https://m-salihalbdrany.blogspot.com/ فكــــــر اليقظـــــــة Mindfulnesshttps://m-salihalbdrany.blogspot.com/

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 16 يونيو 2026

255- الصفقة تفكيك الجغرافيا السياسية العالمية في عصر الانكفاء الأمريكي (2026)

 رابط الشبكة مباشــــــــــــــــــــــــــــــــــــر


الصفقة: تفكيك الجغرافيا السياسية العالمية في عصر الانكفاء الأمريكي (2026)

نموذج خطورة السياسي رجل الاعمال

1.      المقدمة

في الفلسفة السياسية، غالباً ما تُختزل حركة التاريخ في صراع الإرادات، لكن المشهد الدولي الراهن في منتصف عام 2026 يفرض استدعاء مفهوم "العود الأبدي" لنيتشه؛ حيث تدور الأحداث في حلقة مفرغة تعود بالفاعلين دائماً إلى نقطة البدء، إن التوقيع الرسمي المرتقب في سويسرا على مذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية، بعد سنوات من سياسة "الضغط الأقصى" والتصعيد العسكري، يمثل تجسيداً حياً للمثل الشعبي الشامي البليغ: ضَاعَتْ حِمَارَتُنَا، وَرَجَعْنَا لَقَيْنَاهَا إنه مخاض عسير استنزف طاقات الإقليم، لينتهي بقبول واشنطن بذات المعادلات التي رُفضت سابقاً، ولكن في إطار تسويقي جديد.

 هذا الانكفاء في الشرق الأوسط ليس حدثاً معزولاً، بل هو حجر الدومينو الأول الذي يعيد صياغة المعادلات في أوراسيا وشرق آسيا، معلناً الأفول الرسمي لعصر الهيمنة الأمريكية الأحادية، وليس لتعود عظيمة.

2.      الملف الإيراني الأمريكي (البراغماتية والنفس الطويل)

·         يتحرك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وفق فلسفة "البراند السياسي ("الهوية والسمعة والاستراتيجية طويلة الأمد") مستخدما الترند الإعلامي الوامض؛ فالحدث لديه لا يستمد قيمته من عمقه الاستراتيجي، بل من قدرته على الإبهار اللحظي وتسجيل المكاسب التكتيكية السريعة، ومعها خفض معدلات التضخم المحلي (التي بلغت 4.2%)، وتأمين تدفق النفط عبر مضيق هرمز لضمان مكاسب انتخابية في التجديد النصفي للكونغرس، هو الغاية القصوى تحت شعار "أمريكا أولاً".

في المقابل، أثبتت طهران تفوقها في "سياسة النفس الطويل" القائمة على الصبر الاستراتيجي، لقد صمد النظام الإيراني أمام الحصار، واستطاع فرض شروطه للعودة إلى سوق النفط الرسمي دون تقديم تنازلات بنيوية في منظومته الإقليمية، بل استفاد من توقع أمريكا أن هنالك صراع قيادات، فالأطراف والأذرع المسلحة لم تفكك، والمعرفة التقنية للتخصيب لا يمكن محوها بمهلة الـ 60 يوماً المفترضة، مما يجعل المكسب الأمريكي مؤقتاً وسريع الزوال، مقابل مكاسب إيرانية هيكلية ومستدامة.

3.     الملف العربي الإقليمي (سقوط فزاعة إيران وبداية الأمن المحلي)

تاريخياً، ركّزت الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط على صناعة "خطر وجودي دائم" (متمثلاً في إيران) لتسويق منظومتها الأمنية ومبيعات سلاحها، إلا أن التحول البراغماتي في السياسة العربية—وتحديداً الخليجية—أعاد تعريف المصلحة القومية بناءً على مبدأ "تصفير الأزمات" والتفرغ للتنمية المستدامة (كـ رؤية 2030)، وهو ما يجب أن تلتقطه إيران وتبني عليه من الآن في تغيير نمط فكرتها المركزية، بما يحقق استقرار وفق المنهج العلمي وليس وفق تصوراتها.

