https://m-salihalbdrany.blogspot.com/ فكــــــر اليقظـــــــة Mindfulnesshttps://m-salihalbdrany.blogspot.com/

بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 7 مارس 2026

231 - يا يحيى خذ الكتاب بقوة

 رابط عربي 21


ومضة المقال:

ليس حفيدي (من ابنتي) يحيى، الذي عمره شهر الآن، هو دافعي لكتابة هذا المقال، وإن كان اسمه تيمنا بيحيى، أو من يسميه المسيحيون "يوحنا المعمدان".. حنان من الله معنى اسمه والقرآن قال "وَحَنَانا مِّن لَّدُنَّا"، وهنا كان الدافع لكتابة هذا المقال إذ صوّب يحيى عليه السلام معانيَ كثيرة في سلوكه، كمعنى الحنان، والقوة، والفعل المضارع في قوله تعالى "يَوْمَ يَمُوتُ".. معجزتان في الخلق أنهتا بني إسرائيل من النبوة في النسل، هما ابنا الخالة يحيى ابن اليصابات وزكريا، وعيسى بن مريم كلمة الله "كُن فَيَكُونُ". عندما تنظر إلى سيرتهما تسأل: ما الرسالة التي أُرسلت عن طريق يحيى وما الرسالة التي أرسلت عن طريق المسيح؟ نبي ورسول أتيا إلى قوم فقُتل يحيى، ورُفع المسيح (أو صلب وفق السردية المسيحية وهذا ليس بحثنا هنا)، لكن الفكرة أن ما وصل إليه القوم من الفساد بما لا يمكن إصلاحه، ما أشبه أقوام اليوم -وليس الصهاينة وحدهم- وفسادهم في المنطقة ببني إسرائيل، وإدارة الجميع من روما حيث قيصر الأحمر واليوم حيث سرديات بتهمة الخرافة تتشاتم بها عناصر التطرف ممن في الحكم أو خارجه.

من يحيى عليه السلام:

لن أدخل في سردية معروفة، لكن نبي الله يحيى رسالته أتت معه، وهو صبي صغير تمكن من العلم بالتوراة وجوامعها، "خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ"، القوة في واقعنا اليوم تعني الجبروت والفساد ليتمكن الفساد من المجتمع، بيد أن القوة التي عرفها يحيى هي قوة المعرفة وقوة الخطاب والصمود على المبدأ، وأما الحكم فهو ليس السلطة وإنما السلطة هي الإلمام المعرفي. الحكم يعني إحكام الفهم سواء في الشريعة أو الدولة، أي فهم الشريعة قبل تفسيرها والبت فيها، وفهم البيئة والأمة وحاجاتها وكيفية سياستها قبل السلطة أو الاستبداد والدخول في دوار الظلم الذي يخرج الآدمية عن رسالتها.

يوحنا المعمدان معجزةٌ تحمل رسالة بدمها:

سأل زكريا ربه أن ينجب ولدا يرث علمه ورسالة حملها آل يعقوب، رسالة موسى التي انشغل عنها رجال الدين وتحول الهيكل إلى مكان للمضاربات والصيارفة ومعاملات التجارة، وانتشر فساد الدنيا فلم يعد أحد يؤتمن على الرسالة من زكريا فأراد عليما بها قادرا على إدارتها، هذا فهم زكريا، لكن الله أراد رفع الرسالة عن قوم فقدوا أهلية حمل الرسالة، وأقام عليهم الحجة عندما أهدروا دم نبي معجزة، حامل للشريعة وصارم على ما يخالفها؛ حدث -إن صحت رواية التاريخ- يتكرر كل زمان، فيصبح المصلحون على مذبح هيرودس وبغواية التفاهة، فما انفكت سالومي تُعجب هيرودس في عصرنا برقصتها وتطلب رأس يحيى على طبق، فترى السجون تبلي عمر المصلحين وكراسي السلطة للتافهين.

القرآن يقول: "وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيا" (مريم: 15)، لقد جاء القرآن بالفعل المضارع، وما أراه أن حالة يحيى في الموت بالمضارع وولادته بالماضي تدل على استمرار ولادة المصلحين، مع تكرار قهر الاستبداد والتفاهة والجهل للعلم والمعرفة حينما يضيق صدر التافهين بكلمة الحق على مدى العصور، فما برح إلى اليوم يُضطهد يحيى ويقدم رأسه على طبق لإرضاء التفاهة، وأمسى الفساد الكبير يسود العالم، لكنه مقهور مهزوم.

يحيى والمسيح عليهما الصلاة والسلام دليل إثبات:

الاثنان عملا لنفس الهدف، عالم ومن طفولته ابن نبي، والنبي من تحدثه السماء، ثم حفيد عمران من ابنته بكن فيكون، ومعاداة الناس لهما كان دليلا كافيا على انعدام الإصلاح، وأصبح الدين من وسائل الخداع والتسلط والطغيان والاستبداد على الأتباع، فكان بقتل يحيى قتل للعلم والشريعة، ومع المسيح كانت محاولة قتل الصلة بالله، فكانت أمة مختارة ليرى الناس الفساد والطغيان وما يحل بهما، ولتنقل الرسالة إلى فرع إسماعيل فيأتي الإسلام والنبي الخاتم حاملا كتابا يحمل شريعة سمحاء، وفيه الفرقان الذي يفصل بين الحق والباطل. والحكمة التي تنظر إلى الواقع استقراء له، فليُستنبط من الكتاب ما يحل به مشاكل الأمة ذاك الذي يصلح لكل زمان ومكان عندما يقوم تقوم فكرة يحيى والمسيح، وعندما يتراجع الناس إلى التفاهة والفساد يقفون إلى صف من ظن أنه أعدم الرسول.

السبت، 28 فبراير 2026

230 - السفور والحجاب مقاربة تاريخية - فلسفية فكرية

 رابط عربي 21


الصورة مركبة بالذكاء الاصطناعي ومن الارشيف الحقيقي

السفور والحجاب بين التاريخ والدين والتحليل النفسي

لم يكن الغرب دائما كما نراه اليوم، فصورة المرأة الأوروبية السافرة التي أصبحت رمزا للحداثة لم تكن هي الصورة السائدة قبل قرن واحد فقط؛ التحول لم يكن فجائيا، بل كان نتيجة اعتماد نظريات كنظرية فرويد النفسية، وعوامل (الاقتصاد، الفلسفة، السياسة.. الخ).

