https://m-salihalbdrany.blogspot.com/ فكــــــر اليقظـــــــة Mindfulnesshttps://m-salihalbdrany.blogspot.com/

بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 26 سبتمبر 2026

277- الرجولة والانوثة قيم رافعة تثبطها الانا

 المصدر عربي 21


هنالك خلط الحاد والسطحي بين المعطى البيولوجي والارتقاء القيمي، يولد الإنسان محموماً بخصائصه الجسدية وجنسه المحدد (ذكر أو أنثى)، لكنه لا ينال أبعاد إنسانيته إلا إذا هَذّب غريزته وصقل وعيه؛ من هنا، يتضح أن الرجولة والأنوثة قيمتان عقليتان ونفسيتان وثقافيتان ترتفعان تعرفها البيئة، وتثبطهما "الأنا الغريزية" والجنس البيولوجي الذي يعبر عن الغريزة.

ثنائية الانحراف.. الذكورة السلبية والأنثى المتجردة

من المؤكد أن الرجولة والأنوثة على موازين العقل والعطاء، والانا الغريزية (النرجسية) تنحرف بهما عندما تسقط المنظومة الأخلاقية، ليكون الذكر والأنثى نمطان متقابلان ومتطرفان من الأنانية والإيذاء، بلا إحساس بل يعتقدان انهما يصنعان التميز والنجاح:

- الذكورة السلبية (الغرائزية) هي حالة غريزية غير منضبطة محكومة بطلب السيطرة والبطش والإشباع الفوري لنوازع "الهو". الذكر هنا يؤذي من حوله بالتسلط الفج أو النفاق، ويرى في إخضاع الآخرين دليلاً على وجوده، وهو أبعد ما يكون عن "الرجولة" التي تعني عقلياً ونفسياً الحماية، الشهامة، وتحمل المسؤولية.

طغيان "الأنا الغريزية" على حساب قيم الرجولة والأنوثة لا يقف عند حدود تدمير العلاقات الفردية، بل يمتد ليكون عاملاً رئيساً في صناعة التخلف الشامل للمجتمعات


- الأنثى المتجردة (وهو اصطلاح لكاتب المقال): هي المقابل الجوهري والوجه الآخر للذكورة السلبية، الأنوثة هنا تنحرف لتتمحور بالكامل حول "عشق الذات المفرط". هذه الشخصية، وبفضل حضورها الاجتماعي وجاذبيتها البالغة، تتقن إدارة لعبة التعلّق؛ إنها تتجرد من قيم الاحتواء والتكامل، وتنشط لتربك الشريك والرجال من حولها مربوطين في فلكها، معلقين رهن إشارتها فقط لإرضاء كبريائها وتغذية أناها المتضخمة، إنها لا تبحث عن استقرار أو بناء أسري، بل عن "جمهور" يضمن بقاء الاهتمام مسلطاً عليها، مخلّفة وراءها استنزافاً نفسياً حاداً لمن حولها وتخلفاً وظيفياً يعيق بناء المجتمع.

في العلاقات المشوهة، لن يكون الإنتاج هدف الذكوري بل ما يمنحه السلطة منها، بينما ترتكز المتجردة على الجاذبية لكنها ستكون منتجة في صراع الأفضلية مع الذكورية.

التداعيات

طغيان "الأنا الغريزية" على حساب قيم الرجولة والأنوثة لا يقف عند حدود تدمير العلاقات الفردية، بل يمتد ليكون عاملاً رئيساً في صناعة التخلف الشامل للمجتمعات على مستويات منها:

- التخلف الفكري (غياب النضج والعقلانية)

عندما تسيطر الأنا، يتعطل العقل النقدي وتغيب الرؤية الموضوعية، يصبح الفكر عاجزاً عن تبني قيم عليا كالإيثار والعدالة، يتحول الوعي الجمعي إلى وعي بدائي متخلف يقدس المظاهر والقوة السطحية (الذكورة المستبدة أو الأنوثة الاستعراضية المتجردة) بدلاً من الانشغال بجوهر الأفكار والإنتاج المعرفي، والنفاق الاجتماعي من المحيط يعزز هذا.

- التخلف الحضاري (تفكك الحاضنة الأسرية):

أي حضارة في التاريخ تُبنى على قدرة أفرادها على التضحية بالرغبة الفردية لصالح المجموع، وبما أن الرجولة والأنوثة قيمتان تؤسسان للأسرة المستقرة (عبر التوازن بين الحماية والاحتواء)، فإن طغيان الأنا والنزعة المتجردة يضعف تماسك الأسرة من الداخل، غياب البناء الأسري المتزن يعني غياب الحاضنة الأولى لإنتاج أفراد أسوياء، مما يؤدي حتماً إلى انهيار النسيج القيمي للحضارة.

الحب لا يمكن أن نسميه حقيقيا إلا بدمج الأنا والـ"هي" في الرجولة والأنوثة ليكون الـ"هو"، أما إن برزت الذكورة لوحدها والمتجردة لوحدها فإن هذا يبقي العلاقة الهشة الغريزية التي لا تصمد أمام عواصف الزمن والمنعطفات في الحياة، لهذا فبناء علاقات الزواج اليوم ولأنها بدافع الغريزة دون التفكير بالبناء الأسري؛ نجد أنها تتفكك سريعا، فالبناء الأسري من الرجولة.. مجتمع لا يفهم هذه الأمور يتفكك بسهولة، فالعقود هي ليست عقودا جنسية وإنما عقود التزام لبناء الأسرة، وهو واجب الإنسانية في خلافة الأرض أي إقامة السلالة، فالله لا يخلف لنقول الإنسان خليفته في الأرض، فهو حي قيوم ومن يخلف يكون قد مات، وإنما تخلف السلالات.

- التخلف المدني الوظيفي (تدمير المؤسسات والمواطنة):

في الدولة المدنية الحديثة، تعتمد الوظيفة والمؤسسة على كفاءة الأداء والشعور بالمسؤولية المشتركة. لكن الشخصية التي ثبطتها الأنا الغريزية تنقل أمراضها النفسية إلى بيئة العمل:

- الذكر السلبي يحول موقعه الوظيفي إلى مساحة للتسلط الإداري، وتصفية الحسابات، وشل حركة الكفاءات.