لقد أدركت العواصم العربية أن المظلة الأمنية الأمريكية لم تعد صالحة للاستخدام كملاذ أخير، وأن "من لا ينفع وقت الشدة لا يُعول عليه". هذا الإدراك قاد إلى صياغة معادلة أمنية جديدة: إذا تصالح العرب مع إيران، تلاشت الحاجة لشركات الحماية الخارجية، هذا التحول يضرب العصب الحي للهيمنة الأمريكية، مدعوماً بالعزلة العضوية والعالمية لإسرائيل التي تحولت بفعل حروبها المستمرة إلى عبء أخلاقي وسياسي واستراتيجي باهظ الكلفة على كاهل واشنطن.

4.      الملف الروسي الأوكراني (تجميد الحرب وفوز الجيوبولتيك الروسي)

يمتد الأثر الفلسفي لعقيدة ترامب "أمريكا أولاً" مباشرة إلى السهول الأوكرانية، فالمنطق الانعزالي لترامب، الذي دفعه للتصالح مع إيران لتجنب كلفة الحرب، هو ذاته الذي يقود مقاربتها تجاه كييف، تنظر إدارة ترامب إلى الدعم المالي والعسكري المفتوح لأوكرانيا بوصفه "استنزافاً بلا طائل" للميزانية الأمريكية وعائقاً أمام الاستقرار الاقتصادي.

بناءً على ذلك، يتجه الموقف في عام 2026 نحو فرض "تسوية قسرية" على أوكرانيا، تتضمن تجميد الصراع على خطوط التماس الحالية، والاعتراف الضمني بالسيطرة الروسية على الأقاليم الشرقية، مقابل وعود أمنية غربية فضفاضة وغير ملزمة، هذا المشهد يمثل انتصاراً استراتيجياً لـ "جيوبولتيك القوة" الذي فرضه فلاديمير بوتين؛ حيث أثبتت روسيا أن الصمود الاقتصادي والعسكري قادر على كسر إرادة العقوبات الغربية، وأن واشنطن في عهد ترامب مستعدة للتضحية بالحلفاء التقليديين في سبيل إغلاق جبهات النزف المالي.

5.     الملف الصيني التايواني (الامتصاص الناعم وتراجع الردع الأمريكي)

في شرق آسيا، تقرأ الصين بذكاء شديد سلوك ترامب التراجعي في الشرق الأوسط وأوكرانيا، تدرك بكين أن عقيدة ترامب القائمة على المنطق التجاري (Transactional Politics) تعني أن تايوان بالنسبة له ليست "قضية مبدأ ديمقراطي"، بل هي "ورقة تفاوضية" خاضعة لحسابات الربح والخسارة وكلفة الحماية العسكرية.

هذا التراجع في مصداقية الردع الأمريكي يفتح الباب تاريخياً أمام احتمال "المصالحة القسرية أو الامتصاص الناعم" لتايوان من قبل الصين، لن تحتاج بكين بالضرورة إلى غزو عسكري مدمر؛ بل إن رؤية تايوان لانكفاء واشنطن عن حلفائها (أوكرانيا، إسرائيل، والخليج) سيولد قناعة لدى النخبة السياسية في تايبيه بأن الاعتماد على المظلة الأمريكية هو انتحار استراتيجي؛ وهذت وفق قراءتي ادركه قادة تايوان فعلا، وستدخل تايوان في مفاوضات مباشرة مع بكين لصياغة نموذج تعايش سلمي (قد يشبه نسخة معدلة من "بلد واحد ونظامان")، مما يعني تحقيق التنين الصيني لهدفه التاريخي بإعادة التوحيد دون إطلاق رصاصة واحدة، ومستغلاً رغبة ترامب في تجنب صدام عسكري مباشر قد يدمر الاقتصاد العالمي.

