https://m-salihalbdrany.blogspot.com/ فكــــــر اليقظـــــــة Mindfulnesshttps://m-salihalbdrany.blogspot.com/

بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 30 مايو 2026

249 - رحلة البحث عن السعادة

 رابط عربي 21

الوسائل والغايات

عندما نريد أن نصل بدقة إلى ماهية الشيء؛ علينا أن نفككه، ونحن نفعل هذا غريزيا، فالطفل يحطم اللعبة التي تثير فضوله، لأنه لا يعرف كيف يفككها ويبقيها سليمة ليعيدها، هو يبحث عن فهم لماهيتها وإلا فهي تعجبه ويحبها وربما يبكي بعد أن يحطمها، كذلك يستمر يحطم كل ما يمر به بطريقة وأخرى ما لم يحرك منظومته العقلية ليدرك الماهية من وظيفة الأشياء، أو يعرف ما يريد ويفرق بين الآلية والوسيلة والغايات، وأي منها يحرك مساره؛ أهو الفرح ببلوغ الغايات، أم شحنة النجاح في قيادة الواسطة التي يفترض أنه سيبلغ بها الأسباب التي ندر ما تبلغ في واقعنا، لأننا نتحرك غالبا بعقل القطيع حتى عندما نظن أننا أبدعنا، بيد أننا لم نبدع، وإنما تمكنّا من وسيلة لكن لا نقودها صوابا نحو الغايات وإنما نستقر عند هدف يشير إلى التفوق بالوسيلة، كأن أنجح في وظيفة أو عمل تجاري أو إنجاز كتاب وهكذا.

كم من الناس يعتبر نجاحه في هذه الوسيلة إلى السعادة تفوقا ويشتكي أنه مجهد وليس سعيدا، فلا المال يسعد ولا الجاه يسعد ولا مكانة اجتماعية تسعد، ويبقى الإنسان يسأل أين السعادة، وننظر فنرى أن السعادة تعبير عن إنجاز مهمة فهي ومضة، ويقول قائل الدنيا دار ابتلاء، ولا سعادة إلا في الآخرة حيث لا شقاء.

ثوابت ينبغي إدراكها:

إن الله جل وعلا لم يجعل الآدمية كسلالة في الأرض إلا لاختبار منظومتها العقلية، وكيف ستفهم الأمور وكيف سيكون القرار، وفشلها يظهر على الأرض بشكل حروب مدمرة لا هدف ساميا لها ولا إزالة للظلم، بل تأكيده أو تحويله من ظلم إلى توحش يفقد الآدمية معناها، ومع هذا ترى المجرم القاتل حنونا على أبنائه ويحب القريب منه ولكن تحت المجهر سنرى اختلافا عن الإنسان السوي، لكنه يمارس حياته بسلطة الغريزة وعلو غرائزه في حب السيادة والتملك والنوع والبقاء، هو ليس سعيدا ولكنه ترك غرائزه تستعمر منظومته العقلية، هو في امتحان منظومة العقل يعتبر فاشلا، وربما الناس مع انخفاض الوعي والقيم تعتبره ناجحا، فيزيد اعتقاده بأنه بلغ الغاية، والتسطح واضح فيما بلغ، سواء كان قاتلا أو غشاشا في تجارة أو مستحوذا على أموال الغير أو محتالا، أو أي ممن يعرف كل الناس ويذمهم بل يذم من يمارسها، ولو فعَّل منظومته العقلية لأدرك أنه لم يبلغ السعادة كغاية ولم يسر في طريقها، هو من أوصل نفسه لهذا الطريق، فالله يريك أقدار الأرض وسنن الكون ثم يرى عزمك وتصرفك بإرادتك.

