https://m-salihalbdrany.blogspot.com/ فكــــــر اليقظـــــــة Mindfulnesshttps://m-salihalbdrany.blogspot.com/

بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 17 أكتوبر 2026

282 - جدلية الامة والدولة في الواقع المعاصــــــر

نشرت في عربي 21


جدلية الأمة والدولة في الواقع المعاصر

تحولات جيوسياسية وتنموية متسارعة، فيما تبدو معالمها في المنطقة الإيجابي منها والسلبي أيضا، تبدو في ظاهرها صراعاً على الموارد والمشاريع الاستراتيجية من الأغراب عن المنطقة، وصراع أوهام وأحلام متلبسة ومختفية بما يسخر عواطف الأمة إلى امر ما، ولكثرة الفرق من هذا النوع مع ضعف التثقيف والمعاني الصلبة، نجد غياب الأمة وغياب الدولة، هذا الظاهر يشير إلى أزمة بنيوية أعمق: غياب المعادلة المتوازنة لاجتماع "الأمة" و"الدولة"،  فالقراءة العميقة للمشهد المعاصر تفرض على القادة والمخططين التوقف عن إدارة الأزمات بالمسكنات العشوائية، والانتقال نحو "الهندسة الاستراتيجية" التي تضبط مواضع النقص في بناء الكيانين.

ضبط المفهوم

لو أردنا أن نشخص الواقع وما نراه من ضعف انتماء للدولة أو تشتت الكتلة البشرية بالأفكار التي تنتقل بالمصير السلبي للبشر فلن نلمس وجود أي من الاثنين فالدولة بلا أمة تحميها تظل مجرد هيكل مؤسسي وقانوني واقتصادي هش، قد تمتلك هذه الدولة أحدث المشاريع التنموية، وأبراجاً شاهقة، وموازنات ضخمة، لكنها في غياب "أمة" يجمعها وجدان مشترك وهوية مواطنة جامعة، تبقى كياناً قابلاً للانهيار والتشظي عند أول خضة سياسية أو هزة أمنية؛ لأن الأفراد فيها لا يشعرون بالانتماء البنيوي للمؤسسة.

الأمة بلا دولة ترعاها تظل مجرد مجتمعات تمتلك هويات وثقافات وتطلعات مشتركة، ولكنها بلا فاعلية حضارية، غياب الإطار المؤسسي، والضبط القانوني، والإدارة التنفيذية الرصينة يحيل طاقات المجتمع إلى صراعات جانبية وتشتت مستمر، مما يجعلها ساحة مستباحة للمشاريع الخارجية

1.     هندسة الوعي المعرفي المشترك: إن بناء الأمة في عصر التدفق المعلوماتي المعاصر لا يتم بالشعارات، بل بإنتاج معرفي وثقافي وتربوي يعالج الأفكار السلبية، ويصنع نماذجَ سلوكية تتحرك من خلال التنوع والتحديات تجعل من التنوع القائم على قيم الاحترام والعدل مصدر قوة للدولة لا ثغرة لاختراقها، وتجعل من التحديات وسيلة للحمة وهذا لا يأتي بالتمايز الفج.

2.     هنالك طريقان لبناء الأمة والدولة، إما أن تكون أمة وتبني دولة فهذه أسس متينة تتحمل التحديات وتواجهها بإصرار يقويها وهو ما نشأت عليه دولة الرسالة، أو تنشأ دولة وتسعى لتوليد أمة وهو ما حاولت نظم الحكم بعد الدولة العثمانية تكوينه، لكنها لم تك مؤهلة أو مدركة لرؤية واضحة فارتكزت إلى المدنية والتنمية التي تعرضت للفساد بلا حماية وتركت الهويات الفرعية التي نشأت زمن التمزق والخوف لتتعاظم فتحجب تطور متواصل للدولة كمدنية.

منظومة الأخلاق: الجسر الحتمي للاجتماع

الربط هنا بين الدولة والأمة والفكر الحاضن ضرورة؛ فلا يمكن بناء الآليات الإدارية السليمة بمعزل عن المنظومة الأخلاقية الفلسفية فلأخلاق في فكر النهضة ليست ترفاً سلوكياً، بل هي معادلة رياضية صلبة تضمن استدامة المجتمعات، المنظومة السلوكية المنبثقة عن فكر ليست كالمنبثقة عن قيمة أحادية أو فكرة كما الرأسمالية التي تضع السلوك من فكرة أو قيمة النفعية، مجتمعاتنا وان تخلت عن فهم قيمها بالانطباعات وبدلت الدين بالتدين كغريزة إلا أنها تحتاج مجموعة القيم النظيفة الأساسية لتكون أمة ودولة، وليس بتذكية الغرائز واستغلالها في التحشيد والاستقطاب فهذا تمزيقها حتما وتشظيها لأنها ستفقد الرسالة الجامعة وتركز على إبراز أمم وهمية ليست محصنة من الفساد ولا هي قادرة على الاتحاد لان عدائها سيكون متسلحا بامتلاك الحقيقة الوهمي للعقيدة ويصبح الأكثر عداء والآخر هو من كان أخ الأمس وجعلته الفكرة بتلك المنزلة الحصينة.

الأخلاق السياسية كصمام أمان

تدني السلوك وانحرافه عن القيم المجتمعية في ممارسة السلطة ينتج الفساد واستحواذ اوليغارشي، عندها سيرى الفرد أن معايير العدالة والكفاءة مغيبة، فينكفئ نحو هوياته الفرعية الضيقة (العشيرة أو الطائفة) لحماية نفسه، وبذلك تتفتت "الأمة" حتى لو كان هيكل "الحكومة" قائماً، لكنه لا يعمل بسياق دولة، فالالتزام بالقانون وسيادة وعدالة التطبيق هي من تنشئ ركائز الدولة في نفس المواطن فيتحد الفكر مع الحياة المدنية ليشكل ثقافة وسمة جامعة وهذا يعني وجود أمة، وهو ما مطلوب للدول في المنطقة العربية، والإسلامية عموما، لأنها تمزقت بعد غياب الفكر الجامع الذي جعل شرعية للدولة واستمرارها موحدة بشكل أو آخر، وانهيارها جميعا كان لتلاشي هذه الرابطة.