6.      الملف الأوروبي (اليُتم الاستراتيجي وتصدع القارة)

يمثل منحى التخلي لإدارة ترامب في عام 2026 الصدمة الجيوسياسية الأقسى للاتحاد الأوروبي منذ تأسيسه، فطوال العقود الماضية، عاشت أوروبا خلف "درع أمني مجاني" توفره مظلة حلف شمال الأطلسي (الناتو) بقيادة واشنطن، اليوم، ومع فرض ترامب تسوية قسرية في أوكرانيا تميل لصالح موسكو، تواجه العواصم الأوروبية—وتحديداً برلين وباريس—حقيقة مريرة: أمريكا لم تعد شريكاً موثوقاً لحماية القارة العجوز.

هذا اليُتم الاستراتيجي سيدفع أوروبا نحو مسارين أحلاهما مر:

1.     الانقسام الداخلي المتسارع: ظهور تيارين داخل أوروبا؛ تيار يدعو للبراغماتية والاستسلام للواقع عبر فتح قنوات دبلوماسية وتجارية مباشرة مع موسكو وبكين لحماية الاقتصاد الأوروبي المنهك، وتيار آخر تقوده دول شرق أوروبا (المحاذية لروسيا) يعيش حالة هلع عسكري ويدعو للتسلح الأعمى.

2.     العجز الاقتصادي والعسكري: تدرك أوروبا أن بناء قوة دفاعية موحدة ومستقلة عن أمريكا يتطلب تريليونات الدولارات وعقوداً من الزمن، وهو ما لا تملكه القارة التي تعاني من الشيخوخة الديموغرافية والركود الاقتصادي. وبالتالي، ستتحول أوروبا من "لاعب دولي" يملي الشروط، إلى "ساحة نفوذ جيوسياسي" تتجاذبها القوى الصاعدة (روسيا والصين) وسط غياب وتخلٍّ أمريكي كامل.

7.      الخاتمة (الولادة الرسمية لعالم متعدد الأقطاب)

1)    إن الشرق الأوسط، وأوراسيا، وشرق آسيا، في مرحلة ما بعد تحولات 2026، يتجهون نحو نزع "العولمة الأمنية" والتحلل من التبعية لواشنطن، إن نهاية الهيمنة الأمريكية لا تأتي عبر حروب خاطفة تنهي الإمبراطورية في أيام، بل عبر مسار تراجعي متسارع تفقد فيه واشنطن "وظيفتها الحيوية" كضامن أمني وحيد للعالم.

عندما يتصالح العرب مع إيران، وتفرض روسيا شروطها في أوكرانيا، وتستوعب الصين تايوان دبلوماسياً واقتصادياً، نكون أمام ولادة رسمية لعالم متعدد الأقطاب؛ عالم لا تحكمه القوانين الليبرالية الغربية، بل تحكمه الموازنات البراغماتية المحلية، حيث يصبح أبناء الأقاليم—لأول مرة منذ نهاية الحرب الباردة—هم المالكون الفعليون لمفاتيح السلم والحرب في مناطقهم.

2)    البترودولار وفلسفة الهيمنة النقدية

يُشير مصطلح "البترودولار" (Petrodollar) إلى النظام المالي العالمي الذي تأسس في سبعينيات القرن العشرين، والذي قضى باتفاق تاريخي بأن يتم تسعير وبيع النفط العالمي حصرياً بالدولار الأمريكي، مقابل التزام واشنطن بحماية أمن منشآت الطاقة وممراتها. هذا النظام كان الرافعة الأساسية للطلب العالمي اللامتناهي على العملة الأمريكية، مما سمح لواشنطن بطباعة الدولار وتمويل حروبها وديونها الخارجية دون قيود حقيقية، الانكفاء الأمريكي الراهن في عام 2026، وتصاعد الاتجاه نحو تسوية مبيعات النفط بعملات محلية هي (عملة نفط الموحدة)، أو اتفاق على عملة لدولة قوية، يمثل تفتيتاً حيوياً لبنية البترودولار، مما يعني تجريد أمريكا من أقوى سلاح اقتصادي فرضت به هيمنتها الأحادية على مدار نصف قرن.