أولا: الغرب قبل السفور: حتى بدايات القرن العشرين، كانت النساء في أوروبا وأمريكا يغطين رؤوسهن ويرتدين ملابس فضفاضة في المجال العام، خصوصا داخل الكنائس والأماكن الرسمية، والصور الفوتوغرافية من العصر الفيكتوري ومن بدايات القرن الماضي تُظهر ذلك بوضوح.

لم يكن هذا الغطاء بدافع الإسلام من حيث المفهوم الفقهي، لكنه كان تعبيرا عن الاحتشام الاجتماعي وكشف الرأس كان يُعد خروجا عن الذوق العام والحشمة والعفة، ولعل الحجاب المشابه للمسلمين كان نتيجة التقليد للأندلس كما قلد الغرب بداية بملابس "كوستم" (Costume) الذي كان يطلق على السترة والتنورة أو البنطلون (الشروال) لاحقا. إذن الفكرة القائلة إن السفور هو "الوضع الطبيعي" الغربي فكرة حديثة نسبيا.

ثانيا: (فرويد 6 أيار/ مايو 1856 -23 أيلول/ سبتمبر 1939)

إعادة تعريف الكبت، والتحول الفكري العميق ارتبط بصعود التحليل النفسي، خاصة أفكار سيغموند فرويد، أبرز أفكاره:

* الإنسان تحركه دوافع لا واعية.

* الكبت الجنسي يولّد اضطرابات.

* التحرر من الكبت يؤدي إلى توازن نفسي.

لم يدعُ فرويد صراحة إلى السفور، لكنه غيّر مفهوم الرغبة والجسد، فلم يعد ضبط الجسد فضيلة أخلاقية بالضرورة، بل أصبح يمكن أن يُفسر كقمع نفسي. ثم جاء تلاميذه، مثل ويلهلم رايش الذي ربط بين التحرر الجنسي والتحرر السياسي، معتبرا أن المجتمعات المحافظة تنتج أنظمة استبدادية، فأخذ الجسد يتحول من مجال أخلاقي إلى مجال سياسي.

ثالثا: التحول الكبير بعد الحربين العالميتين بعد الحرب العالمية الأولى ثم الثانية، حيث أُعيد تعريف الجسد ودوره في المجال العام. فقد حدثت تحولات جذرية، أنشأت بيئة للتبرير لنظرية فرويد مثلا ومن تبعه بها:

* دخول المرأة بقوة إلى سوق العمل.

* تراجع سلطة الكنيسة وتغير بنية الأسرة التقليدية.

* صعود الإعلام الجماهيري..

رابعا: الرأسمالية وصناعة الجسد: مع صعود الإعلام والسينما، خاصة في بيئة مثل هوليوود، أصبح الجسد أداة تسويق. الرأسمالية تحتاج إلى إثارة الرغبة لبيع المنتجات؛ الإعلانات، والموضة، صناعة التجميل.. كلها استفادت من كشف الجسد أكثر من ستره، فالجسد لم يعد فقط تعبيرا شخصيا، بل أصبح عنصرا اقتصاديا، وهو أمر لا تقصده أي سافرة تقليدا في مجتمعنا.

خامسا: من فرض الستر إلى فرض الكشف: المفارقة أن بعض الدول الغربية التي كانت تعتبر الحجاب عرفا اجتماعيا أصبحت تمنعه اليوم باسم الحرية والعلمانية؛ الغرب انتقل من الحجاب إلى السفور باسم الحرية، اليوم بعض دوله تمنع الحجاب باسم الحرية نفسها، ومثال لها قوانين منع النقاب في فرنسا.

* المبدأ تغير: من فرض الستر إلى فرض الكشف، وكلاهما تدخل في حرية الجسد، وفق معايير الليبرالية، فالتعبير الجسدي شكل من أشكال الحرية كما عرفت الحرية.

* الرغبة ليست شيئا يجب ضبطه بل إدارته، وهنا لا تعني الفاحشة شيئا، وإنما هي متعة كيف تمارسها.

هل الحجاب يمنع التقدم؟

لا يوجد دليل علمي يربط بين الحجاب والتخلف الحضاري؛ التقدم مرتبط بالتعليم، والحكم الرشيد، والبحث العلمي، والاستقرار السياسي، والدول التي تعاني ليست متأخرة بسبب الحجاب، بل بسبب اختلالات بنيوية أعمق، فدول كثيرة فيها محجبات طبيبات ومهندسات وأكاديميات.

سادسا: مفهوم الحجاب في الفقه الإسلامي: في الفقه الإسلامي، الحجاب ليس مجرد تقليد ثقافي، بل حكم شرعي، الآيات الأساسية:

- "وليضربن بخمرهن على جيوبهن" (النور: 31).

- "يدنين عليهن من جلابيبهن" (الأحزاب: 59).

فالثابت من الفقه: أن ستر الجسد "عدا الوجه والكفين" فرض، وهو من العلاقة مع الله والمجتمع.

سابعا: طاعة الله في الإسلام مقابل الحرية الجسدية في الحداثة هنا جوهر الخلاف الفلسفي: في الرؤية الإسلامية أن المرأة هي بنيان المجتمع، والإحسان في تربيتها فيه رضا الله والجنة، وأنها ليست سلعة أو جسدا لمتعة الرجل، بل الاثنان في مهمة بناء الأسرة وإدامة السلالة ورابط مهم في إدارة العنصر الأول في المجتمع. الرغبة وجدت غريزة من أجل إدامة السلالة، أي المتعة كعامل ديمومة للعلاقة، فليس جسدها موضع نقاش، أما الأقوال الفقهية في التعريف بكلمة عورة وغيرها فهي كلمات ليست مقدسة في التعبير يمكن الاستعاضة عنها لأن الجسد سواء للرجل وفق التعريف أو المرأة فيه أماكن لا تظهر للناس، والمرأة لا تُظهر ما يثير غريزة الرجل كي يتعامل معها ككينونة بشرية وليس من نظرة ذكورية، وهذا يحصل في مجتمعنا مهما غلف بصفة الكياسة والندية.