خاتمة: الخيط الفاصل بين النهضة والسقوط

إن "اجتماع الأمة والدولة" من خلال ناظم أخلاقي متين هو الفاصل بين نهضة الكيانات وسقوطها في الفوضى؛ وعي القادة باللحظة الراهنة، وشجاعتهم في الاعتراف بمواضع الهشاشة البنيوية، هو الخطوة المهمة للخروج من عشوائية الإدارة إلى رحابة التخطيط التكاملي، فالدولة القوية هي تلك التي تسندها أمة واعية، والأمة العظيمة هي تلك التي تقودها دولة مؤسسات عادلة تحكمها منظومة من القيم.

 

                                                           


السبت، 10 أكتوبر 2026

281 - من اسطورة جيفارا الى خريف الايديولوجيات الكبرى

 

من أسطورة جيفارا إلى خريف الأيديولوجيات الكبرى

الأساطير والحقيقة:

من الظواهر التي ينبغي الانتباه لها هي حياكة القصص ونسب المقولات إلى مشاهير التاريخ، وهذا النسب على نوعين: إما انه لتأكيد عظمة الأشخاص التاريخيين عند من يعجب بهم، فينسبون لهم كل قول وحكمة، أو استغلال لهذا العظمة والتميز بان توضع على لسانهم أو ما كتبوا عبارات يحسبها الجاهل حقا فيمرر الجهل من بين يديه كل خبيث، ولطالما قرأنا أقوالا منسوبة لابن خلدون وجيفارا، وكثر غيرهم لكن من يدقق يجد أن الأقوال لا تناسب ما آمنوا به أو أسلوب عصرهم.

جيفارا والراعي:

قصة من القصص المفبركة التي صيغت وكأنها حكمة متجاهلة أن معايير شخص كجيفارا لا يعمل من اجل رضى الناس بل من اجل ما يراه متناسبا مع فكره الثوري ويعلم مسبقا انه لا يقاتل من اجل الناس وإنما لجنس ما يراه ظلما، الظلم والعدل هما معياران يمثلان لقيمة وليس لذاتهما عندما يعبران عن شخصية الفكرة، لكن الإخلاص حتى لمثل هذه الفكرة نادر، فهنالك ثوار في نفس المسار كتقرير الكاتب اليوغسلافي (ميلوفان ديلاس)بقوله "رغم أن لينين عاش متقشفاً وحظر الأجور المرتفعة، إلا انه بدد كثيرا من الأموال لدعم سلطة الحزب والتخلص من المعارضين بلا رحمة"، وربما هذا ما فعله جيفارا في كوبا عندما سيطروا على الحكم حيث أشرف على إعدام المئات من النظام السابق بلا رحمة أو محاكمة عادلة، من أقواله “الكراهية كعنصر في الكفاح؛ الكراهية التي لا هوادة فيها للعدو، والتي تدفع الإنسان إلى ما وراء الحدود الطبيعية وتحوله إلى آلة قتل عنيفة وانتهازية بدم بارد... هكذا يجب أن يكون جنودنا “التمييز ورفض الآخر، فنظام "النومينكلاتورا" تحول مع الوقت (خاصة في عهد ستالين ومن بعده) إلى "طبقة برجوازية جديدة" ولكن برداء اشتراكي:

  • الامتيازات السرية: كان أعضاء هذه النخبة يتمتعون بمزايا لا يحلم بها المواطن السوفيتي العادي، مثل: شقق فخمة، سيارات حكومية بسائقين، مستشفيات خاصة عالية الجودة، ومتاجر مغلقة تحتوي على بضائع غربية مستوردة لا يدخلها عامة الشعب.
  • توريث النفوذ: أصبح أبناء هذه الطبقة يحصلون على أفضل فرص التعليم والوظائف الدبلوماسية، مما خلق مجتمعاً طبقياً جديداً يناقض تماماً فكرة "المجتمع بلا طبقات" التي قامت عليها الثورة.

فما كانت المحصلة، أن طبقة جديدة حلت محل طبقة قديمة في الاستملاك والمميزات، ناس تعدم ناس كانت تَعدمهم، ثم تتوسع بالثورية فتَعدم من تظن انه خطراً عليها، لذا وضع جيفارا كمصدر للحكمة هو موضع خطأ لكنه نموذجا للثورية والراديكالية بامتياز، لكن يبقى التفريق بين دوافع الثورة أهي انفجار رد فعل لحاجة أم إيمان بوجوب حرب من أراهم أعداء وهذه تنقسم إلى قسمين هل هم أعداء لأنهم يناهضون ما أفكر به (مثل جيفارا) أم انهم أعداء لأنهم يمثلون جنس الظلم، فان كان جيفارا مثل هذا فلم أعدم العاملين مع النظام السابق؟ ولم اعتبر الكراهية كجزء من تكتيكات حربه لعقل جمعي؟

الرأسمالية وتوحشها:

لا تبدو الرأسمالية المعاصرة في حال أفضل، فهي خريفٌ طويلٌ يثبت فشله المتكرر في قيادة العالم وتوفير الخيارات العادلة للبشر، لكنها باقية لغياب البديل ومنافسها اثبت انه قاهر للإنسانية أيضا قبل أن يتنحى، تحولت الرأسمالية من أداة لتحفيز الإنتاج والحرية الفردية إلى غول متوحش يكرس التفاوت الطبقي الحاد، حيث يمتلك 1% من سكان الأرض ما يعادل ما يملكه بقية البشر، تعاني المنظومة اليوم من أزمات دورية خانقة، وتدمير بيئي غير مسبوق، وسلعنه وعجز عن تقديم نموذجٍ أخلاقي يقود البشرية نحو الاستقرار والسلام، هذا الانسداد الفكري بين النظامين يفرض صياغة نموذجٍ جديدٍ لا يقوم على التلفيق والتسوية بينهما، بل على إعادة تعريف غاية الاقتصاد والسياسة ذاتها.

