https://m-salihalbdrany.blogspot.com/ فكــــــر اليقظـــــــة Mindfulnesshttps://m-salihalbdrany.blogspot.com/

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 31 يوليو 2026

263 - نحو الدولة التأسيسية

 عربي 21 


"لا تكون وظيفة الدولة أن تطالب الناس بحبها، وإنما أن تجعل هذا الحب نتيجة طبيعية لما يختبرونه فيها"-

منذ أن بدأ الإنسان يؤسس الدول، انشغل فكره السياسي بالسؤال نفسه: من يحكم؟ وكيف تُوزَّع السلطة؟ وما شكل النظام الأمثل؟ فظهرت الملكيات والجمهوريات، والإمبراطوريات والدول القومية، والليبرالية والاشتراكية، وتعددت الدساتير والأنظمة الانتخابية، لكن سؤالاً أكثر عمقاً ظل خارج دائرة البحث، وهو: كيف تنشأ الدولة أصلاً، وما الذي يجعلها قادرة على البقاء والتجدد عبر الأجيال؟

معظم النظريات السياسية تبدأ من الدولة باعتبارها حقيقة قائمة، ثم تبحث في تحسين أدائها أو ضبط سلطاتها، لكنها نادراً ما تسأل عن القانون الذي يجعل المجتمع قادراً على إنتاج دولة مستقرة قبل أن يبحث عن شكل الحكم، ولهذا فإن كثيراً من الإصلاحات السياسية لم تكن سوى إصلاحات في إدارة السلطة، لا في بناء الدولة نفسها.

فالسلطة ليست بداية الدولة، بل هي إحدى نتائجها، والقانون ليس أصل الدولة، بل أحد أدواتها، والدستور ليس منشئ الدولة، وإنما وثيقة لتنظيم ما استقر من علاقات داخلها، أما الدولة نفسها، فهي الأمة اجتماعيا وأخلاقيا وفكريا.

القوة لا تقدم جواباً كافياً، لأنها تستطيع أن تفرض الطاعة، لكنها لا تخلق الانتماء؛ والقانون لا يكفي، لأنه ينظم السلوك، لكنه لا يفسر سبب الرغبة في الالتزام به، أما الاقتصاد، فعلى أهميته، فقد أثبت التاريخ أن شعوباً فقيرة دافعت عن أوطانها حتى الموت، بينما انهارت مجتمعات غنية عندما فقدت ثقتها بنفسها


ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس: كيف نغيّر الحكومة؟ بل: ما الذي يجعل ملايين البشر يقبلون أن يكونوا مجتمعاً واحداً، وأن يلتزموا بقانون واحد، وأن يدافعوا عن كيان واحد؟

إن القوة لا تقدم جواباً كافياً، لأنها تستطيع أن تفرض الطاعة، لكنها لا تخلق الانتماء؛ والقانون لا يكفي، لأنه ينظم السلوك، لكنه لا يفسر سبب الرغبة في الالتزام به، أما الاقتصاد، فعلى أهميته، فقد أثبت التاريخ أن شعوباً فقيرة دافعت عن أوطانها حتى الموت، بينما انهارت مجتمعات غنية عندما فقدت ثقتها بنفسها.

الانتماء

إذن لا بد من وجود عنصر أعمق من السلطة والقانون والاقتصاد، ذلك العنصر هو الانتماء، غير أن الانتماء ليس شعاراً ترفعه الدولة، ولا درساً في المناهج الدراسية، ولا حملة إعلامية موسمية، فالإنسان لا ينتمي إلى وطنه لأنه طُلب منه ذلك، وإنما لأنه يشعر أن كرامته ومستقبله وحريته ونجاحه مرتبطة ببقاء ذلك الوطن، والانتماء الحقيقي ليس قراراً سياسياً، بل نتيجة تجربة يومية يعيشها الإنسان مع دولته ومجتمعه.

ومن هنا لا تكون وظيفة الدولة أن تطالب الناس بحبها، وإنما أن تجعل هذا الحب نتيجة طبيعية لما يختبرونه فيها.

لكن الانتماء نفسه ليس البداية، لأنه يولد من عنصر آخر هو الثقة، فالإنسان لا ينتمي إلى كيان لا يثق به، ولا يضحي من أجل مشروع يشك في عدالته أو في صدقه، والثقة ليست عاطفة، بل هي تراكم طويل من الخبرات التي تجعل الإنسان يوقن أن مؤسسات دولته تعمل وفق قواعد يمكن التنبؤ بها، وأن القانون لا يتغير تبعاً للأشخاص، وأن الحقيقة لا تُخفى عنه كلما تعارضت مع مصالح السلطة.

وهنا نصل إلى النقطة التي ربما أغفلها الفكر السياسي طويلاً، إن أصل الثقة ليس القوة، ولا القانون، ولا حتى العدالة بمعناها القضائي، وإنما الحقيقة، فالمجتمع الذي لا يمتلك حقيقة مشتركة عن واقعه لا يستطيع أن يبني مستقبلاً مشتركاً، وإذا أصبحت الإحصاءات أداة للدعاية، والإعلام وسيلة للتبرير، والتعليم مجالاً لإعادة إنتاج الأوهام، والسياسة فناً لإخفاء الوقائع، فإن أول ما ينهار ليس الاقتصاد، بل الثقة العامة، وعندما تنهار الثقة، يضعف الانتماء، ثم تبدأ الدولة في فقدان شرعيتها، حتى لو بقيت مؤسساتها قائمة وجيشها قوياً.