الأمر لا يتعلق بالعفة وحدها وإن كانت كقيمة اجتماعية، بل يتعلق بموقف المرأة، أما الجانب الذكوري الذي لا تقابله الأنوثة عند المرأة بدقة، فالمرأة السليمة النفسية ليست تتعامل مع الذكورة عند الرجال فهي لا ترى إلا رجلا واحدا في هذا الاتجاه، وهذه ميزة الأنوثة، الرجل حتما غير ذلك ولكل قاعدة شواذ.

في الرؤية الحداثية الغربية:

* الغرب لم يكن دائما سافرا، بل هو حديث في السفور

* التحول ارتبط بعوامل نفسية، الاقتصاد الرأسمالي، وصعود الفردانية.

* أفكار فرويد ساهمت في إعادة تعريف الكبت والحرية.

في الإسلام:

المسألة إذن ليست ملابس ومظهر، إنه صراع بين تصورين للإنسان، هي علاقة مع الله لا بد أن تتوازن؛ لا تتحجب المرأة إلا إرضاء لربها وإجبارها هو إجبارها على النفاق، فلتنظر كل سيدة أو فتاة، هل تحب أن يرضى عنها الله عندها ستتصرف بشكل والتزام لا يطيق مثله الرجال. المرأة العفيفة ليس الحجاب معيارها وإن كان من العفة، لكن الحجاب هو طاعة لخالق الكون.



السبت، 21 فبراير 2026

229 - إنك لا تهدي من احببت

عربي 21


الحب منطلق رغبة الخير:

دون شك، إن الحب دافع كبير لأن يكون من تحبه على صواب أو يسلك طريقا يكون فيها آمنا للوصول إلى رضا الله، فأنت لا تريد أن تقف أمام رأيه عنوة، ولا أن تنتقد، وإنما تريد الأمن والسلام له، وهذه الحالة تظهر عندما يحب إنسان من لا يوافق فهم إيمانه، فالحب إحساس إنساني فيه عاطفة وفكر، لهذا تجد أن هنالك رغبة للنصح، والنصح غالبا لا يفيد وأنت باخع نفسك ترشد إلى الوسائل والسبل التي يصل بها من لا يريد أن يتحرك إلى حيث ترى أنه أمانه، بل هو مطمئن يشبع فعله هواه وأنت ترى أن ما يفعله مسألة تضيع فرصته في الخلود برضا الله، كذلك كان عم الرسول الذي تربى عنده وكان يحبه.

بيد أن الآية هي للعموم، فالله من هدى الرسول وهو من يضع الهداية في الاختيار بمعنى العطاء. ربما يفهم قارئ أن الله يهدي والله يحجب الهداية، في هذا المعنى يمكن أن تأتي لحالات بعلم الله، لكن معنى الهداية هو من يفسر الآية بشكل صحيح، وآيات أخرى تفسر معنى الحب بشكل واضح، وأن الرسول كان مكلفا بمهمة وسعى لأن يوصل رسالته إلى أكبر عدد يمكن يمهد له الطريق ويحثه عليه، وليس فقط يهديه، أي يرشده إلى الفكرة والاستنارة، هنا ينبه اللهُ رسولَه، أنها ليست مهمتك وإنما مهمتك أن تأخذ ما هداك الله إليه وأوضحه ليتضح إلى الناس كافة وهو به الهدي إلى الطريق القويم، وهذا لا يأتي بلا استعداد وجهوزية. 

هداية الدعاة إرشاد، فقط التبليغ بما يعلمون، لا يجبرون أحدا ولا يحكمون عليه. هو نوع من تفعيل المنظومة العقلية، أي تزويدها بالمعلومة، فمن الناس من يصم أذنه أو يضيق صدره إن سمع ما يخالف هواه، ومهما كنت تحبه فهو لن يصغي لك

والجهوزية هي الإيمان؛ "ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدى لِلْمُتَّقِينَ". هذه الآية توضح معنى الله يهدي من يشاء، أي من عنده استعداد ليوازن هواه فلا يطغيه ويستحضر التقوى فتسهل المعرفة والبيان والهدي أي الإرشاد، فهو مع الله مباشرة ومن شرح الله صدره للفهم فقد أوصله قمة الهدي والجهوزية.

الهداية:

هداية الدعاة إرشاد، فقط التبليغ بما يعلمون، لا يجبرون أحدا ولا يحكمون عليه. هو نوع من تفعيل المنظومة العقلية، أي تزويدها بالمعلومة، فمن الناس من يصم أذنه أو يضيق صدره إن سمع ما يخالف هواه، ومهما كنت تحبه فهو لن يصغي لك، ومهما كان يحبك فهو يتمنى أن لا تعيد عليه نصحك، هذا يعرف الحق ولا يريد اتباعه، فيقول إن الله لم يأمر بهذا وإنما استحسنه، أو أنه مستحب وليس فرضا، أو أنا لا أبدو جميلة بلا تبرج أو حجاب، أو أنا أفقد متعة الحياة إن لم أذهب إلى الحفلات والملاهي، أنا سأسجن فكري في قناعات دينية وأحكام.. مهما أحببت هذا الإنسان أو أحبك فلست هاديا له بأكثر من معنى التذكير، فإن زدت فقد فرصة أن تكون قربه ساعة تعمل منظومته العقلية فتدور المعلومة فيوفقه الله حينما تتحرك المنظومة العقلية وتخرج من عبودية الهوى، لأنها حقيقة من يختبر في الدنيا، فمن لا يحب التفكير ولا يسعى للآخرة، فهو حتما يشغل منظومته العقلية في أمور الهوى ويوفق فيه كما يوفق من يشغلها في درب القرب من الله.

المشيئة:

"أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ، أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّة فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، بَلَىٰ قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ" (الزمر: 57-59).

فالهداية من الله بفاعلية المنظومة العقلية، لكن قد ترى أمامك الحق وتصد عنه فتكفر أي تغطيه وتميعه فلا تسمعه وتغضب منه، فلن يهديك الله بتوفيقك إليه، لكن إن سرت في طريق الحق سهل الله لك وهداك، أي وفقك لمعرفة هُداه وأوصلك لرضاه.

"مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُوما مَّدْحُورا، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورا، كُلّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورا" (الإسراء: 18-20).

ومهما بلغت بلاغة الكاتب فهو عاجز أن يوصل الفكرة التي تأتي إلى الذهن من هذه الآيات، انظر إلى حالة العدل، من أراد أن تكون جنته الدنيا فسيعطيه الدنيا، وكلما زاد عطاؤه زاد عذابه لأنه سيتمادى ويطغى، فإن لم يعطه فهو يعطيه الفرصة، فإن لم يتعظ فقد خسر الدنيا والآخرة. أما من أحب الجاه فسيجده، وسيجد الإعجاب والحفاوة والتكريم، وسيعتاد عليها لأنه مع الوقت يظن أنه يستحقها، وسيجري المال والمنصب لكنه لا يوفق فيهما بعمل إلا زاده اندحارا وذما، وإن كان كلامه كله بالقرآن فلا يتجاوز حنجرته إلى فعله.

ما هي الفرصة؟

كثير من الناس يوجه الناس من فوق أو يحتقر الغافل بينما هو مشروع هداية، وكثير من الناس عندهم العلم ولكن ينقصهم السلوك، فالبشر إما أن يضعفوا فيستدركوا، أو أن يطيب لهم الهوى ويخفونه بالنفاق


الإنسان قد يتصرف برد الفعل مع النقص بأساليب التربية، فما أن يتحرر ممن ضغط عليه حتى يذهب بالاتجاه المعاكس لما كان مجبرا أو منشدّا إليه، فإن كانت نفسيته سيئة فستطغيه وإن كانت حسنة فستضع أمامه ما يناسبه من خطاب الهوى، شيء يدخل كينونته ويتفاعل مع عواطفه ويحرك منظومته العقلية بتوازن وتصويبه فيعود إلى الإيمان بفهم جديد، إلى الصواب ولكن بلا ضغط أو إجبار وإنما هذه المرة بتفعيل منظومة العقل والاختيار.

الغفلة تقود إلى الوهم والضياع:

إن الله يرزق الجميع والرزق منه فليس شطارة وإن بدا كذلك، فهنالك من هو أشطر ولكن لا يأتيه ما يأتيك وهنالك من هو أعلم منك فلا يُنتدب لعمل يدر ما يدر لك، وهنالك من يحيط به الناس بدوافع متعددة فيرى أنه حقق ذاته، لكنه ثبّت ذاته على الضلال وهذا أسوأ ما يمكن؛ لأنه لن يرى فرصة محب له حقا يحاول أن يرشده فلعله يصل إلى هداية الله وتوفيقة.

كثير من الناس يوجه الناس من فوق أو يحتقر الغافل بينما هو مشروع هداية، وكثير من الناس عندهم العلم ولكن ينقصهم السلوك، فالبشر إما أن يضعفوا فيستدركوا، أو أن يطيب لهم الهوى ويخفونه بالنفاق.

اللهم إنا نسألك الثبات والنجاة من ميل ينحدر بنا وقارب نجاة نريد أن نصل به فتضيع البوصلة منا.

السبت، 14 فبراير 2026

228 -هيمنـــــــة الشــــــــــر عبـــــرالعصــــور

 رابط عربي 21

الشر البشري:

بين الأنانية والتفسيرات الفلسفية في عالم يعج بالتناقضات الأخلاقية، يبرز تعريف الشر كظاهرة نفسية واجتماعية عميقة: هو تغلب جنوح الغرائز على المنظومة القيمية، أو فهم خاطئ ينبع من "الأنا"، مما يؤدي إلى تمكن الأنانية بدعم من قوى خارجية. هذا التعريف يفسر التناقض الأبدي: لماذا يكره الإنسان الظلم عندما يقع عليه، ثم يمارسه بنفس الوحشية -أو أشد- عندما يتمكن؟ في هذا المقال، نستعرض تفسير فريدريش نيتشه للأخلاق كأداة لفهم هذا التناقض، ثم فلسفة جون لوك عن الظلم كإطار سياسي، مع دمج أفكار هانا أرنت عن "الشر الشائع"، والثيوديسي (تبرئة عدالة الله جل جلاله) عند الغزالي، ولمسة من توماس هوبز الذي يصف الإنسان كذئب لأخيه في غياب القوة المانعة.

- نيتشه: الأخلاق كانتقام مقنع في "جينا لوجيا الأخلاق" (1887)

يقسم نيتشه الأخلاق إلى نوعين: أخلاق السادة (تقدر القوة والنبل) وأخلاق العبيد (تنبع من الضعفاء الذين يحولون ضعفهم إلى فضيلة). عندما يتمكن الضعيف، ينتقم من "السادة" السابقين بتحويل قيمهم إلى "شر"، بينما يمجد ضعفه كـ"تواضع" أو "رحمة"، هذا الانتقام المقنع يصف لماذا يكره الإنسان الظلم ثم يمارسه: لأن الأنانية لا تختفي، بل تُقنع نفسها بأنها "عدالة" عندما تتمكن، ولهذا تجد أن الظالم يتظلم ممن يمنعه عن ظلمه.

ما يعرضه الفلاسفة والمصلحون هو وصفات لمجتمع سليم وكيف يمكن أن تحافظ على سلامته حتى حين


نيتشه يدعو إلى "التجاوز" (الإنسان الأعلى) لخلق قيم جديدة تتجاوز هذا الصراع، لكن الواقع يظهر أن معظم البشر يبقون أسرى "أخلاق العبيد" عندما يحصلون على السلطة، فلا يرى ضميره ظلمه.