ترتكز معالم هذا النظام المنشود على محاور منها:

  • السلبية التي يشترك بها النظامان هي النظرة للإنسان أمام عناصر الإنتاج، النظام الجديد يجب أن يعيد صياغة مفهوم الرفاه؛ فلا تقاس قوة الدول بالناتج المحلي الإجمالي وحده، بل بمؤشرات التنمية البشرية الحقيقية، والعدالة التوزيعية، وصيانة الكرامة المتجاوزة للحاجات البيولوجية.
  • النموذج التشاركي اللامركزي: بدلاً من تغوّل الشركات أو تسلط البيروقراطية الحكومية فإدارة الموارد الحيوية (كالطاقة والمياه والتعليم والصحة) كملكية عامة تشاركية تُدار محلياً ولا تخضع لمنطق الربح الاحتكاري أو التوظيف السياسي.
  • التوازن البيئي والاستدامة الحيوية حيث يصبح الحفاظ على البيئة شرطاً أساسياً للشرعية السياسية والاقتصادية.
  • يتطلب العبور نحو المستقبل تطهيراً فكرياً شاملاً للنظريات التي بررت الظلم والتمييز وممارسات جسدته بأطر قيم مفرغة المحتوى.

خاتمة:

 إن قصة جيفارا الحقيقية والمكذوبة، وسقوط البلشفية، وترنح الرأسمالية، كلها شواهد تؤكد أن الأيديولوجيات البشرية المغلقة وان نسبت للدين والتشريع تحمل في طياتها بذور فنائها، لكن بعد أن تسحق القيمة والكرامة الإنسانية، يحتاج كوكبنا إلى وعي واستمرار التحديث، يرفض الأساطير المصنوعة لتبرير الفشل، ويئد أي عنصرية أو إلغاء وجودي أو يفكر بما يخل بالتوازن في البيئة فلا يقام العدل، وهذ حاصل بالنظريات العنصرية المنهجية، إن صناعة الأمل لا تكون بأيدي ملوثة بالظلم والدم ولا بأعناق ملتوية للخلف فوقها رؤوس جامدة تافهة.


الخميس، 8 أكتوبر 2026

280 - مشروع قناة سلمان المحدث

 

هذا المشروع اساسا كتب نهاية 2015 ونشر في عدة صحف منها الغرب السعودية
الشرق القطرية
عربي 21 
وبعددة مقالات 
اليوم اعيده بعد حذف بعض الفقرات التي لم تعد مهمة من اجل الضرورة 


الجمعة، 2 أكتوبر 2026

279 - الذكاء الاصطناعي والانسان

عربي 


تكامل أم فجوة إدراكية؟

التفكير يمثل القيمة الآدمية لعمارة الأرض والتمدن، ومع الطفرة الهائلة في مجالات الذكاء الاصطناعي وشبكات التعلم العميق، نجد سؤالا يتكرر: هل تفكر الآلة حقاً كالبشر؟ وما هي الحدود الفاصلة بين الإدراك الإنساني والمعالجة الحاسوبية؟ هذه الفجوة سنحاول فهمها بين "الإدراك" الآدمي و"المعالجة" الآلية؛ لحماية منظومة العقل وتوجيه التقنية.

البُعد الفلسفي ومعضلة الوعي

بالحديث عن الوعي نستقرئ تيارين رئيسيين:

- المنظور المادي: يرى الدماغ كـ"حاسوب بيولوجي" معقد، تحدث فيه تفاعلات كيميائية وإشارات كهربائية بين التشابكات العصبية في الدماغ، وبناءً عليه، يمكن للآلة مستقبلاً الوصول للوعي الكامل إذا ما حاكت الشبكات العصبية الاصطناعية تعقيد الدماغ البشري (والذي يتجاوز 86 مليار خلية عصبية)، فيما يُعرف بالسعي نحو الذكاء الاصطناعي العام.

- الإحساس بالوجود، النفس، التمييز بين الحق والباطل وإقامة القيم، الإحساس بالجمال وتراكيب المعنى؛ ووفقاً لهذا كله، ستظل الآلة جثة تتحرك بمدخلات ومخرجات، محاكيه الذكاء دون امتلاك "ذات" حقيقية تختبر الوجود وتتحمل المسؤولية الأخلاقية عن أفعالها، من هنا يخشى عليها من طموح البشر القادر على الإبداع لكن أيضا يفتقد القدرة على الإحاطة والتدبير ومعرفة ما سيحصل إن سار بهذا أو ذاك المسار.

ولعل تجربة "الغرفة الصينية" للفيلسوف جون سيرل توضح هذا الفارق؛ فالآلة التي تتبع قواعد برمجية وضخمة لإخراج إجابات مثالية بالصينية تحاكي الفهم لمن ينظر إليها من الخارج، لكنها في الحقيقة تعالج الرموز الرياضية ببراعة لامتناهية دون إدراك معناها الفعلي أو فهم المضمون.

الإرادة الحرة والمسؤولية

عند اتخاذ القرار، يشعر الإنسان بيقين داخلي بالحرية والإرادة الحرة، بينما يختلف واقعه تماماً عن الآلة:

- حتمية البرمجة الرقمية: الآلة لا تمتلك خياراً حقيقياً؛ تفكيرها محكوم بمعادلات صلبة ودوال رياضية تسعى لتحقيق هدف محدد مسبقاً وهو تقليل نسبة الخطأ، وما يبدو "ارتجالاً" مفاجئاً أو غير متوقع هو نتاج تداخل مصفوفات احتمالية معقدة داخل ما يُعرف بـ"الصندوق الأسود"، ولا تملك القدرة على التمرد على برمجتها الأساسية.

- الجينات وومضات النفس: يرى الماديون أن تفكير الإنسان محكوم ببرمجة جينية وبيئية وتجارب متراكمة تشبه مدخلات الآلة، بينما يرى المؤمنون أن الإنسان يتميز بمنظومة تدير الاستجابة والرفض لفاعلية الغرائز ومخالفة مصلحته البيولوجية المباشرة (كالإضراب عن الطعام أو التضحية بالنفس لأجل قيمة أخلاقية وعليا)؛ مواقف تمنحه الأهلية والمسؤولية الأخلاقية والتحمل أمام الخالق وفي القوانين الوضعية والمجتمع.

