https://m-salihalbdrany.blogspot.com/ فكــــــر اليقظـــــــة Mindfulnesshttps://m-salihalbdrany.blogspot.com/

بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 31 يناير 2026

225- ملحــــــــــــدون

 رابط عربي 21


توصيف الموضوع

وفقَ اعتقادي، الإنسان في الأرض لاختبار منظومته العقلية ومدى قدرتها على التفكير السليم، وأن ما زل به آدم وزوجه هو أنهما لم يفكرا جيدا رغم أن المعلومات كانت متاحة، وعبر العصور كانت المعلومة تتفاعل مع الإنسان؛ يقبلها أو يرفضها بمدى قناعته بالدليل. والتدين غريزة، من أجل هذا وجدنا يعبدون الأصنام، ووجدنا ملحدين على طريقة عصرهم، أو من يعبد الأصنام ولا يعرف معناها. ويتغير البشر بعد الرسالات تدريجا من الضد إلى الإيمان بالرسالة وفق فهمه ثم ينتظم مع الرسالة وفق حقيقتها ليكون شخصية بعقلية الرسالة ونفسيتها، وهكذا وجدنا عظماء المسلمين كخالد بن الوليد وعمر بن الخطاب. وقد ينحرف التفكير ويصل إلى تخلف الفكرة في فهمه بعد يقظة.

فكلامي هنا ككل مقال ليس من منطلق تدين وإنما من أجل الحقيقة التي تبقى تدور وموضع تدقيق، وهكذا هي منظومة الإنسان الناجحة، أما من استقر وتعصب للدين بلا فهم أو تعصب ضده، وكما نرى أناسا إعلاميين ومثقفين يجاهرون لدرجة السفاهة الواضحة وهم يزرعون الفشل بضياع الهوية وبرجعية الطرح التي لا تدل على أنهم يدركون أو حتى يعلمون شيئا عن عظمة الخلق في جسدهم هم ناهيك عن الكون ككل لدرجة تعجب لثقة الجاهل بما وصفته نظرية دانينغ-كروغر.. هؤلاء في فهمي يمثلون بيئة ومنظومة تنمية التخلف، وهؤلاء الناس يعتبرون هدفا لمشروع هداية.

نرى في طرح الملحدين من الإعلاميين كم الكراهية والحقد على الإسلام، وقد يتسامح مع أديان أخرى، لكنه يجد الإسلام هو التحدي في بيئته، وهو يجهل الإسلام كجهله لأشياء كثيرة ويظن أنه يعرفها كما يظن معرفته لكل شيء، بينما الباحث عن الحقيقة، متدينا أو غير متدين، تميزه برصانة السلوك


الملحدون أو من يعجبهم هذا الوصف دوما يُتهمون بانهم ليسوا أصحاب مبادئ أو منحلين خلقيا، لكن لغياب المنظومة القيمية الصارمة تجد أكثرهم معرض للانحراف كما ينحرف المتدين الذي يبرر لنفسه الانحراف، وهم ظالمون لأنفسهم بجهلهم وتصورهم الفهم والمعرفة فلا يرون جهلهم.

المسألة إذن ليست هنا، وإن كثرت فلأن هنالك من يدعي الإلحاد كما هنالك من يدعي التدين ليغلف رغباته وغرائزه، وترى هؤلاء أشد تعصبا. ونحن نرى في طرح الملحدين من الإعلاميين كم الكراهية والحقد على الإسلام، وقد يتسامح مع أديان أخرى، لكنه يجد الإسلام هو التحدي في بيئته، وهو يجهل الإسلام كجهله لأشياء كثيرة ويظن أنه يعرفها كما يظن معرفته لكل شيء، بينما الباحث عن الحقيقة، متدينا أو غير متدين، تميزه برصانة السلوك.

رجعيّة الضلال

من هنا ننظر إلى المسألة على أصل الفكرة وهي الملحد عن تفكيره هو وقناعاته؛ لكن من خلال ملاحظتي أن هذه النوعية قليلة وهو أمر يؤسف له؛ لأن هؤلاء إن تَفَعَّلَتْ منظومتهم العقلية وأدركوا الإسلام بعد حربه سيكونون من خاصته العلمية والمعرفية، بيد أن ما أراه في أغلب المواقع سطحية وتخلفا ينقصه الإدراك وعكسا للمنطق باسم المنطق، وإذا بهم يجدون أنفسهم متعصبون لدين اسمه الإلحاد يفقدهم المروءة والموضوعية، فهم عندما يهاجمون الإسلام في بيئتنا لأنه الدين الغالب وهم يريدون أن ينزعوا أنفسهم منه، يهاجمونه وفق أساليب عفا عنها الزمن، متخلفة جدا وبناء على انطباعات غير صحيحة، ويناقشون أخطاء بلاغية فيما تقاس عليه قواعد البلاغة جهلا، أو أحكاما لا يعرفون عنها إلا ظنا، فسمتان في هؤلاء الناس تشابهان المتدين غريزة، وهما جهل في الدين وحقيقته، والأخذ بالسطحية وثقة الجاهل.

العالم يتقدم في اكتشافاته العلمية وبيان الدقة الكونية وسعة الكون الرهيبة فعلا، ليقول لك شخص ما إن الكون أكبر أن نكون نحن فيه لوحدنا، بدل أن يسأل عن نظام الكون واستحالة كونه غير مصمم ومبرمج من لدن عليم عظيم، وهو لم يفهم معنى "رب العالمين" الذي يريد تسفيه كلامه بلا إمكانيات ولا قدرة، يأتي إلى أحكام في العلاقات ويأخذ برأي إنسان ويعكسه على العقيدة، وان أفهمته؛ يقول هذا عالم. وماذا عنك؟! ألَسْتَ العقلاني على حد زعمك؟ ألا تستطيع أن تفكر لتعرف الصواب ما دمت قررت أن رأي "رجل الدين" خطأ بدل أن تسد الطرق أمامك بكسلك؟ على الأقل أن هذا النظام الذي نراه يوما بعد يوم ندرك أنه لا يمكن أن يكون عشوائيا، لكنها المكابرة وحب للظهور. فأبو جهل كان يكنى بأبي الحَكم لبلاغته وحكمته، لكنه مات مكابرا متكبرا، وإبليس ليس غبيا لكنه شطَّ فسمي شيطانا.

