبرير هذه التحيزات، فيصبح أكثر اقتناعا بخطئه كلما ازداد تفكيرا، الذكاء هنا لا ينقذ، بل يعمّق المشكلة، لهذا نرى أناسا يتحدثون عن العنصرية وينتقدونها وهم عنصريون أو طائفيون بل ويقترفون نفس ما ينتقدون.

الوعي ليس مجرد معرفة، هو موقف من المعرفة، ليس مجرد إدراك، بل طريقة في الإدراك، هو القدرة على رؤية الواقع كما هو لا كما نحب أن يكون، وعلى رؤية الذات كما هي لا كما نرغب في تقديمها، إنه المسافة الدقيقة بين الفكرة وصاحبها بين القناعة وإمكانية مراجعتها


الثقافة:

هي توسّع الأفق، وتفتح أبوابا متعددة للفهم، لكنها أيضا قد تتحول إلى تراكم معلومات بلا مركز. المثقف قد يعرف الكثير عن العالم، لكنه لا يعرف موقعه من نفسه فهو مخزن معلومات يتنقل بين الأفكار، يقتبس، يقارن، يحلل، لكنه قد يظل بعيدا عن أبسط سؤال: هل ما أؤمن به حقيقي، أم مجرد فكرة جميلة اعتدت عليها؟ الثقافة دون وعي تشبه مكتبة ضخمة بلا قارئ نقدي ما لم تكن موردا للحلول.

التدين:

في جوهره غريزة؛ وعندما تدار بالفهم هو قيم لضبط السلوك، لكنه -عند غياب الفهم- قد يتحول إلى هوية مغلقة، أو إلى شعور بالتفوق الأخلاقي؛ فيختل التفاعل مع البيئة، هنا لا يعود التدين أداة لمحاسبة النفس، بل وسيلة للحكم على الآخرين، وحين يحدث ذلك، يفقد وظيفته الأساسية، ويصبح جزءا من المشكلة بدل أن يكون حلا، فميزة الإنسان منظومته العقلية التي تصوّب فاعلية الغرائز.

الوعي:

إذن، ما الذي ينقص؟ ما الذي يجعل كل هذه الصفات غير كافية؟ الجواب هو الوعي. والوعي ليس مجرد معرفة، هو موقف من المعرفة، ليس مجرد إدراك، بل طريقة في الإدراك، هو القدرة على رؤية الواقع كما هو لا كما نحب أن يكون، وعلى رؤية الذات كما هي لا كما نرغب في تقديمها، إنه المسافة الدقيقة بين الفكرة وصاحبها بين القناعة وإمكانية مراجعتها.

النفس البشرية تدافع لا تراجع:

الإنسان الواعي لا يعيش داخل أفكاره وكأنها حقائق مطلقة، بل يتعامل معها كفرضيات قابلة للاختبار، لا يخاف من أن يقول "كنت مخطئا"، لأن هويته ليست معلقة بصواب رأيه، هو لا يسعى إلى الانتصار في كل نقاش، بل إلى الاقتراب من الحقيقة، حتى لو كلّفه ذلك التراجع، وهذا ما يجعله نادرا لأن النفس البشرية تميل إلى الدفاع لا إلى المراجعة.

عالم بلا قيادات واعية:

وعندما ننتقل من الفرد إلى القيادة، تتضخم المشكلة؛ القائد غير الواعي لا يحتاج أن يكون جاهلا أو سيئ النية، يكفي أن يكون محاطا بدائرة تعكس له قناعاته، فيظن أنه يرى الحقيقة كاملة.

مع الوقت، تتحول رؤيته إلى معيار، ويصبح الاختلاف تهديدا، والنقد عائقا، هنا لا يعود الخطأ احتمالا، بل يتحول إلى مسار مستمر، لأن آليات تصحيحه تم إلغاؤها.