المسؤولية الجنائية والأخلاقية في المستقبل

يتجلى الفارق بين النمطين عند انتقال الآلة من مرحلة المساعدة إلى مرحلة "اتخاذ القرار الإدراكي" في قطاعات حساسة كالطب والقانون:

- مأزق القرار الطبي وتلاشي الضمير: إذا قرر نظام ذكاء اصطناعي في مستشفى مستقبلي وقف أجهزة الإنعاش عن مريض يعاني من فشل متعدد في الأعضاء لأن نسبة شفائه إحصائياً وبناءً على مليارات البيانات هي 0.3 في المئة فقط، وتوجيه الموارد لمريض آخر، فإنه يعالجه كرقمنة إحصائية جافة لا كقيمة إنسانية؛ في المقابل، يمتلك الطبيب البشري "الحدس الطبي" والتعاطف ونبرة الصوت ولغة الجسد التي تدفعه للمحاولة وقراءة ما بين السطور. وهنا تبرز معضلة قانونية وأخلاقية: من يُحاسَب جنائياً عند الخطأ الخوارزمي؟ هل هي الشركة المطورة للخوارزمية، المستشفى، أم الطبيب الذي وقع على التقرير تفادياً لمخالفة "السيستم" في مستشفاه؟

- "القاضي الآلي": عند التنبؤ بالمخاطر الجنائية من خلال الأنظمة واحتمالية عودة المتهم لارتكاب الجريمة؛ قد تحكم الآلة بالسجن لفترة طويلة على شاب سرق رغيف خبز، أو دواء، بناءً على سجل عائلته أو بيئته التاريخية.

الآلة أو الروبوت هنا يطبق نموذجا إحصائيا بأفكار مسبقة وضد الفعل السيئ، بينما يمتلك القاضي البشري القدرة على فهم سياق الدوافع الإنسانية والتمييز بين النزعة الإجرامية والحاجة، وتطبيق "الرحمة" و"روح القانون"، وهو ما يعجز التفكير الخوارزمي عنه.

ومع هذا، فبشرنا اليوم ممن فقد الآدمية، يحاسب من يسرق خبزا ليعيش ويتعاطف مع نهاب فاسد يسرق مستقبل بلده وأمته، هذه هي الروبوتات البشرية الفاقدة للقيم.

الفجوة في آليات الإدراك والكفاءة والتعميم

عند النظر إلى الفروقات التشغيلية والتقنية بين الطرفين، نجد تفوقاً بشرياً مذهلاً في عدة محاور:

- آلية العمل واستهلاك الطاقة: أسلوب عمل الدماغ البشري كما خلقه الله يعمل بكامل طاقته الإدراكية باستهلاك نحو 20 واط فقط؛ في المقابل، تعتمد الشبكات العصبية الاصطناعية على الأوزان والتعديل في العمليات الخلفية غير الظاهرة، وتحتاج مراكز البيانات والخوادم الضخمة إلى ميغاوات من الكهرباء وتبريد مستمر.

- التعميم: يمتلك الإنسان ذكاءً فطريا؛ إذ يستطيع الطفل تعلم مفهوم "الكلب" من رؤية صورتين فقط وتعميمه على الواقع والرسوم المتحركة، بينما يظل الذكاء الآلي ضيقاً ومحدوداً، حيث تحتاج الآلة لآلاف الصور، وتظل معرضة للفشل أو التفريط إذا تغيرت الإضاءة أو البيئة بشكل غريب.

- الدافع والمحرك: يتحرك الإنسان بدوافع منها؛ الغرائز، الوعي بالبقاء، الفضول المعرفي، التكليف الأخلاقي، والإيمان الديني، بينما لا تتحرك الآلة إلا بطلب الاستدعاء للوصول لأقل نسبة خطأ.

الحماية للبشر والتوجيه للآلة

لمنع وقوع البشرية في فخ "الكسل الإدراكي" (إضعاف مرونة الدماغ وقدرته على التحليل نتيجة الاتكال الرقمي الكامل)، ولضمان بناء أنظمة تحترم الإنسانية، يجب تبني الاستراتيجيات التالية:

- استراتيجيات حماية العقل البشري:

1- صياغة الحلول ذاتياً وقراءة المعطيات بعين ناقدة قبل استشارة الآلة أو تسليمها القرار النهائي.

2- الإنسان يُحدث العصف الذهني، والتخطيط الاستراتيجي، وحل المشكلات المعقدة بنفسه، ويترك الحسابات الطويلة للآلة.

- دليل أخلاقيات الخوارزميات (للمتخصصين والمطورين):

1- تطهير البيانات: فحص وتعديل بيانات التدريب دورياً لضمان عدم تبني الآلة للعصبيات التاريخية، العنصرية، أو الجغرافية، وهذا ما لاحظته نتيجة البرمجة بالتعاطف مع الأقليات.

2- منع الاستقلالية الكاملة للآلة في القرارات المصيرية (كالطب والقضاء)، وتكون مساعدا ويظل القرار بمسؤولية الإنسان.

خلاصة المقال

الإنسان يفهم ويحس، بينما تحسب الآلة تكراراتها الإحصائية ومعالجة الرمز، التطور مهم، في التكامل؛ حيث نُسخر سرعة الآلة التنفيذية الفائقة لخدمة إنسانية الإنسان دون التنازل عن جوهر وعينا، ضميرنا، وحرية إرادتنا، ولا يترك الأمر بيد مغامرين من أصحاب الأموال بل مراقبتهم من الناحية الأخلاقية، لأنه قد ينتج ما يدمر البشرية فالمسألة ليست بالتعلم وإنما بكيفية استخدامه.

الخميس، 1 أكتوبر 2026

278 - تدهور قيمة الرواتب وتوحش التضخم

نشرت الزمـــــــــــــــــــــــــــان الدوليــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة 

يعيش الموظف والمتقاعد العراقي اليوم في واحدة من أعقد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في تاريخ الدولة الحديث؛ أزمة لا تتمثل في شح الموارد، بل في التآكل الصامت والمنظم للقيمة الشرائية للرواتب. هذا التآكل ليس مجرد نتيجة لتقلبات الأسواق العالمية العابرة، بل هو نتاج منهج تراجعي للقرارات الحكومية وتعطيل متعمد لنصوص قانونية صريحة شرّعها القانون العراقي لحماية المواطن، مما أدى إلى تجريد الشريحة الأوسع من المجتمع من أمنها المعيشي.

