https://m-salihalbdrany.blogspot.com/ فكــــــر اليقظـــــــة Mindfulnesshttps://m-salihalbdrany.blogspot.com/

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 21 أغسطس 2026

268- قراءة فلسفية في المدارس السيادية لأعمدة تأسيس العراق الستة

 رابط عربي 21

"علينا فهم نظرية المدارس السيادية، فهي تجربة عراقية، يمكن أن تعيد تشغيل المعمل السيادي، وصياغة عقد اجتماعي جديد"

فخ القاضي:

تعاني الأدبيات السياسية والتاريخية المهتمة بالشأن العراقي من فخ اختزالي مزمن؛ إذ تُصر غالبية القراءات على حصر الجيل المؤسس للدولة الحديثة (ما بعد عام 1921) في ثنائيات قطبية جامدة: إما "نخبة وطنية" في مواجهة الانتداب، أو "أدوات وظيفية" مرتهنة للإرادة البريطانية، وفي مسار موازٍ، يتم اختزال هؤلاء الرجال في نهاياتهم الدرامية والمأساوية؛ فنقرأ العهد الملكي من خلال مشهد انتحار السعدون، أو اغتيال العسكري، أو سحل نوري السعيد، أو تهديد بقايا الليفي للسيادة الوطنية بحكم من أناس يتقمصون دور القاضي بلا معايير ملائمة، ولا يعرفون حيثيات ما يقضون فيه.

هذا الاختزال لا يظلم التجربة التاريخية فحسب، بل يعجز بنيوياً عن تفسير ظاهرة بالغة الأهمية: كيف استطاعت مجموعة محدودة من النخب، على اختلاف رؤيتها في الاستراتيجية والتكتيك السياسي؛ أن تؤسس جهازاً إدارياً ومؤسساتياً صلباً استمر في العمل لعقود طويلة حتى بعد اختفاء الفاعلين أنفسهم؟

تنطلق هذه الدراسة الاستقرائية من فرضية بديلة، تتجاوز السرد الوصفي للأشخاص نحو صياغة نموذج تفسيري يرى في جيل التأسيس تجسيداً لما يمكن تسميته بـ"نظرية المدارس السيادية"، فالشخصيات هنا ليست مجرد فواعل سياسية تبحث عن السلطة، بل هي "نماذج مثالية" بمفهوم ماكس فيبر، يمثل كل منها وظيفة سيادية وركيزة فلسفية لا غنى عنها لبناء الدولة الحديثة.

تجاوز السرد الوصفي للأشخاص نحو صياغة نموذج تفسيري يرى في جيل التأسيس تجسيداً لما يمكن تسميته بـ"نظرية المدارس السيادية"، فالشخصيات هنا ليست مجرد فواعل سياسية تبحث عن السلطة، بل هي "نماذج مثالية" بمفهوم ماكس فيبر، يمثل كل منها وظيفة سيادية وركيزة فلسفية لا غنى عنها لبناء الدولة الحديثة


التفكيك الفلسفي لأعمدة البناء الستة (المدارس السيادية)

لم تكن الدولة العراقية الناشئة بحاجة إلى حكام متشابهين، بل كانت بحاجة إلى منظومة وظائف متكاملة، ويمكن تفكيك الرؤية الفلسفية لجيل التأسيس من خلال ست مدارس أساسية:

انطلق الملك فيصل الأول من وعي مبكر بأن الدولة لا تُفرض بحد السلاح أو بالنصوص القانونية الجافة ما لم يتشكل في عمقها مجتمع يشعر بوحدة المصير، فكانت مدرسة بناء الأمة عنده تتلخص في أن "الدولة الجغرافية" تسبق "الدولة الشعبوية" في العراق، ولذلك ركز على صياغة هوية وطنية جامعة قادرة على صهر التباينات العشائرية والمذهبية والإثنية في بوتقة المواطنة، انطلاقاً من أن المؤسسات كتل خرسانية باردة ما لم تدب فيها روح الأمة.

وفي مسار متوازٍ، مثّل عبد المحسن السعدون مدرسة الشرعية الدستورية والواجب كما قال كانط، والضمير القانوني للدولة الناشئة؛ إذ لم تكن الدستورية عنده ترفاً سياسياً بل كانت الضمانة الأخلاقية لوجود الدولة، مدفوعاً بإيمان عميق بأن الدولة التي تنتهك قوانينها من أجل مكاسب مؤقتة تحكم على نفسها بالفناء، وهو ما جعل صداماته تنبع من نزعة مبدئية ترى في القانون أصل السيادة.

أما جعفر العسكري فقد أسس مدرسة القوة المشروعة والمؤسسية في بيئة إقليمية مضطربة، مدركاً أن احتكار العنف المشروع هو الشرط الأول لبقاء الدولة، عبقرية فلسفية تجلت في أنه لم ينظر إلى الجيش باعتباره أداة للهيمنة أو بديلاً عن السلطة المدنية، بل بوصفه إحدى مؤسسات الدولة الخاضعة للقانون، لتقدم نهايتها تحذيراً مبكراً من خطورة انزلاق أدوات القوة إلى معترك الصراع السياسي.

ومن جانبه، جسد ياسين الهاشمي مدرسة الإدارة المركزية والبيروقراطية القائمة على مفهوم "الدولة الإدارية، حيث آمن بأن هيبة الدولة لا تنبع من الخطابات، بل من كفاءة جهازها التنفيذي وقدرته على بسط النظام، فكانت البيروقراطية عنده هي العمود الفقري الذي يحمي المجتمع من الانزلاق نحو الفوضى البدائية وتُعلي سلطة المؤسسة على الولاءات الفرعية، وفي الديون التي كانت ستستمر دفوعاتها وفوائدها إلى الثمانينات، وسك الدينار العراقي بمتابعة حيدر رستم فأنتج عملة وطنية بدل الروبية الهندية.

