https://m-salihalbdrany.blogspot.com/ فكــــــر اليقظـــــــة Mindfulnesshttps://m-salihalbdrany.blogspot.com/

بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 14 فبراير 2026

228 -هيمنـــــــة الشــــــــــر عبـــــرالعصــــور

 رابط عربي 21

الشر البشري:

بين الأنانية والتفسيرات الفلسفية في عالم يعج بالتناقضات الأخلاقية، يبرز تعريف الشر كظاهرة نفسية واجتماعية عميقة: هو تغلب جنوح الغرائز على المنظومة القيمية، أو فهم خاطئ ينبع من "الأنا"، مما يؤدي إلى تمكن الأنانية بدعم من قوى خارجية. هذا التعريف يفسر التناقض الأبدي: لماذا يكره الإنسان الظلم عندما يقع عليه، ثم يمارسه بنفس الوحشية -أو أشد- عندما يتمكن؟ في هذا المقال، نستعرض تفسير فريدريش نيتشه للأخلاق كأداة لفهم هذا التناقض، ثم فلسفة جون لوك عن الظلم كإطار سياسي، مع دمج أفكار هانا أرنت عن "الشر الشائع"، والثيوديسي (تبرئة عدالة الله جل جلاله) عند الغزالي، ولمسة من توماس هوبز الذي يصف الإنسان كذئب لأخيه في غياب القوة المانعة.

- نيتشه: الأخلاق كانتقام مقنع في "جينا لوجيا الأخلاق" (1887)

يقسم نيتشه الأخلاق إلى نوعين: أخلاق السادة (تقدر القوة والنبل) وأخلاق العبيد (تنبع من الضعفاء الذين يحولون ضعفهم إلى فضيلة). عندما يتمكن الضعيف، ينتقم من "السادة" السابقين بتحويل قيمهم إلى "شر"، بينما يمجد ضعفه كـ"تواضع" أو "رحمة"، هذا الانتقام المقنع يصف لماذا يكره الإنسان الظلم ثم يمارسه: لأن الأنانية لا تختفي، بل تُقنع نفسها بأنها "عدالة" عندما تتمكن، ولهذا تجد أن الظالم يتظلم ممن يمنعه عن ظلمه.

ما يعرضه الفلاسفة والمصلحون هو وصفات لمجتمع سليم وكيف يمكن أن تحافظ على سلامته حتى حين


نيتشه يدعو إلى "التجاوز" (الإنسان الأعلى) لخلق قيم جديدة تتجاوز هذا الصراع، لكن الواقع يظهر أن معظم البشر يبقون أسرى "أخلاق العبيد" عندما يحصلون على السلطة، فلا يرى ضميره ظلمه.

- جون لوك: الظلم كانتهاك للعقد الاجتماعي جون لوك

في "رسالتان عن الحكومة" (1689)، يرى الظلم نتيجة طبيعية لتمكن الأنانية في السلطة؛ في حالة الطبيعة الإنسان حر ومتساوٍ، لكن الأنانية تدفع البعض للظلم، لذلك يُبرم الناس عقدا اجتماعيا لإنشاء حكومة تحمي الحقوق (الحياة، الحرية، الملكية)، وإذا انتهك الحاكم العقد بالظلم، يصبح من حقهم الثورة؛ لوك يرى أن الشر (الظلم) ليس قدرا، بل نتيجة تمكن الأنانية في غياب ضوابط قوية، هذا يفسر لماذا يظلم الإنسان عندما يتمكن: لأنه يفقد الضوابط التي كانت تحد من غرائزه.

الحل عند لوك: نظام ديمقراطي قوي يمنع تمكن الأنانية الفردية أو الجماعية.

- هوبز: الإنسان ذئب لأخيه في غياب القوة توماس هوبز (1588-1679)

في "الليفياثان" (1651)، يقدم وصفا قاسيا أتفق معه في التوصيف واختلف بالحل، فأنا أرى السلطة للقانون، وهو يساوي بين الجميع. يقول هوبز: في حالة الطبيعة، الإنسان "ذئب لأخيه"، لأن الجميع يسعى لمصلحته الذاتية، والقوة وحدها تمنع الظلم. الإنسان يكره الظلم لأنه يخاف أن يقع عليه، لكنه يمارسه إذا أمن العقاب.

الحل عند هوبز: سلطة مطلقة تفرض السلام بالقوة، لأن الوعظ والأخلاق لا تكفي لكبح الأنانية.

- هانا أرنت: الشر الشائع كسطحية فكرية هانا أرنت، في "آيخمان في القدس" (1963)

ترى الشر شائعا لأنه لا يحتاج إلى نوايا شيطانية، بل إلى غياب التفكير (thoughtlessness). آيخمان لم يكن وحشا، بل موظفا عاديا مطيعا يرى الظلم كـ"واجب وظيفي"، هذا يفسر لماذا يظلم الإنسان عندما يتمكن: لأنه يفقد القدرة على وضع نفسه مكان الضحية، فتصبح الأنانية "عادية"، وعند تمكن الصهيونية كررت المحرقة بالفلسطينيين بعدة مجازر عبر التاريخ وآخرها غزة، فإننا نتحدث عن جيل تربى وهو يجتر ظلم المحرقة وليرتكبها.

- الغزالي: الشر سيطرة النفس الأمارة، في "إحياء علوم الدين"

يرى الشر سيطرة النفس الأمّارة بالسوء على القلب. الإنسان يكره الظلم لأنه يؤذيه، لكنه يمارسه لأن نفسه تحب السلطة والتملك، كغريزة ما لم تجد رادعا تحس أنه يمكن أن يؤذيها في الواقع وليس بوعيد الأديان، فهذا أمر لا تتفاعل معه الغرائز عندما تستعمر منظومة العقل، والكثرة فيما يبدو لم يفعّلوا منظومتهم العقلية، ولا يفيد أن نقول: سيذهب هؤلاء لجهنم ونحن في الحياة، بل علينا أن نبحث عن الطريق المثلى لردع هؤلاء.

كيف نتغلب على هذا الشر؟

الحل أن يُصلح الكل نفسه بصرامة، يلوم نفسه لا الآخرين ويكون بيئة لمنظومة القيم، وأن يخضع المجتمع لقانون يتساوى الجميع أمامه؛ عندها ستنهار بيئة الظلم والظالمين


- نيتشه: تجاوز الأخلاق التقليدية وخلق قيم جديدة تتجاوز الأنانية.