تحديد الأهداف إلى الغايات:

الناس يبحثون عن النجاح، والنجاح نهاية مرحلة وليس صفة دوام، وفي رحلة البحث عن السعادة قلما تجد أناسا يعرفون بالضبط ما يريدون عندما تتحول الوسائل أهدافا، ويتعاظم الحلم السابق للوصول لما بعد الوصول إلى الأهداف والغايات التي تتمركز بها السعادة على ومضات متعددة لتشكل الإضاءة القصوى المتخيلة والتي ندر من الناس من يحصل عليها. وربما هؤلاء لا مال ولا جاه لهم ولا منصب، لكنهم أدركوا الدرب ولم يسرعوا وهم يحلمون فيفوتهم ممر يؤدي إلى السعادة وهم عنه غافلون، كما يحصل عند من يغرم بالنجاح اللحظي ويظن أنه حقق السعادة، قبل أن يجد أن الطريق إلى السعادة ما زال طويلا وأنه وصل نهاية مرحلة إنجاز في آلية ليس مطلوبا الاستمرار فيها. وقد يكون بوهمه بها وتمتعه وهو يسير بسرعة لإدراك السعادة قد فاته الانتباه إلى الممر المؤدي إلى السعادة، ويستمرون في الأهداف بطريق لا عودة فيه ولا استدارة فيبقى الوهم يشغل الحياة.

ما هي السعادة إذن؟

علينا أن نفرق بين متعة الإنجاز ومتعة الشراب أو الطعام وبين والسعادة، السعادة ليست متعة الإنجاز، وليست متعة حاجة أو غريزة، وكذلك السعادة ليست إحساسا بحالة فوز أو ملذات، وإنما السعادة بالرضا عن قناعة وخلق جو المتعة بالحياة مع محيطك عائلة أو جوار، واعتبار عوارض الحياة ليس قهرا أو غمّا وإنما هي من مسارها. وأتعس الناس هو من لا يفعل هذا أو يتولد عنده ذا الشعور، بل التعيس من تأتيه فرصة سعادته مع رفيق أو شريك وهو لا يتصور أنها فرصة سعادته فيعبر المنعطف المؤدي إليها بكل إصرار متصورا أن سعادته بوهم في ذهنه قد لا يكون هو من وضعه هدفا، وإنما وراثة أو ما يحبه الناس، غير مدرك أن إحساسه بمتعة الإنجاز متكرر متخيل، فهي ليست ما عمل من أجلها ولا امتهن مهنته من أجلها ولا سافر من أجلها، وإنما أتته من حرصه على أن يحقق سعادة لم يعرفها يوما ليميز بين السعادة ومتعها وبين متعة الإنجاز أو ملذات صغير. وهنا قد تكون السعادة مع غني لا يحمل همّ ثروته أو يكون هو الخادم والعبد لها بارتفاع غريزة التملك التي لا تقنع بالمتاح، سواء عند فقير أو غني، ولا بمن ليس لديه مشاكل واضحة، لكن تعاسته أنه لا هدف عنده؛ فالسعادة إذن ليس بلوغ الهدف وإنما هي نظام القناعة والرضا، وهذان يتوفران في الجنة الموعودة، لذا سيكون الإنسان سعيدا وفق هذا المعيار.

الثلاثاء، 26 مايو 2026

248 -دون كيشوت قراءة فلسفية في الإنسان والواقع…بين الحلم والوهم / الجزء الاول + الجزء الثاني سانشو بانزا وخوف الإنسان من الحرية

بين الحلم والوهم / الجزء الاول 

اجتماع الوهم مع الحلم

حين كتب الروائي الإسباني ميغيل دي ثيربانتس دون كيشوت، لم يكن يقدم حكاية ساخرة عن فارس عجوز فقد عقله فحسب، بل كان يكتب واحدة من أعمق الروايات التي تناولت مأزق الإنسان مع الوهم والحقيقة، لقد أدرك مبكرًا أن الإنسان لا يعيش داخل الواقع وحده، بل داخل الصور التي يصنعها عن نفسه وعن العالم.

تبدأ الحكاية برجل بسيط يدعى ألونسو كيخانو الطيب، يفرط في قراءة كتب الفروسية حتى يختلط عليه الخيال بالحقيقة، ما أكثرهم اليوم وهم يتعاملون مع تخريب الواقع من اجل نبوءات مزعومة يلبس درعًا صدئًا، يمتطي حصانًا هزيلًا، ويقنع نفسه بأنه فارس عظيم خرج لإنقاذ العالم من الشرور؛ لكنه، في الحقيقة، لم يكن يرى العالم كما هو، بل كما يريد أن يراه، الإنسان أحيانًا لا يكذب على الآخرين بقدر ما يوهم نفسه.