- الأنثى المتجردة توظف بيئة العمل للاستعراض الشخصي، والتلاعب بالعلاقات، وتحقيق المكاسب الفردية على حساب الإنتاجية الجماعية. هذا الانحراف يضرب "المواطنة الوظيفية" في مقتل، حيث يغيب الصالح العام، وتتحول المؤسسات المدنية إلى مقاطعات تديرها الصراعات الشخصية الضيقة والأنانية المفرطة.

كيف ننتقل من "الغرائزية" إلى "المؤسساتية الحضرية"؟

الأنا الغريزية لا يتم ترويضها بالتمنيات الأخلاقية، بل عبر إجراءات عملية وصارمة تعيد صياغة الوعي الجمعي، وتتمثل في ثلاثة محاور رئيسية:

الأنا الغريزية لا يتم ترويضها بالتمنيات الأخلاقية، بل عبر إجراءات عملية وصارمة تعيد صياغة الوعي الجمعي


- إعادة هندسة البيئة الوظيفية (مدنياً):

* التقييم النفسي الحقيقي: إدخال اختبارات الذكاء العاطفي (EQ) واختبارات قياس السمات النرجسية كمعيار أساسي لتبوّء المناصب القيادية، لحرمان "الذكورة السلبية" من أدوات التسلط الإداري.

* الإدارة الإلكترونية، أي عزل القرارات الإدارية عن الأمزجة الشخصية والتلاعب العاطفي، بحيث تُقاس الإنتاجية بالأرقام والمستهدفات، مما يحيّد أدوات الاستعراض والتلاعب التي تتقنها "الأنثى المتجردة".

- التأهيل المعرفي الإلزامي (حضارياً وأسرياً):

* رخص القيادة الأسرية: تحويل خطوة الزواج من مجرد عقد قانوني إلى "استحقاق معرفي"، عبر دورات إلزامية تفكك المفاهيم الغريزية السطحية وتدرب الشريكين على مهارات الاحتواء الحقيقي، وتحمل المسؤولية المشتركة لبناء جيل سوي نفسياً.

* مراقبة المناهج التربوية وتحديثها باستمرار: دمج مهارات "الوعي بالذات" وضبط الأنا في المناهج المدرسية المبكرة، ليتعلم الطفل أن القوة تكمن في السيطرة على النفس والنزعات الأنانية، وليس في السيطرة على الآخرين.

- تنقية الخطاب الإعلامي (الفكري):

* انتقاء النماذج القيادي: سحب الدعم الثقافي والإعلاني عن النماذج التي تسلّع الجسد أو تكرس السفاهة الذكورية، واستبدالها بنماذج واقعية تبرز النجاح القائم على الإنتاج الفكري، والشهامة العملية، والاتزان النفسي.

خاتمة

لنبرز مصطلح "المُتَجَرِّدَة" كمقابل للذكورة، و"المرأة" من المروءة والعطاء المقابل للمرء (الرجل)، بينما تتجلى "الأنوثة" مع "الرجولة" كحالة موقف وفعل".

الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026

276 - خذوا عيني وانظروا بها الى ليلى

 


خذوا عيني وانظروا بها إلى ليلى: في تشريح الاستلاب الفكري وعطب العقل الجمعي

تستقر في الذاكرة الأدبية العربية مقولة قيس بن الملوح الشهيرة، حين انتقد جنونه فقيل ليلى لم تك جميلة وإنها لا تستحق كل هذا الجنون، فردّ بيقين المستسلم: "خذوا عيني وانظروا بها إلى ليلى". خُلدت هذه العبارة لقرون بوصفها ذروةً للعشق المتسامي، غير أن التفكيك العميق لمضمونها النفسي والوجودي يزيح الستار عن حقيقة أقسى؛ انه الجبن والضعف التام أمام ليلى، فلم تكن مقولته تعبيراً عن جمال موضوعي، بل إعلاناً صريحاً عن تعطيل أدوات إدراكه المستقلة، وعري شخصيته من أي معيار ذاتي، وتسليم منظومته العقلية لكائن آخر، لقد غدا قيس لا يرى بعينيه، بل أصبحت عينه مجرد عدسة مستحوذ عليها؛ يُملي عليه كيف يشعر ويفكر، ومن رحم هذا العجز ولدت أسطورة "الحب العذري" لتخفي تحت عباءتها شخصية هشة، فشلت في احتواء أنثى وهربت من مسؤوليات الواقع، وآثرت الهيام في القفار على التخطيط الشجاع.

بين ضحية استسلمت وعرّاب يتغذى

إن التدقيق في هذه العلاقة يكشف أنها لعبة قوة صامتة بين طرفين؛ طرف يمارس الانقياد ويتلذذ بالضعف، وطرف آخر تُجسّده ليلى التي لم تُبدِ أي مقاومة لزواجها من آخر، بل آثرت الخضوع للعرف الاجتماعي والاستمتاع بموقع "الأيقونة" والرمز المعشوق، تحوّل قيس إلى طفل يُسلب منه كل شيء دون أن يملك سوى الصراخ والشعر، بينما بقيت ليلى تمارس سلطتها المعنوية الباردة.

الخطورة هنا لا تقف عند حدود المأساة العاطفية لعاشق الوهم، بل في انتقال هذه "القيسية" بسلاسة من سلوك فردي إلى نهج فكري ومدني تجريفي تتوارثه الأجيال، وتتلبس به المجتمعات في تعاطيها مع العقائد، والأفكار، والرموز التاريخية.

سيكولوجية التبعية: الهروب من مسؤولية الوعي

من الناحية النفسية والاجتماعية، لا ينشأ هذا الاستلاب من قوة الرمز بقدر ما ينبع من "الهروب من الحرية"، يميل العقل الجمعي غريزياً إلى البحث عن مظلة تحميه من قلق الشك ومشقة الاختيار الفردي، يوفر "العرّاب" أو "الأيديولوجيا" للمجموع طمأنينة زائفة؛ حيث يُعفى الأتباع من الجهد النقدي مقابل شعور بالانتماء والقداسة، فعندما يضع المقدس بداية كلامه فهي إشارة توقف مرور التفكير يتحول التنازل عن الفاعلية العقلية ولاء وتقديس؛ وبدل الخطأ والصواب يصبح عميلا أو مخلصا في نظر العلمانيين، وكافر أو مؤمن عند المتدينين فالاعتراف بهشاشة الرمز يعني انهيار المنظومة الأمنية النفسية التي يحتمي بها التابع، لذلك يستميت في الدفاع عنه لحماية توازنه الداخلي لا لحماية الحقيقة.