- لوك: نظام ديمقراطي يمنع تمكن الأنانية بالقوة.

- هوبز: سلطة قوية (افهمها محدودة بالقانون) تكبح الغرائز.

- أرنت: إحياء التفكير النقدي والحكم الأخلاقي.

- الغزالي: مجاهدة النفس والتوبة الداخلية.

خلاصة:

ما يعرضه الفلاسفة والمصلحون هو وصفات لمجتمع سليم وكيف يمكن أن تحافظ على سلامته حتى حين، بيد أن كل ما قرأتم ستقولون إنه تنظير لا يملك قوة التغيير وربما كان الظلمة والمغامرون يدعون إليه، ونحن نرى الشر قائما والسفاهة مهابة بقوتها، فإن كان السفيه ضعيفا اختفى كأي حشرة يُدعس ممن استخدمه، وهنا لا بد من سؤال: إن كان الحق منتصرا في عقيدة الأديان فلماذا نرى السفه والجبروت والظلم منتشرا؟ وما خلا نيتشة وتشاؤمه فالفلاسفة غالبا يتوقعون انتصار الحق، وفي عالم اليوم نجد طوباوية الكلام.

الشر لا يُهزم بالمعرفة وحدها، بل بصلاح النفوس للأمة، فعندما يكثر النفاق والانتهازية، والتملق من أجل الفتات، وضعف النخوة، وصوت الحق المخنوق، ويعظَّم السارق والمجرم بدل احتقاره ويكرّم التافه ويُبعد الصالح ويُسفّه العالم الفاهم، ويُفهم الحلم جبنا والجبن يفهم أنه حكمة، وينشغل كل بعيشه متخليا عن منظومته العقلية فاقدا لميزاته الآدمية، وتصبح مخالطة الناس خبث الريح وحرق الملابس؛ فإن التاريخ يقول إن الظلم يستمر طالما يجد هكذا بيئة.. لكن الحل أن يُصلح الكل نفسه بصرامة، يلوم نفسه لا الآخرين ويكون بيئة لمنظومة القيم، وأن يخضع المجتمع لقانون يتساوى الجميع أمامه؛ عندها ستنهار بيئة الظلم والظالمين. الطريق طويل، لكن الوصول ليس مستحيلا.

الأربعاء، 11 فبراير 2026

227- سؤال في المناخ لشرق المتوسط

 سؤال في المناخ لشرق المتوسط

من اهم الخلاصات المتعددة في الدراسة، اننا يجب ان نعمل على بدائل مصادر المياه وان الثوابت التقليدية انتهت والحقيقة اننا متأخرون اكثر من 20 سنة في المباشرة في تغطية آثار القادم

الامطار التي تأتي على شكل موجات شتوية احيانا ليست امرا ثابتا، وان كانت القياسات تعطي تدني خفيف في المعدل السنوي فهنالك اختلاف في نقاط متعددة اهمها الشدة والتزامن والاستمرارية ناهيك عن امكانية تخزينها.



السبت، 7 فبراير 2026

226- عمر خارج البرمجة

 عربي 21

ماذا يعني كبر السن؟

هل العمر محض سنين تعد؟ الحقيقة وبالدقة نعم، ولا! أيضا، النفس لا تكبر وإنما تتكيف وتروض وتتجاوب مع العجز، هذه حالات وليست مواصفات النفس، وهنالك نفوس تبقى شابة تتفاعل مع الحياة لأنها ترتبط بمهمة والعجز عندها هو العجز عن أداء المهمة، فتتراجع لكنها تبقى في حيوية تقاوم المرض وربما تتجاهل عمق أثره طالما أنها في المهمة. فكبر السن هو عدد السنين ودرجة الهرم وانتهاء المهمة، وهنا أيضا وصف لحالات متعددة وليست مواصفات، وليس كبر السن يعني خبرة وإصلاحا دوما، فهنالك زيادة في الخيرية وهنالك جنوح نحو السوء، وشاهدت أناسا ينطقون بكلمات سوقية تعبر عن ماض صعب ما زال فاعلا عندهم، وربما كان العجز عندهم غياب زملائهم وأصدقائهم وآخر شخص حي كان يجالسهم في مكان عام.

الانطباعات عن العلاقة بالله:

يتصور البعض أن مع العجز تبدأ العلاقة بالله أو تزداد أو تصبح هي المهمة الوحيدة، والمعنى دوما هو التعبد من صوم وصلاة، وهذا اختزال لفهم العبادة ومعناها، بينما العمل ونفع المجتمع يأخذ سعة كعبادة، وأن الفهم أساس التعامل مع الله وليس المظهر أو التوجه للعبادة عند من لا عمل له.

المستقبل والخوف:

يتصور البعض أن مع العجز تبدأ العلاقة بالله أو تزداد أو تصبح هي المهمة الوحيدة، والمعنى دوما هو التعبد من صوم وصلاة، وهذا اختزال لفهم العبادة ومعناها، بينما العمل ونفع المجتمع يأخذ سعة


في عصرنا الحالي نجد أن إعداد الأبناء الطبيعي والاستقلال بالقرار قد يحتاج نحو 23 سنة من العمر، في هذه الفترة تضخ فيه الخبرات وممارساته تدريبا له، وهي تقريبا كمعدل ذات فترة نهاية العمر.

زمن فترة يخطط لها المجتمع والدولة إلى فترة بدون تخطيط، وكأنها عمر ضائع بلا قيمة، لا برمجة ولا استفادة من الخبرة، بل إن الأبناء قد يضيقون ذرعا بتدخل الآباء ليس لأن تدخلهم غير مطلوب بل لأنه غير مبرمج، فأحيانا يتدخل الكبير من حرصه بما يعتبر تطفلا، وهو غير ملمّ بالموضوع لكنه يخمن بما قد لا يلامس الموضوع، وهنا تتعمق فرضية الأبناء أن تدخل الكبار سلبي، لكن الخطأ يكمن بمحاولة الأسرة إبعاد الكبار تعمدا عن التفاصيل خوفا عليهم أو لأنهم يواجهون المواضيع بعصبية واهتمام به إلحاح في مواضيع يرى الشباب أنها غير ملحّة، بيد أن غياب التخطيط لمكانة وفاعلية الكبار في السن يجعلهم قريبين بعيدين، والناس عادة لا يوزعون المهام إلا إن عجزوا وأثبت أحدهم قدرته على أدائها.