- جون لوك: الظلم كانتهاك للعقد الاجتماعي جون لوك

في "رسالتان عن الحكومة" (1689)، يرى الظلم نتيجة طبيعية لتمكن الأنانية في السلطة؛ في حالة الطبيعة الإنسان حر ومتساوٍ، لكن الأنانية تدفع البعض للظلم، لذلك يُبرم الناس عقدا اجتماعيا لإنشاء حكومة تحمي الحقوق (الحياة، الحرية، الملكية)، وإذا انتهك الحاكم العقد بالظلم، يصبح من حقهم الثورة؛ لوك يرى أن الشر (الظلم) ليس قدرا، بل نتيجة تمكن الأنانية في غياب ضوابط قوية، هذا يفسر لماذا يظلم الإنسان عندما يتمكن: لأنه يفقد الضوابط التي كانت تحد من غرائزه.

الحل عند لوك: نظام ديمقراطي قوي يمنع تمكن الأنانية الفردية أو الجماعية.

- هوبز: الإنسان ذئب لأخيه في غياب القوة توماس هوبز (1588-1679)

في "الليفياثان" (1651)، يقدم وصفا قاسيا أتفق معه في التوصيف واختلف بالحل، فأنا أرى السلطة للقانون، وهو يساوي بين الجميع. يقول هوبز: في حالة الطبيعة، الإنسان "ذئب لأخيه"، لأن الجميع يسعى لمصلحته الذاتية، والقوة وحدها تمنع الظلم. الإنسان يكره الظلم لأنه يخاف أن يقع عليه، لكنه يمارسه إذا أمن العقاب.

الحل عند هوبز: سلطة مطلقة تفرض السلام بالقوة، لأن الوعظ والأخلاق لا تكفي لكبح الأنانية.

- هانا أرنت: الشر الشائع كسطحية فكرية هانا أرنت، في "آيخمان في القدس" (1963)

ترى الشر شائعا لأنه لا يحتاج إلى نوايا شيطانية، بل إلى غياب التفكير (thoughtlessness). آيخمان لم يكن وحشا، بل موظفا عاديا مطيعا يرى الظلم كـ"واجب وظيفي"، هذا يفسر لماذا يظلم الإنسان عندما يتمكن: لأنه يفقد القدرة على وضع نفسه مكان الضحية، فتصبح الأنانية "عادية"، وعند تمكن الصهيونية كررت المحرقة بالفلسطينيين بعدة مجازر عبر التاريخ وآخرها غزة، فإننا نتحدث عن جيل تربى وهو يجتر ظلم المحرقة وليرتكبها.

- الغزالي: الشر سيطرة النفس الأمارة، في "إحياء علوم الدين"

يرى الشر سيطرة النفس الأمّارة بالسوء على القلب. الإنسان يكره الظلم لأنه يؤذيه، لكنه يمارسه لأن نفسه تحب السلطة والتملك، كغريزة ما لم تجد رادعا تحس أنه يمكن أن يؤذيها في الواقع وليس بوعيد الأديان، فهذا أمر لا تتفاعل معه الغرائز عندما تستعمر منظومة العقل، والكثرة فيما يبدو لم يفعّلوا منظومتهم العقلية، ولا يفيد أن نقول: سيذهب هؤلاء لجهنم ونحن في الحياة، بل علينا أن نبحث عن الطريق المثلى لردع هؤلاء.

كيف نتغلب على هذا الشر؟

الحل أن يُصلح الكل نفسه بصرامة، يلوم نفسه لا الآخرين ويكون بيئة لمنظومة القيم، وأن يخضع المجتمع لقانون يتساوى الجميع أمامه؛ عندها ستنهار بيئة الظلم والظالمين


- نيتشه: تجاوز الأخلاق التقليدية وخلق قيم جديدة تتجاوز الأنانية.

- لوك: نظام ديمقراطي يمنع تمكن الأنانية بالقوة.

- هوبز: سلطة قوية (افهمها محدودة بالقانون) تكبح الغرائز.

- أرنت: إحياء التفكير النقدي والحكم الأخلاقي.

- الغزالي: مجاهدة النفس والتوبة الداخلية.

خلاصة:

ما يعرضه الفلاسفة والمصلحون هو وصفات لمجتمع سليم وكيف يمكن أن تحافظ على سلامته حتى حين، بيد أن كل ما قرأتم ستقولون إنه تنظير لا يملك قوة التغيير وربما كان الظلمة والمغامرون يدعون إليه، ونحن نرى الشر قائما والسفاهة مهابة بقوتها، فإن كان السفيه ضعيفا اختفى كأي حشرة يُدعس ممن استخدمه، وهنا لا بد من سؤال: إن كان الحق منتصرا في عقيدة الأديان فلماذا نرى السفه والجبروت والظلم منتشرا؟ وما خلا نيتشة وتشاؤمه فالفلاسفة غالبا يتوقعون انتصار الحق، وفي عالم اليوم نجد طوباوية الكلام.

الشر لا يُهزم بالمعرفة وحدها، بل بصلاح النفوس للأمة، فعندما يكثر النفاق والانتهازية، والتملق من أجل الفتات، وضعف النخوة، وصوت الحق المخنوق، ويعظَّم السارق والمجرم بدل احتقاره ويكرّم التافه ويُبعد الصالح ويُسفّه العالم الفاهم، ويُفهم الحلم جبنا والجبن يفهم أنه حكمة، وينشغل كل بعيشه متخليا عن منظومته العقلية فاقدا لميزاته الآدمية، وتصبح مخالطة الناس خبث الريح وحرق الملابس؛ فإن التاريخ يقول إن الظلم يستمر طالما يجد هكذا بيئة.. لكن الحل أن يُصلح الكل نفسه بصرامة، يلوم نفسه لا الآخرين ويكون بيئة لمنظومة القيم، وأن يخضع المجتمع لقانون يتساوى الجميع أمامه؛ عندها ستنهار بيئة الظلم والظالمين. الطريق طويل، لكن الوصول ليس مستحيلا.

الأربعاء، 11 فبراير 2026

227- سؤال في المناخ لشرق المتوسط

 سؤال في المناخ لشرق المتوسط

من اهم الخلاصات المتعددة في الدراسة، اننا يجب ان نعمل على بدائل مصادر المياه وان الثوابت التقليدية انتهت والحقيقة اننا متأخرون اكثر من 20 سنة في المباشرة في تغطية آثار القادم

الامطار التي تأتي على شكل موجات شتوية احيانا ليست امرا ثابتا، وان كانت القياسات تعطي تدني خفيف في المعدل السنوي فهنالك اختلاف في نقاط متعددة اهمها الشدة والتزامن والاستمرارية ناهيك عن امكانية تخزينها.