في هذا السياق، لا يعود السؤال: لماذا تتخذ القيادات قرارات خاطئة؟ بل: لماذا لا ترى أنها خاطئة أصلا؟ الجواب ببساطة: لأن الوعي غائب، القدرة على الشك في الذات تم استبدالها بالثقة المطلقة، الرغبة في الاستقرار النفسي غلبت الحاجة إلى الحقيقة؛ وهنا، حتى الذكاء يعمل ضد صاحبه، لأنه يمنحه أدوات أفضل للدفاع عن وهمه.

الوعي مسؤولية:

الإنسان الواعي قد يخطئ، لكنه يختلف في شيء أساسي: أنه يملك آلية للعودة، يكتشف، يراجع، يصحح، يعلم حدود علمه وعظم جهله عندما ينظر إلى نفسه وسلوكها ومتى يرى أنه مسيطر أو فاقد السيطرة على رغباتها، بينما غير الواعي قد يخطئ بنفس القدر، لكنه يفتقد هذه الدائرة التصحيحية


قد يبدو هذا الطرح قاسيا لكنه واقعي، فالعالم لا يعاني من نقص في المعلومات، وإنما من سوء في ترتيبها داخل منظومة العقل التي لا تبالي لفقدان القيم، ومن استخدام القيم بشكل انتقائي لتبرير أهدافا لا تمت بصلة للقيم، ليست هذه معاناة من ضعف في التفكير، بل من غياب التفكير في التفكير نفسه، وهذه طبقة أعمق لا يصل إليها إلا الوعي.

الوعي أيضا ليس حالة مثالية مستقرة، بل عملية مستمرة، ليس نقطة يصل إليها الإنسان ثم يستريح، وإنما جهد دائم لمراقبة النفس والبيئة، ولمراجعة القناعات، ولمقاومة الإغراء الدائم باليقين السهل، الإنسان الواعي قد يخطئ، لكنه يختلف في شيء أساسي: أنه يملك آلية للعودة، يكتشف، يراجع، يصحح، يعلم حدود علمه وعظم جهله عندما ينظر إلى نفسه وسلوكها ومتى يرى أنه مسيطر أو فاقد السيطرة على رغباتها، بينما غير الواعي قد يخطئ بنفس القدر، لكنه يفتقد هذه الدائرة التصحيحية.

مستوى الوعي:

ولو ارتفع مستوى الوعي، سواء عند الأفراد أو القيادات، فلن تختفي الخلافات ولا المصالح ولا الصراعات؛ لكن طريقة التعامل معها ستتغير جذريا، سيصبح السؤال ليس فقط "كيف ننتصر؟" بل "ما الذي نحافظ عليه ونحن ننتصر؟". لن يكون الهدف مجرد تحقيق المكاسب، بل تجنب الخسائر غير الضرورية، خصوصا تلك التي تمس الإنسان نفسه.

في النهاية، ليست المشكلة أن العالم معقد، بل أن مستوى العقليات التي تديره كثيرا ما تتعامل معه بسطحية مغطاة بالثقة، والفرق بين إنسان ذكي، أو مثقف، أو متدين، وبين إنسان واعٍ، هو أن الأخير لا يكتفي بامتلاك الأدوات، بل يسأل دائما: هل أستخدمها لأرى الحقيقة، أم لأحمي نفسي منها؟ هذا السؤال البسيط -والصعب في آن واحد- هو ما يصنع الفارق بين عالم يفهم وعالم يدار فيه العبث.

الجمعة، 20 مارس 2026

233 - ذات الواح ودســـــــــــــــــــــر (معالجة جديدة)

 رابط عربي 21

صحراء الفكر:

وصل نوح عليه السلام منتهى الفاعلية، كانت استشرافا وليس إحباطا وهروبا.. نوح يمثل أي داعية في عصرنا لا وسيلة عنده إلا إخلاص الدعوة، والمحبة والصبر على التسفيه والاستهزاء. ولعلنا اليوم نحس بهذا من أناس لا يحاولون أن يفكروا، واعتبروا الثبات على الجهل والجهالة تنويرا فكريا، لا يريدون التقدم خطوة إلى الله، وشغلتهم بهرجة الحياة فلا يرون شعاع محبة نوح العصر لهم، في صحراء الأفكار وسيادة التفاهة والنفاق؛ من أجل مصالح ضيقة يتحولون إلى مسوخ، ومع وعلو الفاسدين وفقر الصالحين!