الأنا والمكابرة في الباطل تيه وضياع وهروب من نور الحقيقة إلى ظلام التخلف، اليوم فعلا أصبح رجعيا متخلفا من يردد عبارات لا تراها تتجدد ولا يشعر بأنه يجب أن يحقق اتهاماته أو انطباعاته، فهو كلام مرسل وتجنٍ وبهتان وبلا دليل، رغم أن ما ينقصه أُفهم له مرات، لكن إحساسه بأن له قيمة في إعلام فاسد يزيد من تيهه، مع الرد على سطحيته دون إعلامه بأن أفكاره باتت رجعية مع تقدم المعرفة.

الملحدون في عصر الاكتشافات الكونية

بعض متخذي الإلحاد غطاء لا يستطيع أن يهاجمك من خلال عقيدته فيتقمص الإلحاد. تعرفهم بلحن القول وفلتات اللسان وما نلاحظه من جرأة هؤلاء وسفههم، يستغلون مهنهم، وهنالك من تستعبدهم رغبة الشهرة بزعمهم الإلحاد


هل هم متخلفون عن الزمن في عصرنا الحالي، الذي يشهد تقدما علميا مذهلا؟ إن الله وعد أن نرى آياته، وسيكتشف أهمها من هو كافر به بطرق تفوق الخيال، فمنذ إطلاق تلسكوب جيمس ويب وغيره من المهمات الفضائية، أصبحنا نرى نظاما بديعا لا يمكن أن يكون عشوائيا، فالقول بالعشوائية تخلّف عن الزمن وعن العلم قد يسامح في العصور الغابرة وليس بثورة الاكتشافات والعلوم، فهذه عودة لعصور غابرة قبل التفكير بالخليقة والخالق.

العَالِمُ بما في الكون ما لم يكابر سيصل إلى أن للكون خالق، أما الإصرار على الرجعية بتغييب المراجعة فهو إهانة للكرامة الإنسانية وقيمة المنظومة العقلية.

تدفعهم عقائد فاسدة فيتقمصون الإلحاد

بعض متخذي الإلحاد غطاء لا يستطيع أن يهاجمك من خلال عقيدته فيتقمص الإلحاد. تعرفهم بلحن القول وفلتات اللسان وما نلاحظه من جرأة هؤلاء وسفههم، يستغلون مهنهم، وهنالك من تستعبدهم رغبة الشهرة بزعمهم الإلحاد، عبيد الشهرة مشوِّهو الانتماء، هؤلاء يقفلون على أنفسهم عالم عميان يعتبرون معه النور هرطقة، ولا غرابة أن يستخفوا بالقيم، فقوم لوط لم يستنكرون ولو كذبا على لوط سوء سلوك، بل استنكروا "إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ".

المسألة مسألة فهم ولا ينبغي أن نعمم فكل توجه فكري فيه أقلية متطرفة بسلوكها تشوه فكرها، وهنالك من يلحد بسلوك يغيّب اللهَ في نفسه فلا يرتدع عن ظلم لنفسه أو الآخرين.

السبت، 24 يناير 2026

224= حداثة بائدة وحداثة رائدة ........ الجزء الثاني الحداثة الرائدة

 رابط عربي 21


القيم الأخلاقية:

الدعاية التي تقتل الحقيقة هي المحبطة، الكثير من النماذج والأنظمة التي ترفع شعارات الكرامة الإنسانية والعدالة والسعادة غالبا ما تفشل في تطبيقها على أرض الواقع، بل قد تُستخدم هذه الشعارات أحيانا للتغطية على انتهاكات جسيمة. هذا التناقض ليس استثناء، بل ظاهرة متكررة في التاريخ السياسي والاجتماعي، حيث يُستغل الخطاب الأخلاقي لتبرير التعصب، التهميش، أو القهر ودوما علو الرعاع والغوغاء هو إهانة لكرامة العلماء الإنسانية.

طرحنا نماذج مضللة لا تمثل فساد القيم وإنما فساد الإنسان الذي خفف الصرامة على نفسه بالتزامها حتى تحولت إلى استجابة للعدمية والكراهية، وبالتالي الانتقام من فشل النفس بتدمير الآخرين. اليوم نرى الولايات المتحدة تقول لأني قوة عالية فيحق لي أن افعل ما أشاء، نوع من الفرعونية المتطورة، ولأني من جنس أبيض راق ولا تدري لِمَ هو راق رغم كل ما يحصل، فالبقية محض كيانات لتحقيق ما أريد، وهكذا الطائفيون الذين لا يملكون رؤية لكينونة بشرية يحاولون صنع بيئة رديئة لأنها تناسبهم في العيش، وهل تهتم البكتريا وهي تبني بيئتها بما يصيب الحياة؟

الحداثة الرائدة:

ذكرنا في عصر النبوة نشوء نموذج قائم على العدل وقبول المختلف باعتباره جزءا منك؛ إن أحب اندمج معك أو تكامل محتفظا بخصوصية ما يراها أفضل له، وهذا النموذج هو نموذج كتجربة قابلة للطور العلمي في الإدارة والتوسع الفكري والقانوني الحضاري، لكن النماذج التي أنتجها البشر تستقيم على قدر رد الفعل ليتحول المظلوم ظالما والدعي صادقا والأمين خائنا. النظم الغربية تعاملت مع الوافدين مدنيا وفق معالجة شعوبهم للمسالمة والرأسمالية والهدوء التقليدي، لكنها لم تبد ذاك التعامل عند تعاظم نشاط المسلمين الفكري خصوصا وأن المسلمين أنفسهم ليسوا على نمط واحد، بل هم انتحوا نحو السطحية والشكليات والمظاهر وتحرر العواطف التي كانت هي الأخرى مكبوتة في بلادهم.

دون شك كثر أدعياء القيم من كل المتسلطين في الأرض لكن تحكمهم ويحكمونا بغرائزهم وجهالتهم، فنحن نحتاج باختصار الإيمان الحقيقي بما نقول وهذا يحتاج:

1. الفهم العميق للفكر وأن لا تمايز بين البشر في إيجابيات، وهذا يتطلب تعليم مستمر وتخصيص الحوارات وتوسيع الاندماج بالمهام الإنتاجية دون إبراز لخلافات الخاصة من رجال دين وعلماء، والأَولى بهؤلاء أن يقيموا صالونات خاصة بهم ومراكز بحوث لتساؤلاتهم، وليس نقاش من هو الأفضل أو الأصوب، فالأديان الثلاثة مصدرها واحد عليهم إن ظنوا أن هنالك خطأ أن يجدوه وليس التترس والاستقطاب.