السبت، 7 فبراير 2026

226- عمر خارج البرمجة

 عربي 21

ماذا يعني كبر السن؟

هل العمر محض سنين تعد؟ الحقيقة وبالدقة نعم، ولا! أيضا، النفس لا تكبر وإنما تتكيف وتروض وتتجاوب مع العجز، هذه حالات وليست مواصفات النفس، وهنالك نفوس تبقى شابة تتفاعل مع الحياة لأنها ترتبط بمهمة والعجز عندها هو العجز عن أداء المهمة، فتتراجع لكنها تبقى في حيوية تقاوم المرض وربما تتجاهل عمق أثره طالما أنها في المهمة. فكبر السن هو عدد السنين ودرجة الهرم وانتهاء المهمة، وهنا أيضا وصف لحالات متعددة وليست مواصفات، وليس كبر السن يعني خبرة وإصلاحا دوما، فهنالك زيادة في الخيرية وهنالك جنوح نحو السوء، وشاهدت أناسا ينطقون بكلمات سوقية تعبر عن ماض صعب ما زال فاعلا عندهم، وربما كان العجز عندهم غياب زملائهم وأصدقائهم وآخر شخص حي كان يجالسهم في مكان عام.

الانطباعات عن العلاقة بالله:

يتصور البعض أن مع العجز تبدأ العلاقة بالله أو تزداد أو تصبح هي المهمة الوحيدة، والمعنى دوما هو التعبد من صوم وصلاة، وهذا اختزال لفهم العبادة ومعناها، بينما العمل ونفع المجتمع يأخذ سعة كعبادة، وأن الفهم أساس التعامل مع الله وليس المظهر أو التوجه للعبادة عند من لا عمل له.

المستقبل والخوف:

يتصور البعض أن مع العجز تبدأ العلاقة بالله أو تزداد أو تصبح هي المهمة الوحيدة، والمعنى دوما هو التعبد من صوم وصلاة، وهذا اختزال لفهم العبادة ومعناها، بينما العمل ونفع المجتمع يأخذ سعة


في عصرنا الحالي نجد أن إعداد الأبناء الطبيعي والاستقلال بالقرار قد يحتاج نحو 23 سنة من العمر، في هذه الفترة تضخ فيه الخبرات وممارساته تدريبا له، وهي تقريبا كمعدل ذات فترة نهاية العمر.

زمن فترة يخطط لها المجتمع والدولة إلى فترة بدون تخطيط، وكأنها عمر ضائع بلا قيمة، لا برمجة ولا استفادة من الخبرة، بل إن الأبناء قد يضيقون ذرعا بتدخل الآباء ليس لأن تدخلهم غير مطلوب بل لأنه غير مبرمج، فأحيانا يتدخل الكبير من حرصه بما يعتبر تطفلا، وهو غير ملمّ بالموضوع لكنه يخمن بما قد لا يلامس الموضوع، وهنا تتعمق فرضية الأبناء أن تدخل الكبار سلبي، لكن الخطأ يكمن بمحاولة الأسرة إبعاد الكبار تعمدا عن التفاصيل خوفا عليهم أو لأنهم يواجهون المواضيع بعصبية واهتمام به إلحاح في مواضيع يرى الشباب أنها غير ملحّة، بيد أن غياب التخطيط لمكانة وفاعلية الكبار في السن يجعلهم قريبين بعيدين، والناس عادة لا يوزعون المهام إلا إن عجزوا وأثبت أحدهم قدرته على أدائها.

الكبار يخططون لمستقبل غير مضمون، لكن متى كان المستقبل مضمونا؟ بيد أن هذا عرف ربما يُنتقد عليه المسن إن تعارض ومصالح آخرين من أسرته، الحقيقة أن العالم لن يتوقف وأن المهمة هي المستقبل ودور الإنسان لا ينتهي بعدد السنين، بل بقدرته على الإنجاز والتكيف للاستمرار.

نجد كبار السن بنفسية شباب ونساء بنفسية صبايا كنشاط وفاعلية، لكن في الغالب مستجيبات لعرف أنهن عجائز وهذا يعني محو أي صفة أنثوية، بينما المعروف أن الأنثى تبقى أنثى كما الرجل، ولكن بدرجة من الفسلجة المتأثرة بعوامل الاندثار في بعض أجهزة الجسم؛ القلب، الكلية، الأمعاء، الجهاز التنفسي، أو الجنس على اعتبار أن الأنوثة تنتهي مع نهاية الإباضة وهو ما أفضله عن التسمية بسن اليأس، لكن الأنوثة لا تنتهي هنا، سن اليأس يعبر عن نقص إحاطة مجتمع، نعم ربما ترفع من ذهن من ابتعد زوجها عنها أو تغير تعريف العلاقة بينهما، لكن من توفي عنها زوجها وحاولت أن تستعيد ما أحست أنها فقدته أو لم تفعله وفق تصورها وإرادتها فهذا حقها الذي يعتبره المجتمع حالة نشاز، وغالبا هذه الأمور لا تُفهم من المجتمع وإن كانت هنالك مجاملات لها من المحيط، لكن يقال رجل متصابٍ أو امرأة متصابية، وكأنه نقص في أهلية الإنسان أن يُظهر شباب نفسه ما دام منضبطا بعوامل الاكتفاء، وهذا أيضا بسبب التخطيط، أو الوجود والكينونة أو لوازم المحافظة على الأسرة، وربما يحس الرجل أنه كان فاشلا مع زوجته، أو تحس المرأة أنها كانت بعلاقة من أجل العُرف أو القيم والأبناء والأسرة، وعندما كبرت وتغير الظرف أظهرت وجودها بشكل صراع مع الزمن للعطاء فتبدو وكأنها ليست طبيعية، والحقيقة أنها طبيعية لكن خارج الصورة النمطية لكبار السن بغياب التخطيط.