من "ليلى" الشخص إلى "ليلى" الأيديولوجيا: نماذج من الواقع

في واقعنا المعاصر والتاريخ القريب، تجسدت "ليلى الأيديولوجيا" في نماذج صارخة قادت مجتمعات بأكملها نحو حتفها، رأينا ذلك في ثنائية "الزعيم الملهم" خلال القرن العشرين، حيث قادت الكاريزما الفاشية والنازية شعوباً عريقة نحو دمار شامل، وكان لسان حال الجماهير: "خذوا عيوننا وانظروا بها إلى القائد" لرؤية الحروب التوسعية كأمجاد قومية.

كما يتجلى هذا الاستلاب اليوم في "الشرانق الحزبية والمذهبية"، حيث يُطالب المنتمي بإلغاء عقله أمام فتاوى وتوجيهات "العمامة" مرشد “التنظيم"، أو تجريم الكف عن تمجيد القائد الفلتة وجعل تفاهته قدوة وعمق أيديولوجي وحين تُفكك هذه الأفكار بالمنطق والأرقام، وتُكشف هشاشتها أمام معطيات الواقع – كالأزمات الاقتصادية أو الانكسارات الميدانية – لا يلجأ التابع إلى البرهان، بل يصرخ بنفس المنهج القيسي: "خذوا عيني وانظروا بها إلى فكرتي!". إنه يطالب العالم بأن يرتدي نظارته المغلقة كي يرى الفشل نجاحاً، والانكفاء تميزاً وإنجازاً.

هنا تتجلى الكارثة المدنية حين تُقلب المعادلة العقلية الفطرية؛ فبدلاً من أن يكون المنطق هو الوسيلة لفحص الأدلة والوصول إلى القناعات يسبق "الولاء الأعمى" التفكير، ويُسخّر الفكر فقط لتبرير الإخفاق وإقصاء المخالف.

الخلط بين المعتقد والحياة المدنية

هذا العطب هو العائق الأكبر أمام قيام أي حياة مدنية راشدة، فالمدنية تُبنى على العقد الاجتماعي، المواطنة المستقلة، والمساءلة. أما عقلية "القطيع" فتقوم على علاقات تبعية صارمة (كالشيخ والمريد، أو القائد الفذ والملهم)، وهي علاقات تلغي الفردانية المسؤولة، وتُسقط معايير الإنتاج، وتُعيد إنتاج الفشل باستمرار.

لقد علمتنا تجارب الأمم أن الأفكار والرؤى لا تُقاس بجمال تنميقها البلاغي ولا بقدسية من ينطق بها؛ وإنما العبرة دائماً بالفاعلية الميدانية، ومدى الالتزام بالتخطيط والإنتاج الحقيقي، الفكرة التي لا تُنتج واقعاً مدنياً نزيهاً ومثمراً هي مجرد "شعر عذري" فارغ، لا يغني من جوع، ولا يبني حضارة.

الحصن الحصين: استعادة المنظومة العقلية

إن الحصن الحصين للإنسان هو الحفاظ على استقلالية منظومته العقلية بصلابة، إن التعلل بالحب، أو التذرع بالانتماء لرمز أو تاريخ، لا يعفي أحداً من مسؤولية التفكير النقدي والمراجعة الذاتية، ومتى ما سمح الفرد لجهةٍ ما – مهما بلغت قدسيتها – بانتزاع تفكيره، فقد خطا خطوته الأولى نحو التخلف.

حياتنا المدنية لا تريد مجانين، ولا مسلوبي إرادة يهيمون في قفار التعصب والإنكار ليبرروا عجزهم، عندما تكلمهم يأتونك بالمقدس ليسكتوك كما سكتوا هم بل يحتاج إلى عقول حرة ومستقلة؛ عقول تملك الجرأة على نقد ذواتها، وتفرّق بوعي بين الإيمان الروحي وبين إدارة الواقع بكفاءة، وترفض بصلابة أن ترى العالم بعيون الآخرين، كي لا يظل مستقبلها رهيناً لأسطورةٍ تتغذى على عجزها.

نعم قد تحب حضور ليلى وليس جمالها وهذا غالبا مع النضج يكون طبيعيا، ولكن لاتكن عاجزا ولا منقادا لنزوات استغلال ضعفك فالمرأة والحياة القويمة تحتاج من يحميها لا من بشعره يرثيها وليس مستعبدا لرأي أو فكرة وإنما لله الواحد القهار.


السبت، 19 سبتمبر 2026

275 - سلوك الامم بعيدا عن القيم

 

وجوه بلا ملامح

الأزمة الراهنة ليست في غياب القيم، بل في "تسييل القيم". العشيرة أو المجتمع المصغر الذي يستقبل الفاسد كالمنتصر وقد كانت العشيرة تطرد لمجرد المخالفة (تخلعه) لأنه عار، ليس جهلاً بأنه فاسد، بل لأن هنالك إعادة تعريف "الافتخار" بناءً على المنفعة العينية المباشرة، الفاسد هنا يُنظر إليه كـ"صائد مغانم" وليس خائنا للأمانة، والاعتداء عليه يُترجم كاعتداء على النفوذ السياسي للعشيرة، وتغيب العدالة في فورة العصبيات، وفقدان للفتات.

هذا المجتمع هو نتيجة ولادة مزقت رحم الأمة بدأت بتسفيه الطاقات ورفض إمكانية الإصلاح واليأس من الذات في الإنتاج، فالعبقري منهم إنسان عادي فيحبطوه، فهو يضيف مسؤوليات، وأما التافه فيمجدوه. وهكذا فُقدت الثقة بالنفس وأحبطت عناصر الإصلاح ليبقى القطيع وغرائزه، فلا تقل نحن كنا أمة كذا ولا ترثي أو تحتقر أهلك أيضا، وإنما استعلي لترى لا لتتكبر وتعرف المسار السالك بدل الدوران في دائرة الخرفان.

