نشر المقال موقع عربي 21
نحن نحب الظلم ونحب ان نظلم ولكن نكره الضلم حين يقع علينا
واقع الحال
في زمن تحتضر فيه الآدمية ورقي المشاعر الإنسانية، يستغرب الإنسان الذي يعيش في حداد أبدى غير معلن أن يجد مشاعر صادقة تنبعث من البعض، ليحل الشك والخوف فيحرك كل محاذير الطوارئ وتطلق محرك أنزيمات الخوف، ويسرع بإشادة الجدار بدل تأملها كنور يزيل الظلام، أو شمس بأهمية وجمال شمس كانون وهي تطل من بين الغيوم لتشيع دفئ في أجساد باردة أو ضوء بعد جو كئيب، لماذا؟
واقعنا اليوم واقع إنسان استعمرت غرائزه منظومته العقلية فباتت التفاهة علامة الإنتاج الرئيسة، رغم التطور المدني الذي لم يصنع الإنسان الأعلى كما فكر نتشة عندما مات الاله في نظره عند البشر، وتخلص من أخلاق العبيد ""التي تمدح الضعف، الشفقة، الزهد، والاستسلام، وتعد بالتعويض في عالم آخر. بموت الإله، سقطت الوعود الغيبية، وأصبح لزاماً على الإنسان أن يلتفت إلى الأرض، ويتحمل مسؤولية وجوده كاملاً دون الاتكاء على عزاء ميتافيزيقي". هكذا قال نتشة مؤملا بين خيارين إما الفناء الروحي في العدمية، أو القفز نحو مرحلة تطورية جديدة يُعاد فيها ابتكار الإنسان؛ هنا تحديداً، ولد مفهوم الإنسان الأعلى كضرورة حتمية لإنقاذ الوجود"، لكن ما نراه اليوم أن الإنسان في تيه عندما تخلى أو تشوهت عنده القيم العليا، وان قيم النفعية لا تحافظ على الإنسانية خارج الأهداف وماتت الآدمية عندما نسوا الله، فبات تيها ووهم لا تدري أي منهما يغذي الآخر ليستمر.
الآدمية
ميزت الآدمية بالمنظومة العقلية، أما الغرائز فهي مشتركة بدرجة وأخرى عند المخلوقات، وما ينظم المنظومة العقلية هو الفهم للمعلومة وتبنيها وحدها بلا فهم لا يكفي، هذه الميزة اليوم تحتضر وبالتالي فان من يحتضر هو الآدمية التي تبتعد عن القيم العليا، وابتعادها موت للآدمية وليس للإله، فالآدمي قائم ومكرم بشرط المنظومة العقلية فان غابت غاب تكريمها، وانشغلت كما نرى بالتفاهة وابتعدت عن الجد.
بيد أنَّ هذا ينبغي ألّا يفهم تعميما فالآدمية تبقى محافظة على بذور واصل وجودها لكن الأكثرية من تعطي عموم المشهد، والإنسان الذي يقابل ربه فردا عليه تحمل مسؤولية معتقداته وسلوكه ودرجة مطابقته للقيم بشكلين:
الأول ضمن المجموع والمجتمع مهما كان نظامه ووضع البشرية ودرجة الإنسانية فيه، فهو ملزم بقوانين هذا المجتمع ومحاسب بها من منظومة الحكم في المجتمع، وهنا يتميز حامل القيم العليا والآدمية بأسلوب معالجته للموقف ووفق أسلوب التمكين.
المسالمة لا تعني اليد الرخوة ومقاومة الظلم ضمن المجموع يلتزم بقوانينه، وضمن المحيط الأضيق بإعانة السلطة الصالحة المتمكنة على تأشير الخلل، وهنا تظهر معاني الاستطاعة، ففي دولة يحكمها قانون لابد من معرفة المنكر وتأطيره، فإن كان ممكنا ضمن النظام أخذ بالقوة، وإن لم يكن ممكنا فيؤخذ بنصح النظام نفسه لأن نصح الفاسد يفترض أنه استنزف، أما نكران القلب أي المنظومة العقلية، فهو تعريف أن هذا الأمر لا يدخل إلى الإنسان نفسه وما استطاع من محيطه دون إعلان لتمرد أو قسوة.
فالصبر هنا يأخذ معنى المطاولة والإصرار على تقديم شيء، ثم مقاومة امتداد الفساد وأدواته إليك أو التفاهة وما تصنعه بالنفس البشرية، فالإنسان هنا قوي صابر وليس متنقلا في الأحوال.
الثاني: هو تعاملك مع الله وذاتك، وهذا امر تجتهد به وفق فهمك ومراقبة نفسك، والإنسان بين مد وجزر، فلا ييأس ويجزع بامتداد التأثير السلبي إليه وإرهاقه من مقاومته أو الخطأ نتيجة الضعف البشري، المهم ألّا تصر على خطأ ولا تفتر عن حق.
تقييم قول نيتشه وزرادشت
ما وضعه نيتشه ووصفه زرادشت، بأن القيم تُقْتَلُ بقوة الإنسان ليبني قيما مكانها، (يتساءل زرادشت: "ماذا يمكن للطفل أن يفعله، وعجز عنه الأسد؟". الإجابة هي أن الأسد يمثل الغضب والرفض، بينما الطفل يمثل البراءة، النسيان، البداية الجديدة، اللعب، والحركة الذاتية العفوية)، هذا الكلام يعد نوعاً من تهافت الفلاسفة كاسم كتاب أبو حامد الغزالي، فهذا إنسان (لا شيء يهم) أو أنا المهم وهو ما وصلنا إليه اليوم من مجتمعات تشترك بهيمنة التفاهة والتغني بالماضي الذي تَنكر هي قيمه عمليا، بيد أنها لا تملك ما تفتخر به اللهم إلا بعض الأحداث المبالغ بها وبسرديتها، ما نراه إذن نوعاً من احتضار الآدمية الصامت الذي خرج الآن عن صمته ونحن نرى دخانا ونسمع طبول الحرب التي تهدد البشرية بما وصلت إليه علميا وغابت القيم العليا لتحل النفعية التي لا تحمي البشرية قطعا.
الإنسان عندما يبني قيم لا يبنيها من فراغ وإنما هي دوافع ونزع من الانطباع إن لم يكن هنالك فكرا، فلا يأتي الفكر من فراغ وإنما سيكون محصورا ببيئته فلا ينتج قيما وإنما سلوكيات لها دافع واقعه، وبذلك فالارتقاء هنا سيكون موضع سؤال يحدده قيمة عند حضورها.
خلاصة
أقوال فلاسفة؛ كهذه الأقوال، ممكن أن تُستقرأ بوحشية وتعالي خصوصا عندما تجتمع مع فرضيات كفرضيات داروين لنرى النازية والفاشية وكل عنصرية أو أفكاراً متطرفة قوميا ودينيا اليوم، نرى الدول التي يحكمها أناس شموليين وهم وحوش ترتدي جلد آدمي، ونرى أناس عاديين يكرهون الظلم ولكن ليس لجنس الظلم وإنما لان الظلم واقع عليهم فان تمكنوا ظلموا ونهبوا وآذوا بدم بارد وعيون جامدة حاقدة تهلك الحرث والنسل.