حين رأى دون كيشوت طواحين الهواء، تخيلها عمالقة أشرارًا يجب القضاء عليهم، اندفع نحوها بحماسة بطولية، بينما كان خادمه سانشو بانزا الحالم بمقاطعة يهديها له الدون كيشوت لاحقا، يحاول إقناعه بأنها مجرد طواحين عادية، لكن الفارس لم يكن قادرًا على رؤية الحقيقة، لأن الوهم حين يسيطر على الإنسان لا يعود يسمح له بسماع الواقع.

المشهد يبدو ساخرًا، لكن الكثير من البشر بل دول وساسة يخوضون معاركهم بالطريقة نفسها؛ يحاربون أوهامًا صنعوها بأيديهم، ثم يندهشون من النتائج المؤلمة، حين تعلق رماحهم بأذرع الطواحين فتلقيهم مكسرة عظامهم، هكذا كانت حروب الخليج المتتابعة عندما يتخيل صانع القرار أن المجد في معركة لا معنى لها، أو أن قيمته مرتبطة بصورة مثالية رسمها لنفسه، أو أن العالم كله يتآمر ضده، بينما تكون المشكلة الحقيقية كامنة في نظرته الخاصة إلى الأشياء.

دلائل

ومع ذلك، لم يكن دون كيشوت مجرد رجل مجنون يفتقد للدلالة، لقد كان يمثل تأثير الوهم على الإنسان؛ واقعنا فيه الكثير من هذا النموذج وربما يحكمون مصير البلاد والعباد، فهنالك من يحمل يحمل في داخله شيئًا من دون كيشوت وشيئًا من سانشو بانزا.

سانشو، خادم الفارس، كان يمثل الجانب العملي المرتبط بالأرض والواقع، كان يرى الطواحين طواحين فعلًا، ويرى المخاطر كما هي، لكنه في الوقت نفسه كان عاجزًا أمام سيده، أما دون كيشوت فكان يملك الخيال والشغف والطموح، وفاقد القدرة على التمييز بين الحلم والوهم في نفس الوقت هما شخصيتان ممكن أن تمثلان النزوة والخضوع، وممكن أن تمثلان النرجسية والنفاق وممكن أن يكون الدونكيشوت طاغية أو متجبر مختل، ويكون سانشو دول ارتضت التبعية والاستصغار.

إنساننا اليوم

فالإنسان الذي يعيش مثل سانشو وحده قد يتحول إلى كائن عملي بلا روح، لا يرى في الحياة سوى الحسابات الصغيرة والمصالح اليومية، أما الإنسان الذي يعيش مثل دون كيشوت وحده، فإنه قد يغرق في عالم من الصور الخيالية وينفصل تدريجيًا عن الواقع.

هذه الفكرة تبدو أكثر أهمية في عصرنا الحديث، فالعالم اليوم مليء بطواحين جديدة، لكنها ليست مصنوعة من الخشب والهواء، بل من الصور الإعلامية، والضجيج الرقمي، والمعارك الوهمية على شبكات التواصل، أصبح الإنسان يطارد اعتراف الآخرين، ويقارن حياته بصور مصطنعة، ويعيش أحيانًا داخل عالم افتراضي أكثر من عيشه داخل واقعه الحقيقي.

إن أخطر ما يفعله العصر الحديث ليس خداع الإنسان بالمعلومات الكاذبة فقط، بل إغراقه بالصور إلى درجة يفقد معها القدرة على التمييز بين الحقيقي والزائف، وهنا يعود دون كيشوت من جديد، لا بوصفه شخصية قديمة، بل بوصفه رمزًا دائمًا للإنسان حين يضلّ صورته عن العالم.

تخيل الصورة والواقع

علاقة دون كيشوت بحبيبته المتخيلة دولثينيا تحمل دلالة عميقة، فهو يحب الصورة المثالية التي صنعها لحبيبته في ذهنه، وهذه إحدى أكثر الصفات البشرية شيوعًا؛ أحيانا تختلط الحقيقة بالوهم ونصنع في خيالنا ما لا واقع له، لكن السؤال هل يخطئ الإحساس أم الإنسان يصبح خارج المنطق عندما يعانق الحلم الوهم وتصبح الطرق غير واضحة لإدراك الحقيقة ولا يستطيع أن يبت بالأمر لوحده فالحقائق كما هي غالبا مؤلمة، وعندما تصطدم الصورة بالواقع تبدأ خيبة الأمل.