سنخشى الفتنة على أنفسنا والقلة القليلة التي تحاول استنبات الأرض، بل الفاسدون يتكاثرون ويتوالدون وما أكثر من كان على مسار صحيح لينحرف إلى ما لا يرضي الله؛ إما تطرفا وعدوانا أو وكالة لم تُعطَ له فكان مجرما ونموذجا سيئا يصد عن سبيل الله بجهله، أو في التبديد والاسترخاء، أو بشتى ما نرى من سبل في الابتعاد عن الرأي السديد، إنها مرحلة الضلال التي تحتاج إلى سفينة النجاة، سفينة ليست بلا تخطيط أو فكر رشيد، وإنما ببناء محكم سفينة ذات الواح ودسر.

الركوب في السفينة:

في السفينة آدمي عاقل، وحيوانات هي سلسلة غذائية لبعضها، لكنها تعبر عن الحياة الجديدة والبناء الإيجابي الذي يحتفظ بديمومة الخليقة، وإلا فالله قادر على خلق جديد


ليس كل الناس يركبون هذه السفينة، إنها سفينة الفهم والعلم، وأرقى المشاعر من الإحساس الذي يجمع الحب والتقوى والعمل الإيجابي يرتحل بفكرة إنشاء مجتمع جديد بعد أن تمخر بين أمواج كالجبال.. حين تركب السفينة ما تزال الصحراء تسف برمالها على وجهك، ما زال السفهاء يستهزئون بك، ما زالت الحياة مطلوب منك حفظها، ما زال حبك لهؤلاء القوم والأمل موجود.

السفينة وطن أمة التجديد:

السفينة اليوم هي نسب ورحم القيم العليا.. الله فتح لك وعلمك بناء السفينة وتحصينها وتوزيع غرفها ونشر السلام بضبط الغرائز، وهذّب المؤثرات، ففي السفينة آدمي عاقل، وحيوانات هي سلسلة غذائية لبعضها، لكنها تعبر عن الحياة الجديدة والبناء الإيجابي الذي يحتفظ بديمومة الخليقة، وإلا فالله قادر على خلق جديد.

وأنت تبحر بعقيدتك تذكر ديمومة الخليقة، فليست النجاة من القهر والاضطهاد والغربة بين الأهل أو من الموت هي النجاة بالنفس أو بمن يشبهك، وإنما النجاة بالحياة ككل وعندها سيزهق الباطل والشر متى أذِنَ الله وفار التنور. والتنور كناية تقبل التفسير أن الأمور تحدث من حيث أضدادها، لقد انبعث الماء من كل مكان وجاء من مكان النار؛ هنا الموازين تغيرت والإنذار بالإعصار، وحينما تكون في السفينة فأنت ذا ثقة عالية أنها صامدة وآمنة.

إنه عمل غير صالح:

في مشهد نوح وابنه درس للجميع، فليس أعز من الولد إلا الحفيد أو السبط، لم يك ابن نوح مؤمنا، وذاك لعمري ألم كبير للدعاة عندما يشذ أبناؤهم أو من خاصتهم عن الدعوة ويخرجون إلى الفتنة مهما كانت أشكالها، ألم لا يمكن أن يوصف إلا أن يخففه الله باليقين، أما وقد بلغت اليقين تبقى الأبوّة غريزة، ليس من أمل أن تهدي لي ابني هذا، لقد نسيت يا نوح أنك وما تفعل آية لغيرك، نسيت أيها الداعية أنك تُختبر كغيرك ولست بدعا من القول، ونسيت أن خيار من شذ عنك سيخاف سفينة من خشب ترتفع وارتفاع الموج وتنخفض بشدة انخفاض الموج، فتقول ليته معنا، لكنه ليس معك فهو لا يثق بالألواح والدسر وإنما بالجبل المستقر؛ إنه عمل غير صالح، إنه ترجم ثقتك بالله وتواضعك جنونا، فابنك هو من معك، أما هذا فلا ينتسب إليك في الحياة الجديدة، إنه لا يصلح لبناء المستقبل، "يا بني اركب معنا"، لن يثق بما تقاذفته الأمواج، فهذا لا يؤمن بمن صممها ومن نفذها ولا يفهم ما يعني الماء.. "سآوي" إلى الجهة القوية والأرض الصلبة فأنت تتخيل النجاة، لكن الرأفة في قلب الداعية لا تضعف، 