وعلى مستوى الجغرافيا السياسية، كان نوري السعيد يقرأ العراق من الخارج إلى الداخل عبر مدرسة الواقعية الاستراتيجية، فلم يكن سؤاله مقيداً بكيفية حكم العراق معزولاً عن العالم، بل بكيفية حماية هذا الكيان الناشئ في بيئة دولية تتصارع فيها الإمبراطوريات، فصاغ فلسفة تقوم على أن الدول الصغيرة تحميها شبكة التحالفات الذكية والموازنات الجيوسياسية المتقنة، لتصبح الدولة عنده وحدة مناورة في نظام دولي معقد لا يرحم الضعفاء.

وبرز جميل المدفعي قائد الميدان ممثلا لجمعية العهد في ثورة تلعفر في 1920، ورجل التهدئة الحكيم ليمثل مدرسة التوازن والاحتواء السياسي وصمام الأمان في لحظات الانسداد؛ فكانت فلسفته تقوم على التسوية والامتصاص والتدخل لمنع تحول التنافس المشروع إلى صراع وجودي صفري، إيماناً منه بأن بقاء الدولة يعتمد على قدرتها على استيعاب التباينات وتدوير الزوايا الحادة، فالحفاظ على الكيان أولى عنده من انتصار أي جبهة سياسية.

القوانين الحاكمة لمعادلة الدولة

بناءً على هذا الاستقراء التاريخي، يمكننا استنباط أربعة قوانين أساسية تشكل الهيكل النظري لـ"نظرية المدارس السيادية":

• القانون الأول (معادلة القوة): قوة الدولة هي حاصل توازن وظائفها السيادية المشتركة، وليست مجموع قوة الحكام الفردية، ويمكن صياغتها رياضياً بأن قوة الدولة تساوي المحصلة بين تلك الوظائف المتكاملة.

• القانون الثاني (قانون الاحتكار والمقايضة الصفرية): كلما تحولت وظيفة سيادية إلى مركز احتكار مطلق، اختل توازن الدولة وتآكلت شرعيتها؛ فإذا طغت مدرسة القوة (الجيش) ماتت الشرعية الدستورية، وإذا طغت مدرسة الواقعية الخارجية (التحالفات) تآكلت الهوية الوطنية والسيادة الداخلية.

• القانون الثالث (قانون الموت السريري للدول): لا تموت الدول برحيل قادتها أو بوفاة رجالها، وإنما تموت عندما تنقطع سلاسل التوريد الفكري للمدارس التي أنشأتها.

• القانون الرابع (عتبة التأسيس الحضاري): تبدأ الحضارة السياسية للدولة عندما تتحول "مدارس الرجال" إلى "مؤسسات مستقلة عن الرجال"، بحيث تصبح الرؤية الفلسفية عقيدة مؤسساتية عابرة للأجيال.

التشخيص الاستقرائي وأزمة الانقطاع التاريخي

فشل العراقيون اللاحقون في تحويل مرحلة التأسيس إلى فلسفة ومأسسة وراحوا يحاكمون المؤسسين وبدل السؤال التأسيسي العظيم: "كيف نشغّل معمل الدولة ونطوره؟"، حل السؤال السلطوي الضيق: "من يسيطر على الإدارة؟"


إن التدقيق الاستقرائي في مسيرة الدولة العراقية يكشف عن حقيقة بنيوية مغيّبة: إن الدولة العراقية قد أُسّست وأُنجزت بالفعل كـ"معمل متكامل" واكتملت خطوط إنتاجه، لم تكن الأزمة يوماً في غياب المخطط أو نقص التروس والمحركات؛ فقد نجح الجيل المؤسس في ضبط إحداثيات الآلة وصياغة وظائفها السيادية، إلا أن المعضلة التاريخية بدأت عندما تحول هذا المعمل المكتمل إلى يد "مدراء تعاقبوا عليه" دون أن يمتلكوا فلسفة التشغيل أو يستوعبوا هندسة البناء.

بدلاً من إدارة المعمل وتشغيله لإنتاج الاستقرار والتنمية، انشغل المدراء الجدد بالصراع على مقعد الإدارة ذاته، ولأنهم لم يدركوا أن القيمة تكمن في توازن التروس وتكاملها، راحوا يفككون أجزاء المعمل قطعة فقطعة؛ فاستُهلكت مؤسسة الجيش في الانقلابات لتلغي الشرعية الدستورية، وجُيشت البيروقراطية لخدمة الولاءات الضيقة لتلتهم كفاءة الإدارة، وحُوّلت السياسة الخارجية إلى أداة للمغامرات أو التبعية المطلقة لتقوض السيادة.

فشل العراقيون اللاحقون في تحويل مرحلة التأسيس إلى فلسفة ومأسسة وراحوا يحاكمون المؤسسين وبدل السؤال التأسيسي العظيم: "كيف نشغّل معمل الدولة ونطوره؟"، حل السؤال السلطوي الضيق: "من يسيطر على الإدارة؟"، فبقيت الجدران والمناصب، وتفككت المحركات الاستراتيجية.

الرؤية الاستشرافية لمستقبل الدولة العراقية

علينا فهم "نظرية المدارس السيادية"، فهي تجربة عراقية، يمكن أن تعيد تشغيل المعمل السيادي، وصياغة عقد اجتماعي جديد؛ ثورة إدارية، رؤية، واستعادة لمفهوم الأمن والحوكمة الرقمية والخدمات طريق الخلاص من ارث المحاصصة الذي عطل الإنتاج وقضى على أدواته، استشراف سياسة خارجية حول نقطة توازن وشبكة مصالح، ووضع آليات كفيلة بامتصاص الأزمات.