2. الصدق في التنفيذ: هذا هو الحارس الحقيقي، وليس المزايدات وزعم الإخلاص.

3- السلطة تفسد: عندما يصبح الحارس نفسه مستفيدا من انتهاك القيم، يتحول إلى جلاد. التاريخ مليء بأمثلة فترى الدعوة شيئا والفعل ضد.

4- الخوف والمصلحة: عندها يصبح المجتمع شريكا في التخلي عن القيم.

5- غياب الإيمان الجماعي: عندما يفقد المجتمع إيمانه بالقيم المشتركة، يحل محله الولاءات الضيقة (قبلية، طائفية، حزبية).

من هو الحارس؟ الحارس الذي يعامل الجميع بمسطرة المساواة ويرجح العدل وليس بتسليط فئة على فئة فلا تستقيم الأمور.

هل الإسلاميون حكموا فعلا؟ منذ عهد الرسول كان الحوار والنقاش مع الرسول فكانت الحلول تثبيتا للثوابت وإلغاء للشطحات، وما بعد الرسول كل شيء يعتبر رأيا قابلا للنقاش والرد، أما الحكم العضوض فقد أسقط الشورى وفتح أبواب الاستبداد وحكم التغلب الذي نحر الشورى، وبقي الشعب تحت رحمة المتغلب وأخلاقه والتزامه الشخصي.

وفي عصرنا وجدنا تقليدية مقيتة واستغل الأعداء النظرات المتطرفة فسخّروا الطاقات وجندوها لقتل أهلها والتخريب والتنكيل، في حين أن فئة أخرى فرضت سلطات الأشخاص وعظمتهم إلى العبادة وامتلكوا أموال السحت واستحلوها، وأصبح الأمر ليس سرا بل لم يعد منكرا وإنما يسير مرتكبه بخيلاء، ومن يعظمه يعلم أنه سارق وهو يعلم نفسه سارقا ويعلم أن من يعظمه يعلم أنه سارق.

كل شرّع لنفسه وظن أن هذا لا يثلم من قربه إلى الله، بل تقرب الناس إلى الله موقنين أن قتل الناس تقربا أو الإضرار بهم وأنت متمكن واجبا وشطارة، وهذه إساءة إلى رب العالمين.

إن أراد المسلمون قيادة حداثة مطلوب ظهورها:

1- عليهم إسقاط كل معتقد يسمى بغير الإسلام، طائفة أو عشيرة أو عرق أو توجه ديني أو سلوك تعبدي أو فهم سقيم.

2- إذن لا بد من الفهم والفهم أول خطوات النهضة الفكرية وتشخيص صائب لامعات تافهة.

3- بناء مراكز دراسات وتدريب وتأهيل ومحطات تلفزيونية، وإنشاء مواقع لمحاضرات على الناس توضح وتنقد كل شيء، ويمكن أن تكون نواة لعمل ديمقراطي في اختيار الحاكم الحكومة، ويمكن أن يدرب على هذا القسس والخطباء.

4- إن إقامة نموذج بشكل صحيح كاف جدا لدعوة الناس للتفكر عندما ينتج العدل أدواته في عصره.

إن بقاء المسلمين على عناوين معتقدات ثانوية وعدم إفساح المجال للتفكر هو من النفس عدوا للنفس، كذلك بقاء رجال الدين من كل الأديان على زرع التمايز وما يقود لضعف الانتماء والكراهية من أجل الرعوية، فهو تخريب للنسيج والتفاهم وضعف على مدى أبعد في الانتماء للبلد والدين نفسه، فترى الهجرة في أقرب فرصة هي الحل بدل السجن النفسي في بلده وهو سجن وهمي.

العالم كله متضرر:

قصر النظر بعداء الإسلام بدل ترك التفاهم بالفعل وليس برد الفعل، أضاع فرصا على الغرب والشرق والمسلمين أنفسهم في فهم الإسلام الفهم الصحيح، وفهم معنى التدين بأي دين، بل الاستفادة من غريزة التدين في زرع الأمن والمحبة بين الناس.

المسألة ليست إقامة اسم على دولة بل أن تتعامل الدولة في تطبيق الاسم، وإن كان السلم للناس كافة فهو كذلك بالفهم، وأن كرامة المستبد والمظلوم منهارة بالظلم وليس كرامة المظلوم وحده، فالمظلوم مغتصب عن ضعف، لكن الظالم مهان بإرادته لتجرده عن إنسانيته والقيم وكل شيء، وما ينطبق على الفرد هنا ينطبق على الدول.. كل الدول.

السبت، 17 يناير 2026

223= حداثة بائدة وحداثة رائدة

 رابط عربي 21


حركة البشرية:

منذ انطلاق رحلة التنمية وصياغة قوانين لإدارة الحياة، كانت القوانين لحماية الرأسمالية المتشكلة، وأما القيم فلم يك لها دور إلا بالكلام، فكانت الإنسانية لها معنى يختلف عندما يرى الأوروبي الهندي أو العربي الإحساس بالتفوق، ولأني متفوق أفعل ما أريد بغيري، وهو تفسير ضال واستعارة تعسفية من علوم الأحياء والنشوء والارتقاء في الاجتماع والسياسة بما لا يمكن استعارته.

الحداثة بدأت في تغيير نمط الحياة في أوروبا ومن المدن الساحلية كفينيسيا في المدنية وليس بناء حضاريا فكريا وهذا اختلاف مهم عن الشرق، لكن حكم الغرب أن معيار تفوقه التكنولوجي أو الجنس الأبيض بتفسير سيئ؛ جعله في صراع مع الشرق ورغبته الفاشلة في تغييره، فالشرق حضارات وأمة، أما في الغرب فالدولة هي مؤسسة وشركة، وتنافسه مع أرقى المدنيات في عصرها أنتج هزيمة الاتحاد السوفييتي لأنه خالف الطبيعة البشرية وفق التصور العميق للإنسان والذي يطل برأسه مهما حاول الطغيان إخفاءه.

الحداثة الآفلة:

حداثة الغرب آفلة ولأسباب كثيرة شرحها الباحثون، فهي لا تستند إلى فكر حضاري كي تتجدد ولا تتميز بوحدة اللغة كالصين. وقد تُنتقد الحداثة ودولتها "أنها لبوس زائف يتهاوى أمام أفكار أخرى تواجهها"، وأنها لا تصمد أمام منافس مختلف بالنمط الحياتي لنفس السبب، وهو أنها لا تقوم على فكر وإنما على قيمة النفعية، وهو ما نرى فيه كل إيجابيات السلوك الحسن مع الزبون.

