تأمل في حديث نبوي:
الإرادة والمطاولة:
فلسفة الوجود ومواجهة القهر في المشكاة النبوية
(اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ
الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجَزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ،
وَغَلَبَةِ الدَّيْنِ، وَقَهْرِ الرِّجَالِ)
ومضة:
النظر للإرادة بالمفهوم الفلسفي الإسلامي يأخذ الحديث
النبوي من سياق التبرك اللفظي إلى مصاف "المنهج الحركي لبناء الإنسان الصامد"، فالإسلام لا يرى في الإنسان كائناً مسلوب الإرادة مسيرا بالحتميات، والا
ما معنى الثواب والعقاب بل قبل هذا الحساب وإنما يراه مكلفاً ومسؤولاً، وجعل
الحرية في الاختيار والعزيمة شرطاً أساسياً لصحة هذا التكليف، « حتى الدول حين تتحول
الديون من أرقام في الموازنة إلى
"شروط هيكلية" تفرضها مؤسسات دولية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي،
فإنها تنتقل من سياقها المالي الصرف لتصبح أداة قهر وتسلط عابرة للقارات، تسلب
المجتمعات سيادتها وتتحكم في تفاصيل حياة المواطن اليومية، وعندما تعجز عن السيطرة
على الفساد فهذا قهر الرجال
وهن العاطفة وقهر العجز
تبدأ مأساة الإنسان عندما يعجز عن حماية من يحب، ليس فقط
من عوادي الزمن وظلم الآخرين، بل حتى من "نزوات" المحبوب نفسه، إن هذا
العجز يمثل ذروة "قهر الرجال"؛ فالقهر ليس سوى تجريد الإنسان من قدرته
على الفعل وحرمانه من حق الحماية.
عندما يعجز عن صد عاصفة شعورية تعصف باهله ووطنه وامته،
يتحول القهر من ضغط خارجي إلى تآكل داخلي، هنا يولد "العجز والكسل"
كمرحلة تالية للقهر، حيث يفقد العقل المحرك الأساسي للمقاومة، ويتحول الكيان
الإنساني من فاعل في الكون إلى مفعول به.
الحرية شرط العطاء:
الإنسان المقهور والمكبّل بالديون (سواء كانت ديوناً
مالية، أو التزامات خانقة) هو إنسان مسلوب الإرادة، والمصلح أو المواطن الصالح لا
يمكنه تقديم النفع لشعبه أو وطنه وهو يعيش حالة "العجز والكسل"، التعوذ هنا
رفض واعي للمظاهر التي تحوّل الإنسان الإيجابي إلى عنصر خامل ومستهلك، "وأعوذ
بك من "قهر الرجال" هي في جوهرها استعاذة من وضع يُسلب فيه الإنسان
حريته لأن القهر يعطل فاعلية التكليف ويجعل المرء عاجزاً عن الوفاء بمسؤولياته
تجاه ربه، ونفسه، وأمته، وهي إشارة لاتباع الآليات علمها الله لعباده وجعلها من
سنن الكون في التدافع وليس آليات إبليس والخنوع التي مسارها إلى غضب الله.
أن استعباد الدول من قوى أكبر منها وإجبارها على الخضوع،
وبدل تحقيق الرفاهية للشعب تذهب إلى استعباده بعجزه أمامها وأمام نفسه كما عجز
الدولة أما غيرها، وكسلها عن المواجهة يجعلها تفرض عليه فوق طاقته كما فرض عليها
فوق طاقتها، فتغلبه الديون كما غلبتها الديون، لكن المواطن وهو عاجز في كل هذا واقعا
تحت قهر الرجال إجبارا، وتقع الدولة في قهر الرجال اختيارا، وهذا أشد مما استعاذ
منه رسول الله(ص).
فخ "الهموم" مقابل واقعية
"العقبات"
تتشكل جغرافيا النفس البشرية بناءً على طريقة رؤيتها
للحياة؛ فحين يتعامل الإنسان مع الدنيا بوصفها كتلة صماء من "الهم
والمشاكل"، فإنه يحكم على إرادته بالضمور، الاستسلام لفكرة أن المشكلة هي
"قدر دائم" يحوّلها سيكولوجياً إلى "همّ مقيم" يورث
"الحزن" وتمثيل الرضا
أما القراءة الواعية، فتقتضي تحويل "المشاكل"
إلى "عقبات"، الفرق بين الإثنين أن الهم مستنقع يغرق فيه المرء، أما
العقبة فهي جدار صُنع ليُتسلق أو يُهدم، إدراك الدنيا كمسار مليء بالمنعطفات
والعقبات يمنح النفس مرونة مجابهة القهر، فالألم في هذا السياق يصبح ثمناً مستحقاً
للعبور، وليس سياجاً يمنع الحركة.
المطاولة والديون الوجودية
الحياة في جوهرها ليست سباق سرعة، بل هي "معركة
مطاولة" تحتاج إلى نَفَس طويل وإرادة صلبة لاجتياز الأزمات أو تسديد
"الديون"، وهنا يتسع مفهوم "الدَيْن" في الفلسفة النبوية
ليتجاوز معناه المادي الضيق (المال) إلى أبعاد وجودية وأخلاقية شاملة.
الديون أنواع، وأثقلها هي الديون غير المرئية:
- الدين تجاه الوطن والشعب: وهو الالتزام الأخلاقي والتاريخي
بتقديم النفع، وحماية الهوية، والمساهمة في البناء.
- الدين تجاه الذات: وهو السعي لتطويرها وعدم الخضوع
لجهلها أو كسلها.
- الدين تجاه الآخرين: وهو الوفاء بالوعود والمشاعر
والمسؤوليات الاجتماعية.
إن تراكم ما يحتاج تسديداً (بسبب الجبن أو البخل أو
التقاعس) هو ما يؤدي في النهاية إلى "ضلع الدَين" – أي انحناء الظهر
وثقل النفس ــــــــــــ وعندما تنحني النفس تحت وطأة تقصيرها، تصبح لقمة سائغة وتغلب
عاجزة مقهورة فتبدو كتسلط الظرف وهو ما يحصل فعلا كأحد الحالات حتى مع العامل
الجاد المكافح والصادق في المجتمعات المتخلفة الغاطسة بالفوضى
خاتمة: العبور بالإرادة
إن الحديث الشريف لا يقدم مجرد استعاذة لفظية، بل يضع
خريطة طريق تحذيرية؛ إنه ينبهنا إلى أن الضعف يبدأ من الداخل (الهم والحزن)،
لينعكس على الجسد والسلوك (العجز والكسل)، فيثمر تراجعاً عن المواجهة (الجبن
والبخل)، لينتهي الإنسان عبداً لظروفه وللآخرين (غلبة الدين وقهر الرجال).
المخرج الفلسفي والعملي يكمن في "الإرادة
والمطاولة"؛ فالإنسان لكي يحمي من يحب، ولكي يفي بدينه تجاه وطنه وشعبه، عليه
أن يمتلك الشجاعة لتحويل مشاكله إلى عقبات، وأن يدرك أن تسديد ديونه الوجودية هو
السبيل الوحيد للتحرر من قهر الدنيا وغلبة الرجال.