اختبار الحرمان لا يعرفه إلا من عاناه ولا مكافأة على الصمود معه إلا ما عند الله؛ عندما ينسى العامل المتمكن أن يعين أخاه المحروم ويكتفي بانتقاده إن انحرف

فالبشر ضعيف أمام عواطفه، ضعيف حتى في ندمه على أخطائه وتوجهه إلى الصواب، ضعيف أمام من يحب، والله أرحم وأكرم، ولن يريك الله ما تكره فيمن تضعف أمام عاطفتك نحوه، لن يريك ابنا أو حفيدا وأنت في محنة، بل سيرأف بك كما أمر الموج أن يحيل بينه وبين مشهد غرق ابنه وهو متحفز العواطف.. إن ربا يضع التفاصيل حكيم فلا تخف.

فلا تهنوا..

إن من الدعاة والمؤمنين من يركب السفينة ويبقى ينظر إلى الجبل فيراه الأقوى والأمتن.. المال والجاه والقوة بيد الفاسد وهو في اختبار صبر، وقد يخرج من السفينة متجها إلى قمة جبل قريب يرى عليها من التجأ إليها من أهله أو معارفه؛ لعله يحس بالأمان من رعب الأمواج المتلاطمة والتي تعبث بالسفينة ثم لا يرى سفينته تستوي على الجودي.. اختبار الحرمان لا يعرفه إلا من عاناه ولا مكافأة على الصمود معه إلا ما عند الله؛ عندما ينسى العامل المتمكن أن يعين أخاه المحروم ويكتفي بانتقاده إن انحرف.

إن الثقة ليس بقائد ولا بوسيلة ولا بسفينة وإنما الثقة بالله هي الأساس، وإن قصر تجاهك حتى كل من تعرف أنه يملك الحبل فلا يمده ليعيدك ويترجاك أن تنبذ نزوتك؛ فاعلم أن الله جعل للصابرين المحتسبين المتمسكين الدؤوبين بابا لا ينازعهم عليه أحد وهم يدخلون إلى الجنة.

وبشر الصابرين حين ترسو على الجودي وتعود الحياة كما كانت لتعود الانقسامات إلى الخير والشر، فليس الأمر في انتصار حاسم لأحد القطبين، وإنما هو امتحان لمنظومتنا العقلية وكيف تفرق أين الصواب؛ أهو في ذات الألواح والدسر التي تلعب بها أمواج كالجبال، أم على جبال غرقى تبدو ثابتة وآمنة؟

السبت، 14 مارس 2026

232- سورة الكهف فلسفة تكامل العقيدة

 رابط عربي 21

تقرير مستقبل لا سردية مضت

ليست سورة الكهف سردا وعظيا عن فتنٍ قديمة، بل بيانا مكثفا في سؤال معاصر جدا: ما الذي يبقى حين تتغير كل المعايير؟ وهي لا تروي قصصا تاريخية فحسب، بل تقدم إطارا فلسفيا متكاملا يصحح العقيدة، ومنهج النظر، والقيم بميزان التوحيد، دلالة وعظة على مراحل الارتقاء من الضعف إلى التمكين وتشرح معنى التمكين.