عولمة الفساد البراغماتي

حين ننطلق من "حلف الفضول"، نجد أن فلسفته الأساسية قامت على فكرة "كبح جماح فائض القوة المتغطرسة"، لقد أدرك عقلاء مكة أن ترك النفوذ القبلي (العاص بن وائل) يسحق القيمة الأخلاقية (حق الغريب المستضعف) سيؤدي حتماً إلى انهيار السلم الأهلي وجعل المجتمع غابة، حتى الوجدان الجاهلي إذن أدرك حينها أن ترك الظلم يمر دون رادع قيمي سيحول المجتمع حتماً إلى غابة تلتهم في النهاية صانعيها.

اليوم، المشهد ينعكس عالمياً بشكل مرعب؛ فما يحدث في أعتى الديمقراطيات الغربية كالولايات المتحدة الأمريكية ليس بعيداً عما يحدث في بنية العشيرة المحلية، عندما يتحدث زعيم سياسي بحجم دونالد ترامب -أو من يمثّل تياره- بلغة "الصفقات المالية المشروطة" والوعود النفعية المباشرة الموجهة لفئات أو أحزاب لضمان المكاسب، فإننا أمام "تراجع بنيوي لقيم الديمقراطية" وتحللها إلى "براغماتية نفعية فجة".

هذا التسونامي العالمي لا أدري فيه من يقتبس ممن! فلم يعد الفاسد خارجا عن سياق العصر، بل يرى نفسه "تلميذاً نبيهاً" مع قوة تمنح الحصانة، ومال يشتري الشرعية.

عبقرية حلف الفضول لم تكن في كرم المشاركين، بل في تحويل "المروءة" من شعور قلبي إلى "تحالف تنفيذي". المفكر اليوم عاجز لأنه يعرض "أفكاراً مجردة" وهذه بضاعة كاسدة، حيرة المفكر والمثقف اليوم لا تنبع من جهله بالحلول، بل من "عقم أدواته" أمام أدوات السياسة الحديثة، المفكر يملك "الحجة والتحليل الوجداني والتاريخي"، بينما "السطحيون الجدد" يملكون السلطة التنفيذية والمالية، أدوات التوجيه الجمعي (الخوارزميات ووسائل التواصل).

في الماضي، كانت المؤسسات (سواء كانت مؤسسة الدولة الحديثة أو مؤسسة العشيرة التقليدية المحكومة بأعراف المروءة) تعمل ككوابح، اليوم، تم تفكيك هذه المؤسسات أو "تسييلها" لتصبح مجرد أدوات في يد الفرد القوي. العشيرة التي كانت تطرد الفاسد لحماية اسمها، أصبحت تُختزل في قرار "نخبة براغماتية" داخلها تحدو لها الأمنيات، والدولة التي تدخلت فيها أمريكا لنشر "الديمقراطية" تحولت إلى مسوخ مشوهة، لأن النموذج المُصَدَّر إليها كان مشوهاً أساساً ويقوم على المحاصصة والغنائم، مما جعل البيئة المحلية تتقبل الفساد كـ"آلية بقاء" وليس كانحراف.

خاتمة:

المحاباة في مقاومة الفساد كالسوسة في كوخ من خشب مدهون، تراه لامعا جميلا ولكن لمسة واحدة كافية ليتحول هباءً منثورا وكأنه لم يكن. تسييل القيم عندما تتحول الأخلاق من كوابح ثابتة إلى أدوات لسانية مرنة لخدمة المنفعة، فيُعاد إنتاج الفاسد شعبياً كمنتصر يعدّ نوعا من السادية مستحدثا.

تحول المضايف من منابر لإعانة المظلوم وسد ذريعة الشر، إلى منصات لإصدار بيانات تدافع عن المتهمين بتبديد المال العام بذريعة "الكيدية السياسية"، هو الدليل القاطع على فقدان المعايير الأصيلة التي كانت تعطي الشرعية والحصانة والاحترام لأي منظومة تحولت سلوكيا إلى بؤرة ظلم وتنمر، وغياب الثقة بمنظومة الدولة ومؤسساتها، وهذا له ما يبرره واقعا في سلوك السلطة.

خطورة الأزمة اليوم لا تكمن في وجود الفاسد، فالمنحرفون موجودون في كل زمان ومكان، ولكن الخطورة تكمن في سقوط كوابح الإنكار المجتمعي، عندما تتحول مجالس تزعم الرأي العام إلى منصات لتبرير الانتهاكات وإسباغ الشرعية على المتهمين بتبديد مقدرات العامة، ولا تنصر المظلومين، فإننا ننتقل من الفساد الفردي إلى التحلل الهيكلي؛ وعندما تذهب السلطة إلى الحلقات الضعيفة بل وتؤيد مخاوف المترددين في نصرة المنحرفين عندما تستخدم القوة أو القانون بتحريك الشكاوى؛ تفقد الطهارة الأخلاقية الكاملة في نظر الناس، خصوصا وأنها تترك رؤوس الفساد فسيعود هؤلاء المدانون بشكل آخر ربما أكثر جشعا.

فظاهرة الإخلاف ليست في العظايا بل أسرع منها في الفساد، "، فالفاسد مفضوح إلا أمام نفسه، فهو وحده يظن أنه غير مكشوف وكل التبريرات التي يسوقها محض مادة تندر للجمهور، وهذا سيجعل الفساد مبررا عند كل متمكن من اختلاس أو نهب بحجة أخذ الحق المنهوب، حيث يتحقق فينا التوصيف القرآني الصدّام لآليات الانهيار الحضاري: "كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ". هذا الصمت والتواطؤ النفعي الجمعي هو "لبئس ما يفعلون"، لأنه يشرعن الغابة ويهدم ما تبقى من أساسات الأخلاق العامة، ويكون البنيان آيلا للسقوط مهما دُعِّم بالاستبداد. قال رسول الله: "إنَّما أهْلَكَ النَّاسَ قَبْلَكُمْ، أنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وإذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أقَامُوا عليه الحَدَّ".

الفيلسوف اليوناني أنارسيس (Anacharsis) الذي زار أثينا في القرن السادس قبل الميلاد؛ له عبارة شهيرة يُبنى عليها هذا الوصف الفلسفي الساخر:"إن القوانين مثل بيوت العنكبوت، تصطاد الحشرات الصغيرة والضعيفة، ولكن الطيور الكبيرة والأقوياء يمزقونها ويمرون عبرها، فيُعاقب ظل الغني ويُجلد جسد الفقير".

