من أسطورة جيفارا إلى خريف الأيديولوجيات الكبرى
الأساطير والحقيقة:
من الظواهر التي ينبغي الانتباه لها هي حياكة القصص ونسب
المقولات إلى مشاهير التاريخ، وهذا النسب على نوعين: إما انه لتأكيد عظمة الأشخاص
التاريخيين عند من يعجب بهم، فينسبون لهم كل قول وحكمة، أو استغلال لهذا العظمة والتميز بان توضع على لسانهم أو
ما كتبوا عبارات يحسبها الجاهل حقا فيمرر الجهل من بين يديه كل خبيث، ولطالما
قرأنا أقوالا منسوبة لابن خلدون وجيفارا، وكثر غيرهم لكن من يدقق يجد أن الأقوال لا تناسب ما
آمنوا به أو أسلوب عصرهم.
جيفارا والراعي:
قصة من القصص المفبركة التي صيغت وكأنها حكمة متجاهلة أن
معايير شخص كجيفارا لا يعمل من اجل رضى الناس بل من اجل ما يراه متناسبا مع فكره
الثوري ويعلم مسبقا انه لا يقاتل من اجل الناس وإنما لجنس ما يراه ظلما، الظلم
والعدل هما معياران يمثلان لقيمة وليس لذاتهما عندما يعبران عن شخصية الفكرة، لكن
الإخلاص حتى لمثل هذه الفكرة نادر، فهنالك ثوار في نفس المسار كتقرير الكاتب
اليوغسلافي (ميلوفان ديلاس)بقوله "رغم أن لينين عاش متقشفاً وحظر الأجور
المرتفعة، إلا انه بدد كثيرا من الأموال لدعم سلطة الحزب والتخلص من المعارضين بلا
رحمة"، وربما هذا ما فعله جيفارا في كوبا عندما سيطروا على الحكم حيث أشرف
على إعدام المئات من النظام السابق بلا رحمة أو محاكمة عادلة، من أقواله “الكراهية
كعنصر في الكفاح؛ الكراهية التي لا هوادة فيها للعدو، والتي تدفع الإنسان إلى ما
وراء الحدود الطبيعية وتحوله إلى آلة قتل عنيفة وانتهازية بدم بارد... هكذا يجب أن
يكون جنودنا “التمييز ورفض الآخر، فنظام "النومينكلاتورا" تحول مع
الوقت (خاصة في عهد ستالين ومن بعده) إلى "طبقة برجوازية جديدة" ولكن برداء اشتراكي:
- الامتيازات السرية: كان
أعضاء هذه النخبة يتمتعون بمزايا لا يحلم بها المواطن السوفيتي العادي، مثل:
شقق فخمة، سيارات حكومية بسائقين، مستشفيات خاصة عالية الجودة، ومتاجر مغلقة
تحتوي على بضائع غربية مستوردة لا يدخلها عامة الشعب.
- توريث النفوذ: أصبح
أبناء هذه الطبقة يحصلون على أفضل فرص التعليم والوظائف الدبلوماسية، مما خلق
مجتمعاً طبقياً جديداً يناقض تماماً فكرة "المجتمع بلا طبقات" التي
قامت عليها الثورة.
فما كانت المحصلة، أن طبقة جديدة حلت محل طبقة قديمة في
الاستملاك والمميزات، ناس تعدم ناس كانت تَعدمهم، ثم تتوسع بالثورية فتَعدم من تظن
انه خطراً عليها، لذا وضع جيفارا كمصدر للحكمة هو موضع خطأ لكنه نموذجا للثورية
والراديكالية بامتياز، لكن يبقى التفريق بين دوافع الثورة أهي انفجار رد فعل لحاجة
أم إيمان بوجوب حرب من أراهم أعداء وهذه تنقسم إلى قسمين هل هم أعداء لأنهم
يناهضون ما أفكر به (مثل جيفارا) أم انهم أعداء لأنهم يمثلون جنس الظلم، فان كان
جيفارا مثل هذا فلم أعدم العاملين مع النظام السابق؟ ولم اعتبر الكراهية كجزء من
تكتيكات حربه لعقل جمعي؟
الرأسمالية وتوحشها:
لا تبدو الرأسمالية المعاصرة في حال أفضل، فهي خريفٌ
طويلٌ يثبت فشله المتكرر في قيادة العالم وتوفير الخيارات العادلة للبشر، لكنها باقية لغياب البديل ومنافسها اثبت انه قاهر للإنسانية أيضا قبل
أن يتنحى، تحولت الرأسمالية من أداة لتحفيز الإنتاج والحرية الفردية إلى غول
متوحش يكرس التفاوت الطبقي الحاد، حيث يمتلك 1% من سكان الأرض ما يعادل ما يملكه
بقية البشر، تعاني المنظومة اليوم من أزمات دورية خانقة، وتدمير بيئي غير
مسبوق، وسلعنه وعجز عن تقديم نموذجٍ أخلاقي يقود البشرية نحو
الاستقرار والسلام، هذا الانسداد الفكري بين النظامين يفرض صياغة نموذجٍ
جديدٍ لا يقوم على التلفيق والتسوية بينهما، بل على إعادة تعريف غاية الاقتصاد
والسياسة ذاتها.
ترتكز معالم هذا النظام المنشود على محاور منها:
- السلبية التي يشترك بها
النظامان هي النظرة للإنسان أمام عناصر الإنتاج، النظام الجديد يجب
أن يعيد صياغة مفهوم الرفاه؛ فلا تقاس قوة الدول بالناتج المحلي الإجمالي
وحده، بل بمؤشرات التنمية البشرية الحقيقية، والعدالة التوزيعية، وصيانة
الكرامة المتجاوزة للحاجات البيولوجية.
- النموذج التشاركي اللامركزي: بدلاً من تغوّل الشركات أو تسلط
البيروقراطية الحكومية فإدارة الموارد
الحيوية (كالطاقة والمياه والتعليم والصحة) كملكية عامة تشاركية تُدار محلياً
ولا تخضع لمنطق الربح الاحتكاري أو التوظيف السياسي.
- التوازن البيئي
والاستدامة الحيوية حيث يصبح الحفاظ على البيئة
شرطاً أساسياً للشرعية السياسية والاقتصادية.
- يتطلب العبور نحو
المستقبل تطهيراً فكرياً شاملاً للنظريات التي بررت الظلم والتمييز وممارسات
جسدته بأطر قيم مفرغة المحتوى.
خاتمة:
إن قصة جيفارا
الحقيقية والمكذوبة، وسقوط البلشفية، وترنح الرأسمالية، كلها شواهد تؤكد أن
الأيديولوجيات البشرية المغلقة وان نسبت للدين والتشريع تحمل في طياتها بذور
فنائها، لكن بعد أن تسحق القيمة والكرامة الإنسانية، يحتاج كوكبنا إلى وعي واستمرار
التحديث، يرفض الأساطير المصنوعة لتبرير الفشل، ويئد أي عنصرية أو إلغاء وجودي أو
يفكر بما يخل بالتوازن في البيئة فلا يقام العدل، وهذ حاصل بالنظريات العنصرية المنهجية،
إن صناعة الأمل لا تكون بأيدي ملوثة بالظلم والدم ولا بأعناق ملتوية للخلف فوقها
رؤوس جامدة تافهة.