 ويستيقظ كيخانو الطيب من أوهامه أخيرًا، ويدرك أنه كان يعيش داخل عالم متخيل، تلك لحظة مصالحة مع الحقيقة بفعل الألم عندما يتملك الإنسان إحساس وجودي بالحب لدولثينيا وتكون محور فعله وحركته، وكأن ثيربانتس يريد القول إن مطاردة السراب قد تبدو حقيقة وتضيع سنين العمر، لكن مجرد امتلاكه الشجاعة للاعتراف بذلك يجعله أكثر نضجًا.

الكوميديا الحكيمة:

رواية دون كيشوت أكثر من مجرد قصة فكاهية، إنها رواية عن الإنسان نفسه؛ عن حلم ووهم، وأوهام نراها واقعا يدير حياتنا كأمم وأفراد واقتصاد وحرب وسلم عندما يقود الحالمين، فلا يرون غي الفرصة لتحقيقي ما في ذهنهم، وهي تذكرنا بأن المشكلة ليست في أن نحلم، بل في أن ننسى الفرق بين الحلم والحقيقة، دولثينيا ليست أنثى فقط وإنما هي الرسالة التي من أجلها يكون الجهد والتضحية.

نحن كشعوب في منطقة فقد رسالتها ولم يعد لها مشروعا وأضحت فرشاة ولوحة ترسم عليها مشاريع الآخرين، عندما يأتي الدونكيشوت، حتما هم سيأخذون دور سانشو من اجل مقاطعة يحكموها، لا يملك المغامر القادم أن يعطيها لهم حقا، وهل يملك الأرض إلا من يفلحها.

تابع الجزءالثاني / رابط نمتار



دون كيشوت بين الحلم والوهم: قراءة فلسفية في الإنسان والواقع/ الجزء الثاني

سانشو بانزا وخوف الإنسان من الحرية

رمزية سانشو خادم دونكيشوت

في رواية دون كيشوت، يبدو سانشو بانزا في البداية مجرد خادم بسيط يرافق سيده المجنون في مغامراته العبثية، لكنه في الحقيقة يمثل جانبًا عميقًا من النفس البشرية؛ جانب الإنسان الذي يخاف الحرية ويفضل الاتكال على غيره بدل مواجهة الواقع وحده.

كان سانشو يعرف أن سيده يعيش داخل الأوهام، كان يرى الطواحين طواحين فعلًا، ويرى الحانات حانات لا قصورًا سحرية، ومع ذلك استمر في السير خلف دون كيشوت. لماذا؟ لأن الإنسان أحيانًا لا يتبع الوهم اقتناعًا به، بل خوفًا، أو دولة وقادة بلا مشروع ورؤية.

لقد وعده دون كيشوت بجزيرة يحكمها يومًا ما، وكان هذا الحلم البسيط كافيًا ليجعله يتحمل التعب والجوع والضرب، وهذه الفكرة ما تزال حاضرة في حياة البشر حتى اليوم؛ فعندما يكون ضمان استقرار الحكم في الدول من قوى عالمية وليس من الشعوب يحضر سانشو، والإنسان عموما يتعلق أحيانًا بوعود بعيدة وغير واقعية، فقط لأنها تمنحه أملًا يخفف من مخاوفه أو قسوة الواقع عليه.

إن أخطر أنواع التبعية ليست السياسية فقط، بل الفكرية والوجودية أيضًا. حين يفقد الإنسان ثقته بقدرته على التفكير المستقل، يبدأ بالبحث عمّن يقرر عنه، ويفسر له العالم، ويمنحه شعورًا بالأمان. وهنا يتحول العقل إلى تابع، حتى لو بدا صاحبه حرًا من الخارج.

وفي عالمنا الحديث، لم تختفِ شخصية سانشو بانزا، بل تغير شكلها فقط. يمكن رؤيتها في الإنسان الذي يكرر الأفكار الجاهزة دون تفكير، أو الذي ينتظر دائمًا منقذًا يأتي من الخارج، أو الذي يسلّم وعيه بالكامل للضجيج الإعلامي والخوارزميات والصور السريعة.

إن الإنسان المعاصر يعيش وسط كم هائل من المعلومات والآراء، وهذا يجعله أكثر ميلًا إلى الراحة الفكرية، فبدل أن يبحث بنفسه عن الحقيقة، يكتفي أحيانًا بترديد ما تقوله الجماعة، وهكذا تصبح التبعية مريحة؛ لأنها تعفي الإنسان من مسؤولية التفكير.