اقتراح قانون أولي لبناء الدولة:

إن الدولة التي تعجز عن إنتاج الحقيقة المشتركة تعجز تدريجياً عن إنتاج الثقة، والدولة التي تفقد الثقة تفقد الانتماء، والدولة التي يفقد مجتمعها الانتماء تبدأ رحلة التفكك مهما امتلكت من أدوات القوة.

ولذلك فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بتغيير الأشخاص، لأن الأشخاص نتيجة لبنية أعمق، ولا يبدأ بإصدار قوانين جديدة، لأن القانون نفسه يحتاج إلى بيئة تؤمن به. ولا يبدأ بإعادة توزيع السلطات، لأن السلطة لا تستطيع أن تمنح المجتمع ما فقده من ثقة.

إن الإصلاح يبدأ بإعادة تأسيس العلاقة بين الإنسان والحقيقة. فالصدق هنا ليس فضيلة أخلاقية فحسب، بل مؤسسة يجب أن تُبنى. يجب أن تكون بيانات الدولة صادقة، وأرقامها قابلة للتحقق، وقراراتها قابلة للمساءلة، وأخطاؤها قابلة للاعتراف، فالدولة التي لا تملك الشجاعة للاعتراف بالواقع لن تستطيع أن تخطط للمستقبل، لأن التخطيط لا يقوم إلا على معرفة صحيحة بالواقع.

وعندما تصبح الحقيقة قيمة مؤسسية، تنشأ الثقة، وعندما تنشأ الثقة، يتحول الانتماء من شعار إلى سلوك. وعندما يصبح الانتماء سلوكاً، تتحول الدولة من جهاز يحرس المجتمع إلى مجتمع يحرس دولته.

وربما تكمن مهمة الدولة التأسيسية في هذا التحول تحديداً، فهي لا تُنشأ لتحتكر السلطة، بل لتؤسس بيئة يصبح فيها الصدق قاعدة، والثقة نتيجة، والانتماء ثمرة، فتغدو المؤسسات أدوات لخدمة المجتمع، لا وسائل للسيطرة عليه.

ولعل هذا هو السؤال الذي ينبغي أن تبدأ منه فلسفة الدولة في القرن الحادي والعشرين: ليست المشكلة الأولى كيف نوزع السلطة، وإنما كيف نبني الحقيقة المشتركة التي تجعل المجتمع قادراً على الثقة، والثقة قادرة على إنتاج الانتماء، والانتماء قادراً على إنتاج دولة تتجدد من داخلها، لا بقوة الحاكم ولا بشعارات الأحزاب، بل بقوة المجتمع نفسه.

وثيقة المدينة، التي لم تؤسس المجتمع السياسي على رابطة الدم أو الانتماء القبلي أو العقيدة، بل على عقدٍ ينظم العلاقة بين جماعات متعددة، لكل منها خصوصيتها، مع اشتراكها في الدفاع عن المجتمع والالتزام بأحكامه العامة


غير أن الانتماء، على أهميته، لا يكفي وحده لتأسيس الدولة، لأن الانتماء بطبيعته يتعدد ويتدرج، فالإنسان ينتمي انتماءات متعددة طبيعية لا يجوز للدولة أن تحاربها أو تسعى إلى إلغائها، غير أن الخطأ التاريخي يبدأ عندما تتحول إحدى هذه الروابط إلى المصدر الأعلى للشرعية السياسية، أو ما يمكن أن نسميه بـ"الحاكمية الفئوية" فتصبح الدولة دولة طائفة، أو عرق، أو قبيلة، أو حزب، نوع من العصبية يجعل بقية المكونات جماعات تعيش داخل الدولة دون أن تشعر بأنها شريكة فيها.

الحاكمية:

إن الدولة لا تقوم على وحدة عصبية، وإنما تقوم على وحدة العقد السياسي الجامع؛ ذلك العقد الذي يجعل جميع المواطنين شركاء في الحقوق والواجبات والمصير، بصرف النظر عن اختلاف أصولهم أو معتقداتهم أو انتماءاتهم الثقافية. فالدولة الحقيقية لا تطلب من الإنسان أن يتخلى عن هويته، وإنما تطلب منه أن يجعل العقد السياسي الذي ينظم حياته المشتركة مرجعيةً أعلى في المجال العام، بحيث الروابط الأخرى مصادر غنى للمجتمع، لا أدوات لتقسيم السلطة أو تعريف المواطنة.

ولعل من أقدم النماذج التاريخية التي جسدت هذا المبدأ وثيقة المدينة، التي لم تؤسس المجتمع السياسي على رابطة الدم أو الانتماء القبلي أو العقيدة، بل على عقدٍ ينظم العلاقة بين جماعات متعددة، لكل منها خصوصيتها، مع اشتراكها في الدفاع عن المجتمع والالتزام بأحكامه العامة، ولم يكن جوهر الوثيقة إزالة التنوع، وإنما تنظيمه داخل إطار سياسي واحد، وهو ما يجعلها مثالاً مبكراً على أن الدولة لا تُبنى على التشابه، بل على الاتفاق الحر حول عقد جامع يحفظ الجميع، وما نسمعه اليوم من حاكمية طائفة حتى ولو كانت الحاكمية بتوجه علماني هو تيه النخبة بين الحقيقة والهوى؛ فليصحُ مفكرو الأمة.