إن كثيرا من الأمور يخسرها المجتمع بتحييد خبرة الكبار، وقد يخسر الكبار حقهم بالسعادة عندما يستجيبون لمعايير المجتمع عليهم


كبار السن أنفسهم يعيشون حالة خوف القرار، لأن القرار قد يؤثر على أسرة بنوها، أو أعمال أشادوها، أو تاريخ، ناهيك عمن فشل في جزء حياته السابق في تحقيق النجاح بعلاقاته أو كان أحد الطرفين سيئا بالتعام،ل وهنا القرار باختيار الرفيق لمن فقد رفيقة أو يريد نوعا من حياة قد لا تأتيه عن تخطيط أيضا، أن يحقق نوعا من العيش على قدر قدرته بأسلوب مختلف، لكن هذا يحتاج إلى مغامرة بغياب التخطيط لهذه الشريحة من البشر، هنا يحتاج الإنسان وقتا لا يملكه، فتضيع فرصة أو ينجو من نزوة وزلة؛ لكن الخوف مبرر وليس التردد، كالخوف على نمط حياته الذي تقبّله ولو على مضض، الخوف على أسرته التي يحبها، الخوف حتى على مال قل أو كثر، فهو يريد إنشاء مشروعا، وهم سيقولون له يكفي يا جدنا فأنت تعبت كثيرا لا ترهق نفسك، اخرج تجول أو سافر، إن لم يقولوا له اذهب وتعبّد، مالك وللدنيا. وكأن العمل للدنيا، أفلم يرو الدنيا زائلة لا بشر يملكها، وأن العمل جزء من مهام الإنسان حتى مماته، لأنه يحسسه بالحياة وكأي مسؤولية حتى رعاية الشريك أو الرفيق.

التخطيط: كما يخطط للأجيال وتعليمهم وتربيتهم وتأهيلهم للعمل، ينبغي أن يخطط للاستفادة من هذه الأعمار؛ ليس بوضعهم في حديقة أو منتدى لتضييع الوقت، وإنما إجراء نشاطات باختصاصاتهم أو بما يريدونه هم، وعمل ورش لحل القضايا العامة وترتيب اجتماعات بمستخلصات وتفاصيل الأعمال مع المسؤولين، وترويج إنتاجهم العلمي أو الفكري أو الأعمال اليدوية أو من خلال أجهزة ما وفق إمكانيات الدولة، ومعها ما يعمل الآن من إنشاء ما يشبه منتدى فيه مطعم وجلسات سمر.

نفس الشيء مطلوب في العائلة بشرح الأمور لهم وليس بالضرورة تطبيق ما يقولون، لكن قد يُنتجون حلولا حقيقية من خبراتهم وإخفاقاتهم تجنب الجيل العامل بعض هذه الإخفاقات.

إن كثيرا من الأمور يخسرها المجتمع بتحييد خبرة الكبار، وقد يخسر الكبار حقهم بالسعادة عندما يستجيبون لمعايير المجتمع عليهم.

السبت، 31 يناير 2026

225- ملحــــــــــــدون

 رابط عربي 21


توصيف الموضوع

وفقَ اعتقادي، الإنسان في الأرض لاختبار منظومته العقلية ومدى قدرتها على التفكير السليم، وأن ما زل به آدم وزوجه هو أنهما لم يفكرا جيدا رغم أن المعلومات كانت متاحة، وعبر العصور كانت المعلومة تتفاعل مع الإنسان؛ يقبلها أو يرفضها بمدى قناعته بالدليل. والتدين غريزة، من أجل هذا وجدنا يعبدون الأصنام، ووجدنا ملحدين على طريقة عصرهم، أو من يعبد الأصنام ولا يعرف معناها. ويتغير البشر بعد الرسالات تدريجا من الضد إلى الإيمان بالرسالة وفق فهمه ثم ينتظم مع الرسالة وفق حقيقتها ليكون شخصية بعقلية الرسالة ونفسيتها، وهكذا وجدنا عظماء المسلمين كخالد بن الوليد وعمر بن الخطاب. وقد ينحرف التفكير ويصل إلى تخلف الفكرة في فهمه بعد يقظة.

فكلامي هنا ككل مقال ليس من منطلق تدين وإنما من أجل الحقيقة التي تبقى تدور وموضع تدقيق، وهكذا هي منظومة الإنسان الناجحة، أما من استقر وتعصب للدين بلا فهم أو تعصب ضده، وكما نرى أناسا إعلاميين ومثقفين يجاهرون لدرجة السفاهة الواضحة وهم يزرعون الفشل بضياع الهوية وبرجعية الطرح التي لا تدل على أنهم يدركون أو حتى يعلمون شيئا عن عظمة الخلق في جسدهم هم ناهيك عن الكون ككل لدرجة تعجب لثقة الجاهل بما وصفته نظرية دانينغ-كروغر.. هؤلاء في فهمي يمثلون بيئة ومنظومة تنمية التخلف، وهؤلاء الناس يعتبرون هدفا لمشروع هداية.

نرى في طرح الملحدين من الإعلاميين كم الكراهية والحقد على الإسلام، وقد يتسامح مع أديان أخرى، لكنه يجد الإسلام هو التحدي في بيئته، وهو يجهل الإسلام كجهله لأشياء كثيرة ويظن أنه يعرفها كما يظن معرفته لكل شيء، بينما الباحث عن الحقيقة، متدينا أو غير متدين، تميزه برصانة السلوك


الملحدون أو من يعجبهم هذا الوصف دوما يُتهمون بانهم ليسوا أصحاب مبادئ أو منحلين خلقيا، لكن لغياب المنظومة القيمية الصارمة تجد أكثرهم معرض للانحراف كما ينحرف المتدين الذي يبرر لنفسه الانحراف، وهم ظالمون لأنفسهم بجهلهم وتصورهم الفهم والمعرفة فلا يرون جهلهم.

المسألة إذن ليست هنا، وإن كثرت فلأن هنالك من يدعي الإلحاد كما هنالك من يدعي التدين ليغلف رغباته وغرائزه، وترى هؤلاء أشد تعصبا. ونحن نرى في طرح الملحدين من الإعلاميين كم الكراهية والحقد على الإسلام، وقد يتسامح مع أديان أخرى، لكنه يجد الإسلام هو التحدي في بيئته، وهو يجهل الإسلام كجهله لأشياء كثيرة ويظن أنه يعرفها كما يظن معرفته لكل شيء، بينما الباحث عن الحقيقة، متدينا أو غير متدين، تميزه برصانة السلوك.