هذه الدولة ليست مجرد هيكل إداري، بل تجسيد للحداثة: تسيطر على الاقتصاد، تنظم المجتمع، وتفرض العقلانية -كما تسميها- على الطبيعة والإنسان.

أما عن "من يتهاوى الآن"، فالسؤال يفتح نقاشا حول أزمة الحداثة أم أزمة الدولة الحديثة. من منظور تاريخي، يرى بعض المفكرين أن الحداثة نفسها تتهاوى، إذ انتهت عصرها مع الحرب العالمية الثانية أو حتى الثمانينيات، مفسحة المجال لما بعد الحداثة (postmodernity) التي تفكك السرديات الكبرى مثل التقدم والعقلانية، وتكشف عن هشاشة الوعود الحداثية في مواجهة العولمة (الانهيار البيئي، والأزمات الرقمية، على سبيل المثال). يتحدث كريستوفر كلارك عن "نهاية الحداثة" في 2025، مشيرا إلى تفكك العولمة والعودة إلى صراعات ما قبل الحداثة، كما في النزاعات الإقليمية والطائفية.

من جهة أخرى، يركز آخرون على تهاوي الدولة الحديثة نفسها، لا الحداثة كمفهوم، بيد أن الدولة الحديثة لم تعد حديثة وتحتاج تحديثا، وهي لا تصمد أمام التقارب الذي يحصل في العالم، حيث الجغرافية أضحت متقاربة بسبب الاتصالات والمواصلات، وانتقال الأمراض أضحى وكأن لا حواجز بين الأمم، وهذا أمر مهم الحقيقة يبين الحاجة إلى تفكير جديد.

الحداثة حداثات:

الحداثة ليست متلازمة مع أمة أو شكل واحد، بعمق التاريخ كان الإسلام يقود حداثة فكرية أخلاقية استطاعت احتضان المدنية، لكن الفهم للإسلام وفكره تراجع من العمق إلى السطحية وما زال، والتراجع سبب تحييد الأمة واستمرار انحدارها إلى يومنا هذا أو على الأقل السبب الذي أضعفها فجعلها فريسة حية تنهشها كل الضباع وهي حية.

إن رفض فكرة الحداثة الواحدة يسمح ببناء النموذج المحلي، مما يجعلها أكثر استدامة وتكيفا مع التحديات المعاصرة لبناء النموذج الحقيقي بلا رتوش، أما الدولة الحديثة التقليدية فقد بُنيت غالبا على أسس عملية مثل احتكار العنف الشرعي (كما وصفها ماكس فيبر)، وهو أمر يشبه ولاية التغلب وشرعية الظلم للحاكم، أما مقاومته فهي إرهاب منتهى التخلف الأخلاقي وخيانة المعلن من المبادئ، وقد تعلن بعنوان التنمية الاقتصادية، دون التركيز الرئيس على الأخلاق. ومع ذلك، هذا لا يعني أن الدولة يجب أن تبقى كذلك؛ بل يمكن إعادة تصورها ككيان أخلاقي يركز على السعادة الإنسانية والعدالة، وعندما يضع الباحثون مثالا على ذلك هو مملكة بوتان، التي اعتمدت "السعادة الوطنية الإجمالية" كمقياس رئيسي للتقدم بدلا من الناتج المحلي الإجمالي، فهو مثال محبط كنموذج مبني على مبادئ بوذية بالنتيجة، يشمل أربعة أعمدة رئيسية: التنمية الاقتصادية العادلة، الحفاظ على الثقافة، الحماية البيئية، والحكم الجيد.. ولكن.. هل هذا حقيقي؟

بوتان تُروج لنفسها كـ"أسعد دولة في العالم" من خلال مفهوم (Gross National Happiness -GNH)، الذي يُقدم كبديل أخلاقي للنمو الاقتصادي، مع التركيز على الرفاهية والثقافة. لكن الواقع مختلف تماما: في التسعينيات، نفذت الحكومة حملة تطهير عرقي ضد شعب اللوتشامبا (النيبالي الأصل)، طردت أكثر من 100,000 شخص، وسحبت جنسياتهم، وأجبرتهم على النزوح إلى مخيمات لاجئين في نيبال. هذه الانتهاكات وُصفت بـ"التطهير العرقي" من قبل منظمات مثل هيومن رايتس ووتش وآمنستي إنترناشونال، واستمرت مشكلات مثل السجناء السياسيين، وقمع حرية التعبير، والتمييز العرقي. شعار "السعادة للجميع" يغطي في الواقع على سياسات "واحدة أمة، واحد شعب" التي تهمش الأقليات غير البوذية.

الولايات المتحدة: "الحرية والمساواة" مقابل الظلم العنصري والسجون. الولايات المتحدة مبنية على شعارات إعلان الاستقلال: "كل الناس خُلقوا متساوين"، مع حقوق الحرية والكرامة. لكن الواقع يظهر فجوة هائلة: السجون الأمريكية مليئة بانتهاكات حقوقية، خاصة ضد السود، مع معدلات سجن تفوق العالم بأسره، وعمل قسري غير مدفوع (يُشبه العبودية الحديثة)، وعزل انفرادي، وتمييز عنصري منهجي. تقارير الأمم المتحدة وهيومن رايتس ووتش تتحدث عن "انتهاكات صارخة للكرامة"، مع تأثير غير متناسب على الأقليات العرقية، مما يعكس إرث العبودية والعنصرية.

الكنيسة الكاثوليكية: "كرامة الإنسان" مقابل الفضائح. التعليم الاجتماعي الكاثوليكي يضع الكرامة الإنسانية في صميم تعاليمه، محذرا من الاستغلال والظلم، لكن الكنيسة نفسها واجهت فشلا ذريعا في تطبيق هذا، اليوم نرى كثير ممن يزعم التدين الإسلامي وهو في الحكم أسوأ نموذج يناله في مؤشر دينيس.

في الجزء الثاني إيضاح وعلاج بإذن الله

السبت، 10 يناير 2026

222- الطائفية الرعناء ولاثنية الحمقاء

 رابط عربي 21



تعريف العنوان:

لا شك أن المصطلحات التي تشكلت كانطباعات عند الكتابة عنها تحتاج لبعض الإيضاح لترميم الانطباع وتكامله. الإثنية مثلا ليست القومية لكنها تشمل القومية، يعرف الذكاء الاصطناعي (موسوعة العصر!) الإثنية (Ethnicity) بأنها تشير إلى هوية اجتماعية لمجموعة من الناس يتشاركون في سمات ثقافية أو أصل مشترك، مثل اللغة، التاريخ، الموطن، الدين، أو التراث، مما يمنحهم شعورا بالانتماء الجماعي المميز عن غيرهم. يمكن أن تكون هذه الهوية متوارثة وتتأثر بالبناء الاجتماعي، وتلعب دورا في تعريف الذات ضمن سياقات ثقافية وسياسية متنوعة.