السبت، 12 سبتمبر 2026

274 - جبر الخواطر ــــمسؤولية الانسان ولطف الرحمن

 رابط عربي 21

"لا يكون السؤال: ماذا فعل المجتمع بي؟ بل: ماذا سأفعل أنا بعد أن عرفت ما فعله المجتمع بي
(ومضة: في مقابلة متلفزة، قال السيد مسعود البرزاني ما معناه، "الله خلقني كرديا أنا لم أختر ذلك")

لا اختيار للبداية وربما للنهاية

الكل يولد في أسرة لم يخترها، ووسط مجتمع قائم قبله، ويتلقى لغة أهله وعاداتهم وأفكارهم وأحكامهم قبل أن يمتلك القدرة على فحصها، وقد يجد نفسه، حين يكبر، في مجتمع يحمل أخطاءً وصراعات لم يصنعها، ويتخذ أسلوبها بحكم التقاليد التي لم يقر بنودها أيضا فيقضي حياته وهو يصلح نتائج لم يكن سبباً فيها، أو يدافع عن أمور لم يخترها، أو يتعلم كيف ينجو مما ضع وليس كيف يعيش، لكن الخطر يبدأ حين تتحول الظروف إلى نهاية للتفكير.

وقد يتعلم الإنسان في بيئة مضطربة كيف يصمت في الوقت المناسب، وكيف يتجنب الصدام، وكيف يحمي نفسه، ثم تمر السنوات ويكتشف أنه أتقن التكيّف، ويستخدم مهاراته لتعميق بصمة غيره، وقد يكتشف أنه ولحرصه قد تألم كثيرا وكان قاسيا أحيانا، وينظر إلى آخرين وقد كوّنوا ما يراه مجتمعا مريضا، وما يرونه هم أنها عملية الخلاص من سجن الإرث المغيب عن الواقع، فيتأسى لخدمة أناس أنكروه مع صياح الديك فجر يوم عصيب.

هنا تبدأ المسؤولية؛ ألا يبقى الإنسان مجرد نتيجة لما صنعه الآخرون، وأن يقرر ماذا يُبقي مما ورثه وماذا يوقف مما ورث عنده،


هنا لا يكون السؤال: ماذا فعل المجتمع بي؟ بل: ماذا سأفعل أنا بعد أن عرفت ما فعله المجتمع بي؟ فالظروف تفسر بعض ما نحن عليه، لكنها لا تستطيع أن تفكر بدلاً عنا إلى الأبد، قد يكون الأب قاسياً لأن أباه كان قاسياً، وقد يرث الابن خوفاً لم يعش سببه، لكن عند لحظة معينة يصبح عليه أن يقرر: هل أنقل ما ورثته إلى من بعدي، أم أوقفه عندي؟ وهنا التضحية وهنا جبر الخاطر له ولمن معه.

وهنا تبدأ المسؤولية؛ ألا يبقى الإنسان مجرد نتيجة لما صنعه الآخرون، وأن يقرر ماذا يُبقي مما ورثه وماذا يوقف مما ورث عنده، وهذه المسؤولية عن النفس هي أيضاً المدخل إلى جبر الخواطر؛ فمن عرف من تجربته أن الإنسان قد يحمل آثار أشياء لم يخترها، يصبح أقدر على فهم الآخرين، لا لأنه يعفيهم من المسؤولية، بل لأنه يدرك أن الإنسان أمامه قد يكون قد وصل إليه من طريق طويل لا يعرفه كاملاً. وهنا الفرق بين الإنسان العادي والقيادي؛ الإنسان العادي سيمشي بنفس المسار وابتكاره فيه لا بتصويبه؛ أما القيادي يتأمل يصوب يصحح يتراجع يتقدم وينعطف بالمسار إلى الطريق المثلى.

فالنجاة ضرورة في زمن الخطر، لكنها ليست فلسفة للحياة، ومن يقضي عمره كله متعلماً كيف يتجنب السقوط قد يكتشف في النهاية أنه لم يتعلم كيف يمشي إلى حيث يريد، لكن علينا أن نعرف المعاني بظروفها.

الظروف تفسر كثيراً مما نحن عليه، لكنها لا تستطيع أن تكون عذرنا الأخير، فبعد أن يدرك الإنسان ما ورثه وما أصابه، يبقى أمام سؤال لا يستطيع أحد الإجابة عنه نيابةً عنه: ماذا سأفعل أنا بنفسي؟ وهنا تبدأ المسؤولية، لا في رفض الماضي كله ولا في الدفاع عنه كله، بل في القدرة على التمييز بين ما اقتنعنا به وما بقينا نحمله لمجرد أننا وجدناه قبل أن نبدأ التفكير، وهذا أيضا جبر خاطر للأمة والمجتمع، نحاسب أنفسنا وغيرنا ولكن لا انتقام ولا إذلال بل بكرم نجعله طبعا وسجية.

ثورة الانكسار

كما جبر خاطر الغني للفقير، أو القوي للضعيف، فقد يجبر الفقير خاطر الغني، وقد يجبر الطفل خاطر أبيه، وقد تكون كلمة من إنسان بسيط هي الجبر، فلا يمنع الحزنَ مُلْكٌ، ولا تمنع القوةُ انكساراً، لكن الجبر إرضاء لله، فاجبر ولا تسأل لأن السؤال أحيانا يولد انكساراً.

نحن لا نختار دائماً كيف تبدأ قصتنا، لكننا نختار ماذا نفعل بما ورثناه منها، لا نقول مجتمع مريض أضاع عمرنا وأننا لم نعش حياتنا، وإنما عشنا نهرب من الأيام والحوادث، بل نفكر ونعيد بناء حياتنا


ألم تر امرأة تفعل كل الدعم والجبر بصمت لكنها تحتاج جبرا لتجبر؛ فيغفل من يجب عليه العطاء! هي الأرض تحتاج رعاية لتعطي، وكم نرى من رجال ونساء يحاولون تعويض ما فات ولا يتنبهون إلى أنهم يضحون بما بقي والمآل ولا يظنون أن هنالك من يريد لهم الخير؛ بالحب والإسناد. وهنا ترى خواطر كسرت ولم تجبر فثارت كالبراكين في كل الاتجاهات، تكسر الخواطر بجنوح الأنا بلا مبالاة، وكما الحليم إن غضب تتحطم المعاني عند من كسر خاطره ولم يجبر؛ وتتبعثر الكلمات.