الكبار يخططون لمستقبل غير مضمون، لكن متى كان المستقبل مضمونا؟ بيد أن هذا عرف ربما يُنتقد عليه المسن إن تعارض ومصالح آخرين من أسرته، الحقيقة أن العالم لن يتوقف وأن المهمة هي المستقبل ودور الإنسان لا ينتهي بعدد السنين، بل بقدرته على الإنجاز والتكيف للاستمرار.

نجد كبار السن بنفسية شباب ونساء بنفسية صبايا كنشاط وفاعلية، لكن في الغالب مستجيبات لعرف أنهن عجائز وهذا يعني محو أي صفة أنثوية، بينما المعروف أن الأنثى تبقى أنثى كما الرجل، ولكن بدرجة من الفسلجة المتأثرة بعوامل الاندثار في بعض أجهزة الجسم؛ القلب، الكلية، الأمعاء، الجهاز التنفسي، أو الجنس على اعتبار أن الأنوثة تنتهي مع نهاية الإباضة وهو ما أفضله عن التسمية بسن اليأس، لكن الأنوثة لا تنتهي هنا، سن اليأس يعبر عن نقص إحاطة مجتمع، نعم ربما ترفع من ذهن من ابتعد زوجها عنها أو تغير تعريف العلاقة بينهما، لكن من توفي عنها زوجها وحاولت أن تستعيد ما أحست أنها فقدته أو لم تفعله وفق تصورها وإرادتها فهذا حقها الذي يعتبره المجتمع حالة نشاز، وغالبا هذه الأمور لا تُفهم من المجتمع وإن كانت هنالك مجاملات لها من المحيط، لكن يقال رجل متصابٍ أو امرأة متصابية، وكأنه نقص في أهلية الإنسان أن يُظهر شباب نفسه ما دام منضبطا بعوامل الاكتفاء، وهذا أيضا بسبب التخطيط، أو الوجود والكينونة أو لوازم المحافظة على الأسرة، وربما يحس الرجل أنه كان فاشلا مع زوجته، أو تحس المرأة أنها كانت بعلاقة من أجل العُرف أو القيم والأبناء والأسرة، وعندما كبرت وتغير الظرف أظهرت وجودها بشكل صراع مع الزمن للعطاء فتبدو وكأنها ليست طبيعية، والحقيقة أنها طبيعية لكن خارج الصورة النمطية لكبار السن بغياب التخطيط.

إن كثيرا من الأمور يخسرها المجتمع بتحييد خبرة الكبار، وقد يخسر الكبار حقهم بالسعادة عندما يستجيبون لمعايير المجتمع عليهم


كبار السن أنفسهم يعيشون حالة خوف القرار، لأن القرار قد يؤثر على أسرة بنوها، أو أعمال أشادوها، أو تاريخ، ناهيك عمن فشل في جزء حياته السابق في تحقيق النجاح بعلاقاته أو كان أحد الطرفين سيئا بالتعام،ل وهنا القرار باختيار الرفيق لمن فقد رفيقة أو يريد نوعا من حياة قد لا تأتيه عن تخطيط أيضا، أن يحقق نوعا من العيش على قدر قدرته بأسلوب مختلف، لكن هذا يحتاج إلى مغامرة بغياب التخطيط لهذه الشريحة من البشر، هنا يحتاج الإنسان وقتا لا يملكه، فتضيع فرصة أو ينجو من نزوة وزلة؛ لكن الخوف مبرر وليس التردد، كالخوف على نمط حياته الذي تقبّله ولو على مضض، الخوف على أسرته التي يحبها، الخوف حتى على مال قل أو كثر، فهو يريد إنشاء مشروعا، وهم سيقولون له يكفي يا جدنا فأنت تعبت كثيرا لا ترهق نفسك، اخرج تجول أو سافر، إن لم يقولوا له اذهب وتعبّد، مالك وللدنيا. وكأن العمل للدنيا، أفلم يرو الدنيا زائلة لا بشر يملكها، وأن العمل جزء من مهام الإنسان حتى مماته، لأنه يحسسه بالحياة وكأي مسؤولية حتى رعاية الشريك أو الرفيق.

التخطيط: كما يخطط للأجيال وتعليمهم وتربيتهم وتأهيلهم للعمل، ينبغي أن يخطط للاستفادة من هذه الأعمار؛ ليس بوضعهم في حديقة أو منتدى لتضييع الوقت، وإنما إجراء نشاطات باختصاصاتهم أو بما يريدونه هم، وعمل ورش لحل القضايا العامة وترتيب اجتماعات بمستخلصات وتفاصيل الأعمال مع المسؤولين، وترويج إنتاجهم العلمي أو الفكري أو الأعمال اليدوية أو من خلال أجهزة ما وفق إمكانيات الدولة، ومعها ما يعمل الآن من إنشاء ما يشبه منتدى فيه مطعم وجلسات سمر.

نفس الشيء مطلوب في العائلة بشرح الأمور لهم وليس بالضرورة تطبيق ما يقولون، لكن قد يُنتجون حلولا حقيقية من خبراتهم وإخفاقاتهم تجنب الجيل العامل بعض هذه الإخفاقات.

إن كثيرا من الأمور يخسرها المجتمع بتحييد خبرة الكبار، وقد يخسر الكبار حقهم بالسعادة عندما يستجيبون لمعايير المجتمع عليهم.

السبت، 31 يناير 2026

225- ملحــــــــــــدون

 رابط عربي 21


توصيف الموضوع

وفقَ اعتقادي، الإنسان في الأرض لاختبار منظومته العقلية ومدى قدرتها على التفكير السليم، وأن ما زل به آدم وزوجه هو أنهما لم يفكرا جيدا رغم أن المعلومات كانت متاحة، وعبر العصور كانت المعلومة تتفاعل مع الإنسان؛ يقبلها أو يرفضها بمدى قناعته بالدليل. والتدين غريزة، من أجل هذا وجدنا يعبدون الأصنام، ووجدنا ملحدين على طريقة عصرهم، أو من يعبد الأصنام ولا يعرف معناها. ويتغير البشر بعد الرسالات تدريجا من الضد إلى الإيمان بالرسالة وفق فهمه ثم ينتظم مع الرسالة وفق حقيقتها ليكون شخصية بعقلية الرسالة ونفسيتها، وهكذا وجدنا عظماء المسلمين كخالد بن الوليد وعمر بن الخطاب. وقد ينحرف التفكير ويصل إلى تخلف الفكرة في فهمه بعد يقظة.