رجعيّة الضلال

من هنا ننظر إلى المسألة على أصل الفكرة وهي الملحد عن تفكيره هو وقناعاته؛ لكن من خلال ملاحظتي أن هذه النوعية قليلة وهو أمر يؤسف له؛ لأن هؤلاء إن تَفَعَّلَتْ منظومتهم العقلية وأدركوا الإسلام بعد حربه سيكونون من خاصته العلمية والمعرفية، بيد أن ما أراه في أغلب المواقع سطحية وتخلفا ينقصه الإدراك وعكسا للمنطق باسم المنطق، وإذا بهم يجدون أنفسهم متعصبون لدين اسمه الإلحاد يفقدهم المروءة والموضوعية، فهم عندما يهاجمون الإسلام في بيئتنا لأنه الدين الغالب وهم يريدون أن ينزعوا أنفسهم منه، يهاجمونه وفق أساليب عفا عنها الزمن، متخلفة جدا وبناء على انطباعات غير صحيحة، ويناقشون أخطاء بلاغية فيما تقاس عليه قواعد البلاغة جهلا، أو أحكاما لا يعرفون عنها إلا ظنا، فسمتان في هؤلاء الناس تشابهان المتدين غريزة، وهما جهل في الدين وحقيقته، والأخذ بالسطحية وثقة الجاهل.

العالم يتقدم في اكتشافاته العلمية وبيان الدقة الكونية وسعة الكون الرهيبة فعلا، ليقول لك شخص ما إن الكون أكبر أن نكون نحن فيه لوحدنا، بدل أن يسأل عن نظام الكون واستحالة كونه غير مصمم ومبرمج من لدن عليم عظيم، وهو لم يفهم معنى "رب العالمين" الذي يريد تسفيه كلامه بلا إمكانيات ولا قدرة، يأتي إلى أحكام في العلاقات ويأخذ برأي إنسان ويعكسه على العقيدة، وان أفهمته؛ يقول هذا عالم. وماذا عنك؟! ألَسْتَ العقلاني على حد زعمك؟ ألا تستطيع أن تفكر لتعرف الصواب ما دمت قررت أن رأي "رجل الدين" خطأ بدل أن تسد الطرق أمامك بكسلك؟ على الأقل أن هذا النظام الذي نراه يوما بعد يوم ندرك أنه لا يمكن أن يكون عشوائيا، لكنها المكابرة وحب للظهور. فأبو جهل كان يكنى بأبي الحَكم لبلاغته وحكمته، لكنه مات مكابرا متكبرا، وإبليس ليس غبيا لكنه شطَّ فسمي شيطانا.

الأنا والمكابرة في الباطل تيه وضياع وهروب من نور الحقيقة إلى ظلام التخلف، اليوم فعلا أصبح رجعيا متخلفا من يردد عبارات لا تراها تتجدد ولا يشعر بأنه يجب أن يحقق اتهاماته أو انطباعاته، فهو كلام مرسل وتجنٍ وبهتان وبلا دليل، رغم أن ما ينقصه أُفهم له مرات، لكن إحساسه بأن له قيمة في إعلام فاسد يزيد من تيهه، مع الرد على سطحيته دون إعلامه بأن أفكاره باتت رجعية مع تقدم المعرفة.

الملحدون في عصر الاكتشافات الكونية

بعض متخذي الإلحاد غطاء لا يستطيع أن يهاجمك من خلال عقيدته فيتقمص الإلحاد. تعرفهم بلحن القول وفلتات اللسان وما نلاحظه من جرأة هؤلاء وسفههم، يستغلون مهنهم، وهنالك من تستعبدهم رغبة الشهرة بزعمهم الإلحاد


هل هم متخلفون عن الزمن في عصرنا الحالي، الذي يشهد تقدما علميا مذهلا؟ إن الله وعد أن نرى آياته، وسيكتشف أهمها من هو كافر به بطرق تفوق الخيال، فمنذ إطلاق تلسكوب جيمس ويب وغيره من المهمات الفضائية، أصبحنا نرى نظاما بديعا لا يمكن أن يكون عشوائيا، فالقول بالعشوائية تخلّف عن الزمن وعن العلم قد يسامح في العصور الغابرة وليس بثورة الاكتشافات والعلوم، فهذه عودة لعصور غابرة قبل التفكير بالخليقة والخالق.

العَالِمُ بما في الكون ما لم يكابر سيصل إلى أن للكون خالق، أما الإصرار على الرجعية بتغييب المراجعة فهو إهانة للكرامة الإنسانية وقيمة المنظومة العقلية.

تدفعهم عقائد فاسدة فيتقمصون الإلحاد

بعض متخذي الإلحاد غطاء لا يستطيع أن يهاجمك من خلال عقيدته فيتقمص الإلحاد. تعرفهم بلحن القول وفلتات اللسان وما نلاحظه من جرأة هؤلاء وسفههم، يستغلون مهنهم، وهنالك من تستعبدهم رغبة الشهرة بزعمهم الإلحاد، عبيد الشهرة مشوِّهو الانتماء، هؤلاء يقفلون على أنفسهم عالم عميان يعتبرون معه النور هرطقة، ولا غرابة أن يستخفوا بالقيم، فقوم لوط لم يستنكرون ولو كذبا على لوط سوء سلوك، بل استنكروا "إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ".

المسألة مسألة فهم ولا ينبغي أن نعمم فكل توجه فكري فيه أقلية متطرفة بسلوكها تشوه فكرها، وهنالك من يلحد بسلوك يغيّب اللهَ في نفسه فلا يرتدع عن ظلم لنفسه أو الآخرين.

231 - يا يحيى خذ الكتاب بقوة

 رابط عربي 21 ومضة المقال: ليس حفيدي (من ابنتي) يحيى ، الذي عمره شهر الآن، هو دافعي لكتابة هذا المقال، وإن كان اسمه تيمنا بيحيى، أو من يسميه...

يقظة فكرgoogle-site-verification: google25f7d3ebc2fdac29.html