السبت، 15 أغسطس 2026

266- الإرادة والمطاولة: فلسفة الوجود ومواجهة القهر في المشكاة النبوية

 

تأمل في حديث نبوي:

الإرادة والمطاولة: فلسفة الوجود ومواجهة القهر في المشكاة النبوية

(اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجَزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَغَلَبَةِ الدَّيْنِ، وَقَهْرِ الرِّجَالِ)

ومضة:

النظر للإرادة بالمفهوم الفلسفي الإسلامي يأخذ الحديث النبوي من سياق التبرك اللفظي إلى مصاف "المنهج الحركي لبناء الإنسان الصامد"، فالإسلام لا يرى في الإنسان كائناً مسلوب الإرادة مسيرا بالحتميات، والا ما معنى الثواب والعقاب بل قبل هذا الحساب وإنما يراه مكلفاً ومسؤولاً، وجعل الحرية في الاختيار والعزيمة شرطاً أساسياً لصحة هذا التكليف، « حتى الدول حين تتحول الديون من أرقام في الموازنة  إلى "شروط هيكلية" تفرضها مؤسسات دولية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، فإنها تنتقل من سياقها المالي الصرف لتصبح أداة قهر وتسلط عابرة للقارات، تسلب المجتمعات سيادتها وتتحكم في تفاصيل حياة المواطن اليومية، وعندما تعجز عن السيطرة على الفساد فهذا قهر الرجال

وهن العاطفة وقهر العجز

تبدأ مأساة الإنسان عندما يعجز عن حماية من يحب، ليس فقط من عوادي الزمن وظلم الآخرين، بل حتى من "نزوات" المحبوب نفسه، إن هذا العجز يمثل ذروة "قهر الرجال"؛ فالقهر ليس سوى تجريد الإنسان من قدرته على الفعل وحرمانه من حق الحماية.

عندما يعجز عن صد عاصفة شعورية تعصف باهله ووطنه وامته، يتحول القهر من ضغط خارجي إلى تآكل داخلي، هنا يولد "العجز والكسل" كمرحلة تالية للقهر، حيث يفقد العقل المحرك الأساسي للمقاومة، ويتحول الكيان الإنساني من فاعل في الكون إلى مفعول به.

الحرية شرط العطاء:

الإنسان المقهور والمكبّل بالديون (سواء كانت ديوناً مالية، أو التزامات خانقة) هو إنسان مسلوب الإرادة، والمصلح أو المواطن الصالح لا يمكنه تقديم النفع لشعبه أو وطنه وهو يعيش حالة "العجز والكسل"، التعوذ هنا رفض واعي للمظاهر التي تحوّل الإنسان الإيجابي إلى عنصر خامل ومستهلك، "وأعوذ بك من "قهر الرجال" هي في جوهرها استعاذة من وضع يُسلب فيه الإنسان حريته لأن القهر يعطل فاعلية التكليف ويجعل المرء عاجزاً عن الوفاء بمسؤولياته تجاه ربه، ونفسه، وأمته، وهي إشارة لاتباع الآليات علمها الله لعباده وجعلها من سنن الكون في التدافع وليس آليات إبليس والخنوع التي مسارها إلى غضب الله.

أن استعباد الدول من قوى أكبر منها وإجبارها على الخضوع، وبدل تحقيق الرفاهية للشعب تذهب إلى استعباده بعجزه أمامها وأمام نفسه كما عجز الدولة أما غيرها، وكسلها عن المواجهة يجعلها تفرض عليه فوق طاقته كما فرض عليها فوق طاقتها، فتغلبه الديون كما غلبتها الديون، لكن المواطن وهو عاجز في كل هذا واقعا تحت قهر الرجال إجبارا، وتقع الدولة في قهر الرجال اختيارا، وهذا أشد مما استعاذ منه رسول الله(ص).

فخ "الهموم" مقابل واقعية "العقبات"

تتشكل جغرافيا النفس البشرية بناءً على طريقة رؤيتها للحياة؛ فحين يتعامل الإنسان مع الدنيا بوصفها كتلة صماء من "الهم والمشاكل"، فإنه يحكم على إرادته بالضمور، الاستسلام لفكرة أن المشكلة هي "قدر دائم" يحوّلها سيكولوجياً إلى "همّ مقيم" يورث "الحزن" وتمثيل الرضا

أما القراءة الواعية، فتقتضي تحويل "المشاكل" إلى "عقبات"، الفرق بين الإثنين أن الهم مستنقع يغرق فيه المرء، أما العقبة فهي جدار صُنع ليُتسلق أو يُهدم، إدراك الدنيا كمسار مليء بالمنعطفات والعقبات يمنح النفس مرونة مجابهة القهر، فالألم في هذا السياق يصبح ثمناً مستحقاً للعبور، وليس سياجاً يمنع الحركة.

المطاولة والديون الوجودية

الحياة في جوهرها ليست سباق سرعة، بل هي "معركة مطاولة" تحتاج إلى نَفَس طويل وإرادة صلبة لاجتياز الأزمات أو تسديد "الديون"، وهنا يتسع مفهوم "الدَيْن" في الفلسفة النبوية ليتجاوز معناه المادي الضيق (المال) إلى أبعاد وجودية وأخلاقية شاملة.

الديون أنواع، وأثقلها هي الديون غير المرئية:

  • الدين تجاه الوطن والشعب: وهو الالتزام الأخلاقي والتاريخي بتقديم النفع، وحماية الهوية، والمساهمة في البناء.
  • الدين تجاه الذات: وهو السعي لتطويرها وعدم الخضوع لجهلها أو كسلها.
  • الدين تجاه الآخرين: وهو الوفاء بالوعود والمشاعر والمسؤوليات الاجتماعية.

إن تراكم ما يحتاج تسديداً (بسبب الجبن أو البخل أو التقاعس) هو ما يؤدي في النهاية إلى "ضلع الدَين" – أي انحناء الظهر وثقل النفس ــــــــــــ وعندما تنحني النفس تحت وطأة تقصيرها، تصبح لقمة سائغة وتغلب عاجزة مقهورة فتبدو كتسلط الظرف وهو ما يحصل فعلا كأحد الحالات حتى مع العامل الجاد المكافح والصادق في المجتمعات المتخلفة الغاطسة بالفوضى

خاتمة: العبور بالإرادة

إن الحديث الشريف لا يقدم مجرد استعاذة لفظية، بل يضع خريطة طريق تحذيرية؛ إنه ينبهنا إلى أن الضعف يبدأ من الداخل (الهم والحزن)، لينعكس على الجسد والسلوك (العجز والكسل)، فيثمر تراجعاً عن المواجهة (الجبن والبخل)، لينتهي الإنسان عبداً لظروفه وللآخرين (غلبة الدين وقهر الرجال).