عمل الرحمن وفضيلة الإنسان

في قصة نوح وابنه حقيقة موجعة يعرفها كل من أحب إنساناً: أننا لا نستطيع دائماً أن نختار عن الذين نحبهم، يبقى الابن ابناً، لكن اختياره لا يصبح اختيار أبيه، "وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ". قال نوح انه ابني، كسر خاطر نوح أن ابنه لم يؤمن به، فجبر الله خاطره أن لم يُرِهِ موته.

الخاتمة: الفارس لا يستخف بآخر سهامه

نحن لا نختار دائماً كيف تبدأ قصتنا، لكننا نختار ماذا نفعل بما ورثناه منها، لا نقول مجتمع مريض أضاع عمرنا وأننا لم نعش حياتنا، وإنما عشنا نهرب من الأيام والحوادث، بل نفكر ونعيد بناء حياتنا. ومهما أدركنا الأمر متأخرا، فإننا قد نعدل مسارا يتّبعه من بعدنا ليصنع الحياة، ولا نقول العمر هدرا مضى والوقت على تداركه فات، لأن الفارس لا يُستخف بآخر سهامه، فآخر السهام أمضاها وإن كانت جبرا للخواطر فهي أسماها.


السبت، 5 سبتمبر 2026

272 - السؤال الخطأ وصفة لانهيار البلاد

 رابط المصدر غربي 21


سأل أفلاطون: كيف تجعلون هذا الخط أقصر دون أن تلمسوه أو تمحوا منه شيئاً؟ وكان قد رسم خطا مستقيما، سكت الجميع ليجيب أرسطوطاليس بخط آخر بجانبه ولكنه أطول منه بكثير.

المشكلة ليست دوما هي السؤال ولكن بمنطق السؤال ومنطق الحل الذي تعطيه، وهي من معالم النسبية في كل أمر منظور في السياسة والإصلاح الاقتصادي. العمل الجاد، ليس بالضرورة أن آتي إلى نظام عامل مستقر لأحذف منه أو أضيف، بل أن أضع نظاما موازيا وتجري معه دراسات ورقابة وإحصاءات وفهم لرد فعل المواطن وهل وضعه انتقل للرفاهية أم زادت عذاباته، آتي لوضع نظام يتجنب السلبيات، فليس تعظيم الموارد في الدولة أن تجلب لها المال من الشعب الذي هو السياج الحصين لقلعة الدولة. حجر إثر حجر ستفتح ثغرة وربما ينهار جانب أو كل جدار القلعة، خصوصا إن كنت في أرض تملؤها القوارض وحفرت الأرض لأعشاشها التي تزفر الطاعون وباتت الأسس فوق أرض ليست سميكة وما انفكت أواصر تماسكها تقطع كل يوم.

تحسين الوضع ليس بإضعاف القلعة وإنما القضاء على القوارض الأصلية وجحورها، وليس أفراخها فقط ولا أعشاش القصب، الحل برسم خط أطول أو دائرة أوسع تعزز من حماية قلعة الشعب لأكون متحصنا فيها بلا ثغرات.

سؤال منسوب لأينشتاين:

هنا يظهر الفرق بين حل المشكلة وحل السؤال؛ فقد ننجح في تنفيذ الحل المطلوب، ثم نكتشف أن المشكلة التي كنا نعالجها لم تكن هي المشكلة الحقيقية


"خرج رجلان من مدخنة منزل، أحدهما وجهه متسخ بالرماد والسواد، والآخر وجهه نظيف تماماً. مَن منهما سيغسل وجهه؟".. سارع الطلاب بالقول: "الرجل صاحب الوجه المتسخ بالطبع"! وعندما قال خطأ؛ ارتدوا ليقولوا "إذن، صاحب الوجه النظيف هو من سيغسل وجهه". رد أينشتاين: "السؤال نفسه غير منطقي من الأساس! كيف يمكن لرجلين أن ينزلا من مدخنة واحدة، فيخرج أحدهما نظيفاً والآخر متسخاً؟".

في هذا المثل يجب أن نبحث عن العبرة والحكمة من القصة: السؤال قبل الحل.

التشكيك في الفرضيات: قبل أن تبحث عن حل لأي مشكلة، تأكد أولاً من صحة المعطيات والسؤال نفسه؛ فكثير من المشاكل تكون وهمية أو مبنية على فرضيات خاطئة.

فإذا كان السؤال: كيف نزيد إيرادات الدولة؟ فسوف ينصرف التفكير بصورة طبيعية إلى البحث عن مورد جديد أو زيادة مورد قائم، أما إذا كان السؤال:كيف نزيد قدرة الدولة المالية من دون أن نضعف القدرة الاقتصادية للمواطن؟ فإن مجال الحل يتسع، ويدخل فيه الإنتاج والاستثمار وتقليل الهدر وتحسين الإدارة ومكافحة التسرب المالي، لا مجرد زيادة ما يدفعه المواطن.

وهنا يظهر الفرق بين حل المشكلة وحل السؤال؛ فقد ننجح في تنفيذ الحل المطلوب، ثم نكتشف أن المشكلة التي كنا نعالجها لم تكن هي المشكلة الحقيقية.

ميزان الأثر لا ميزان الإيراد

مفهوم النسبية: نحن نرى أنفسنا غالباً من خلال انعكاسنا في عيون الآخرين (مثلما نظر الرجل النظيف إلى المتسخ)، وهو ما قد يمنحنا رؤية مضللة عن حقيقتنا.

ليس كل ما يدخل خزينة الدولة دعما لها، ولا كل ما يخرج منها خسارة بالضرورة، فالمبلغ الذي تنفقه الدولة على دراسة جيدة، أو نظام رقابة، أو تطوير قاعدة معلومات، أو اختبار مشروع قبل تعميمه، قد يبدو في الموازنة إنفاقاً إضافياً، لكنه قد يمنع خسارة أكبر بكثير، وفي المقابل، قد يبدو تحصيل إيراد جديد نجاحاً مالياً إذا نظرنا إليه من داخل الخزينة فقط، بينما يكون أثره خارجها زيادة في كلفة الإنتاج أو النقل أو الغذاء، وانخفاضاً في القوة الشرائية، ثم تراجعاً في النشاط الاقتصادي، وزيادة أسعار البنزين في العراق عام 2006 كان الشرارة لتضخم ما زالت تتدحرج كرته.