السبت، 18 يوليو 2026

261: مطابقة المفاهيم: كيف تندمج "اللامعيارية الواعية" مع أفكار حنا أرندت؟

 عربي 21


من "تفاهة الشر" إلى اللامعيارية الواعية

في مقالي السابق عن "اللامعيارية الواعية"، حاولت الكشف عن آلية حكم واعية وممنهجة تعتمد على قلب المعايير الأخلاقية والإدارية بشكل متعمد، ليست هذه اللامعيارية فوضى عشوائية أو نتيجة غباء، بل نظام يجعل الفساد أداة تشغيل والتفاهة وسيلة سيطرة مستدامة.

عندما عدت إلى أعمال حنا أرندت، وجدت في تحليلاتها شريكاً نظرياً عميقاً يمنح مفهومي أساساً فلسفياً قوياً، ويعطي أفكارها في الوقت نفسه حيوية محلية معاصرة من "تفاهة الشر" إلى اللامعيارية الواعية في كتابها أيخمان في القدس، تقول أرندت: "الشر لا يظهر دائماً في صورة الشيطان، بل غالباً ما يكون في صورة موظف عادي يتوقف عن التفكير". اللامعيارية الواعية تأخذ هذه الفكرة إلى أبعد من ذلك، توقف التفكير ليس عرضياً، بل يُصنع بيئة تجعله شرطاً للنجاح، ففي بعض المؤسسات، يتقدم الموظف الذي يكون أقرب للمسؤول بأن يكون المرآة الساحرة ويغطي أطماعه ولا يسأل بل هو عبد مأمور كما يقال.

تقرير عن تفاهة الشر: وصفت أرندت كيف ينشأ الشر من أفراد عاديين توقفوا عن التفكير الحقيقي وتحولوا إلى تروس في آلة بيروقراطية. لم يكن الشر يحتاج إلى شياطين، بل إلى غياب مَلَكة التفكير.

تحويل الأفراد إلى ذرات معزولة تفقد روابطها الاجتماعية والأخلاقية، مما يسهل السيطرة عليها ويدمر "المجال العام"، أما في اللامعيارية الواعية فأصف الاغتراب المعياري: قلب المفاهيم من الداخل


اللامعيارية الواعية: توقف التفكير ليس عرضياً، بل يُصنع بيئة كاملة تجعله شرطاً للنجاح. في بعض المؤسسات الإدارية، يتقدم الموظف الذي يظهر "مرونة" في تجاوز الإجراءات الرسمية، ويُوصف بـ"القادر على حل المشكلات"، بينما يبقى الملتزم بالقوانين والإجراءات في مكانه، ويُنظر إليه أحياناً كغير قادر على التكيف مع الواقع. هكذا يتحول غياب التفكير الأخلاقي إلى استراتيجية جماعية، والفوضى إلى أداة حكم فعالة تزوير المجتمع والاغتراب المعياري في أصول الشمولية.

تحدثت أرندت عن "تزوير المجتمع" (atomization): تحويل الأفراد إلى ذرات معزولة تفقد روابطها الاجتماعية والأخلاقية، مما يسهل السيطرة عليها ويدمر "المجال العام"، أما في اللامعيارية الواعية فأصف الاغتراب المعياري: قلب المفاهيم من الداخل.

مثال واقعي في مجال التعليم:

في بعض المدارس والجامعات، يحظى الطالب الذي يحصل على درجات عالية بوسائل سريعة أو علاقات باهتمام أكبر كـ"ناجح براغماتي"، بينما يُنظر إلى الطالب الذي يعتمد على الجهد والفهم العميق كـ"بطيء" أو "غير واقعي"، هذا يؤدي تدريجياً إلى تراجع قيمة المعرفة الحقيقية وتعزيز ثقافة "النتيجة بأي وسيلة".

في التعليم، تظهر اللامعيارية عندما يُكافأ التركيز على الشهادات والمظاهر أكثر من بناء القدرات الحقيقية، فيصبح الطالب "الناجح" هو من يتقن الاختصارات والحفظ، بينما يُهمش من يسعى للعمق والإبداع في التفكير. هذا يؤدي إلى جيل يرى في "الذكاء الاجتماعي" السريع بديلاً عن المعرفة المنهجية.

في مجال الأعمال والمهن أيضاً، يُقدم رائد الأعمال الذي يحقق مكاسب سريعة عبر تسهيلات وعلاقات كقدوة نجاح، بينما يبقى صاحب المشروع الذي يركز على الجودة والشفافية طويلاً في المنافسة. هكذا ينهار الإيمان بالقيم الكبرى، ويصبح تدمير المجال العام هدفاً استراتيجياً وليس نتيجة جانبية.

صناعة الوهم وعقلنة الفساد في مختلف المجالات: رأت أرندت، في الدعاية الشمولية قدرة على صناعة واقع بديل؛ في اللامعيارية الواعية، تكون هذه الصناعة أكثر براغماتية: إقناع الناس بأن "هذا هو الواقع الوحيد الممكن".

في الإعلام:

- يُبرز بعض المحتوى الإعلامي قصص "النجاح السريع" لشخصيات تحقق شهرة عبر الجدل والإثارة، ويقدمها كأمثلة على "الذكاء الاجتماعي"، بينما يصور المتخصصين الهادئين الذين يقدمون تحليلاً عميقاً كبعيدين عن اهتمام الجمهور.

- من خلال اختيار الضيوف والنماذج، يُعزز الإعلام صورة أن "المرونة الأخلاقية" هي مفتاح التقدم، وأن الالتزام الصارم بالمعايير قد يكون عائقاً أمام التطور في عصر سريع.