المخرج الفلسفي والعملي يكمن في "الإرادة والمطاولة"؛ فالإنسان لكي يحمي من يحب، ولكي يفي بدينه تجاه وطنه وشعبه، عليه أن يمتلك الشجاعة لتحويل مشاكله إلى عقبات، وأن يدرك أن تسديد ديونه الوجودية هو السبيل الوحيد للتحرر من قهر الدنيا وغلبة الرجال.

الاثنين، 10 أغسطس 2026

265 -تلفزيون الحياة في ستوديو البيت الأبيض

رابط الشبكة مباشر مجلة الاسرة في المهجر



تلفزيون الحياة في ستوديو البيت الأبيض
حدّث العاقل

قيل «حدّث العاقل بما لا يُعقل، فإن صدّق فلا عقل له»، كانت هذه الحكمة تمثل في زمنها اختباراً بسيطاً للعقل وقدرته على التمييز بين المعقول واللامعقول، غير أن التحول الفلسفي العميق الذي طرأ على مفهوم الخطاب السياسي المعاصر يتجاوز بكثير ثنائية التصديق والإنكار التقليدية، ليؤسس معياراً جديداً أكثر تعقيداً وفعالية، قوامه ما يمكن تسميته «إدارة الإدراك»، المشهد الجيوسياسي الراهن لا يعبر عن غياب للعقلانية أو عن ارتجال عشوائي، بل ينطلق من عقلانية تنظيمية صارمة تُصاغ فيها المواقف والتصريحات وفق إيقاع درامي محبوك بدقة متناهية، تظهر الصورة أمام المتابع وكأن هناك كاميرات شفافة تبث أبعاداً خفية من المسرح السياسي، فيصل إلى تفاصيل يُراد أن يصلها استشرافا للرواية قبل أن تبدأ فصولها فعلياً، هذه القدرة على صياغة المشهد مسبقاً وتحريك عناصره وفق سيناريو مدروس تمثل جوهر السياسة الحديثة، حيث لم يعد الهدف الأساسي إقناع الجمهور بحقيقة مطلقة، بل إعادة تشكيل إدراكه للواقع بطريقة تسمح بتمرير القرارات الكبرى بسلاسة، المطلوب أن اصدق قصة كنفاد السلاح وجهل عدد الالغام.

سيناريو التناقضات

 هنا تكتسب التناقضات الظاهرة في الخطاب السائد وظيفة بنيوية دقيقة لا يمكن تجاهلها، سواء تعلق الأمر بقراءات متضاربة للمتغيرات الميدانية في الممرات المائية الحيوية، أو بتقييمات متباينة لأحجام المخزونات التسليحية ومدى كفايتها الاستراتيجية، فإن هذه التناقضات ليست أخطاءً عابرة أو نتيجة ارتباك، هي مقصودة مصممة للمحافظة على درجة معينة من التذبذب والتأرجح الضمني ضمن حدود مُسيطر عليها بكفاءة عالية، تتيح هذه التذبذبات لصانع القرار قدرة استثنائية على ضبط حركة الأسواق المالية العالمية، وتعديل التوقعات الاقتصادية بمرونة تامة، ومنح نفسه هامشاً واسعاً لتحريك أدوات الضغط والتهدئة دون الانزلاق إلى تصادمات غير محسوبة العواقب، فالإعلام في هذه الحالة لا يعمل كوسيط محايد ينقل الواقع كما هو، بل يتحول إلى أداة هندسية متقدمة لتحقيق التوازن الدقيق بين الرغبة في حشد الرأي العام والقدرة على التحكم الكامل في اتجاهاته، الخبر نفسه يمسي مادة قابلة للتشكيل، والتناقض مصدراً للاستقرار المؤقت، والارتباك الظاهري غطاءً لتخطيط أعمق، إن التركيبة النفسية والأسلوبية للقيادة السياسية المسؤولة عن إدارة هذا المشهد المعقد ليست وليدة المصادفة أو المزاج الشخصي، بل هي تركيبة تتناسب كلياً مع متطلبات المرحلة الراهنة، إنها نمط من الإدارة يقوم على إبقاء الجمهور في حالة ترقب واستنفار مستمرين، بحيث يبقى الوعي الجمعي معلقاً بين الخوف والأمل، وبين التهديد والتهدئة. ومن هذا المنطلق، فإن التغطيات ذات الطابع الاستعراضي أو التهديدات المتبادلة التي تملأ الشاشات لا تمثل النهاية في حد ذاتها، بل تُعد تمهيداً ذا توقيت زمني دقيق لمرحلة لاحقة.

اختفاء هذا النمط التلفزيوني الصاخب أو انقضاء مرحلة التهويل الاستعراضي لا يعني بالضرورة انفراج الأزمة أو اقتراب الحل، بل يشير في كثير من الأحيان إلى الانتقال الهادئ نحو مرحلة الأدوات الأكثر خشونة ومباشرة، حيث يصبح الفعل الميداني حاجبا لكل الكوميديا بصوت الانفجارات وأزيز أدوات تغييب الحياة.

هندسة الإدراك وحسابات الزمن السياسي

 هنا يبدو التوقيت دافعا للمناورة، يُحسب الاستحقاق الزمني بعناية فائقة ليصل إلى ذروته بالقرب من المحطات الانتخابية الحاسمة أو القرارات الاستراتيجية الفاصلة، وتحديداً حول منتصف أيلول/سبتمبر المترقب، فالذاكرة الجمعية للمستمع والمتابع للخطاب السياسي تتصف بالسيولة والنسيان السريع؛ لذا لابد بين الحرب والانتخابات أمد قصير نسبياً، فخفض التصعيد الاستعراضي في لحظة معينة ليس إلا عملية ضبط دقيقة لساعة التوقيت الجيوسياسي، إنها عملية حسابية معقدة تجمع بين علم النفس الجمعي والاقتصاد والإعلام، بهدف ضمان أن تصل الرسالة الأقوى والأوضح في اللحظة التي يكون فيها التأثير أعظم ما يكون؛ بهذا المعنى، يصبح الزمن نفسه أداة سياسية لا تقل أهمية عن القوة العسكرية أو النفوذ الاقتصادي.