فكلامي هنا ككل مقال ليس من منطلق تدين وإنما من أجل الحقيقة التي تبقى تدور وموضع تدقيق، وهكذا هي منظومة الإنسان الناجحة، أما من استقر وتعصب للدين بلا فهم أو تعصب ضده، وكما نرى أناسا إعلاميين ومثقفين يجاهرون لدرجة السفاهة الواضحة وهم يزرعون الفشل بضياع الهوية وبرجعية الطرح التي لا تدل على أنهم يدركون أو حتى يعلمون شيئا عن عظمة الخلق في جسدهم هم ناهيك عن الكون ككل لدرجة تعجب لثقة الجاهل بما وصفته نظرية دانينغ-كروغر.. هؤلاء في فهمي يمثلون بيئة ومنظومة تنمية التخلف، وهؤلاء الناس يعتبرون هدفا لمشروع هداية.

نرى في طرح الملحدين من الإعلاميين كم الكراهية والحقد على الإسلام، وقد يتسامح مع أديان أخرى، لكنه يجد الإسلام هو التحدي في بيئته، وهو يجهل الإسلام كجهله لأشياء كثيرة ويظن أنه يعرفها كما يظن معرفته لكل شيء، بينما الباحث عن الحقيقة، متدينا أو غير متدين، تميزه برصانة السلوك


الملحدون أو من يعجبهم هذا الوصف دوما يُتهمون بانهم ليسوا أصحاب مبادئ أو منحلين خلقيا، لكن لغياب المنظومة القيمية الصارمة تجد أكثرهم معرض للانحراف كما ينحرف المتدين الذي يبرر لنفسه الانحراف، وهم ظالمون لأنفسهم بجهلهم وتصورهم الفهم والمعرفة فلا يرون جهلهم.

المسألة إذن ليست هنا، وإن كثرت فلأن هنالك من يدعي الإلحاد كما هنالك من يدعي التدين ليغلف رغباته وغرائزه، وترى هؤلاء أشد تعصبا. ونحن نرى في طرح الملحدين من الإعلاميين كم الكراهية والحقد على الإسلام، وقد يتسامح مع أديان أخرى، لكنه يجد الإسلام هو التحدي في بيئته، وهو يجهل الإسلام كجهله لأشياء كثيرة ويظن أنه يعرفها كما يظن معرفته لكل شيء، بينما الباحث عن الحقيقة، متدينا أو غير متدين، تميزه برصانة السلوك.

رجعيّة الضلال

من هنا ننظر إلى المسألة على أصل الفكرة وهي الملحد عن تفكيره هو وقناعاته؛ لكن من خلال ملاحظتي أن هذه النوعية قليلة وهو أمر يؤسف له؛ لأن هؤلاء إن تَفَعَّلَتْ منظومتهم العقلية وأدركوا الإسلام بعد حربه سيكونون من خاصته العلمية والمعرفية، بيد أن ما أراه في أغلب المواقع سطحية وتخلفا ينقصه الإدراك وعكسا للمنطق باسم المنطق، وإذا بهم يجدون أنفسهم متعصبون لدين اسمه الإلحاد يفقدهم المروءة والموضوعية، فهم عندما يهاجمون الإسلام في بيئتنا لأنه الدين الغالب وهم يريدون أن ينزعوا أنفسهم منه، يهاجمونه وفق أساليب عفا عنها الزمن، متخلفة جدا وبناء على انطباعات غير صحيحة، ويناقشون أخطاء بلاغية فيما تقاس عليه قواعد البلاغة جهلا، أو أحكاما لا يعرفون عنها إلا ظنا، فسمتان في هؤلاء الناس تشابهان المتدين غريزة، وهما جهل في الدين وحقيقته، والأخذ بالسطحية وثقة الجاهل.

العالم يتقدم في اكتشافاته العلمية وبيان الدقة الكونية وسعة الكون الرهيبة فعلا، ليقول لك شخص ما إن الكون أكبر أن نكون نحن فيه لوحدنا، بدل أن يسأل عن نظام الكون واستحالة كونه غير مصمم ومبرمج من لدن عليم عظيم، وهو لم يفهم معنى "رب العالمين" الذي يريد تسفيه كلامه بلا إمكانيات ولا قدرة، يأتي إلى أحكام في العلاقات ويأخذ برأي إنسان ويعكسه على العقيدة، وان أفهمته؛ يقول هذا عالم. وماذا عنك؟! ألَسْتَ العقلاني على حد زعمك؟ ألا تستطيع أن تفكر لتعرف الصواب ما دمت قررت أن رأي "رجل الدين" خطأ بدل أن تسد الطرق أمامك بكسلك؟ على الأقل أن هذا النظام الذي نراه يوما بعد يوم ندرك أنه لا يمكن أن يكون عشوائيا، لكنها المكابرة وحب للظهور. فأبو جهل كان يكنى بأبي الحَكم لبلاغته وحكمته، لكنه مات مكابرا متكبرا، وإبليس ليس غبيا لكنه شطَّ فسمي شيطانا.

الأنا والمكابرة في الباطل تيه وضياع وهروب من نور الحقيقة إلى ظلام التخلف، اليوم فعلا أصبح رجعيا متخلفا من يردد عبارات لا تراها تتجدد ولا يشعر بأنه يجب أن يحقق اتهاماته أو انطباعاته، فهو كلام مرسل وتجنٍ وبهتان وبلا دليل، رغم أن ما ينقصه أُفهم له مرات، لكن إحساسه بأن له قيمة في إعلام فاسد يزيد من تيهه، مع الرد على سطحيته دون إعلامه بأن أفكاره باتت رجعية مع تقدم المعرفة.

الملحدون في عصر الاكتشافات الكونية

بعض متخذي الإلحاد غطاء لا يستطيع أن يهاجمك من خلال عقيدته فيتقمص الإلحاد. تعرفهم بلحن القول وفلتات اللسان وما نلاحظه من جرأة هؤلاء وسفههم، يستغلون مهنهم، وهنالك من تستعبدهم رغبة الشهرة بزعمهم الإلحاد


هل هم متخلفون عن الزمن في عصرنا الحالي، الذي يشهد تقدما علميا مذهلا؟ إن الله وعد أن نرى آياته، وسيكتشف أهمها من هو كافر به بطرق تفوق الخيال، فمنذ إطلاق تلسكوب جيمس ويب وغيره من المهمات الفضائية، أصبحنا نرى نظاما بديعا لا يمكن أن يكون عشوائيا، فالقول بالعشوائية تخلّف عن الزمن وعن العلم قد يسامح في العصور الغابرة وليس بثورة الاكتشافات والعلوم، فهذه عودة لعصور غابرة قبل التفكير بالخليقة والخالق.