الجذور التاريخية للأزمة: من خفض الرواتب إلى سحق المكتسبات

لم تبدأ أزمة تآكل الرواتب مع تغيير سعر الصرف الفجائي فحسب، بل تمتد جذورها التنفيذية إلى أبعد من ذلك، عبر محطات رسمية شكلت صدمات متتالية للمعيشة:

  • عام 2015 (انتكاسة سلم رواتب حكومة العبادي): في خضم الأزمة المالية الناجمة عن انخفاض أسعار النفط وحرب داعش، اتخذت حكومة حيدر العبادي قراراً مثيراً للجدل بتعديل سلم الرواتب العام، تضمن هذا القرار اقتطاعاً وخفضاً للرواتب الاسمية والمخصصات للدرجات العليا والمتوسطة (الأولى والثانية والثالثة)، دافعاً بمدد الترفيع والعلاوات إلى الخلف وواضعاً حداً أعلى مقيداً للرواتب الكلية، ورغم تصوير الإجراء كخطوة لتحقيق "العدالة"، إلا أنه شكّل ضربة قوية للقدرة المالية للوظيفة العامة ومثّل تراجعاً عما أقره قانون رقم 22 لسنة 2008 الأصلي.
  • كانون الأول 2020 (صدمة خفض الدينار): جاء قرار حكومة مصطفى الكاظمي بخفض قيمة الدينار العراقي أمام الدولار من (1182) إلى (1450) ديناراً، ليحقق تضخماً فورياً غير مسبوق، فقدت الرواتب بشكل مباشر نحو 23% من قيمتها النقدية، بينما قفزت أسعار السلع الاستهلاكية المستوردة التي يعتمد عليها العراق بنسبة 85%، بمعدلات بلغت 30% إلى 40%.

أزمة المحروقات المتعددة المراحل: وقوانين الضرائب

تكاملت حلقة الخنق المعيشي عبر ملف الطاقة والوقود، حيث اتخذت الحكومات المتعاقبة قرارات متتالية برفع أسعار البنزين والمشتقات النفطية (المحسن، السوبر، وزيت الغاز "الكاز") وعلى مراحل متعددة، ظهر جبل الثلج فيها مع وزير نفط سابق، ومازال الأمر مستمرا، رغم أن الدوافع انتهت.

لم تكن هذه الزيادة عبئاً على مالكي المركبات فحسب، بل امتد أثرها بشكل مركب وتلقائي ليضرب أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية، فارتفاع كلف النقل والشحن والتشغيل للمصانع وسيارات نقل البضائع، والضرائب الكارثية واسلب دفعها المعقد، الذي حله وغيره بالقضاء على منبع الفساد؛ تُرجم في الأسواق على شكل موجة غلاء جديدة، تضاعفت معها أسعار المواد الغذائية والخضروات والخدمات والطبابة، أدى هذا الرفع المستمر للوقود بالتوازي مع قوانين الجباية والتعرفة الجمركية الصارمة إلى خسارة الموظفين والمتقاعدين لأكثر من 50% من قدرتهم الشرائية الفعلية.

الالتفاف القانوني المعطل: وجوب التشريع وعجز التنفيذ

المفارقة أن المشرّع العراقي التفت مبكراً إلى خطورة التضخم والتقلبات الاقتصادية ووضع آليات تشريعية لحماية الفئات الهشة، إلا أنها جُمدت عن عمد:

1.     المادة 3 (ثانياً) من قانون رواتب موظفي الدولة رقم 22 لسنة 2008: أوجبت على مجلس الوزراء تعديل مبالغ جداول الرواتب تماشياً مع ارتفاع نسب التضخم السنوي لحماية المستويات المعيشية للموظفين.

2.     المادة 36 من قانون التقاعد الموحد رقم 9 لسنة 2014: نصت بعبارة إلزامية صريحة ("تزداد الرواتب التقاعدية كلما زادت نسبة التضخم...") لضمان عدم عجز المتقاعد الذي أفنى عمره في الخدمة عن تأمين عيشه.

قول الشارع (تزداد) صيغة وجوبية لهذه القوانين، كانت الذريعة بغياب "الوفرة المالية"، غير مبالين أن تعظيم موارد الدولة لا يجب أن تسحق مورد المواطنين، أو الإخلال بحماية الأمن المعاشي.

الآثار الاجتماعية: سحق الطبقة الوسطى واستباحة الكرامة المعيشية

نتج عن تضافر هذه القرارات الفاشلة (من تراجع درجات الرواتب، وخفض قيمة العملة، ورفع أسعار الوقود) سحق كامل للطبقة الوسطى في المجتمع، وتحول ملايين الموظفين والمتقاعدين إلى ما يشبه شريحة "الفقراء الجدد" العاجزين عن موازنة دخلهم الثابت مع سوق متضاعف الأسعار، مما أحدث فجوة طبقية وغبناً معيشياً واجتماعياً حاداً.

الرابط الحتمي بين الحاجة والانحراف الإداري

الخطر الأكبر لهذه السياسات يتجاوز الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية ليصل إلى العمق البنيوي والنزاهة للدولة، عندما يُسلب الموظف الحكومي قيمة راتبه الشرائية، ويجد المتقاعد نفسه عاجزاً عن دفع إيجار سكنه أو كلفة علاجه، فإن السلطة تفتح بنفسها الأبواب مشرعة أمام منظومة الفساد الإداري.

إن تدني الرواتب ومصادرة الحقوق يدفعان إلى شرعنة ما يُعرف بـ "الفساد الصغير" كآلية قسرية للبقاء وتحسين الدخل، وعندما يصبح الفساد الصغير مبرراً تحت وطأة الحاجة والفقر ويُقبل مجتمعياً، فإنه يوفر فوراً الحاضنة والغطاء الممتد لـ "الفساد الكبير"؛ ووسائله، والذي بإيقافه تتعاظم موارد الدولة وينعكس على الرفاهية بدل الضيق، ذلك المتمثل بمعاناة الناس واستمرار النقص في موارد الدولة.