أما الطائفية: فهي التعصب والانحياز الأعمى لجماعة (دينية، مذهبية، عرقية، سياسية) على حساب الجماعات الأخرى. تتسم بالانغلاق، والكراهية، واضطهاد الآخر، وتُستخدم أحيانا لتبرير أهداف سياسية، وهي تختلف عن مجرد الانتماء للطائفة. وتؤدي إلى التفرقة والصراعات، ويمكن أن تتجلى في أشكال دينية (مذهبية)، قومية، عرقية، أو سياسية (استغلال الدين)، وتضر بالوطن والمجتمع وتعرقل بناء الدولة المدنية.

 أمتنا لا يمكن أن تصلح وتكون قوية وهي تستثير الطائفية بأنواعها، والتي تأخذ شكل الدين والتدين أو الإثنية القومية، وغالبا هذه صناعة خيال ووهم،


الرعونة: تعني الحمق، الطيش، وسوء التصرف، وقلة تقدير الأمور أو الجهل بها، وتصف الشخص الأخرق والأهوج في كلامه وفعله، وتظهر في التسرع وعدم الروية، وتدل على نقص في المهارة أو العلم المطلوب في موقف ما. والشخص الأرعن هو الأحمق الذي يفتقر إلى الفهم السليم، ويتصرف بعجلة واندفاع دون تفكير، وغالبا الأرعن لا يتحسّب للأمور فهو غير كفء في منظومة تنمية التخلف.

الحمق: هو قلة العقل وضعف التصرف، حيث يفتقر الشخص للحكمة ويفعل ما لا معنى له أو لا يدرك عواقب أفعاله، وهو يختلف عن الغباء في أن الأحمق قد يعرف الصواب لكنه لا يعمل به، أو يظن أنه يعرف بينما هو مخطئ.

مجتمعنا ليس قوقعة تنتج اللؤلؤ من الشوائب:

دعونا نسلم جدلا بأن هذه الأمة تجمعها لغة القرآن كعنصر مشترك، يقودها من يُعتبرون من مثقفي الأمة وهم مجموعة التكديس المعلوماتي التي تتخذ من معرفتها مخزونا للمناكفة والجدل العقيم، ولا تدير هذه المعلومة لتُنتج ما يفيد صمودها ووجودها بين الأمم، وهذا ذاته ما أخرج آدم من الجنة، فالمثقف ليس بالكم المعلوماتي وإنما بمعالجة المعلومات وإبداع الجديد المفيد.

نظرة إلى واقعنا فإن أمتنا لا يمكن أن تصلح وتكون قوية وهي تستثير الطائفية بأنواعها، والتي تأخذ شكل الدين والتدين أو الإثنية القومية، وغالبا هذه صناعة خيال ووهم، فما رأيناه وما كان غيره أن هذا النوع من البشر تحركه الغرائز وليس القيم، ومنظومته العقلية مستعمرة من أمراضه النفسية وتاريخ من الحرمان أو التطلعات بعيدا عن قابلياته الفعلية.

الصدمات في تاريخنا الواسع لم تصنع لؤلؤا أو مرجانا، وإنما وسائل من النفاق والازدواج والخداع، وبالتالي معاناة الشعوب أنها لم تك أمة ولا دولة، وإنما واقعة تحت فوضى الغرائز من حب السيادة والتملك وتصور الظالم أنه مظلوم وليس ظالما، وأن ما يفعله ليس ما كان يستنكره أو ثار عليه، فكرهه للظلم ليس كرها لماهية الظلم بل لأن الظلم واقعا عليه، وهو يتمنى مكان الظالم.

السلطة الحقيقية فهي أن ينال المواطن كل المواطنين حقوقهم ويشاركوا في بناء أوطانهم، وهم يمثلون أنفسهم وما يقترحون لبناء بلدهم


هذا الدوار واللا عقلانية عندما تتحكم العصبيات الطائفية بأنواعها بالإنسان، وتبدو مسخا مقززا عندما يتبناها مثقف يزعم أنه مفكر أو باحث حتى لتشعر بالغثيان، وهذا منتهى الرعونة خصوصا عندما يتبناها أناس يظنون أنهم من قومية معينة يتعصبون لها أو مذهب أو دين، هذه الطائفية ماحقة لا تبني دولة ولا أمة ولا تقاد بها حياة، فالأنظمة لم توجد لتقاسم سلطات ولنقول إن هذا لي وذاك لك، وإنما أتت لتقاسم المهام والمسؤولية عنها، وكانت الحاجة إلى مركزية وهو أمر لا بد منه بل واجب ومن الحمق العمل بغيره في بداية الحكم في أمة يمكن أن تثار فيها النعرات والطائفية. والمركزية لا ينبغي أن تفرض أيديولوجيا معينة أو تدعو لها بل والتنمية بفروعها، ثم إن احتاج الأمر فلا مركزية إدارية في مسائل تسهيل الخدمات والتخطيط كالأوراق الثبوتية الرئيسة، ويمكن بالاتمتة أن تنتفي الحاجة لأي نوع من تشتت السلطة.

فالسلطة ليست حقا ولا مكاسب وإنما مهام ومسؤوليات، ومن يفشل في إدارة البلاد يغادر لأنه ليس إلا موظفا عند الشعب لا أكثر من هذا، فلا ينبغي أن يسيّد الأجير على سيده وإلا أزيح بكل الوسائل المتاحة.

بناء الأمة والدولة:

في مقالات سابقة ذكرنا معنى بناء الأمة والدولة، وأن لا دولة بلا أمة وبناء الأمم لا يأتي من الاعتراف بالتقسيمات والمكونات بل بالعيش مع بعضها دون حاجة لتكون فيصل في السياسة والحكم. ولقد رأينا أن ما بني على التقسيمات لم يؤد إلا إلى أذى ودماء، وإقصاء الكوادر البنّاءة وشيوع الجهل والفقر وتفسّخ البلد والتعليم وانتشار الفساد، وضياع الثقة بالحياة نفسها وليس الحكم فقط. من أجل هذا فأولى خطوات بناء الدولة الحديثة أن تكون مركزية ولا تعير اهتماما للطامعين بالسلطة على حساب قومهم، وما هم بمنصفي قومهم وإنما يثيرون العصبيات الطائفية بأنواعها من أجل التربح والفساد في الأرض، وأن العدل أساس الملك وهو ما يهم الشعب لأنه يعني العيش الكريم والكرامة الإنسانية.