ومضة اسمها الإنسان:

 الإنسان بحاجة أن يحس أنه إنسان بعيداً عن حسابات المسرح السياسي المعقدة ومهارات التوجيه الإعلامي والاقتصادي البارعة، تبقى المنطقة المعنية بهذه التفاعلات بحاجة ماسة إلى مقاربة أعمق وأكثر إنسانية لتاريخها الاجتماعي والسياسي، لقد عاشت هذه الجغرافيا استنزافاً طويلاً وممتداً عبر عقود متتالية من التوترات والصراعات، وهي اليوم بأشد الحاجة إلى حالة من الاستقرار البنيوي الحقيقي الذي يمنح الإنسان فيها فرصة لاستعادة إدراكه للمعنى الجوهري للوجود والعيش الهادئ الكريم؛ إن الحياة الدنيا، مهما امتدت أعمار البشر فيها  تبقى سريعة فلا شيء يضاف للإنسان وقد اتحد والألم، وليس أصعب على النفس البشرية من أن يمضي بها العمر كله في حالة ترقب دائم لأزمات لم تشارك في صنعها، ولم يكن لها يد في إدارتها، لتغادر هذه الحياة في النهاية دون أن تحس بطعم الاستقرار الذي هو حق أصيل لكل مجتمع وكل فرد.

الاستقرار ليس ترفاً سياسياً، بل هو الشرط الأساسي لكي يشعر الإنسان بأنه إنسان كامل، قادر على التخطيط لمستقبله وبناء حياته بعيداً عن ظلال التهديدات المتجددة، ونتأمل النهايات إن قراءة الواقع السياسي برزانة وعقلانية تقتضي احترام الآليات المعقدة التي تحرك كافة الأطراف الدولية والإقليمية، وفهم الفلسفة العميقة التي تُدار بها الأزمات الكبرى في هذا العصر؛ لا ينبغي الوقوع في فخ الرفض السطحي أو الانفعال العاطفي السريع، لم نعرف السياسة الحديثة أنها صراع على المصالح أو توزيع للنفوذ، بل عرفناها أنها صناعة متكاملة للإدراك الجمعي، حيث تُصاغ الحقائق وتُعاد صياغتها وفق الحاجة، ويُدار الزمن كأداة استراتيجية، ويُبقى الإنسان معلقاً بين الخوف والرجاء. ومن يدرك هذه الحقيقة بعمق، يصبح قادراً على قراءة المشهد لا كما يُراد له أن يُقرأ، بل كما هو في جوهره: مسرح كبير تُدار فيه معارك الوعي قبل أن تُدار الأحداث.


السبت، 8 أغسطس 2026

264 -مسخ النماذج الاقتصادية.. وإسقاط قادة العالم الثالث "أدوات التكييف" من الرأسمالية

تابــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع عربي 21 

     

                                           
لفت انتباهي تكرار كلمة "اقتصاد السوق" منذ تولي السيد علي الزيدي رئاسة مجلس الوزراء في العراق، وانتشار أقلام هواة في مهاجمة الاشتراكية وإعلاء الرأسمالية، رغم أنه لا نظام معينا يطبق في العراق وإنما هي اجتهادات أضحت عرفا.

الاشتراكية كفكرة، والرأسمالية كفكرة، ليستا سوى نتاج بشري خالص في حقل الاقتصاد وإدارة الحياة وتوجيه المجتمعات، وما يحصل هو التعامل مع هذه المنظومات إما بمنطق الكره الأعمى والشيطنة، أو بمنطق الانبهار والتبني المطلق؛ في حين أن الوعي الحضري يتطلب النظر إليهما كـ"قوالب جاهزة" أُنشئت في مجتمعات وثقافات أخرى استجابة لتحديات تاريخية محددة؛ لذا، فإن الاستفادة الحقيقية من هذه الأفكار لا يمكن أن تتحقق عبر الاستيراد الجاهز، بل بصياغة تناسب الأمة يكون فيها الإنسان أولا وليس التقديس لتلك النظم.

اقتصاد السوق وليد التجربة والخطأ

منذ عقود يتم الترويج لـ"اقتصاد السوق" وكأنه قانون رياضي حتمي، أو وصفة سحرية مطلقة صالحة لانتشال المجتمعات من أزماتها بمجرد تطبيق معادلاتها، غير أن القراءة التاريخية الفاحصة تكشف المبالغة بهذا التعميم؛ فاقتصاد السوق ليس تنزيلا أو منظومة معصومة، بل هو بناء بشري بحت، نشأ وتطور في الغرب عبر تراكمات طويلة من التجربة والخطأ، والنجاحات والإخفاقات.

تحول اقتصاد السوق في هذه الدول إلى مسخ لسحق الشعوب وإفقارها بشكل عدمي، وأضحى الفرد الأعزل يواجه غلاء المعيشة، وتآكلت الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم، تحت زعم "الإصلاح الاقتصادي" بغياب كوابح الجشع الرأسمالي في مجتمعات هشّة بالأساس، ما حوّل مفهوم السوق من أداة للتنمية إلى آلية لتركيز الثروة


أثبت هذا النظام كفاءته في محطات تاريخية معينة لا سيما في تحفيز الإنتاج، لكنه لم ينجح إلا لأنه كان مدعوماً بآليات ضبط وكوابح اجتماعية ونقابات وقوانين تحمي الإنسان، غير أن الانبهار بالمخرجات الذي وقعت فيه النخب المعاصرة يتجسد في تحويل هذه الأداة الإجرائية، التي ينبغي أن تخضع للتعديل والمراقبة المستمرة، إلى "عقيدة أيديولوجية" مقدسة ومحصنة ضد النقد والتساؤل.