العَالِمُ بما في الكون ما لم يكابر سيصل إلى أن للكون خالق، أما الإصرار على الرجعية بتغييب المراجعة فهو إهانة للكرامة الإنسانية وقيمة المنظومة العقلية.

تدفعهم عقائد فاسدة فيتقمصون الإلحاد

بعض متخذي الإلحاد غطاء لا يستطيع أن يهاجمك من خلال عقيدته فيتقمص الإلحاد. تعرفهم بلحن القول وفلتات اللسان وما نلاحظه من جرأة هؤلاء وسفههم، يستغلون مهنهم، وهنالك من تستعبدهم رغبة الشهرة بزعمهم الإلحاد، عبيد الشهرة مشوِّهو الانتماء، هؤلاء يقفلون على أنفسهم عالم عميان يعتبرون معه النور هرطقة، ولا غرابة أن يستخفوا بالقيم، فقوم لوط لم يستنكرون ولو كذبا على لوط سوء سلوك، بل استنكروا "إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ".

المسألة مسألة فهم ولا ينبغي أن نعمم فكل توجه فكري فيه أقلية متطرفة بسلوكها تشوه فكرها، وهنالك من يلحد بسلوك يغيّب اللهَ في نفسه فلا يرتدع عن ظلم لنفسه أو الآخرين.

السبت، 24 يناير 2026

224= حداثة بائدة وحداثة رائدة ........ الجزء الثاني الحداثة الرائدة

 رابط عربي 21


القيم الأخلاقية:

الدعاية التي تقتل الحقيقة هي المحبطة، الكثير من النماذج والأنظمة التي ترفع شعارات الكرامة الإنسانية والعدالة والسعادة غالبا ما تفشل في تطبيقها على أرض الواقع، بل قد تُستخدم هذه الشعارات أحيانا للتغطية على انتهاكات جسيمة. هذا التناقض ليس استثناء، بل ظاهرة متكررة في التاريخ السياسي والاجتماعي، حيث يُستغل الخطاب الأخلاقي لتبرير التعصب، التهميش، أو القهر ودوما علو الرعاع والغوغاء هو إهانة لكرامة العلماء الإنسانية.

طرحنا نماذج مضللة لا تمثل فساد القيم وإنما فساد الإنسان الذي خفف الصرامة على نفسه بالتزامها حتى تحولت إلى استجابة للعدمية والكراهية، وبالتالي الانتقام من فشل النفس بتدمير الآخرين. اليوم نرى الولايات المتحدة تقول لأني قوة عالية فيحق لي أن افعل ما أشاء، نوع من الفرعونية المتطورة، ولأني من جنس أبيض راق ولا تدري لِمَ هو راق رغم كل ما يحصل، فالبقية محض كيانات لتحقيق ما أريد، وهكذا الطائفيون الذين لا يملكون رؤية لكينونة بشرية يحاولون صنع بيئة رديئة لأنها تناسبهم في العيش، وهل تهتم البكتريا وهي تبني بيئتها بما يصيب الحياة؟

الحداثة الرائدة:

ذكرنا في عصر النبوة نشوء نموذج قائم على العدل وقبول المختلف باعتباره جزءا منك؛ إن أحب اندمج معك أو تكامل محتفظا بخصوصية ما يراها أفضل له، وهذا النموذج هو نموذج كتجربة قابلة للطور العلمي في الإدارة والتوسع الفكري والقانوني الحضاري، لكن النماذج التي أنتجها البشر تستقيم على قدر رد الفعل ليتحول المظلوم ظالما والدعي صادقا والأمين خائنا. النظم الغربية تعاملت مع الوافدين مدنيا وفق معالجة شعوبهم للمسالمة والرأسمالية والهدوء التقليدي، لكنها لم تبد ذاك التعامل عند تعاظم نشاط المسلمين الفكري خصوصا وأن المسلمين أنفسهم ليسوا على نمط واحد، بل هم انتحوا نحو السطحية والشكليات والمظاهر وتحرر العواطف التي كانت هي الأخرى مكبوتة في بلادهم.

دون شك كثر أدعياء القيم من كل المتسلطين في الأرض لكن تحكمهم ويحكمونا بغرائزهم وجهالتهم، فنحن نحتاج باختصار الإيمان الحقيقي بما نقول وهذا يحتاج:

1. الفهم العميق للفكر وأن لا تمايز بين البشر في إيجابيات، وهذا يتطلب تعليم مستمر وتخصيص الحوارات وتوسيع الاندماج بالمهام الإنتاجية دون إبراز لخلافات الخاصة من رجال دين وعلماء، والأَولى بهؤلاء أن يقيموا صالونات خاصة بهم ومراكز بحوث لتساؤلاتهم، وليس نقاش من هو الأفضل أو الأصوب، فالأديان الثلاثة مصدرها واحد عليهم إن ظنوا أن هنالك خطأ أن يجدوه وليس التترس والاستقطاب.

2. الصدق في التنفيذ: هذا هو الحارس الحقيقي، وليس المزايدات وزعم الإخلاص.

3- السلطة تفسد: عندما يصبح الحارس نفسه مستفيدا من انتهاك القيم، يتحول إلى جلاد. التاريخ مليء بأمثلة فترى الدعوة شيئا والفعل ضد.

4- الخوف والمصلحة: عندها يصبح المجتمع شريكا في التخلي عن القيم.

5- غياب الإيمان الجماعي: عندما يفقد المجتمع إيمانه بالقيم المشتركة، يحل محله الولاءات الضيقة (قبلية، طائفية، حزبية).

من هو الحارس؟ الحارس الذي يعامل الجميع بمسطرة المساواة ويرجح العدل وليس بتسليط فئة على فئة فلا تستقيم الأمور.

هل الإسلاميون حكموا فعلا؟ منذ عهد الرسول كان الحوار والنقاش مع الرسول فكانت الحلول تثبيتا للثوابت وإلغاء للشطحات، وما بعد الرسول كل شيء يعتبر رأيا قابلا للنقاش والرد، أما الحكم العضوض فقد أسقط الشورى وفتح أبواب الاستبداد وحكم التغلب الذي نحر الشورى، وبقي الشعب تحت رحمة المتغلب وأخلاقه والتزامه الشخصي.