الخلاصة: تطبيق القانون مدخل للإصلاح الشامل

هي دعوة إلى الوعي فإنصاف الموظفين والمتقاعدين، بتفعيل المادة 3 من قانون الرواتب والمادة 36 من قانون التقاعد، هذه لم تعد مجرد مطالب مالية فئوية؛ بل هي معركة للدفاع عن الأمن المجتمعي والنزاهة المؤسسية واسترداد كرامة الوظيفة العامة، كما إن صياغة سلم رواتب عادل وحقيقي يواكب التضخم المالي، ليس عبئاً مالياً إضافياً على الدولة، إن الفساد يسحق الشعب وأخذ يمس كرامتهم وهذا عظيم عند من يفهم.                                                                                  


السبت، 26 سبتمبر 2026

277- الرجولة والانوثة قيم رافعة تثبطها الانا

 المصدر عربي 21


هنالك خلط الحاد والسطحي بين المعطى البيولوجي والارتقاء القيمي، يولد الإنسان محموماً بخصائصه الجسدية وجنسه المحدد (ذكر أو أنثى)، لكنه لا ينال أبعاد إنسانيته إلا إذا هَذّب غريزته وصقل وعيه؛ من هنا، يتضح أن الرجولة والأنوثة قيمتان عقليتان ونفسيتان وثقافيتان ترتفعان تعرفها البيئة، وتثبطهما "الأنا الغريزية" والجنس البيولوجي الذي يعبر عن الغريزة.

ثنائية الانحراف.. الذكورة السلبية والأنثى المتجردة

من المؤكد أن الرجولة والأنوثة على موازين العقل والعطاء، والانا الغريزية (النرجسية) تنحرف بهما عندما تسقط المنظومة الأخلاقية، ليكون الذكر والأنثى نمطان متقابلان ومتطرفان من الأنانية والإيذاء، بلا إحساس بل يعتقدان انهما يصنعان التميز والنجاح:

- الذكورة السلبية (الغرائزية) هي حالة غريزية غير منضبطة محكومة بطلب السيطرة والبطش والإشباع الفوري لنوازع "الهو". الذكر هنا يؤذي من حوله بالتسلط الفج أو النفاق، ويرى في إخضاع الآخرين دليلاً على وجوده، وهو أبعد ما يكون عن "الرجولة" التي تعني عقلياً ونفسياً الحماية، الشهامة، وتحمل المسؤولية.

طغيان "الأنا الغريزية" على حساب قيم الرجولة والأنوثة لا يقف عند حدود تدمير العلاقات الفردية، بل يمتد ليكون عاملاً رئيساً في صناعة التخلف الشامل للمجتمعات


- الأنثى المتجردة (وهو اصطلاح لكاتب المقال): هي المقابل الجوهري والوجه الآخر للذكورة السلبية، الأنوثة هنا تنحرف لتتمحور بالكامل حول "عشق الذات المفرط". هذه الشخصية، وبفضل حضورها الاجتماعي وجاذبيتها البالغة، تتقن إدارة لعبة التعلّق؛ إنها تتجرد من قيم الاحتواء والتكامل، وتنشط لتربك الشريك والرجال من حولها مربوطين في فلكها، معلقين رهن إشارتها فقط لإرضاء كبريائها وتغذية أناها المتضخمة، إنها لا تبحث عن استقرار أو بناء أسري، بل عن "جمهور" يضمن بقاء الاهتمام مسلطاً عليها، مخلّفة وراءها استنزافاً نفسياً حاداً لمن حولها وتخلفاً وظيفياً يعيق بناء المجتمع.

في العلاقات المشوهة، لن يكون الإنتاج هدف الذكوري بل ما يمنحه السلطة منها، بينما ترتكز المتجردة على الجاذبية لكنها ستكون منتجة في صراع الأفضلية مع الذكورية.

التداعيات

طغيان "الأنا الغريزية" على حساب قيم الرجولة والأنوثة لا يقف عند حدود تدمير العلاقات الفردية، بل يمتد ليكون عاملاً رئيساً في صناعة التخلف الشامل للمجتمعات على مستويات منها:

- التخلف الفكري (غياب النضج والعقلانية)

عندما تسيطر الأنا، يتعطل العقل النقدي وتغيب الرؤية الموضوعية، يصبح الفكر عاجزاً عن تبني قيم عليا كالإيثار والعدالة، يتحول الوعي الجمعي إلى وعي بدائي متخلف يقدس المظاهر والقوة السطحية (الذكورة المستبدة أو الأنوثة الاستعراضية المتجردة) بدلاً من الانشغال بجوهر الأفكار والإنتاج المعرفي، والنفاق الاجتماعي من المحيط يعزز هذا.

- التخلف الحضاري (تفكك الحاضنة الأسرية):

أي حضارة في التاريخ تُبنى على قدرة أفرادها على التضحية بالرغبة الفردية لصالح المجموع، وبما أن الرجولة والأنوثة قيمتان تؤسسان للأسرة المستقرة (عبر التوازن بين الحماية والاحتواء)، فإن طغيان الأنا والنزعة المتجردة يضعف تماسك الأسرة من الداخل، غياب البناء الأسري المتزن يعني غياب الحاضنة الأولى لإنتاج أفراد أسوياء، مما يؤدي حتماً إلى انهيار النسيج القيمي للحضارة.

الحب لا يمكن أن نسميه حقيقيا إلا بدمج الأنا والـ"هي" في الرجولة والأنوثة ليكون الـ"هو"، أما إن برزت الذكورة لوحدها والمتجردة لوحدها فإن هذا يبقي العلاقة الهشة الغريزية التي لا تصمد أمام عواصف الزمن والمنعطفات في الحياة، لهذا فبناء علاقات الزواج اليوم ولأنها بدافع الغريزة دون التفكير بالبناء الأسري؛ نجد أنها تتفكك سريعا، فالبناء الأسري من الرجولة.. مجتمع لا يفهم هذه الأمور يتفكك بسهولة، فالعقود هي ليست عقودا جنسية وإنما عقود التزام لبناء الأسرة، وهو واجب الإنسانية في خلافة الأرض أي إقامة السلالة، فالله لا يخلف لنقول الإنسان خليفته في الأرض، فهو حي قيوم ومن يخلف يكون قد مات، وإنما تخلف السلالات.