وأما السلطة الحقيقية فهي أن ينال المواطن كل المواطنين حقوقهم ويشاركوا في بناء أوطانهم، وهم يمثلون أنفسهم وما يقترحون لبناء بلدهم، فإن استقرت الأمور فلكل حادث حديث من أجل ما يحتاجه البلد للارتقاء.

الجمعة، 2 يناير 2026

221- حتى انت يا برودتس

 عربي 21



القيصر كنموذج

هذه ليست حكاية عن سقوط طاغية اسمه يوليوس قيصر، بل عن سقوط نموذج كامل في التفكير السياسي، نموذج يبدأ بحاكم قوي، مستقر، ممسك بمفاصل الدولة، لكنه يخطئ الخطأ الأقدم: يظن أن القوة تُغني عن النصح، وأن الاستقرار القائم لا يحتاج إلى مراجعة بل إلى حماية فقط، في هذا الوهم، تبدأ النهاية إنها قصة تتكرر في التاريخ عندما يغلب الطغيان النفوس وتحب النفوس الظلم لكنها تكرهه حين يقع عليها أو تتمنى موقع الظالم وتتحين الفرص.

الحاكم في هذا النموذج ليس شيطانا خالصا، بل عقلا بارعا في إدارة الواقع ثم إدارته وفق أهواءه الشخصية، يعرف كيف يُمسك العامة بالخُطَب، وبالرموز، وبمزيجٍ دقيق من الخوف والمنفعة، يستثمر في الجماهير كما يُستثمر في الموارد يوزّع ما يكفي لإبقائهم هادئين، ويحجب ما يكفي لإبقائهم محتاجين. العامة هنا لا يُخدعون تماما، بل يُستَخدمون؛ لأن الاستخدام أسهل من الإقناع، وأسرع من بناء وعي طويل الأمد.

كل سلطة، مهما بلغت، تحتاج إلى دائرة ثقة، حتى الطاغية لا يحكم وحده، ولا يستطيع أن يشك في الجميع في آنٍ واحد، يحتاج إلى صديق، لا ليحبه، بل ليطمئن، إلى شخص يظن أنه خارج منطق المصالح


لكن كل سلطة، مهما بلغت، تحتاج إلى دائرة ثقة، حتى الطاغية لا يحكم وحده، ولا يستطيع أن يشك في الجميع في آنٍ واحد، يحتاج إلى صديق، لا ليحبه، بل ليطمئن، إلى شخص يظن أنه خارج منطق المصالح، أو على الأقل أقلهم استعدادا للخيانة كما يسميها، هنا يظهر بروتس بوصفه ضرورة نفسية قبل أن يكون فاعلا سياسيا.

أهي من أجل القيم كما قيل ليموت قيصر؟ أم أن القيم امتطيت من أجل الغيرة والحسد؟ فخنجر بروتس هنا في هذا السياق ليست مفاجأة أخلاقية، بل نتيجة منطقية، فحين يُغلق الحاكم أبواب النصح، لا يبقى أمام القريبين منه إلا خياران: الصمت حتى الاختناق، أو التآمر باسم الخلاص. الصديق الذي لا يُسمَع، يتحول إلى خطر، لا لأنه شرير، بل لأنه مقتنع أن النظام لا يُصلَح من داخله بعجزه هو.

غير أن السؤال الأخطر لا يتعلق بالخيانة نفسها، بل بما بعدها: هل كان التغيير فعلا مدروسا، أم مجرد انفجار غضب أخلاقي؟ هل كان الهدف بناء ما هو أفضل، أم التخلص مما هو قائم فحسب؟ هنا ينكشف العطب الأكبر في هذا النموذج: الرغبة في التغيير سبقت التفكير في البديل، تحالفات هشة أسقطت روما القوية، وأناس كان يوليوس قيصر يقمع الأنا عندهم انفجرت بعد رفع غطاء الضغط بذبابة الخنجر؛ وهنا، ليست الأمور انسيابية فالكل متساو بالقيمة أمام نفسه عندما يزال الطاغية، وكل يرى هو الأمثل، قصة يوليوس قيصر تشرح تكرارا يزداد غربة عن الإنسانية مع الأيام.

من يهدم بيتا من أجل باب يبقى في العراء طويلا

الدولة التي سقطت لم تكن هشة، كانت قوية، مستقرة، تعمل، عيبها لم يكن في وجودها، بل في عماء الطغيان وأنانية لا تسمح بالتنفس حتى لبروتس، وفي ضيق صدرها عن النصح، وفي تحويل النقد إلى تهديد، لكن معالجة العيب لا تكون بكسر الهيكل كله، فمن يهدم بيتا لأن بابه يصدر صريرا، سيبقى في العراء طويلا.

"حتى أنت يا بروتس، فليمت القيصر" ليست دهشة رجلٍ مطعون، بل علامة استفهام متأخرة بأن السلطة التي لا تسمع تموت


التغيير بلا تخطيط لا يُسقط الطغيان فقط، بل يُسقط معه ما تبقى من النظام العام، وحين يغيب النظام، لا تنتصر الحرية تلقائيا، بل تظهر قوى أكثر فوضوية، أقل أخلاقا، وأكثر جوعا للسلطة، عندها تكتشف الشعوب أن الطغيان لم ينته، بل تغير من شكله القديم، وأن القيم بلا فهم وحرص على الفعل الإيجابي للأمة في منعطف ليس هو مصالح، ومن يريد إنقاذ ظمآن في صحراء لا يعطيه حاوية الماء.

العامة، الذين استُخدموا في زمن الحاكم، يُستَخدمون مرة أخرى في زمن التغيير، يُستدعَون بالخطاب، ويُحرَّكون بالعاطفة، ثم يُتركون أمام واقع أكثر قسوة وتعقيدا، فالخطابة تهدم بسرعة، لكنها لا تبني، والحشود تهتف جيدا، لكنها لا تُحكم، ولا تَحكم، كذلك فعل بروتس وأخفق أنطونيوس وكليوباترا.