أرى أن مواجهة اللامعيارية الواعية تبدأ بالضبط من هنا: إعادة بناء المعايير، ورفض قلب المفاهيم، واستعادة معنى النجاح الحقيقي القائم على الكفاءة والأمانة والرزانة


- كذلك، عندما تُروج وسائل إعلامية لشخصيات متنفذة رغم أخطائها الواضحة كقدوات، فإنها تساهم في عقلنة الواقع القائم وتحويل الفوضى إلى أمر طبيعي وحيوي.

في مجالات أخرى:

رأت أرندت في الدعاية الشمولية قدرة على صناعة واقع بديل يعزل الجماهير عن الحقائق، أما في اللامعيارية الواعية، فالدعاية أبسط وأقوى: لا تحتاج إلى أيديولوجيا كبرى، يكفيها أن تقنع الناس بأن "هذا هو الواقع الوحيد الممكن". يُقدَّم الفاسد كـ"براغماتي ناجح"، والمصلح كحالم فاشل"، ويشجع على هذا تكرار الوصف من أناس فاشلين عاجزين أو تتملكهم الأنانية. بهذا يصبح الفساد منطقياً، بل ضرورياً للبقاء.

خاتمة:

الوعي كأداة مقاومة في حياة العقل: أكدت أرندت أن التفكير الحر هو الدرع الأخير الذي يحمي الإنسان من أن يصبح ترساً في الآلة، وأنا أرى أن مواجهة اللامعيارية الواعية تبدأ بالضبط من هنا: إعادة بناء المعايير، ورفض قلب المفاهيم، واستعادة معنى النجاح الحقيقي القائم على الكفاءة والأمانة والرزانة.

بهذا الاندماج بين "اللامعيارية الواعية" وفكر حنا أرندت، أستطيع القول إن ما وصفته أرندت كنتيجة للشموليات في القرن الماضي تحول في واقعنا إلى استراتيجية حكم معاصرة واعية، اللامعيارية لا تنفي أرندت، بل تكملها وتحدثها، وتبث في أفكارها روحاً عربية معاصرة تحولها من تحليل تاريخي إلى أداة فهم ومقاومة بناءة، التخلف ليس قدراً، ولا فوضى عفوية، بل هندسة يمكن تفكيكها بالوعي نفسه الذي أنتجها. الدعوة اليوم هي لاستعادة القدرة على التفكير، وإعادة بناء المجال العام، وإحياء القيم التي تجعل المجتمعات قادرة على التقدم الحقيقي والمستدام.

الجمعة، 10 يوليو 2026

260 - حرب الأوهام المتضادة في مشاريع الدمار

 رابط عربي 2

كلاهما يلتقي لتمرير مشروع تمليه نبوءات "سفر الرؤيا" لإلحاق الخصوم كحلفاء خاضعين في منظومة السيادة الجديدة المستهدفة لبناء الهيكل"
الكهنوت الراسمالي والكهنوت الديني، ايدولوجيات متصارعة

بحث هذه الورقة التحليلية في تفكيك المشاهد الجيوسياسية المعقد للشرق الأوسط عبر منظور "اللاهوت السياسي"، متجاوزةً الأطر الدبلوماسية التقليدية لتسليط الضوء على صراع المشاريع والأوهام المتقاطعة التي تتحرك على خيط رفيع من السلام الهش. ترصد الانقسام البنيوي داخل التحالف الصهيوني-الأمريكي حول مفهوم "الدمار" ونقطة الحسم الاستراتيجي؛ حيث تميل عقلية دونالد ترامب الرأسمالية إلى قياس النصر بإنهاك الخصم مادياً واقتصادياً لفرط استسلام سياسي يحقق غايات "سفر الرؤيا"، في حين تصر عقيدة بنيامين نتنياهو اللاهوتية على الإبادة العقائدية والمادية الشاملة لطهران لتأمين شروط بناء "الهيكل".

هذا الحلف يصطدم بـ"المفهوم الكوني" للأيديولوجيا الإيرانية العميقة، التي تعتمد على "الوقت التاريخي الممتد" وتراهن على تحول جيلي مرتقب يستبدل نزعة الهيمنة الإقليمية الطائفية باستراتيجية "الاتحاد والتحالف" مع المحيط العربي والإسلامي كطوق نجاة وحيد،

وأخيراً، تستعرض الورقة كيف تحفز هذه التحولات يقظة إقليمية (تركية-عربية) تسعى لكبح جماح هذا المشروع التدميري الشامل لحماية سيادة جغرافيا المنطقة من الاندفاعات الغيبية المسلحة بأدوات المال والصفقات.

ترامب ونتنياهو: الشراكة المتضادة في تفسير الدمار والاستسلام

المسألة ليست النفط ولا هرمز وإنما ترويض المشروع الإيراني بعد أن كان يتوسع بما يفصله عن محيطه، والآن جاء دور آخر لا يقبل إلا الإدارة المباشرة


تتحرك الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط اليوم داخل حقل ألغام فكري محكوم باللاهوت السياسي ومشاريع التدمير المتقاطعة. المسألة ليست النفط ولا هرمز وإنما ترويض المشروع الإيراني بعد أن كان يتوسع بما يفصله عن محيطه، والآن جاء دور آخر لا يقبل إلا الإدارة المباشرة. إن الجدل الدائر خلف كواليس التحالف الصهيوني-الأمريكي لا يتعلق بالهدف النهائي المتمثل في تطويع المنطقة، وإنما باختلاف بنيوي عميق حول تعبير "الدمار" ونقطة الدمار، فكلاهما يلتقي لتمرير مشروع تمليه نبوءات "سفر الرؤيا" لإلحاق الخصوم كحلفاء خاضعين في منظومة السيادة الجديدة المستهدفة لبناء "الهيكل".