8.      الهامش التفسيري الثاني: الأصول المجمّدة وسلاح "الأمولة" الاستراتيجي

تُعرف "الأصول المجمّدة" (Frozen Assets) بأنها الحسابات البنكية، الاستثمارات، والاحتياطيات النقدية الأجنبية التابعة لدول أو كيانات (مثل الاحتياطيات الروسية أو الإيرانية في الخارج) والتي يقوم النظام المالي الغربي بوضع اليد عليها ومنع أصحابها من التصرف بها كعقوبة سياسية. في سياق هذا المقال، تحول سلاح "الأمولة (Financialization of Warfare) وعزل الدول عن نظام "سويفت" العالمي من أداة ردع مطلقة إلى دافع بنيوي للتمرد؛ إذ تبين للقوى الصاعدة أن الاحتفاظ باحتياطاتها بالدولار أو في البنوك الغربية هو نقطة ضعف استراتيجية، هذا الوعي في عام 2026 سرّع من إنشاء أنظمة مالية موازية وخارجة عن السيطرة الأمريكية، مما جعل سلاح التجميد يفقد مفعوله، بل ويتحول إلى محفز لولادة عالم متعدد الأقطاب مالياً وجيوسياسياً.

هذا كله إن افترضنا أن هنالك مصداقية لما يجري، وان سلاما يعيد الأمور إلى 2015 حاصل لكن الكاتب وان حلل الموقف فان ما يراه هو نوع من التفحص لآليات حرب.

 

                                                                              محمد صالح البدراني

 

الجمعة، 12 يونيو 2026

253 - جدلية التبعية واضمحلال الشخصية

 رابط عربي 21

جدلية التبعية واضمحلال الشخصية

التبعية تبعيات:

ليست التبعية السياسية مجرد علاقة قوة بين غالب ومغلوب، بل حالة نفسية وفلسفية أعمق بكثير، إنها خوف مزمن من الحرية، فالحرية ليست شعارًا سهلًا كما تُقدَّم في الخطب، بل عبء ثقيل؛ لأنها تعني تحمل نتائج القرار، والوقوف عاريًا أمام احتمالات الخطأ والفشل.

إن أي إنسان أو دولة أو أمة بلا مشروع ورؤية وتخطيط علمي، هي كيان ومشروع استغلال واستخدام واستنزاف وابتزاز، يعيش التفاهة ووهم الكرامة التي أصلا لا تعريف لها إلا عبر سرديات الماضي.

فيقال له أنت لست عالة ولا فاشلا ولا متخلفا، أنت أجدادك أولئك الذين فتحو العالم القديم ودلوا الناس على العلوم والمدنية، أنت ابن الفراعنة العظام الذين اعلوا التماثيل وشيدوا الأهرام، أنت ابن سومر واكد وأشور، والحقيقة انه بيع الوهم وشرائه بالتفاهة والكسل، وجهل حتى بمن يفتخر بهم لا يدري ما صنعوا من سلبيات أو إيجابيات، ومعظمهم أمم بائدة بلا امتداد لم يبق منها إلا ما نرى.

 

إن أي إنسان أو دولة أو أمة بلا مشروع ورؤية وتخطيط علمي، هي كيان ومشروع استغلال واستخدام واستنزاف وابتزاز، يعيش التفاهة ووهم الكرامة التي أصلا لا تعريف لها إلا عبر سرديات الماضي.

فيقال له أنت لست عالة ولا فاشلا ولا متخلفا، أنت أجدادك أولئك الذين فتحو العالم القديم ودلوا الناس على العلوم والمدنية، أنت ابن الفراعنة العظام الذين اعلوا التماثيل وشيدوا الأهرام، أنت ابن سومر واكد وأشور، والحقيقة انه بيع الوهم وشرائه بالتفاهة والكسل، وجهل حتى بمن يفتخر بهم لا يدري ما صنعوا من سلبيات أو إيجابيات، ومعظمهم أمم بائدة بلا امتداد لم يبق منها إلا ما نرى.