ولهذا ينبغي أن يكون السؤال الأصح: ما الأثر الصافي للقرار على الدولة والمواطن والاقتصاد معاً؟ فالدولة ليست خزينة منفصلة عن المجتمع؛ خزينة الدولة في النهاية تتحرك داخل اقتصاد يصنعه الناس وينفقون فيه وينتجون ويستهلكون ويدخرون، لننظر إلى تقييمات المؤسسات الدولية.

القرار ليس تجربة تُجرى على بلد كامل

في الهندسة لا نهدم المنشأة القائمة لمجرد أن لدينا تصوراً لمنشأة أفضل؛ بل نصمم البديل، ندرسه، نختبره، ونقيس أداءه، ثم نقرر الانتقال إليه. والإصلاح الاقتصادي والإداري لا يختلف في جوهره.

ينبغي أن تنتقل الدولة من سؤال: هل نفذنا القرار؟ إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا حدث للمجتمع بعد أن نفذنا القرار؟ ومن القرار الفردي إلى دورة القرار المؤسسي، فالقرار الاقتصادي والسيادي ليست رأياً وإنما وفق السياقات العلمية المعروفة من الموازنة إلى الموازنة مرة أخرى


يمكن للدولة أن تنشئ نظاماً موازياً محدود النطاق، يخضع للدراسة والرقابة والإحصاء، ثم تقارن نتائجه بالنظام القائم، فإذا أثبت النظام الجديد أنه أكثر كفاءة وأقل كلفة وأكثر نفعاً للمواطن، أمكن توسيعه تدريجياً، وبذلك لا يصبح المواطن كله مختبراً لقرار واحد، ولا تصبح الدولة مضطرة إلى التراجع بعد أن تكون كلفة التجربة قد أصابت المجتمع بأكمله.إن الإصلاح الرشيد لا يبدأ دائماً بإزالة النظام القائم، بل قد يبدأ ببناء نموذج أفضل إلى جواره، وهذا ليس ترفاً مؤسسياً.

من القرار النرجسي إلى القرار المتواضع

نرجسية القرار في منطقه الداخلي، ومعياره هو ما يحدثه بعد التنفيذ: هل انخفضت الكلفة؟ هل ارتفع الإنتاج؟ هل تحسنت قدرة الأسرة على العيش؟ هل ازداد الاستثمار؟ هل تحسنت الخدمة؟ وهل أصبح المجتمع أكثر قدرة على تحمل المستقبل؟

لذلك ينبغي أن تنتقل الدولة من سؤال: هل نفذنا القرار؟ إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا حدث للمجتمع بعد أن نفذنا القرار؟ ومن القرار الفردي إلى دورة القرار المؤسسي، فالقرار الاقتصادي والسيادي ليست رأياً وإنما وفق السياقات العلمية المعروفة من الموازنة إلى الموازنة مرة أخرى.

وفي هذه الدورة يكون لمراكز الدراسات المستقلة، والجامعات، ومؤسسات المجتمع المدني المتخصصة، والرقابة المهنية؛ دور حقيقي، لا دور شكلي، وقد تكون لهذه العملية كلفة محدودة، لكنها ينبغي أن تُفهم باعتبارها كلفة حماية للمال العام لا عبئاً عليه. فالإنفاق على معرفة القرار قبل اتخاذه قد يكون أقل بكثير من كلفة إصلاح قرار خاطئ بعد تعميمه.

الدولة التي تقوى من الداخل

ولذلك فإن تعظيم موارد الدولة لا ينبغي أن يعني دائماً البحث عن مورد جديد من المواطن؛ فالمواطن نفسه هو جزء من القاعدة التي تقوم عليها الدولة، كل زيادة في العبء عليه ينبغي أن تُقاس بما تولده من إيراد، وبما قد تسحبه في المقابل من قدرته على الاستهلاك والإنتاج والاستثمار والادخار.

نخبة البلد تصمم ثريات تحملها السقوف، وإن لم تدخل غينيس بحجمها، أما الموارد التي تضيع بسبب ضعف الإدارة والفساد، فهي ثغرات في جدار الدولة، وإننا لن نصلح الشقوق بتغطيتها وهي تشير إلى أسس منخورة، بل بملء الفجوات.

الجمعة، 28 أغسطس 2026

271: كيسنجر: جواب لقراءة افتراضية حول العراق

 رابط عربي 21


منهج كيسنجر:

على الرغم من أن ما نشر على لسان كيسنجر أراه لا يتسق مع عبقرية كعبقرية كيسنجر، فأغلبه يبدو قراءة وتحليل ذكي للكاتب، لكن سأفترض صحته لأهمية التصور المبعثر هذا.

أي مفكر عندما يكتب يستحضر تاريخ أمته عمليا، وكيسنجر ليس بدعا من القول خصوصا عندما يناقش منطقة المتوسط الإسلامي، فهو يتحدث منطلقا من نظريات مدنية، دون تفهم للحضارة الفكرية للمنطقة، خصوصا عندما ضرب مثلا بداعش عن الإسلام العابر للحدود، متجاهلاً أن هذا التنظيم، حسب ما تواتر من تسريبات وشهادات وتحليلات متعددة، وُجد في بيئة تداخلت فيها أجهزة مخابرات دولية باتفاقات متباينة النفوذ، وهو ليس الإسلام الصالح لإدارة الحياة في واقعنا كما يفكر به أغلب النخب.

الإسلام غائب وليس له وجود كفكر، والموجود هو التدين الغريزي غالبا، وهو منقطع عن إدارة الواقع منذ زمن طويل. الإسلام غايته العدل والسلطة وسيلة، وهذا غير موجود بينما السلطة غاية كما هو دارج في نظم اليوم، أما المدنية فهي تراكم جهد بشري عالمي ممكن أن ترشَّد بالسلوك الإسلامي المنبعث من جذور القيم، وليس السلوك الجالس على منضدة النفعية فحسب كما نمط الحداثة التي تحتضر اليوم.

فهم كيسنجر للمذاهب كأنها طوائف؛ وواقعاً، أن هنالك فرقاً بين المذاهب التي لا غبار عليها وبين الطائفية التي تقع تحت تأثير السياسة، ومجموعة ذات مصالح، غالبا فاسدة لأنها منفلتة أو مشوهة للقيم الحقيقية التي تزعمها، سواء يزعمون الإسلام مثلا أو الزعم بحماية وانتماء لمذهب. وهذا لا يحتاج إثباتا، فهو أكثر افتضاحا من قرد البابون، فالتداخلات لم تكن بالصيغة التي وصفها وإنما هنالك نوع من تداخل المصالح وركوبها على الطائفة أو العرق، لكن واقعا أن هذا محض أسلوب تخفّي كما يظل الليل وظلامه أي نهّاب.