ينطلق دونالد ترامب من عقلية تجارية رأسمالية تسبق الأدلجة في ترتيب أولوياتها، ويقيس دمار الخصم بمؤشرات مادية مرئية: اختناق الأسواق، وانهيار العملة، وتجفيف منابع الثروة. بالنسبة لتاجر يرى العالم كمنصة صفقات، فإن إنهاك إيران مالياً وإيصالها إلى حافة العجز الاقتصادي هو دمار مكتمل الأركان يعادل "الاستسلام" السياسي. يتخيل ترامب بغرور الرأسمالي أن المهمة قد تمت بنجاح، وأن الخصم يأتي إلى طاولة التفاوض منزوع الإرادة، شريطة ألّا تُباد بنيته التحتية، ليبقى صالحاً للاستخدام كترس تابع يدور في الفلك الأمريكي الصهيوني ضمن ترتيبات اللاهوت السياسي الجديد.

في المقابل، يرفض بنيامين نتنياهو هذا التقييم التجاري السطحي لنقطة الوصول؛ فالدمار في المنظور الصهيوني اللاهوتي ليس أرقاماً في موازنة أو تراجعاً في مؤشرات التجارة بل هو الانكسار، وليس الخسارة بل اقتلاع كامل للبنية العقائدية والمادية للعدو. يرى نتنياهو المشهد بنظرة لاهوتية مدفوعة بإرث أيديولوجي غيبي لا يؤمن بنصف نصر، ولا يرى في إنهاك الخصم مالياً ضمانة كافية ما دام المشروع قائما ولا انكسار، بل يرى أن ترامب كُسرت إرادته وهو أمر ليس في صالح ترامب. يطالب الكهنوت الصهيوني بضمانات ميدانية وجودية تتجاوز الإعلان السياسي للاستسلام الذي يكتفي به ترامب، خوفاً من انبعاث المشروع الإيراني مجدداً ليقاطع بطموحاته التاريخية خطة السيطرة المطلقة وتأمين شروط بناء الهيكل.

المفهوم الكوني الإيراني: المعنى الخفي للانكسار والخسارة

لعل أفضل من وضح الفارق وكيف تبدو إيران منتصرة وترامب منكسرا هو الدكتور لقاء مكي الباحث الأول في قناة الجزيرة، فهذا الاختلاف البنيوي في معسكر الحلف الصهيوني-الأمريكي يصطدم مباشرة بـ"المفهوم الكوني" للأيديولوجيا الإيرانية العميقة، والتي تعتمد على "الوقت التاريخي الممتد" كعنصر حاسم في إدارة الصراع الشامل. تعتقد العقيدة الإيرانية أن البقاء واستمرار هيكل الدولة ومؤسساتها رغم الخسائر انتصار. عقلية ترامب تفسرها انكسارا، لكن العنصر القاتل لإيران هو مشروعها نفسه، فإذا شلّ الحصار والإنهاك جيلاً غرق في طموحاته المستعجلة وخلط بتهور بين القومية الفارسية والأيديولوجيا الدينية، فإن المفهوم الكوني يؤكد أن الراية ستنتقل حتماً إلى جيل جديد يعيد البناء بأساليب مختلفة تماماً.

الوعي بالفراغ العربي تلتقطه قوى إقليمية وازنة، ومنها تركيا بقيادة رجب طيب أردوغان، التي تتحرك بحس سياسي وتاريخي يدرك أن "لاهوت الاستسلام" الذي يسعى إليه حلف ترامب-نتنياهو لا يستهدف ترويض نظام بعينه، بل تفكيك هوية الإقليم ككل وإخضاع قواه قسرياً


إن الجيل القادم في إيران يتحرك اليوم لاستيعاب الدرس القاسي المتمثل في تدمير بلاد كالحرب في سوريا ومعاداة المحيط؛ فالاستفادة من التجربة المريرة تدفع طهران لإعادة تنظيم فلسفتها الاستراتيجية عبر تحول جوهري: الانتقال من نزعة الهيمنة على المسلمين واستنزاف مقدرات جوارهم، إلى منطق "الاتحاد والتحالف" معهم. لقد أدرك الوعي الإيراني الجديد أن عزل الدولة عن عمقها الإسلامي والعربي حولها إلى هدف سهل للاستفراد والاستنزاف الرأسمالي، وأن هذا المحيط هو طوق النجاة التاريخي الوحيد لإفشال مشاريع الدمار الصهيونية، وليس الاستقواء بشعارات التوسع الطائفي التي استهلكت القوة الحيوية للأمة. لكن إدراك الشيء غير التفاعل معه.

غريزة البقاء العربي واليقظة الإقليمية ضد هندسة "الهيكل"

في هذا الفضاء المشحون بصراع أوهام الأساطير وكوابيسها، يظهر الموقف العربي خالياً من مشروع استراتيجي مستقل قادر على مجابهة هذه التحولات الفكرية والكونية؛ إلا أنه يظل محكوماً بغريزة بقاء ترفض رفضاً مطلقاً دفع ضريبة المزيد من الدمار والتفتيت في المنطقة. الدول العربية بدأت تلمس خطورة تحويل جغرافيتها إلى مسرح لتحقيق نبوءات توراتية أو صفقات إخضاع رأسمالية كبرى ستحول عواصمها في النهاية إلى مجرد أضرار جانبية لتعبيد الطريق نحو ولادة عصر الهيمنة الصهيونية المطلقة.