 فاين الأمة اليوم وهذا وضعها لا مشروع ولا رؤية ولا إعمار وإنما فساد وقتل وسجون وتبعية ودمار، هي اليوم في أفضل الأحوال لوحة يرسم عليها أو فرشاة يخط بها مشاريع الآخرين.

وعندما تفضّل بعض المجتمعات والدول، في لحظات القلق التاريخي، الاحتماء بظل قوة أكبر، حتى لو كان ذلك على حساب كرامتها ومصالحها البعيدة، فهي تقر بالاستعباد الذي تراه راي العين وتتحمل نزوات السيد الحامي المهينة، إنها صفقة غير معلنة: نتنازل عن جزء من إرادتنا (والإرادة لا تتجزأ) مقابل وعد بالأمان، لكن المشكلة أن الأمان المستعار يشبه المال المستدان بالربا؛ يمنح راحة مؤقتة، ثم يطالب بثمن مضاعف، وقد لا يمنح فعلا، وتصبح البلاد حديقة خلفية لمغامر يحتمى به.

أخطر ما تفعله الهيمنة ليس السيطرة على الأرض، بل السيطرة على المخيال والفكر، والكفر بالكينونة والشخصية فيتغير التفكير والنفسية لتمحى الهوية، وحين تقتنع أمة ما أن مصيرها يُصنع دائمًا في عواصم الآخرين، فإنها تتوقف عن إنتاج المستقبل

التابع لا يولد تابعًا بالضرورة، بل يتحول إلى ذلك تدريجيًا حين يعتاد النظر إلى الخارج باعتباره مصدر الخلاص أوان التهديد من الداخل، عندها يفقد ثقته بذاته، ثم يفقد ثقته بمجتمعه، ثم يبدأ أخيرًا بتبرير عجزه بوصفهواقعية سياسية”. وهكذا تتحول التبعية من وضع مؤقت إلى عقلية كاملة.

 

تداعيات التبعية:

أخطر ما تفعله الهيمنة ليس السيطرة على الأرض، بل السيطرة على المخيال والفكر، والكفر بالكينونة والشخصية فيتغير التفكير والنفسية لتمحى الهوية، وحين تقتنع أمة ما أن مصيرها يُصنع دائمًا في عواصم الآخرين، فإنها تتوقف عن إنتاج المستقبل، وتتحول إلى مجرد متفرج على التاريخ، وعلى مصيرها هي هنا يبدأ الانهيار الحقيقي؛ عندما يصبح الانتظار لما سيحل بها وكأنه قدرا مقدورا بديلًا عن الفعل.

ومن هنا يمكن فهم كيف تتحول الطائفية والقبلية والولاءات الضيقة إلى بدائل عن الرابطة العليا، فعندما تفشل الدولة في بناء معنى جامع لأمة، يعود الناس إلى الروابط الهابطة بحثًا عن الأمان النفسي، ولا تستغرب أن تجد مثقفا أو عالما يلجأ إلى احدى هذه الروابط طلبا للحماية، لكن هذه العودة لا تنتج استقرارًا، بل مزيدًا من التفتت؛ لأن الجماعات الصغيرة، مهما بدت قوية، لا تستطيع بناء أفق حضاري واسع،

ولعل أكثر ما يكشف هشاشة التبعية أن القوة التي يُعوَّل عليها كثيرًا ما تتصرف وفق مصالحها الخاصة لا وفق مصالح أتباعها، فالدول لا تمتلك صداقات أبدية، بل حسابات متغيرة، وعندما تتغير الكلفة أو الأولويات، يكتشف التابع أنه كان مجرد أداة ضمن لعبة أكبر منه.