وفي عصرنا وجدنا تقليدية مقيتة واستغل الأعداء النظرات المتطرفة فسخّروا الطاقات وجندوها لقتل أهلها والتخريب والتنكيل، في حين أن فئة أخرى فرضت سلطات الأشخاص وعظمتهم إلى العبادة وامتلكوا أموال السحت واستحلوها، وأصبح الأمر ليس سرا بل لم يعد منكرا وإنما يسير مرتكبه بخيلاء، ومن يعظمه يعلم أنه سارق وهو يعلم نفسه سارقا ويعلم أن من يعظمه يعلم أنه سارق.

كل شرّع لنفسه وظن أن هذا لا يثلم من قربه إلى الله، بل تقرب الناس إلى الله موقنين أن قتل الناس تقربا أو الإضرار بهم وأنت متمكن واجبا وشطارة، وهذه إساءة إلى رب العالمين.

إن أراد المسلمون قيادة حداثة مطلوب ظهورها:

1- عليهم إسقاط كل معتقد يسمى بغير الإسلام، طائفة أو عشيرة أو عرق أو توجه ديني أو سلوك تعبدي أو فهم سقيم.

2- إذن لا بد من الفهم والفهم أول خطوات النهضة الفكرية وتشخيص صائب لامعات تافهة.

3- بناء مراكز دراسات وتدريب وتأهيل ومحطات تلفزيونية، وإنشاء مواقع لمحاضرات على الناس توضح وتنقد كل شيء، ويمكن أن تكون نواة لعمل ديمقراطي في اختيار الحاكم الحكومة، ويمكن أن يدرب على هذا القسس والخطباء.

4- إن إقامة نموذج بشكل صحيح كاف جدا لدعوة الناس للتفكر عندما ينتج العدل أدواته في عصره.

إن بقاء المسلمين على عناوين معتقدات ثانوية وعدم إفساح المجال للتفكر هو من النفس عدوا للنفس، كذلك بقاء رجال الدين من كل الأديان على زرع التمايز وما يقود لضعف الانتماء والكراهية من أجل الرعوية، فهو تخريب للنسيج والتفاهم وضعف على مدى أبعد في الانتماء للبلد والدين نفسه، فترى الهجرة في أقرب فرصة هي الحل بدل السجن النفسي في بلده وهو سجن وهمي.

العالم كله متضرر:

قصر النظر بعداء الإسلام بدل ترك التفاهم بالفعل وليس برد الفعل، أضاع فرصا على الغرب والشرق والمسلمين أنفسهم في فهم الإسلام الفهم الصحيح، وفهم معنى التدين بأي دين، بل الاستفادة من غريزة التدين في زرع الأمن والمحبة بين الناس.

المسألة ليست إقامة اسم على دولة بل أن تتعامل الدولة في تطبيق الاسم، وإن كان السلم للناس كافة فهو كذلك بالفهم، وأن كرامة المستبد والمظلوم منهارة بالظلم وليس كرامة المظلوم وحده، فالمظلوم مغتصب عن ضعف، لكن الظالم مهان بإرادته لتجرده عن إنسانيته والقيم وكل شيء، وما ينطبق على الفرد هنا ينطبق على الدول.. كل الدول.

السبت، 17 يناير 2026

223= حداثة بائدة وحداثة رائدة

 رابط عربي 21


حركة البشرية:

منذ انطلاق رحلة التنمية وصياغة قوانين لإدارة الحياة، كانت القوانين لحماية الرأسمالية المتشكلة، وأما القيم فلم يك لها دور إلا بالكلام، فكانت الإنسانية لها معنى يختلف عندما يرى الأوروبي الهندي أو العربي الإحساس بالتفوق، ولأني متفوق أفعل ما أريد بغيري، وهو تفسير ضال واستعارة تعسفية من علوم الأحياء والنشوء والارتقاء في الاجتماع والسياسة بما لا يمكن استعارته.

الحداثة بدأت في تغيير نمط الحياة في أوروبا ومن المدن الساحلية كفينيسيا في المدنية وليس بناء حضاريا فكريا وهذا اختلاف مهم عن الشرق، لكن حكم الغرب أن معيار تفوقه التكنولوجي أو الجنس الأبيض بتفسير سيئ؛ جعله في صراع مع الشرق ورغبته الفاشلة في تغييره، فالشرق حضارات وأمة، أما في الغرب فالدولة هي مؤسسة وشركة، وتنافسه مع أرقى المدنيات في عصرها أنتج هزيمة الاتحاد السوفييتي لأنه خالف الطبيعة البشرية وفق التصور العميق للإنسان والذي يطل برأسه مهما حاول الطغيان إخفاءه.

الحداثة الآفلة:

حداثة الغرب آفلة ولأسباب كثيرة شرحها الباحثون، فهي لا تستند إلى فكر حضاري كي تتجدد ولا تتميز بوحدة اللغة كالصين. وقد تُنتقد الحداثة ودولتها "أنها لبوس زائف يتهاوى أمام أفكار أخرى تواجهها"، وأنها لا تصمد أمام منافس مختلف بالنمط الحياتي لنفس السبب، وهو أنها لا تقوم على فكر وإنما على قيمة النفعية، وهو ما نرى فيه كل إيجابيات السلوك الحسن مع الزبون.

هذه الدولة ليست مجرد هيكل إداري، بل تجسيد للحداثة: تسيطر على الاقتصاد، تنظم المجتمع، وتفرض العقلانية -كما تسميها- على الطبيعة والإنسان.

أما عن "من يتهاوى الآن"، فالسؤال يفتح نقاشا حول أزمة الحداثة أم أزمة الدولة الحديثة. من منظور تاريخي، يرى بعض المفكرين أن الحداثة نفسها تتهاوى، إذ انتهت عصرها مع الحرب العالمية الثانية أو حتى الثمانينيات، مفسحة المجال لما بعد الحداثة (postmodernity) التي تفكك السرديات الكبرى مثل التقدم والعقلانية، وتكشف عن هشاشة الوعود الحداثية في مواجهة العولمة (الانهيار البيئي، والأزمات الرقمية، على سبيل المثال). يتحدث كريستوفر كلارك عن "نهاية الحداثة" في 2025، مشيرا إلى تفكك العولمة والعودة إلى صراعات ما قبل الحداثة، كما في النزاعات الإقليمية والطائفية.