هذا الوعي بالفراغ العربي تلتقطه قوى إقليمية وازنة، ومنها تركيا بقيادة رجب طيب أردوغان، التي تتحرك بحس سياسي وتاريخي يدرك أن "لاهوت الاستسلام" الذي يسعى إليه حلف ترامب-نتنياهو لا يستهدف ترويض نظام بعينه، بل تفكيك هوية الإقليم ككل وإخضاع قواه قسرياً؛ لذا، تتكاثف المساعي الإقليمية اليوم لوقف هذا المشروع التدميري الشامل، ليس دفاعاً عن طهران، بل كبحاً لجماح تمدد صهيوني يتغذى على الغيبيات المسلحة بأدوات المال والصفقات، والذي لن يترك سيادة في المنطقة دون أن يلتهمها إذا ما نجح في تفكيك وإلحاق أطراف الصراع التاريخي.. نأمل أن يعم السلام.

السبت، 4 يوليو 2026

259 - جدلية الوهم عند الظالم والمظلوم

عربي 21...هنا

""الوهم حين يتسلح بالقوة لا يبقى مجرد خطأ فكري، بل يتحول إلى مشروع كامل لإنتاج الخراب

غرام الوهم

ليست الكارثة الكبرى في التاريخ أن تخطئ قوة عظمى في الحساب، بل أن تقع في غرام صورتها عن نفسها، أو لا يعاد النظر بعد كل هذا البلاء في الداروينية الاجتماعية كما تسمى، والتي نرى نتائجها على الأرض في شعوبنا دون تأنيب ضمير أمام الدم والقتل والتهجير. وإن بسّطنا الموضوع كمثقفين ضحايا هذا المنهج ونفلسف الموضوع، نقول: إن الأمم التي تملك فائض قوة غالباً ما تصاب بمرض أخطر من الضعف نفسه، العمى الناتج عن الوهم، حينها لا يعود الواقع كما هو، بل يتحول إلى مسرح واسع يعكس رغبات القوة ومخاوفها، وتصبح الجغرافيا مجرد مادة خام لإعادة تشكيل العالم وفق خيال المنتصر.

الوهم حين يتسلح بالقوة لا يبقى مجرد خطأ فكري، بل يتحول إلى مشروع كامل لإنتاج الخراب، فالعقل الذي يعتقد أنه يحمل رسالة كونية ينتهي غالباً إلى معاملة الشعوب كمواد قابلة لإعادة الصياغة، لا ككيانات تملك تاريخها وإيقاعها الخاص، عند هذه النقطة يبدأ الجنون السياسي؛ إذ تتوهم الإمبراطوريات أن كل اختلاف تهديد، وكل استقلال تمرّد، وكل مقاومة مجرد سوء فهم ينبغي سحقه.

صناعة الفوضى

الوهم حين يتسلح بالقوة لا يبقى مجرد خطأ فكري، بل يتحول إلى مشروع كامل لإنتاج الخراب، فالعقل الذي يعتقد أنه يحمل رسالة كونية ينتهي غالباً إلى معاملة الشعوب كمواد قابلة لإعادة الصياغة، لا ككيانات تملك تاريخها وإيقاعها الخاص


تبدو الحروب الحديثة أحياناً وكأنها مطاردة لأشباح أكثر منها صراعاً مع أخطار حقيقية؛ تضخيم التهديدات، وصناعة صور أسطورية عن "الخطر القادم"، ثم تُدار الآلة العسكرية والإعلامية والأيديولوجية بكامل طاقتها، لكن المفارقة أن هذه الحملات كثيراً ما تنتهي بإنتاج الوحش الذي ادّعت أنها جاءت للقضاء عليه، فحين يُهدم التوازن الطبيعي للمجتمعات، وتُكسر المؤسسات، ويُهان القانون، لا يظهر الفراغ بل تنبت الفوضى، وحين يُطلب من المظلوم ألّا يصرخ فسيصرخ صرخة شمشون.

الفوضى لا تبقى فارغة طويلاً؛ إذ تملؤها دائماً قوى أكثر قسوة وأقل عقلانية، عندها يكتشف صانع الخراب أنه لم يكن يحارب وحشاً، بل كان يزرع بيضته بيديه، غير أن العقل المأخوذ بوهم البطولة نادراً ما يعترف بخطئه، إنه يفضّل دائماً اختراع تفسير ميتافيزيقي للهزيمة: مؤامرات، سحرة، قوى عالم سفلي خفية كنمتار ونركال، خيانة داخلية.. أي شيء سوى الاعتراف بأن أصل الكارثة كان الغرور نفسه.

أمم بلا مشروع:

لكن المأساة لا تتوقف عند حدود القوة المتوهمة، هناك دائماً طرف آخر يشارك في صناعة العبث: التابع الذي يسلّم إرادته بدوافع ينتجها الوهم، فالخضوع لا يولد من الضعف وحده، بل من فقدان المشروع الخاص، وغلبة التفاهة على كل المعاني.