معضلة البيئة الداخلية

غير أن المشكلة ليست فقط في الخارج، بل في الداخل أيضًا، فالتبعية تحتاج دائمًا إلى بيئة مناسبة كي تستمر؛ انقسامات داخلية، خوف متبادل، فساد، ضعف ثقة، وهروب من المسؤولية، المجتمعات المفككة تصبح أكثر قابلية للارتهان، لأن الإنسان الخائف يبحث دائمًا عن قوة تحميه حتى لو كانت سببًا في خوفه.

ومن هنا يمكن فهم كيف تتحول الطائفية والقبلية والولاءات الضيقة إلى بدائل عن الرابطة العليا، فعندما تفشل الدولة في بناء معنى جامع لأمة، يعود الناس إلى الروابط الهابطة بحثًا عن الأمان النفسي، ولا تستغرب أن تجد مثقفا أو عالما يلجأ إلى احدى هذه الروابط طلبا للحماية، لكن هذه العودة لا تنتج استقرارًا، بل مزيدًا من التفتت؛ لأن الجماعات الصغيرة، مهما بدت قوية، لا تستطيع بناء أفق حضاريواسع، ولا تطور مدني وإنما عودة إلى ما قبل المدنيات بثياب وأزياء ووظائف عصرية.

الاستقلال الحقيقي لا يعني العداء للعالم، بل القدرة على التعامل معه من موقع الندّية لا التوسل، فالأمم القوية ليست تلك التي لا تخطئ، بل التي تملك القدرة على مراجعة نفسها دون انهيار نفسي أو أخلاقي.

 


ما يحصل؟

النتيجة النهائية لهذا المسار هي مجتمعات تعيش حالة إنهاك دائم: موارد كثيرة، وطاقة بشرية ضخمة، لكن دون مشروع واضح، يصبح الشباب ممزقين بين الغضب والهجرة، بين الرغبة في التغيير وفقدان الإيمان بإمكانه، ويظهر شعور خفي بأن التاريخ يتحرك في مكان آخر، وأن دورهم يقتصر على التلقي لا المشاركة، والتفاهة في المعاني وكل حديث عن التطور والتقدم والفكر محض وهم، فهذه أمم ميتة، في التاريخ لا تحترم الأمم التي تتهرب من مسؤوليتها، المدنيات لا تُمنح كمكافأة، بل تُبنى عبر القدرة على مواجهة الواقع كما هو، لا كما نتمنى أن يكون؛ لأننا سنواجه الواقع حتما كما هو، أو بمزايدات الكلام كما نفعل دوما في صفحات التواصل التي منح التطور يمينها لنا لنصدق الوه، بيد أن  المواجهة تبدأ أولًا بتحرير الوعي من عقدة الضحية وأوهام كوهم المخلّص الخارجي.

إن المجتمع الذي يريد استعادة نفسه يحتاج إلى شجاعة التفكير المستقل، يحتاج إلى تعليم ينتج عقلًا نقديًا لا عقلًا خائفًا، وإلى ثقافة ترى في العمل والمعرفة مصدر السيادة الحقيقي، لا في الخطابات العالية أو الولاءات المؤقتة.

الاستقلال الحقيقي لا يعني العداء للعالم، بل القدرة على التعامل معه من موقع الندّية لا التوسل، فالأمم القوية ليست تلك التي لا تخطئ، بل التي تملك القدرة على مراجعة نفسها دون انهيار نفسي أو أخلاقي.

الأساطيرُ لا تنقذ الشعوبَ، بل البشر الواقعيون الذين يزرعون الأرض، ويبنون المؤسسات، ويتحملون مسؤولية أخطائهم، أما انتظار المنقذ، فليس سوى السير الحثيث في طريق السقوط.

 

                                                                                        محمد صالح البدراني


255- الصفقة تفكيك الجغرافيا السياسية العالمية في عصر الانكفاء الأمريكي (2026)

 رابط الشبكة مباشــــــــــــــــــــــــــــــــــــر الصفقة: تفكيك الجغرافيا السياسية العالمية في عصر الانكفاء الأمريكي (2026) نموذج خط...

يقظة فكرgoogle-site-verification: google25f7d3ebc2fdac29.html