فخ العالم الثالث: المسخ

يتجلى المأزق الأكبر لهذا التقديس الأعمى في اندفاع بعض قادة دول العالم الثالث نحو تبني هذا النظام دون تمحيص، ففي التصور أن بديل الاشتراكية هو نظام السوق، وقع هؤلاء القادة في فخ نقل "نظام السوق" بشكل سطحي وعشوائي، دون أدنى تفكير في بنيته وآلياته المعقدة؛ هذا الاستيراد كان مع إسقاط لـ"أدوات الرحمة" وشبكات الأمان الاجتماعي التي تُثبِّط آثار التوحش وتخفف الكلفة عن كاهل المواطن البسيط هي التيه بعينه.

الدول التي خضعت لمثل هذه التجربة تعاني الكوارث؛ إذ تحول اقتصاد السوق في هذه الدول إلى مسخ لسحق الشعوب وإفقارها بشكل عدمي، وأضحى الفرد الأعزل يواجه غلاء المعيشة، وتآكلت الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم، تحت زعم "الإصلاح الاقتصادي" بغياب كوابح الجشع الرأسمالي في مجتمعات هشّة بالأساس، ما حوّل مفهوم السوق من أداة للتنمية إلى آلية لتركيز الثروة في يد قلة مستفيدة، مما عمّق الفجوات الطبقية وهدّد السلم الأهلي.

العلة في البشر لا في النظم

تبرز مغالطة فكرية كبرى يقع فيها قادة ومثقفو العالم الثالث؛ إذ يُرجعون انهيار مجتمعاتهم السابقة إلى "فشل الاشتراكية بحد ذاتها" كفكرة، والواقع التاريخي يثبت أن عجز تلك الدول التي تكيفت مع النظام الاشتراكي لعقود لم يكن بسبب جوهر الفلسفة الاشتراكية، بل بسبب نقل القالب وليس الأنسب، فترهلت أدواتها التنفيذية، وتحجرت بيروقراطياً، وفشلت في إدارة الموارد البشرية، تماماً كما تترهل الأدوات الرأسمالية وتتوحش فيغرق البلد بالفوضى والفساد.

فالعلة لا تكمن في النظم الاقتصادية أو النظريات بحد ذاتها، بل في العقلية البشرية التي تقدس القوالب الجاهزة وتتعامل معها كأصنام معصومة، فيقع القادة والمنظرون في وهم حماية الفكرة عبر تجميدها، متناسين أن القوالب الجامدة لا تحتمل التوسع؛ وبدلاً من ابتكار آليات مدنية مرنة وتحديث الأدوات بما يواكب متطلبات العصر ويحمي الإنسان، يستسلمون للجمود الفكري. هذا العجز عن التجديد هو الذي أسقط النماذج الاشتراكية بالأمس من الداخل، وهو نفسه الذي يحول الرأسمالية المستوردة اليوم إلى أداة سحق وتدمير مجتمعي.

أطروحة آلان تورين:

هنا يلتقي هذا الواقع المرير مع الطرح السلوكي لعالم الاجتماع الفرنسي آلان تورين في كتابه "نهاية المجتمعات". جدلية تورين أن النظام الرأسمالي عندما تضخم وانفلت من كوابحه الأخلاقية والسياسية بفعل جماد النخب، تحول عالمياً إلى رأسمالية مالية عولمية متوحشة تقوم على المضاربات الوهمية، مما أدى إلى تفكك وتحلل مفهوم "المجتمع" كبنية منظمة ومستقرة.

الحداثة الجديدة التي نحتاجها اليوم ينبغي أن تتأسس على عمق الفكر الحضاري وإدارة المدنية، وليس على قوانين العرض والطلب الجافة، فالمدينة والدولة في ظل هذه الرؤية ليستا مجرد فضاءات عقارية استثمارية أو مراكز تجارية ضخمة للاستهلاك، بل هما بيئة تفاعلية إنسانية تُدار بمنطق التضامن، وإتاحة الفرص العادلة


لقد شكلت الأزمة المالية العالمية عام 2008 نقطة تحول حاسمة؛ إذ كشفت عن قطيعة تامة بين وحشية الأسواق وبين الاقتصاد الإنتاجي الحقيقي المرتبط بحياة البشر اليومية. ويعالج تورين مفارقة هي أن هذا النظام، ورغم فقدانه الكامل لشرعيته الاجتماعية والأخلاقية، لا يزال مهيمناً بقوة الدفع العاري؛ لا لقوته الذاتية، بل لغياب بديل أيديولوجي ومؤسساتي جاهز في عالم تشرذمت فيه القوى المجتمعية الكلاسيكية، وهو ما تستغله النخب لتبرير استمرار السياسات الساحقة للشعوب.

إعادة تعريف الحداثة:

أمام الانسداد والفراغ المؤسساتي، تصبح البشرية بحاجة ماسة إلى إصلاح مفهوم الحداثة، تبدأ هذه الخطوة من تحديث تعريف الحداثة بأنها لا تشمل بالضرورة اقتصاد السوق والرأسمالية، وليست مرادفة لهما، فالسوق أداة مدنية لإدارة التبادل البشري، أما الحداثة فهي أفق إنساني، فكري، أوسع بكثير.

الحداثة الحقيقية هي كل فكر، أو فكرة، أو حركة تحدث تغييراً بنيوياً وتطوراً في وعي الإنسان ومحيطه ومؤسساته، فالرسول محمد (ص) قاد رسالة الحداثة التي شعّت على العالم ونحتاجها اليوم فهما لا قالبا ولا برواسب التاريخ، أي بغير تقديس اللامقدس. المأزق الحالي ينبع من الانسداد الفكري الذي يوهم قادة العالم الثالث بأن الرأسمالية هي الحل ولا يرون ما يحدث فعلا، والحق هو وهْم التجديد الحداثي.