الدول التي تشحذ الحماية، تشبه من يبيع بيته ليستثمر ثمنه ويعود ليدفع إيجار سكنه فيه، وهنا تظهر أخطر نتائج التبعية: ليس فقدان المال والقرار فقط، بل تحلل الإرادة الداخلية، تصبح الأمة غنية بالموارد وفقيرة بالمعنى، كثيرة الضجيج قليلة الثقة بنفسها.

الأمم التي بلا مشروع تعود دوما تبحث في أمجاد الماضي ولا تنقلها كحالة بأخطائها وصلاحها، بل تنقل الجانب المشرق من أحداثها وأبطالها وقدسيتهم، وبذلك لا تكون مسارا للنهضة أو نموذجا للخلاص


وحين تتراكم الهزائم، تبدأ المجتمعات بإعادة تفسير عجزها على أنه قدر تاريخي، لا نتيجة خيارات خاطئة، تتسع الفجوة بين الواقع والوعي، فتظهر حالة غريبة من الإنهاك الحضاري: الجميع يدرك حجم الانهيار، لكن أحداً لا يريد مغادرة الوهم والأساطير التي تعززه، لأن العودة إلى الواقع مؤلمة، ولأن الاعتراف بالخطأ يتطلب شجاعة أخلاقية أكبر من شجاعة الحرب نفسها.

استفاقة:

ومع ذلك، فإن التاريخ لا ينهض بالقوة وحدها، بل بلحظة الاستفاقة، اللحظة التي تدرك فيها المجتمعات أن خلاصها لا يأتي من قوة منظومات طامعة بها، ولا من المعارك المسرحية، بل من استعادة علاقتها الطبيعية بالأرض والعمل والمعنى، فالسيادة ليست خطاباً عاطفياً، بل قدرة على حماية الحقل ومنظومة العقل قبل التفكير في فتح العالم.

الأمم التي بلا مشروع تعود دوما تبحث في أمجاد الماضي ولا تنقلها كحالة بأخطائها وصلاحها، بل تنقل الجانب المشرق من أحداثها وأبطالها وقدسيتهم، وبذلك لا تكون مسارا للنهضة أو نموذجا للخلاص، بل وهم لا يُطال، مبني على وهم كاذب بفخر شابه التزييف فيسقط حسناته.

إن أعظم انتصار قد تحققه أمة ليس هزيمة خصومها، بل التحرر من الوهم الذي يجعلها تحتاج دائماً إلى خصم كي تشعر بوجودها، أو إلى حارس لهذا الوجود التافه المعيق للتقدم. فالأمم الناضجة لا تبني مستقبلها على الهلع، بل على الفهم؛ ولا على انتظار المنقذين، بل على إنتاج الإنسان القادر على حمل مسؤوليته دون أوهام كيشوتية.

الجمعة، 26 يونيو 2026

257 -ما وراء البندقية: دروس ثورة العشرين في الموصل وتفكيك العقدة السياسية العراقية

 رابط عربي 21


مقدمة:

لا يقاس التاريخ بمدى الفخر والاعتزاز بالبطولات والملاحم؛ فما فات من الزمن قد مضى وانقضى، وإنما تُقاس عظمة الأمم بمدى قدرتها على تحويل دماء الماضي إلى دروس حية لفك شفرات الحاضر واستشراف المستقبل، وعند إعادة قراءة وثائق الأرشيف الوطني البريطاني (TNA) الخاصة بعام 1920، يتضح أن ثورة الموصل وتلعفر (أيار/مايو- حزيران/يونيو 1920) لم تكن حدثاً بلا جذور، بل كانت الشرارة التنظيمية الأولى والجزء اللوجستي المتمم لجسد ثورة العشرين الكبرى في الفرات الأوسط، رغم وجود تعتيم تقليدي على ثورة الموصل، والتي كانت حركة النخبة، والتي كانت حركة نخبوية. وهذا التعتيم أساسه متعمد، لإبعاد فكرة التنسيق رغم ضعف الاتصالات بل هي معدومة بالنسبة لغير المحتل آنذاك.

إن تفكيك هذه الجبهة المترابطة (دمشق- دير الزور- الموصل- الفرات) يمنحنا أربعة دروس استراتيجية كبرى تُعد بمثابة المفتاح الأساسي لفهم طبيعة وجذور الواقع السياسي اللاحق في العراق المعاصر.

أولا: واقعية المصالح والبراغْماتية السياسية (صناعة رجال الدولة)

وضعت بريطانيا قادة ثورة الشمال (جميل المدفعي وآخرين) على قوائم الإعدام والملاحقة العسكرية الدولية عام 1920، ولكن بعد ثلاث سنوات فقط (عام 1923)، اضطرت لندن لإصدار عفو شامل عنهم ودفعهم لتولي رئاسة الوزراء والوزارات السيادية ومجلس الأعيان. هذا الاضطرار ليس إرغاما وإنما هو لبناء الدولة والاستقرار، فالملك الذي تحول من سوريا إلى العراق كان يحتاج خبرة رجال دولة، ومن غير ياسين الهاشمي الذي أطلق سراحه توا، والمدفعي المتنقل بين العشائر غالبا في الأردن، وإبداء حسن النية مع العشائر كقبيلة الجحيش التي تمثل ثغرا حدوديا في البو عاج أو البعاج لاحقا.

هذا الحدث أسس للقاعدة الذهبية في السياسة العراقية اللاحقة: "القوة المنظمة على الأرض هي التي تفرض الاعتراف السياسي". لقد أدركت بريطانيا أن قمع الكفاءات الوطنية يعني استمرار النزيف العسكري، فآثرت سياسة "الاحتواء والاستيعاب". هذا يفسر لماذا اتسمت النخبة السياسية الحاكمة في العهد الملكي بالصلابة؛ فقد كانوا "رجال ثورة" قادمين من الميدان فرضوا أنفسهم بفرض الأمر الواقع، وليسوا موظفين عُينوا بقرارات إدارية فوقية.