العالم من حولنا يقيس النجاح بالكثرة: كثرة المال، النفوذ، المتابعين، كثرة التفسيرات، والسورة، بهدوء حاسم، تقترح معيارا مختلفا تماما: ليس ما تملك، بل ما تصمد به، إنها لا تحذر من الفتنة بقدر ما تعيد تعريف الإنسان أمامها وتطرح الأسئلة العصرية:

- هل الحقيقة تُقاس بالأغلبية أم بالثبات؟ أهل الكهف = استبداد ضد الهوية الحقيقية.. في فتنة الهوية: هل تختار الأمان أم المعنى؟

- هل المال دليل استحقاق؟ صاحب الجنتين = الرأسمالية بوصفها وعدا زائفا بالرفاهية.. في فتنة المال: هل تختار الامتلاك أم الامتنان؟

- هل المعرفة مبرر للغموض الأخلاقي؟ موسى والخضر = أزمة الثقة بين التأني عقلا والاستعجال.. في فتنة المعرفة: هل تختار التعجل أم التواضع؟

- هل السلطة إصلاح أم إفساد مقنّع؟ ذو القرنين = سؤال الدولة العادلة.. في فتنة السلطة: هل تختار السيطرة أم العدل؟

1. الانسحاب شجاعة أحيانا

قصة الفتية ليست تمجيدا للهروب، بل تفكيكا لفكرة البطولة السائدة؛ البطولة في المخيال العام مواجهةٌ مباشرة، صدامٌ صاخب، حضورٌ في الساحة، لكن السورة تطرح احتمالا آخر: ماذا لو كان أعظم انتصار هو أن تمنع العالم من إعادة تشكيلك؟

الفتية لم يغيروا السلطة، ولم يسقطوا نظاما، ولم يخوضوا معركة سياسية، فعلوا شيئا أبسط وأصعب: رفضوا أن يعيد الخارج تعريف داخلهم، لكنهم علموا أن وعد الله حق، وقد يكون الاعتزال ملاذا من الفتن في زمن تضغط فيه البيئة على الفرد ليذوب في القالب العام، وتكون حماية الهوية فعل مقاومة، ليس الانسحاب دائما ضعفا؛ أحيانا يكون حفاظا على المعنى من التآكل البطيء.

القيمة هنا واضحة: المساومة على العقيدة هزيمة، والنجاة باعتزال ما يجعلك تثلمها.

2. هل التملك هوية

صاحب الجنتين لم يُخطئ لأنه غني، الخطأ بدأ عندما اعتبر الغنى تفسيرا لذاته، تحولت الجنتان من نعمة إلى برهان استحقاق، ومن وسيلة إلى تعريف للوجود.

هذه آلية نفسية تتكرر في كل عصر: نربط قيمتنا بما نملك، الشهادة تصبح قيمة، المنصب يصبح قيمة، الرصيد يصبح قيمة، ومع الوقت، لا نعود نرى أنفسنا إلا عبر ما بأيدينا، القيمة الفلسفية:

- نقد المادية: المال والولد زينة الدنيا الزائلة: "مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ". القيمة الحقيقية ليست في الملكية، بل في التوحيد والعمل الصالح.

- الأخلاقيات: الغرور يؤدي إلى السقوط؛ التواضع والشكر هما أساس السعادة الحقيقية.

- التطبيق: فلسفة "الأخسرين أعمالا" (الآية 103-104): من يحسب أنه يحسن صنعا وهو في ضلال.

إن المعطيات لا تَعِدُ بالثبات، وحين ينهار الخارج، ينهار معه البناء الداخلي إذا كان قائما عليه.

السقوط في القصة ليس مجرد خسارة مادية، بل انهيار وهْم؛ وهم أن الوفرة ضمان، والسورة تذكّرنا بحقيقة قاسية: ما يُبنى على الوهم ينهار، ليس لأنه يفقد المتعة بل لأنه يفقد الامتداد والقيمة المضافة للآدمية، القيمة البديلة ليست الفقر، بل التحرر من الارتهان، أن تملك الشيء دون أن يملكك.