البديل المنشود:

الحداثة الجديدة التي نحتاجها اليوم ينبغي أن تتأسس على عمق الفكر الحضاري وإدارة المدنية، وليس على قوانين العرض والطلب الجافة، فالمدينة والدولة في ظل هذه الرؤية ليستا مجرد فضاءات عقارية استثمارية أو مراكز تجارية ضخمة للاستهلاك، بل هما بيئة تفاعلية إنسانية تُدار بمنطق التضامن، وإتاحة الفرص العادلة، وتمكين ما يسميه تورين بـ"الذات الفاعلة" من مقاومة التسليع البشري، نحن رأينا نموذجَ الفشل والارتداد في روسيا، ونجاح الإصلاح في الصين.

حداثة عصرنا منا وإلينا بتفعيل النخب إيجابيا ورفض عبادة الأصنام الاقتصادية والفكرية، والتحرر من نفق العدمية ومنظومة تنمية التخلف، وتفعيل النخب التي انعزلت أو عُزلت، من أجل أن نعيد النبض لقلب الأمة.



الجمعة، 31 يوليو 2026

263 - نحو الدولة التأسيسية

 عربي 21 


"لا تكون وظيفة الدولة أن تطالب الناس بحبها، وإنما أن تجعل هذا الحب نتيجة طبيعية لما يختبرونه فيها"-

منذ أن بدأ الإنسان يؤسس الدول، انشغل فكره السياسي بالسؤال نفسه: من يحكم؟ وكيف تُوزَّع السلطة؟ وما شكل النظام الأمثل؟ فظهرت الملكيات والجمهوريات، والإمبراطوريات والدول القومية، والليبرالية والاشتراكية، وتعددت الدساتير والأنظمة الانتخابية، لكن سؤالاً أكثر عمقاً ظل خارج دائرة البحث، وهو: كيف تنشأ الدولة أصلاً، وما الذي يجعلها قادرة على البقاء والتجدد عبر الأجيال؟

معظم النظريات السياسية تبدأ من الدولة باعتبارها حقيقة قائمة، ثم تبحث في تحسين أدائها أو ضبط سلطاتها، لكنها نادراً ما تسأل عن القانون الذي يجعل المجتمع قادراً على إنتاج دولة مستقرة قبل أن يبحث عن شكل الحكم، ولهذا فإن كثيراً من الإصلاحات السياسية لم تكن سوى إصلاحات في إدارة السلطة، لا في بناء الدولة نفسها.

فالسلطة ليست بداية الدولة، بل هي إحدى نتائجها، والقانون ليس أصل الدولة، بل أحد أدواتها، والدستور ليس منشئ الدولة، وإنما وثيقة لتنظيم ما استقر من علاقات داخلها، أما الدولة نفسها، فهي الأمة اجتماعيا وأخلاقيا وفكريا.

القوة لا تقدم جواباً كافياً، لأنها تستطيع أن تفرض الطاعة، لكنها لا تخلق الانتماء؛ والقانون لا يكفي، لأنه ينظم السلوك، لكنه لا يفسر سبب الرغبة في الالتزام به، أما الاقتصاد، فعلى أهميته، فقد أثبت التاريخ أن شعوباً فقيرة دافعت عن أوطانها حتى الموت، بينما انهارت مجتمعات غنية عندما فقدت ثقتها بنفسها


ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس: كيف نغيّر الحكومة؟ بل: ما الذي يجعل ملايين البشر يقبلون أن يكونوا مجتمعاً واحداً، وأن يلتزموا بقانون واحد، وأن يدافعوا عن كيان واحد؟

إن القوة لا تقدم جواباً كافياً، لأنها تستطيع أن تفرض الطاعة، لكنها لا تخلق الانتماء؛ والقانون لا يكفي، لأنه ينظم السلوك، لكنه لا يفسر سبب الرغبة في الالتزام به، أما الاقتصاد، فعلى أهميته، فقد أثبت التاريخ أن شعوباً فقيرة دافعت عن أوطانها حتى الموت، بينما انهارت مجتمعات غنية عندما فقدت ثقتها بنفسها.

الانتماء

إذن لا بد من وجود عنصر أعمق من السلطة والقانون والاقتصاد، ذلك العنصر هو الانتماء، غير أن الانتماء ليس شعاراً ترفعه الدولة، ولا درساً في المناهج الدراسية، ولا حملة إعلامية موسمية، فالإنسان لا ينتمي إلى وطنه لأنه طُلب منه ذلك، وإنما لأنه يشعر أن كرامته ومستقبله وحريته ونجاحه مرتبطة ببقاء ذلك الوطن، والانتماء الحقيقي ليس قراراً سياسياً، بل نتيجة تجربة يومية يعيشها الإنسان مع دولته ومجتمعه.

ومن هنا لا تكون وظيفة الدولة أن تطالب الناس بحبها، وإنما أن تجعل هذا الحب نتيجة طبيعية لما يختبرونه فيها.

لكن الانتماء نفسه ليس البداية، لأنه يولد من عنصر آخر هو الثقة، فالإنسان لا ينتمي إلى كيان لا يثق به، ولا يضحي من أجل مشروع يشك في عدالته أو في صدقه، والثقة ليست عاطفة، بل هي تراكم طويل من الخبرات التي تجعل الإنسان يوقن أن مؤسسات دولته تعمل وفق قواعد يمكن التنبؤ بها، وأن القانون لا يتغير تبعاً للأشخاص، وأن الحقيقة لا تُخفى عنه كلما تعارضت مع مصالح السلطة.

وهنا نصل إلى النقطة التي ربما أغفلها الفكر السياسي طويلاً، إن أصل الثقة ليس القوة، ولا القانون، ولا حتى العدالة بمعناها القضائي، وإنما الحقيقة، فالمجتمع الذي لا يمتلك حقيقة مشتركة عن واقعه لا يستطيع أن يبني مستقبلاً مشتركاً، وإذا أصبحت الإحصاءات أداة للدعاية، والإعلام وسيلة للتبرير، والتعليم مجالاً لإعادة إنتاج الأوهام، والسياسة فناً لإخفاء الوقائع، فإن أول ما ينهار ليس الاقتصاد، بل الثقة العامة، وعندما تنهار الثقة، يضعف الانتماء، ثم تبدأ الدولة في فقدان شرعيتها، حتى لو بقيت مؤسساتها قائمة وجيشها قوياً.