بريطانيا العراق:

بريطانيا أتت بحكم الاستراتيجية واحتلت العراق واكتشاف النفط ثبتها فيه، لكنها أزالت عن أكتافها كل أوزارها في العراق من استخدام الناس، الهاربين من أوطانهم في الليفي ثم توطينهم بلا سند قانوني، ولم تكن تفكر بالعراق أكثر من الهند لولا تغيير العوامل الجيوسياسية، وتنبه الهنود وتغيير تكتيكاتهم من اجل الاستقلال، فنشأ العراق دولة صعبة المراس تركتها بريطانيا مع ما فيها من الألغام التي تفجرت على العراقيين. فلم تعمل على تكييف أمة نشأت بلا حدود لتتعامل مع الحدود، وتركت كل أيديولوجيات العالم الفاشلة تدخل قوالب على مجتمع عشائري يتعامل بتوازنات اعتاد إحكامها مع السلطات.

فالقومية التي فشلت في الغرب أتت إلى المنطقة، والشيوعية التي لم تتجاوز الاشتراكية طيلة فاعليتها إلى أن انتهت دخلت في العراق، والدعوات الإسلامية التي تشوهت بالتضييق والسجون والمنع لم تكوّن مراكز دراسات وإنما بقيت تنظر إلى الخلف كنظرة أي فاشل يطلب الملامح الطيبة والزمن الجميل في ماضيه، حتى إنهم لم يحسنوا تصريف أمورهم، وربما لو تركوا لكانوا الأقرب إلى نظام جديد أفضل من الوستفالي المكسور (وأظن كيسنجر سيقول هذا)؛ نظام مدني، لأن الإسلام أصلا قابل وقادر على إنتاج الآليات، لكن حملات التشكيك والحروب الكلامية والسجون التي ما زالت مستمرة إلى يومنا هذا، لم تعطِ الفرصة للمنطقة لتشكل شخصيتها، وتنتج نظامها الذي يتعامل مع العالم وفق الأساليب المدنية وليس من خلال المصلحة الضيقة التي اختلت بالتجربة عند الاحتكاك مع الآخر في أوروبا، والغزو الإمبراطوري وبعنجهية نيرونية تواجه العالم اليوم بقوة ضاربة مدمرة للحرث والنسل.

العراق خيار صحيح:

اختيار كيسنجر للعراق في الحقيقة يعبر عن بعد نظره؛ ويتناقض مع السعة التحليلية، نعم العراق مقياس، لكن ما برر كيسنجر به هو مقاربات. العراق وسوريا مهمان جدا لإنشاء نظام جديد أو حداثة جديدة إن فسح المجال لهما، حضارة ومدنية ليست محاربة أو مقاتلة كما هو تصور الغرب لنهضة المسلمين، بل حضارة فكرية تحمي الثورة المدنية من الفساد الذي أحدثه التشوه والحرمان والاضطهاد المتعدد الأشكال، وهذا نتيجة طبيعية للقوالب وضغط الشعوب بها، وصراع الأطماع باسم الأيدولوجيات. اتفق إذن أن النظم التي جربت على المجتمع هي نظم فاشلة وجاءت مقولبة ترفع أعلام الطغيان والفساد مغلفة باسم القومية أو الحداثة أو الدين..

العراق والنظم:

قصة الجيوش وحفاظها على الوستفالية لم يكن الكلام المنسوب لكيسنجر بها موفقا، فمحمود الحفيد ثار مرتين، المرة الأولى كان يخاف على دينه من الغزاة، وينتظر أن تصحو الدولة العثمانية، فلما احتضرت كما احتضرت الدولة العباسية زمن المغول، استحضر الحفيد سيرة عثمان طغرل بك ليكون ملكا على قومه ويقودهم إلى سلطنة أو خلافة جديدة؛ لم يدع إلى قومية، من أحبطه ليس الجيش العراقي وإنما الليفي البريطاني المتكون من أناس أغراب قبل أن يجنسوا لاحقا عراقيا. والجيش الملكي قمع الفتن التي نشأت مع الإنكليز في المنافسات غير العقلانية واستثارة العشائر، أما في العهد الجمهوري فقد حكم العسكر البلد، والعسكر حلولهم معروفة خصوصا عندما يؤدلجون، والأمثلة كثيرة.

عموما بجملة حاسمة يسمح بها المقال؛ أن صراعات أيديولوجيات القوالب المستوردة أوصلتنا من احتلال إلى احتلال.

ما المطلوب؟

لم ينتحر العالم -كما نسب لكيسنجر- في 2003، بل انتحر عندما عادى الإسلام وتركه من الضغط ينتج هذه المسوخ التي تقودها عمليا مخابرات العالم بالصفات المتعددة التي ذكرناها والتي لم نذكرها، أو بشكل الإلحاد والليبرالية. العالم انتحر عندما مكن للكيان الصهيوني أن يظلم اليهود باسم اليهود كما يفعل الفاسدون من ظلم لأهلهم وباسم أهلهم، وأثار الكيان الكراهية والعصبية والتطرف العنصري كما يفعل الفاسدون باسم الإسلام والبعض باسم مسيحية -يهودية الأساطير والأوهام، التي تستخدم التكنولوجيا لتدمير العالم وكأن الأمر واجب مقدس مثل الحروب الصليبية في العصور الوسطى..

نحتاج أن تتنفس هذه المنطقة، أن يسمح لها بفهم عقيدتها وثقافتها، عندها ستشع وتعطي النماذج الإصلاحية ليس عبر الجيوش والأساطيل وإنما عبر التواصل الاجتماعي وما سينتجه العلم من وسائل تقارب بين الشعوب.

277- الرجولة والانوثة قيم رافعة تثبطها الانا

 المصدر عربي 21 هنالك خلط الحاد والسطحي بين المعطى البيولوجي والارتقاء القيمي، يولد الإنسان محموماً بخصائصه الجسدية وجنسه المحدد ( ذكر أو أ...

يقظة فكرgoogle-site-verification: google25f7d3ebc2fdac29.html