3. لغتان لصالِحَين:

في قصة موسى والرجل الصالح، تتجلى لحظة توتر معرفي عميقة؛ أفعال تبدو غير مبررة: سفينة تُخرق، غلام يُقتل، جدار يُقام بلا مقابل. الاعتراض هنا طبيعي، بل ضروري، فوفق الشريعة أو القانون التي تعنى بمسار الحياة بين الناس، فهذا مستغرب من رجل صالح، يعمل في فضاء آخر وبمعان، أخرى بيد أنه درس للقائد بأن يكون متأنيا. القيمة هنا ليست الجهل، بل التواضع المعرفي، أن تدرك أن زاوية رؤيتك ليست المشهد كله.

4. حين تُختبر القوة

ذو القرنين نموذج لسلطة لا تتضخم بذاتها؛ لا تريد علوّا في الأرض ولا فسادا.. تمكينٌ واسع، حركةٌ في الأرض، قدرةٌ على البناء والمنع، ومع ذلك، لا يتحول الإنجاز إلى أسطورة شخصية.

القوة في حد ذاتها آليه لهدف الذي يحدد معناها هو اتجاهها، يمكن أن تكون وسيلة قهر، ويمكن أن تكون أداة حماية، الفارق ليس في مقدار النفوذ، بل في الغاية التي يخدمها.

في عالم تميل فيه السلطة إلى صناعة مجدها الخاص، يقدّم هذا النموذج تصورا مختلفا: القيمة ليست في السيطرة، بل في منع الفساد وحماية الضعيف، التمكين امتحان، لا مكافأة، ليس هو إيعاز بظلم واستبداد كما يحصل في واقعنا بسيطرة الروابط الهابطة والأنانية.

القيمة الفلسفية:

- فلسفة السياسة والأخلاق: السلطة نعمة إلهية مشروطة بالتوحيد والعدل؛ "مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ"، فالقوة لا تُستخدم للطغيان بل للإصلاح والدفاع عن الضعفاء.

- اعلم الوجود: كل "سبب" (وسيلة) في الدنيا محدود، والحقيقة في الآخرة.

- التطبيق: نموذج للقائد الفاضل المطلوب في عصرنا: يجمع بين القوة والرحمة دون استكبار.

إعادة ترتيب المعايير

عند تأمّل القصص الأربع معا، يظهر خيط واحد يجمعها: كل فتنة تعيد طرح سؤال القيمة.

السورة لا تهاجم العالم، لكنها ترفض أن تجعل منه معيارا نهائيا؛ النجاح، وفق هذا المنظور، ليس أن تتفوق في شروط اللحظة، بل أن تعرف معنى إنك تحسن صنعا.

قد تخسر موقعا، وقد تخسر مالا، وقد تخسر تفسيرا كنت واثقا منه، لكن الخسارة الحقيقية تبدأ عندما تخسر المبدأ الذي كنت تقيس به كل ذلك.

خاتمة: ما الذي يبقى؟

الفتنة ليست استثناء في التجربة الإنسانية؛ إنها القاعدة. ستُختبر في هويتك، وفي ممتلكاتك، وفي أفكارك، وفي سلطتك إن امتلكتها، والسؤال لن يكون: ماذا حققت؟ بل: ماذا حافظت عليه؟

سورة الكهف، في جوهرها، ليست قصة عن الماضي، إنها تذكير بأن القيمة لا تُقاس بتصفيق الناس، بل بما تستطيع أن تدافع عنه حين يتغير التصفيق.

يبقى السؤال لك وحدك: عندما تتعارض المصلحة مع المعنى، أيهما ستعتبر خسارته أقل ألما؟

238- الفرقـــــــــان

  عربي 21 ( وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ ) منهج طرح الأفكار: الله عز وجل خلق الآدمية كسلالة بشرية تتميز ب...

يقظة فكرgoogle-site-verification: google25f7d3ebc2fdac29.html