اقتراح قانون أولي لبناء الدولة:

إن الدولة التي تعجز عن إنتاج الحقيقة المشتركة تعجز تدريجياً عن إنتاج الثقة، والدولة التي تفقد الثقة تفقد الانتماء، والدولة التي يفقد مجتمعها الانتماء تبدأ رحلة التفكك مهما امتلكت من أدوات القوة.

ولذلك فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بتغيير الأشخاص، لأن الأشخاص نتيجة لبنية أعمق، ولا يبدأ بإصدار قوانين جديدة، لأن القانون نفسه يحتاج إلى بيئة تؤمن به. ولا يبدأ بإعادة توزيع السلطات، لأن السلطة لا تستطيع أن تمنح المجتمع ما فقده من ثقة.

إن الإصلاح يبدأ بإعادة تأسيس العلاقة بين الإنسان والحقيقة. فالصدق هنا ليس فضيلة أخلاقية فحسب، بل مؤسسة يجب أن تُبنى. يجب أن تكون بيانات الدولة صادقة، وأرقامها قابلة للتحقق، وقراراتها قابلة للمساءلة، وأخطاؤها قابلة للاعتراف، فالدولة التي لا تملك الشجاعة للاعتراف بالواقع لن تستطيع أن تخطط للمستقبل، لأن التخطيط لا يقوم إلا على معرفة صحيحة بالواقع.

وعندما تصبح الحقيقة قيمة مؤسسية، تنشأ الثقة، وعندما تنشأ الثقة، يتحول الانتماء من شعار إلى سلوك. وعندما يصبح الانتماء سلوكاً، تتحول الدولة من جهاز يحرس المجتمع إلى مجتمع يحرس دولته.

وربما تكمن مهمة الدولة التأسيسية في هذا التحول تحديداً، فهي لا تُنشأ لتحتكر السلطة، بل لتؤسس بيئة يصبح فيها الصدق قاعدة، والثقة نتيجة، والانتماء ثمرة، فتغدو المؤسسات أدوات لخدمة المجتمع، لا وسائل للسيطرة عليه.

ولعل هذا هو السؤال الذي ينبغي أن تبدأ منه فلسفة الدولة في القرن الحادي والعشرين: ليست المشكلة الأولى كيف نوزع السلطة، وإنما كيف نبني الحقيقة المشتركة التي تجعل المجتمع قادراً على الثقة، والثقة قادرة على إنتاج الانتماء، والانتماء قادراً على إنتاج دولة تتجدد من داخلها، لا بقوة الحاكم ولا بشعارات الأحزاب، بل بقوة المجتمع نفسه.

وثيقة المدينة، التي لم تؤسس المجتمع السياسي على رابطة الدم أو الانتماء القبلي أو العقيدة، بل على عقدٍ ينظم العلاقة بين جماعات متعددة، لكل منها خصوصيتها، مع اشتراكها في الدفاع عن المجتمع والالتزام بأحكامه العامة


غير أن الانتماء، على أهميته، لا يكفي وحده لتأسيس الدولة، لأن الانتماء بطبيعته يتعدد ويتدرج، فالإنسان ينتمي انتماءات متعددة طبيعية لا يجوز للدولة أن تحاربها أو تسعى إلى إلغائها، غير أن الخطأ التاريخي يبدأ عندما تتحول إحدى هذه الروابط إلى المصدر الأعلى للشرعية السياسية، أو ما يمكن أن نسميه بـ"الحاكمية الفئوية" فتصبح الدولة دولة طائفة، أو عرق، أو قبيلة، أو حزب، نوع من العصبية يجعل بقية المكونات جماعات تعيش داخل الدولة دون أن تشعر بأنها شريكة فيها.

الحاكمية:

إن الدولة لا تقوم على وحدة عصبية، وإنما تقوم على وحدة العقد السياسي الجامع؛ ذلك العقد الذي يجعل جميع المواطنين شركاء في الحقوق والواجبات والمصير، بصرف النظر عن اختلاف أصولهم أو معتقداتهم أو انتماءاتهم الثقافية. فالدولة الحقيقية لا تطلب من الإنسان أن يتخلى عن هويته، وإنما تطلب منه أن يجعل العقد السياسي الذي ينظم حياته المشتركة مرجعيةً أعلى في المجال العام، بحيث الروابط الأخرى مصادر غنى للمجتمع، لا أدوات لتقسيم السلطة أو تعريف المواطنة.

ولعل من أقدم النماذج التاريخية التي جسدت هذا المبدأ وثيقة المدينة، التي لم تؤسس المجتمع السياسي على رابطة الدم أو الانتماء القبلي أو العقيدة، بل على عقدٍ ينظم العلاقة بين جماعات متعددة، لكل منها خصوصيتها، مع اشتراكها في الدفاع عن المجتمع والالتزام بأحكامه العامة، ولم يكن جوهر الوثيقة إزالة التنوع، وإنما تنظيمه داخل إطار سياسي واحد، وهو ما يجعلها مثالاً مبكراً على أن الدولة لا تُبنى على التشابه، بل على الاتفاق الحر حول عقد جامع يحفظ الجميع، وما نسمعه اليوم من حاكمية طائفة حتى ولو كانت الحاكمية بتوجه علماني هو تيه النخبة بين الحقيقة والهوى؛ فليصحُ مفكرو الأمة.

268- قراءة فلسفية في المدارس السيادية لأعمدة تأسيس العراق الستة

 رابط عربي 21 " علينا فهم نظرية المدارس السيادية، فهي تجربة عراقية، يمكن أن تعيد تشغيل المعمل السيادي، وصياغة عقد اجتماعي جديد" فخ...

يقظة فكرgoogle-site-verification: google25f7d3ebc2fdac29.html