ودوما يحضرني قصة سؤال وجه حقيقة أو افتراضا إلى عبد زمن العبودية في أمريكا لتبيان الحلم عند الحر وكيف يفكر العبيد، قيل له ما تفعل لو أعطيناك ألف دولار الآن، وكان الدولار الواحد نادرا ما يمكن أن يرى كورقة فما بالك بألف دولار، فأجاب ببساطة، سأشتري سيدا يعاملني بلطف.... ولنتخيل المعاني الكثيرة التي تحملها جملة العبد هذا، من ظنه أن السادة يباعون ويشترون كما هم العبيد، ولكن ليكونوا سادة يفكرون ويأمرون، انه لا يريد أن يفكر وإنما يريد حلمه أن يجد سيدا بعامله بلطف، وسيبقى يخدمه رغم انه اشتراه ومنحه الأموال.

لكن الرواية لا تجعل سانشو شخصية ضعيفة بالكامل، ففي كثير من اللحظات كان أكثر حكمة من سيده، وأكثر قدرة على رؤية الواقع، وهذا ما نراه واقعا على الأرض، فهنالك أموال تمنح لقوة تمتلك مشروعها، يشترون السيد ليبقيهم على كرسي هم مالكيها أصلا، بدل أن تمنح هذه الأموال للشعب فيكسبون مودته، فالسيد يشترى لتبقى في خدمته ومشروعه وليس لخدمتك ومشروعك، العلاقة دوما تغيب الفلاح مالك الأرض، سانشوا لا يستطيع العيش بلا سيد كل ما في الأمر يريد أن يعامله بلطف.

الحرية قيمة

المشكلة أن الإنسان إذا عاش مثل دون كيشوت وحده غرق في الوهم، وإذا عاش مثل سانشو وحده فقد القدرة على التغيير، لذلك تبدو الرواية وكأنها دعوة إلى التوازن؛ أن يحتفظ الإنسان بحلمه، لكن دون أن يتنازل عن استقلاله العقلي، وهذا لا واقع له بل مثالية لا تتحقق دون توازن المشاريع والأمل والطموح الذي يدفع إلى المسار الإبداعي، فالحرية لا تمنح بل هي تعيش في الإنسان إلى أن يقتلها، ومنطقتنا هي موطن المدنيات والحضارات الفكرية، وموطن القيم والفروسية كأخلاق، بيد أنها بددت، وأضحينا نتحدث إن غابت بريطانيا فمن يسد محلها فطمأن القوم بعضهم أنها الولايات المتحدة، وان افلت الولايات المتحدة من يسد فراغها ، فيشير الناس إلى دول عدة ليس فيها دولة من دولهم ولا كرسي من كراسيهم، نحتاج فعلا أن نكون أحرارا من ظلام انفسنا وظلمنا لها ومعاملتنا لأنفسنا بلطف.

فالحرية الحقيقية ليست مجرد رفض للآخرين، بل القدرة على التفكير المستقل وتحمل مسؤولية الاختيار، وهذه هي المهمة، لأن التفكير الحر وان كان مرهقا فهو جميل، ويضع الإنسان على مواجهة الحقيقة دون أعذار خادعة.

 تبقى شخصية سانشو بانزا حية حتى اليوم؛ لأنها تمثل الإنسان العادي والقائد الذي يعرف الحقيقة أحيانًا، لكنه يتردد في السير وراءها لأنها تتطلب شجاعة أكبر مما يملك.

لا تبدو رواية دون كيشوت مجرد قصة عن فارس وخادم، بل عن الصراع الدائم داخل الإنسان نفسه: بين حاجته إلى الحلم، وإمكانية تغلب الوهم ومناداته بالحرية وخوفه من الحرية أيضا، ورغبته المستمرة في إيجاد معنى لحياته وان فقد أحيانا صلته بالواقع.

 


249 - رحلة البحث عن السعادة

 رابط عربي 21 الوسائل والغايات عندما نريد أن نصل بدقة إلى ماهية الشيء؛ علينا أن نفككه، ونحن نفعل هذا غريزيا، فالطفل يحطم اللعبة التي تثير فض...

يقظة فكرgoogle-site-verification: google25f7d3ebc2fdac29.html