من جهة أخرى، يركز آخرون على تهاوي الدولة الحديثة نفسها، لا الحداثة كمفهوم، بيد أن الدولة الحديثة لم تعد حديثة وتحتاج تحديثا، وهي لا تصمد أمام التقارب الذي يحصل في العالم، حيث الجغرافية أضحت متقاربة بسبب الاتصالات والمواصلات، وانتقال الأمراض أضحى وكأن لا حواجز بين الأمم، وهذا أمر مهم الحقيقة يبين الحاجة إلى تفكير جديد.

الحداثة حداثات:

الحداثة ليست متلازمة مع أمة أو شكل واحد، بعمق التاريخ كان الإسلام يقود حداثة فكرية أخلاقية استطاعت احتضان المدنية، لكن الفهم للإسلام وفكره تراجع من العمق إلى السطحية وما زال، والتراجع سبب تحييد الأمة واستمرار انحدارها إلى يومنا هذا أو على الأقل السبب الذي أضعفها فجعلها فريسة حية تنهشها كل الضباع وهي حية.

إن رفض فكرة الحداثة الواحدة يسمح ببناء النموذج المحلي، مما يجعلها أكثر استدامة وتكيفا مع التحديات المعاصرة لبناء النموذج الحقيقي بلا رتوش، أما الدولة الحديثة التقليدية فقد بُنيت غالبا على أسس عملية مثل احتكار العنف الشرعي (كما وصفها ماكس فيبر)، وهو أمر يشبه ولاية التغلب وشرعية الظلم للحاكم، أما مقاومته فهي إرهاب منتهى التخلف الأخلاقي وخيانة المعلن من المبادئ، وقد تعلن بعنوان التنمية الاقتصادية، دون التركيز الرئيس على الأخلاق. ومع ذلك، هذا لا يعني أن الدولة يجب أن تبقى كذلك؛ بل يمكن إعادة تصورها ككيان أخلاقي يركز على السعادة الإنسانية والعدالة، وعندما يضع الباحثون مثالا على ذلك هو مملكة بوتان، التي اعتمدت "السعادة الوطنية الإجمالية" كمقياس رئيسي للتقدم بدلا من الناتج المحلي الإجمالي، فهو مثال محبط كنموذج مبني على مبادئ بوذية بالنتيجة، يشمل أربعة أعمدة رئيسية: التنمية الاقتصادية العادلة، الحفاظ على الثقافة، الحماية البيئية، والحكم الجيد.. ولكن.. هل هذا حقيقي؟

بوتان تُروج لنفسها كـ"أسعد دولة في العالم" من خلال مفهوم (Gross National Happiness -GNH)، الذي يُقدم كبديل أخلاقي للنمو الاقتصادي، مع التركيز على الرفاهية والثقافة. لكن الواقع مختلف تماما: في التسعينيات، نفذت الحكومة حملة تطهير عرقي ضد شعب اللوتشامبا (النيبالي الأصل)، طردت أكثر من 100,000 شخص، وسحبت جنسياتهم، وأجبرتهم على النزوح إلى مخيمات لاجئين في نيبال. هذه الانتهاكات وُصفت بـ"التطهير العرقي" من قبل منظمات مثل هيومن رايتس ووتش وآمنستي إنترناشونال، واستمرت مشكلات مثل السجناء السياسيين، وقمع حرية التعبير، والتمييز العرقي. شعار "السعادة للجميع" يغطي في الواقع على سياسات "واحدة أمة، واحد شعب" التي تهمش الأقليات غير البوذية.

الولايات المتحدة: "الحرية والمساواة" مقابل الظلم العنصري والسجون. الولايات المتحدة مبنية على شعارات إعلان الاستقلال: "كل الناس خُلقوا متساوين"، مع حقوق الحرية والكرامة. لكن الواقع يظهر فجوة هائلة: السجون الأمريكية مليئة بانتهاكات حقوقية، خاصة ضد السود، مع معدلات سجن تفوق العالم بأسره، وعمل قسري غير مدفوع (يُشبه العبودية الحديثة)، وعزل انفرادي، وتمييز عنصري منهجي. تقارير الأمم المتحدة وهيومن رايتس ووتش تتحدث عن "انتهاكات صارخة للكرامة"، مع تأثير غير متناسب على الأقليات العرقية، مما يعكس إرث العبودية والعنصرية.

الكنيسة الكاثوليكية: "كرامة الإنسان" مقابل الفضائح. التعليم الاجتماعي الكاثوليكي يضع الكرامة الإنسانية في صميم تعاليمه، محذرا من الاستغلال والظلم، لكن الكنيسة نفسها واجهت فشلا ذريعا في تطبيق هذا، اليوم نرى كثير ممن يزعم التدين الإسلامي وهو في الحكم أسوأ نموذج يناله في مؤشر دينيس.

في الجزء الثاني إيضاح وعلاج بإذن الله

السبت، 10 يناير 2026

222- الطائفية الرعناء ولاثنية الحمقاء

 رابط عربي 21



تعريف العنوان:

لا شك أن المصطلحات التي تشكلت كانطباعات عند الكتابة عنها تحتاج لبعض الإيضاح لترميم الانطباع وتكامله. الإثنية مثلا ليست القومية لكنها تشمل القومية، يعرف الذكاء الاصطناعي (موسوعة العصر!) الإثنية (Ethnicity) بأنها تشير إلى هوية اجتماعية لمجموعة من الناس يتشاركون في سمات ثقافية أو أصل مشترك، مثل اللغة، التاريخ، الموطن، الدين، أو التراث، مما يمنحهم شعورا بالانتماء الجماعي المميز عن غيرهم. يمكن أن تكون هذه الهوية متوارثة وتتأثر بالبناء الاجتماعي، وتلعب دورا في تعريف الذات ضمن سياقات ثقافية وسياسية متنوعة.

أما الطائفية: فهي التعصب والانحياز الأعمى لجماعة (دينية، مذهبية، عرقية، سياسية) على حساب الجماعات الأخرى. تتسم بالانغلاق، والكراهية، واضطهاد الآخر، وتُستخدم أحيانا لتبرير أهداف سياسية، وهي تختلف عن مجرد الانتماء للطائفة. وتؤدي إلى التفرقة والصراعات، ويمكن أن تتجلى في أشكال دينية (مذهبية)، قومية، عرقية، أو سياسية (استغلال الدين)، وتضر بالوطن والمجتمع وتعرقل بناء الدولة المدنية.