المفارقة الفلسفية القاسية أن الحاكم الذي رفض النصح باسم القوة، سقط لأن أحدا لم ينصحه بصدق، ولأن الصديق الذي كان يمكن أن يكون جسر الإصلاح، اختار أن يكون معول الهدم، كلاهما أخطأ، لكن خطأ الهدم كان أفدح؛ لأنه لم يُبقِ شيئا يمكن إصلاحه.

حتى أنت يا بروتس

يوليوس قيصر مشغول بالتصفيق وزخرف السلطة، ثم "حتى أنت يا بروتس، فليمت القيصر" ليست دهشة رجلٍ مطعون، بل علامة استفهام متأخرة بأن السلطة التي لا تسمع تموت، وأن التغيير الذي لا يخطط يقتل ما لا يقصد قتله، النموذج كله فشل، لا لأن الطاغية كان قويا، بل لأنه كان أعمى عن النصيحة، ولا لأن عدوه كان جريئا، بل لأنه ظن أن الهدم وحده يكفي.

العبرة الأخيرة موجعة: بعض الدول لا تحتاج ثورة، بل شجاعة قول الحقيقة في الوقت المناسب، تحتاج ناس مؤهلة للنصح، تحتاج الابتعاد عن التصور أن الشعب المتفرق أسهل للقيادة وديمومة وبقاء لأن بروتس سيقوم بالمهمة، تحتاج ألا تمر بالنكران وعندما تُؤجَّل النصيحة طويلا، تأتي الخيانة في شكل خلاص.. وعندما يمعن في تمزيق الأمة بدل بنائها، وبالتالي لا دولة بلا أمة تجمع الكل تأتي يقظة، فموجة فوضى لا تدري أين ومتى تترك الجميع بلا دولة.

السبت، 27 ديسمبر 2025

220 - حلول بديهية للحرب الروسية الاوكرانية

 رابط عربي 21


ما استشرف المقال على لسان ترامب الآن

في 24  شباط/ فبراير 2022 نشر مقال لي في روداوو وصحف أخرى كان استشرافا ما زال فاعلا يرسم سيناريو التقدم المتوقع للقوات الروسية نحو كييف وعدم دخولها وانسحابها لتحقيق أهدافها في السيطرة على الموانئ وتامين الشرق، في ذلك المقال الذي يمكن تلخيصه كالاتي:

- أن الهدف الروسي ليس كييف أو غرب أوكرانيا، بل تأمين الشرق والمنفذ البحري في القرم.

- أن التقدم سيكون تدريجيا نحو شرق نهر الدنيبر ثم التوقف عند خطوط دفاعية، مع الاكتفاء بالسيطرة على دونباس والساحل.

- أن منح روسيا هذا المنفذ على البحر الأسود (سواء بالقوة أو بالتفاوض) قد يوقف التصعيد، وإلا فالطريق مفتوحة نحو "العدمية".

ما حدث فعليا حتى كانون الأول/ ديسمبر 2025 يطابق هذا الاستشراف بنسبة عالية جدا:

- روسيا سيطرت على معظم دونباس وأجزاء من زابوريجيا وخيرسون، مع التركيز على الساحل والموانئ.

كلما طالت الحرب فهي بعقلية الغرب استمرار لاستنزاف روسيا من خلال تفكيرهم المادي، لكن بوتين مؤدلج، وهو من النوع الحريص على ما يؤمن به، وما يراه كأيديولوجيا هو معايير الأخلاق عنده وليس السلوكيات بحد ذاتها


- لم تحتل كييف أو غرب أوكرانيا، بل اكتفت بخطوط دفاعية شرقية.

- الهجمات الأوكرانية على أسطول البحر الأسود أجبرت روسيا على نقل سفنها إلى نوفوروسييسك، مما أكد أهمية القرم كمنفذ استراتيجي.

أما النهاية، فهي بالفعل تراوح بذات الاحتمالات، بعد أربع سنوات، لا يزال الصراع عالقا بين خيارين يشبهان ما حذرت منه:

1- السلام عبر التنازل: اعتراف دولي بالقرم والأراضي الشرقية مقابل وقف النار (وهو المقترح الذي يُناقش الآن بقوة مع عودة ترامب)، وهو منطقي منذ أول يوم كما لاحظنا في المقال.

2- الانزلاق نحو العدمية: استمرار الحرب الاستنزافية، مع مخاطر تصعيد نووي إذا شعرت روسيا بتهديد وجودي، أو إذا فشلت كل المفاوضات، وهذا السيناريو الثاني الذي استشرافه المقال بسبب ظن البعض من العنجهيين أن بوتين لن يتخذ هكذا قرار، وهذا خطأ كبير في التقدير لشخصية كشخصية بوتين الذي يضمن البعض أنه يقرأها أو يتصور أن له تأثير عليها، أو أنه يتحدث عن جهل بلغة السياسة مع الشرق رغم أنه عاش في الكونغرس، وقد يعبر عن دهشته يوما ما عندما تتحول الحالة إلى حرب عالمية ونووية.

اختلاف اللغة:

كلما طالت الحرب فهي بعقلية الغرب استمرار لاستنزاف روسيا من خلال تفكيرهم المادي، لكن بوتين مؤدلج، وهو من النوع الحريص على ما يؤمن به، وما يراه كأيديولوجيا هو معايير الأخلاق عنده وليس السلوكيات بحد ذاتها، فإيصاله إلى الزاوية مستحيل لأنه سيذهب كأي شرقي كما ذهب شمشون وأي رجل شرقي مقتنع بما يقول وليس دكتاتورا أو طاغية فارغ. البعض يعامل روسيا بوتين كما صمم وضعها أنها مخزن لبقايا الاتحاد السوفييتي وأن بوتين من تركات الكي جي بي.. هذا خطأ لأن بوتين ليس شيوعيا وإنما روسي وطني يعتبر نفسه منتصرا بانحسار الشيوعية. له فكرة يعمل عليها وقد يستعيد ما يراه روسيا الكبرى عند انهيار الأوروبيين بتخلي أمريكا عن الحرب الأوكرانية، وهو ما يبدو متحققا ومن خلال تقدم القوات الروسية أثناء كتابة هذا المقال، لكن قوى مثل ليندسي غراهام ربما توصل للعدمية، تدري أو غرورا.