- التخلف المدني الوظيفي (تدمير المؤسسات والمواطنة):

في الدولة المدنية الحديثة، تعتمد الوظيفة والمؤسسة على كفاءة الأداء والشعور بالمسؤولية المشتركة. لكن الشخصية التي ثبطتها الأنا الغريزية تنقل أمراضها النفسية إلى بيئة العمل:

- الذكر السلبي يحول موقعه الوظيفي إلى مساحة للتسلط الإداري، وتصفية الحسابات، وشل حركة الكفاءات.

- الأنثى المتجردة توظف بيئة العمل للاستعراض الشخصي، والتلاعب بالعلاقات، وتحقيق المكاسب الفردية على حساب الإنتاجية الجماعية. هذا الانحراف يضرب "المواطنة الوظيفية" في مقتل، حيث يغيب الصالح العام، وتتحول المؤسسات المدنية إلى مقاطعات تديرها الصراعات الشخصية الضيقة والأنانية المفرطة.

كيف ننتقل من "الغرائزية" إلى "المؤسساتية الحضرية"؟

الأنا الغريزية لا يتم ترويضها بالتمنيات الأخلاقية، بل عبر إجراءات عملية وصارمة تعيد صياغة الوعي الجمعي، وتتمثل في ثلاثة محاور رئيسية:

الأنا الغريزية لا يتم ترويضها بالتمنيات الأخلاقية، بل عبر إجراءات عملية وصارمة تعيد صياغة الوعي الجمعي


- إعادة هندسة البيئة الوظيفية (مدنياً):

* التقييم النفسي الحقيقي: إدخال اختبارات الذكاء العاطفي (EQ) واختبارات قياس السمات النرجسية كمعيار أساسي لتبوّء المناصب القيادية، لحرمان "الذكورة السلبية" من أدوات التسلط الإداري.

* الإدارة الإلكترونية، أي عزل القرارات الإدارية عن الأمزجة الشخصية والتلاعب العاطفي، بحيث تُقاس الإنتاجية بالأرقام والمستهدفات، مما يحيّد أدوات الاستعراض والتلاعب التي تتقنها "الأنثى المتجردة".

- التأهيل المعرفي الإلزامي (حضارياً وأسرياً):

* رخص القيادة الأسرية: تحويل خطوة الزواج من مجرد عقد قانوني إلى "استحقاق معرفي"، عبر دورات إلزامية تفكك المفاهيم الغريزية السطحية وتدرب الشريكين على مهارات الاحتواء الحقيقي، وتحمل المسؤولية المشتركة لبناء جيل سوي نفسياً.

* مراقبة المناهج التربوية وتحديثها باستمرار: دمج مهارات "الوعي بالذات" وضبط الأنا في المناهج المدرسية المبكرة، ليتعلم الطفل أن القوة تكمن في السيطرة على النفس والنزعات الأنانية، وليس في السيطرة على الآخرين.

- تنقية الخطاب الإعلامي (الفكري):

* انتقاء النماذج القيادي: سحب الدعم الثقافي والإعلاني عن النماذج التي تسلّع الجسد أو تكرس السفاهة الذكورية، واستبدالها بنماذج واقعية تبرز النجاح القائم على الإنتاج الفكري، والشهامة العملية، والاتزان النفسي.

خاتمة

لنبرز مصطلح "المُتَجَرِّدَة" كمقابل للذكورة، و"المرأة" من المروءة والعطاء المقابل للمرء (الرجل)، بينما تتجلى "الأنوثة" مع "الرجولة" كحالة موقف وفعل".

الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026

276 - خذوا عيني وانظروا بها الى ليلى

 


خذوا عيني وانظروا بها إلى ليلى: في تشريح الاستلاب الفكري وعطب العقل الجمعي

تستقر في الذاكرة الأدبية العربية مقولة قيس بن الملوح الشهيرة، حين انتقد جنونه فقيل ليلى لم تك جميلة وإنها لا تستحق كل هذا الجنون، فردّ بيقين المستسلم: "خذوا عيني وانظروا بها إلى ليلى". خُلدت هذه العبارة لقرون بوصفها ذروةً للعشق المتسامي، غير أن التفكيك العميق لمضمونها النفسي والوجودي يزيح الستار عن حقيقة أقسى؛ انه الجبن والضعف التام أمام ليلى، فلم تكن مقولته تعبيراً عن جمال موضوعي، بل إعلاناً صريحاً عن تعطيل أدوات إدراكه المستقلة، وعري شخصيته من أي معيار ذاتي، وتسليم منظومته العقلية لكائن آخر، لقد غدا قيس لا يرى بعينيه، بل أصبحت عينه مجرد عدسة مستحوذ عليها؛ يُملي عليه كيف يشعر ويفكر، ومن رحم هذا العجز ولدت أسطورة "الحب العذري" لتخفي تحت عباءتها شخصية هشة، فشلت في احتواء أنثى وهربت من مسؤوليات الواقع، وآثرت الهيام في القفار على التخطيط الشجاع.

بين ضحية استسلمت وعرّاب يتغذى

إن التدقيق في هذه العلاقة يكشف أنها لعبة قوة صامتة بين طرفين؛ طرف يمارس الانقياد ويتلذذ بالضعف، وطرف آخر تُجسّده ليلى التي لم تُبدِ أي مقاومة لزواجها من آخر، بل آثرت الخضوع للعرف الاجتماعي والاستمتاع بموقع "الأيقونة" والرمز المعشوق، تحوّل قيس إلى طفل يُسلب منه كل شيء دون أن يملك سوى الصراخ والشعر، بينما بقيت ليلى تمارس سلطتها المعنوية الباردة.