 أمتنا لا يمكن أن تصلح وتكون قوية وهي تستثير الطائفية بأنواعها، والتي تأخذ شكل الدين والتدين أو الإثنية القومية، وغالبا هذه صناعة خيال ووهم،


الرعونة: تعني الحمق، الطيش، وسوء التصرف، وقلة تقدير الأمور أو الجهل بها، وتصف الشخص الأخرق والأهوج في كلامه وفعله، وتظهر في التسرع وعدم الروية، وتدل على نقص في المهارة أو العلم المطلوب في موقف ما. والشخص الأرعن هو الأحمق الذي يفتقر إلى الفهم السليم، ويتصرف بعجلة واندفاع دون تفكير، وغالبا الأرعن لا يتحسّب للأمور فهو غير كفء في منظومة تنمية التخلف.

الحمق: هو قلة العقل وضعف التصرف، حيث يفتقر الشخص للحكمة ويفعل ما لا معنى له أو لا يدرك عواقب أفعاله، وهو يختلف عن الغباء في أن الأحمق قد يعرف الصواب لكنه لا يعمل به، أو يظن أنه يعرف بينما هو مخطئ.

مجتمعنا ليس قوقعة تنتج اللؤلؤ من الشوائب:

دعونا نسلم جدلا بأن هذه الأمة تجمعها لغة القرآن كعنصر مشترك، يقودها من يُعتبرون من مثقفي الأمة وهم مجموعة التكديس المعلوماتي التي تتخذ من معرفتها مخزونا للمناكفة والجدل العقيم، ولا تدير هذه المعلومة لتُنتج ما يفيد صمودها ووجودها بين الأمم، وهذا ذاته ما أخرج آدم من الجنة، فالمثقف ليس بالكم المعلوماتي وإنما بمعالجة المعلومات وإبداع الجديد المفيد.

نظرة إلى واقعنا فإن أمتنا لا يمكن أن تصلح وتكون قوية وهي تستثير الطائفية بأنواعها، والتي تأخذ شكل الدين والتدين أو الإثنية القومية، وغالبا هذه صناعة خيال ووهم، فما رأيناه وما كان غيره أن هذا النوع من البشر تحركه الغرائز وليس القيم، ومنظومته العقلية مستعمرة من أمراضه النفسية وتاريخ من الحرمان أو التطلعات بعيدا عن قابلياته الفعلية.

الصدمات في تاريخنا الواسع لم تصنع لؤلؤا أو مرجانا، وإنما وسائل من النفاق والازدواج والخداع، وبالتالي معاناة الشعوب أنها لم تك أمة ولا دولة، وإنما واقعة تحت فوضى الغرائز من حب السيادة والتملك وتصور الظالم أنه مظلوم وليس ظالما، وأن ما يفعله ليس ما كان يستنكره أو ثار عليه، فكرهه للظلم ليس كرها لماهية الظلم بل لأن الظلم واقعا عليه، وهو يتمنى مكان الظالم.

السلطة الحقيقية فهي أن ينال المواطن كل المواطنين حقوقهم ويشاركوا في بناء أوطانهم، وهم يمثلون أنفسهم وما يقترحون لبناء بلدهم


هذا الدوار واللا عقلانية عندما تتحكم العصبيات الطائفية بأنواعها بالإنسان، وتبدو مسخا مقززا عندما يتبناها مثقف يزعم أنه مفكر أو باحث حتى لتشعر بالغثيان، وهذا منتهى الرعونة خصوصا عندما يتبناها أناس يظنون أنهم من قومية معينة يتعصبون لها أو مذهب أو دين، هذه الطائفية ماحقة لا تبني دولة ولا أمة ولا تقاد بها حياة، فالأنظمة لم توجد لتقاسم سلطات ولنقول إن هذا لي وذاك لك، وإنما أتت لتقاسم المهام والمسؤولية عنها، وكانت الحاجة إلى مركزية وهو أمر لا بد منه بل واجب ومن الحمق العمل بغيره في بداية الحكم في أمة يمكن أن تثار فيها النعرات والطائفية. والمركزية لا ينبغي أن تفرض أيديولوجيا معينة أو تدعو لها بل والتنمية بفروعها، ثم إن احتاج الأمر فلا مركزية إدارية في مسائل تسهيل الخدمات والتخطيط كالأوراق الثبوتية الرئيسة، ويمكن بالاتمتة أن تنتفي الحاجة لأي نوع من تشتت السلطة.

فالسلطة ليست حقا ولا مكاسب وإنما مهام ومسؤوليات، ومن يفشل في إدارة البلاد يغادر لأنه ليس إلا موظفا عند الشعب لا أكثر من هذا، فلا ينبغي أن يسيّد الأجير على سيده وإلا أزيح بكل الوسائل المتاحة.

بناء الأمة والدولة:

في مقالات سابقة ذكرنا معنى بناء الأمة والدولة، وأن لا دولة بلا أمة وبناء الأمم لا يأتي من الاعتراف بالتقسيمات والمكونات بل بالعيش مع بعضها دون حاجة لتكون فيصل في السياسة والحكم. ولقد رأينا أن ما بني على التقسيمات لم يؤد إلا إلى أذى ودماء، وإقصاء الكوادر البنّاءة وشيوع الجهل والفقر وتفسّخ البلد والتعليم وانتشار الفساد، وضياع الثقة بالحياة نفسها وليس الحكم فقط. من أجل هذا فأولى خطوات بناء الدولة الحديثة أن تكون مركزية ولا تعير اهتماما للطامعين بالسلطة على حساب قومهم، وما هم بمنصفي قومهم وإنما يثيرون العصبيات الطائفية بأنواعها من أجل التربح والفساد في الأرض، وأن العدل أساس الملك وهو ما يهم الشعب لأنه يعني العيش الكريم والكرامة الإنسانية.

وأما السلطة الحقيقية فهي أن ينال المواطن كل المواطنين حقوقهم ويشاركوا في بناء أوطانهم، وهم يمثلون أنفسهم وما يقترحون لبناء بلدهم، فإن استقرت الأمور فلكل حادث حديث من أجل ما يحتاجه البلد للارتقاء.

228 -هيمنـــــــة الشــــــــــر عبـــــرالعصــــور

 رابط عربي 21 الشر  البشري: بين الأنانية والتفسيرات الفلسفية في عالم يعج بالتناقضات  الأخلاقية ، يبرز تعريف الشر كظاهرة نفسية واجتماعية عميق...

يقظة فكرgoogle-site-verification: google25f7d3ebc2fdac29.html