روسيا تمتلك بالفعل موانئ كبيرة مثل نوفوروسييسك (أكبر ميناء تجاري في البحر الأسود) وأوست-لوغا وغيرها، لكن مقترحات السلام التي تشمل "إعطاء" روسيا سيطرة رسمية على موانئ القرم (مثل سيفاستوبول وفيودوسيا وكريتش) مقابل إنهاء الحرب في أوكرانيا تظل هدفا لروسيا لأسباب استراتيجية وعسكرية عميقة، والتفسير على السياق التاريخي والجيوسياسية حتى كانون الأول/ ديسمبر 2025

1- الأهمية الاستراتيجية لموانئ القرم (خاصة سيفاستوبول):

موانئ ماء دافئة غير متجمدة: معظم موانئ روسيا الرئيسية تقع في الشمال (مثل مورمانسك أو فلاديفوستوك)، حيث تتجمد المياه في الشتاء، مما يعيق العمليات البحرية، أما سيفاستوبول في القرم، فهو ميناء عميق (عمق قناة الدخول 6.4-7.6 متر، وراسيات تصل إلى 9.2 متر) ودافئ طوال العام، مما يجعله قاعدة مثالية لأسطول البحر الأسود الروسي، هذا يمنح روسيا قدرة على الانتشار البحري السريع في البحر الأسود، والمتوسط، والشرق الأوسط دون قيود جوية.

حتى لو كان لروسيا ساحل طويل على البحر الأسود (مثل نوفوروسييسك بعمق 10-15 متر)، فإن هذه الموانئ محدودة المساحة أو أقل ملاءمة للسفن الكبيرة والعمليات العسكرية الواسعة، بسبب الجغرافيا الجبلية أو نقص البنية التحتية العسكرية المتطورة، القرم يوفر "جسرا" طبيعيا للسيطرة على المنطقة بأكملها.

2- السيطرة العسكرية والاقتصادية على البحر الأسود:

السيطرة على القرم تعني السيطرة على مداخل البحر الأسود، مما يعزز نفوذ روسيا في التجارة (نفط، غاز، حبوب) والطاقة. على سبيل المثال، تضم القرم موارد طاقة بحرية هائلة، وتسمح ببناء جسور عسكرية مثل جسر كيرتش، الذي يربط روسيا مباشرة بالقرم، فقدان هذا قد يعني إعادة بناء روسيا لقواعد بحرية أخرى بتكاليف باهظة.

إذا شعر بوتين بالخسارة الكاملة، فسيلجأ إلى أسلحة نووية تكتيكية لفرض شروطه، مما يهدد بكارثة عالمية تشمل أوروبا والولايات المتحدة؛ هذا التحذير ليس مبالغة، فبوتين أظهر في تشرين الثاني/ نوفمبر أن ترسانته النووية هي أداة رئيسية في محادثاته مع الغرب.

الحل إما بإعطاء روسيا ما تراه حقا لقيصر، أو الغرب سيغرق تماما بأحلام اليقظة عندما ينطلق صاروخ الصمت الأخير


في الحرب الحالية، أدت هجمات أوكرانية على أسطول البحر الأسود إلى نقل بعض السفن الروسية إلى نوفوروسييسك، لكن هذا لم يعوض عن فقدان السيطرة الاستراتيجية في سيفاستوبول، مما يجعل الاحتفاظ بالقرم أولوية للأمن القومي الروسي.

الجاذبية في سياق مقترحات السلام:

- مقترحات مثل تلك المرتبطة بدونالد ترامب تشمل الاعتراف الدولي بسيطرة روسيا على القرم مقابل وقف إطلاق النار، أو تقسيم أراضي مثل دونباس، هذا يشرعن احتلال روسيا للقرم (منذ 2014) دون خسائر إضافية، ويمنع أوكرانيا من استعادته عسكريا، عند بوتين، القرم "غير قابل للتفاوض" ويُعتبر جزءا من الهوية الروسية التاريخية (كان روسيا حتى 1954). روسيا القادمة ستهيمن إن نجحت وليست مخزن لنفايات الاتحاد السوفييتي كما أرادوا لها.

إذن ليست المسألة أرض، بل في الموقع الجيوسياسية والعسكرية ثم الاعتراف الدولي بالقرم كجزء روسي، فإن ذلك يعزز مكانة روسيا كقوة إقليمية، حتى لو كانت تمتلك موانئ أخرى. هذه المقترحات لا تزال محل نقاش في 2025، ومن حيث بدأنا ننتهي لنجد الحل إما بإعطاء روسيا ما تراه حقا لقيصر، أو الغرب سيغرق تماما بأحلام اليقظة عندما ينطلق صاروخ الصمت الأخير.

من الضروري أن أؤكد أن كلامي هذا كمراقب، وبمنتهى الحيادية نشاهد جرائم كل الأطراف حول العالم ومنها "إبادة غزة" التي لا يراها هؤلاء بعين الحقيقة.

السبت، 20 ديسمبر 2025

219- نظرية البدراني في الرياضيــــــــــــــات الفيــــــــــــــزياء الكونيــــــــــــة

 

                                    نظرية البدراني للرياضيات والفيزياء الكونية

آمل ان تروج في الاوساط العلمية

ومن يستطيع ايصاله الى ناسا وسيرن فليفعل خدمة للانسانية سواء نجحت النظرية او لم تقر فالحالتين جيّدتين



نظرية البدراني في الرياضيات اتت استجابة للتطور العلمي والاكتشافات الحديثة:
1- اعادة تعريف الصفر من العدم او الفارغ الى الحاوي لكل شيء
2- حيث ان اللانهاية هي تعبير عن امر غير معلوم وقد باتت الامور معلومة فان اللانهاية تصبح حجر عثرة في طريق التألق في الرياضيات واستيعاب المكتشفات العلمية
نظرية البدراني في الفيزياء:
1- اعادة تعريف الجاذبية بين الكواكب والشموس ومسارت الجميع بواسطة نظرية الاوتار النانوية  والطاقة الذاتية
2- تعريف الجاذبية الكونيـة وتثبيت ان لاشيء اسمه كرافيدون
3- تفسير للطاقة المظلمة والمادة المظلمة ووظيفة كل منها في الكون
4- استقرار الكون لايتم بسماء واحدة
5- تفسير انكسار الضوء وهو ليس تحولي وانما بفعل الاوتار
وغيرها







225- ملحــــــــــــدون

 رابط عربي 21 توصيف الموضوع وفقَ اعتقادي، الإنسان في الأرض لاختبار منظومته العقلية ومدى قدرتها على التفكير السليم، وأن ما زل به آدم وزوجه هو...

يقظة فكرgoogle-site-verification: google25f7d3ebc2fdac29.html