الخطورة هنا لا تقف عند حدود المأساة العاطفية لعاشق الوهم، بل في انتقال هذه "القيسية" بسلاسة من سلوك فردي إلى نهج فكري ومدني تجريفي تتوارثه الأجيال، وتتلبس به المجتمعات في تعاطيها مع العقائد، والأفكار، والرموز التاريخية.

سيكولوجية التبعية: الهروب من مسؤولية الوعي

من الناحية النفسية والاجتماعية، لا ينشأ هذا الاستلاب من قوة الرمز بقدر ما ينبع من "الهروب من الحرية"، يميل العقل الجمعي غريزياً إلى البحث عن مظلة تحميه من قلق الشك ومشقة الاختيار الفردي، يوفر "العرّاب" أو "الأيديولوجيا" للمجموع طمأنينة زائفة؛ حيث يُعفى الأتباع من الجهد النقدي مقابل شعور بالانتماء والقداسة، فعندما يضع المقدس بداية كلامه فهي إشارة توقف مرور التفكير يتحول التنازل عن الفاعلية العقلية ولاء وتقديس؛ وبدل الخطأ والصواب يصبح عميلا أو مخلصا في نظر العلمانيين، وكافر أو مؤمن عند المتدينين فالاعتراف بهشاشة الرمز يعني انهيار المنظومة الأمنية النفسية التي يحتمي بها التابع، لذلك يستميت في الدفاع عنه لحماية توازنه الداخلي لا لحماية الحقيقة.

من "ليلى" الشخص إلى "ليلى" الأيديولوجيا: نماذج من الواقع

في واقعنا المعاصر والتاريخ القريب، تجسدت "ليلى الأيديولوجيا" في نماذج صارخة قادت مجتمعات بأكملها نحو حتفها، رأينا ذلك في ثنائية "الزعيم الملهم" خلال القرن العشرين، حيث قادت الكاريزما الفاشية والنازية شعوباً عريقة نحو دمار شامل، وكان لسان حال الجماهير: "خذوا عيوننا وانظروا بها إلى القائد" لرؤية الحروب التوسعية كأمجاد قومية.

كما يتجلى هذا الاستلاب اليوم في "الشرانق الحزبية والمذهبية"، حيث يُطالب المنتمي بإلغاء عقله أمام فتاوى وتوجيهات "العمامة" مرشد “التنظيم"، أو تجريم الكف عن تمجيد القائد الفلتة وجعل تفاهته قدوة وعمق أيديولوجي وحين تُفكك هذه الأفكار بالمنطق والأرقام، وتُكشف هشاشتها أمام معطيات الواقع – كالأزمات الاقتصادية أو الانكسارات الميدانية – لا يلجأ التابع إلى البرهان، بل يصرخ بنفس المنهج القيسي: "خذوا عيني وانظروا بها إلى فكرتي!". إنه يطالب العالم بأن يرتدي نظارته المغلقة كي يرى الفشل نجاحاً، والانكفاء تميزاً وإنجازاً.

هنا تتجلى الكارثة المدنية حين تُقلب المعادلة العقلية الفطرية؛ فبدلاً من أن يكون المنطق هو الوسيلة لفحص الأدلة والوصول إلى القناعات يسبق "الولاء الأعمى" التفكير، ويُسخّر الفكر فقط لتبرير الإخفاق وإقصاء المخالف.

الخلط بين المعتقد والحياة المدنية

هذا العطب هو العائق الأكبر أمام قيام أي حياة مدنية راشدة، فالمدنية تُبنى على العقد الاجتماعي، المواطنة المستقلة، والمساءلة. أما عقلية "القطيع" فتقوم على علاقات تبعية صارمة (كالشيخ والمريد، أو القائد الفذ والملهم)، وهي علاقات تلغي الفردانية المسؤولة، وتُسقط معايير الإنتاج، وتُعيد إنتاج الفشل باستمرار.

لقد علمتنا تجارب الأمم أن الأفكار والرؤى لا تُقاس بجمال تنميقها البلاغي ولا بقدسية من ينطق بها؛ وإنما العبرة دائماً بالفاعلية الميدانية، ومدى الالتزام بالتخطيط والإنتاج الحقيقي، الفكرة التي لا تُنتج واقعاً مدنياً نزيهاً ومثمراً هي مجرد "شعر عذري" فارغ، لا يغني من جوع، ولا يبني حضارة.

الحصن الحصين: استعادة المنظومة العقلية

إن الحصن الحصين للإنسان هو الحفاظ على استقلالية منظومته العقلية بصلابة، إن التعلل بالحب، أو التذرع بالانتماء لرمز أو تاريخ، لا يعفي أحداً من مسؤولية التفكير النقدي والمراجعة الذاتية، ومتى ما سمح الفرد لجهةٍ ما – مهما بلغت قدسيتها – بانتزاع تفكيره، فقد خطا خطوته الأولى نحو التخلف.

حياتنا المدنية لا تريد مجانين، ولا مسلوبي إرادة يهيمون في قفار التعصب والإنكار ليبرروا عجزهم، عندما تكلمهم يأتونك بالمقدس ليسكتوك كما سكتوا هم بل يحتاج إلى عقول حرة ومستقلة؛ عقول تملك الجرأة على نقد ذواتها، وتفرّق بوعي بين الإيمان الروحي وبين إدارة الواقع بكفاءة، وترفض بصلابة أن ترى العالم بعيون الآخرين، كي لا يظل مستقبلها رهيناً لأسطورةٍ تتغذى على عجزها.

نعم قد تحب حضور ليلى وليس جمالها وهذا غالبا مع النضج يكون طبيعيا، ولكن لاتكن عاجزا ولا منقادا لنزوات استغلال ضعفك فالمرأة والحياة القويمة تحتاج من يحميها لا من بشعره يرثيها وليس مستعبدا لرأي أو فكرة وإنما لله الواحد القهار.


282 - جدلية الامة والدولة في الواقع المعاصــــــر

نشرت في عربي 21 جدلية الأمة والدولة في الواقع المعاصر تحولات جيوسياسية وتنموية متسارعة، فيما تبدو معالمها في المنطقة الإيجابي منها والسلبي...

يقظة فكرgoogle-site-verification: google25f7d3ebc2fdac29.html