ثانيا: التكامل البنيوي بين "النخبة العسكرية" و"القاعدة الاجتماعية"

نجحت نسبيا ثورة تلعفر والموصل لأن "العقل العسكري والسياسي" تلاحم تلاحماً عضوياً مع "الغطاء القبلي والبشري"، ويفسر هذا الدرس طبيعة الاستقرار والاضطراب في العراق اللاحق؛ فالدولة لا تستقر إلا بتوازن حقيقي بين أجهزتها التنفيذية (الجيش والإدارة) وقواها الاجتماعية والرمزية (العشائر والنخبة)، وأي محاولة لاحقة من الأنظمة السياسية لتهميش البعد الاجتماعي والاعتماد على القوة العسكرية الصرفة، كانت تؤدي سريعاً إلى انفجار الأزمات الداخلية الكبرى.

ثالثا: حتمية الجغرافيا وعقدة "الحدود الرخوة":

إن الحدود السياسية التي خطتها اتفاقية "سايكس بيكو" عاجزة عن قطع الروابط الجغرافية والقبلية.

وهذا هو الدرس الأكثر حيوية وتكراراً في تاريخ العراق الحديث؛ إذ إن "أمن العراق القومي يبدأ من خارج حدوده الغربية والشمالية". إن أي فراغ أمني، أو اضطراب سياسي في منطقة الفرات الأعلى ودير الزور في سوريا، يتحول تلقائياً وفوراً إلى ثغرة أمنية تضرب استقرار الموصل والأنبار ونينوى.

وما شهدناه في العقود اللاحقة وحتى الأحداث المعاصرة من تسلل للجماعات المسلحة والاضطرابات الحدودية، ليس إلا تكراراً حتمياً لنفس الدرس الجغرافي الذي كشفت عنه وثائق عام 1920.

رابعاً: معركة الوعي (سلاح الكلمة قبل البندقية)

رصدت الاستخبارات البريطانية بقلق بالغ المنشورات والدعاية الإعلامية والفتاوى الوطنية التي صاغها عزت الأعظمي وسُربت من دير الزور إلى أسواق الموصل؛ واعتبرتها بريطانيا أخطر من الرصاص لأنها زعزعت ولاء الجنود المحليين وحركت الجماهير الصامتة.

هذا الدرس شكّل الوعي السياسي للجيل الذي بنى الدولة العراقية؛ فأدركت الحكومات اللاحقة كما أدركت قوى المعارضة أن السيطرة على "ميدان الوعي والإعلام" هي خط الدفاع الأول، ومن هنا نشأت الحركات الحزبية والصحفية النشطة في العهد الملكي والجمهوري، كأدوات أساسية لحسم الصراعات السياسية قبل اللجوء إلى القوة الخشنة.

إن هذا البلد لا بد أن يكون متحدا ويعلم ما يريد، فرغم فقدان التنسيق كانت الدولة، لكن لن تتم المحافظة عليها إلا بهذه الوحدة والتنسيق، ذلك التنسيق الممكن مع وسائل التواصل الحديثة إن تعذر اللقاء.

الخلاصة الاستراتيجية:

إن الثورات والانتفاضات قد لا تحقق نصراً عسكرياً حاسماً في حينه، لكنها -إذا أديرت بذكاء وتكامل- تفرض واقعاً سياسياً جديداً يجبر القوى العظمى على إعادة الحسابات، فلولا الدماء التي سُفكت في تلعفر والموصل والفرات عام 1920، لما اضطرت بريطانيا لإلغاء "الحكم العسكري المباشر" وتأسيس الدولة العراقية وتتويج الملك فيصل الأول عام 1921.

التاريخ لا يُقرأ للبكاء على الأطلال، بل لفهم أن أحداث اليوم هي صدى مباشر لخطوط النار والتفاهمات التي رُسمت قبل أكثر من قرن من الزمان.

إنّ ثورة العشرين وان لم تنطلق في يوم واحد رغم كل ما كان من الأعذار، هي ثورة لكل الشعب في كل مكان إن دققنا واستخدمت كل الوسائل من المقاومة السلبية إلى حمل السلاح، بقيادة النخبة أو بتصرف استحضر القيم العليا عندما قرر الخروج، فثورة الموصل لو كانت هنالك اتصالات لتوحدت وأنجزت متحدة مع الضاري وأبو الجون، لكن بغياب التنسيق بسبب اللوجستيات ولأن ليس هنالك دولة تفرقت الطرق وتباعد الرفيق والصديق، دعونا نعيد الإنصاف إلى ذاكرتنا التاريخية باستحضار ثورة الموصل التي حدثت في 4 حزيران/يونيو 1920 في تلعفر، وبحركة نخبة الموصل وعشائرها، بغض النظر عن أنها نُفذت بضباط ومثقفين مع العشائر، فإنها ذات منطلق ثورة أبو الجون والضاري، وحرس الاستقلال، التي أُرّخ لها 30 حزيران/يونيو. والمقال مقدمة ما بعده.


263 - نحو الدولة التأسيسية

 عربي 21  "لا تكون وظيفة الدولة أن تطالب الناس بحبها، وإنما أن تجعل هذا الحب نتيجة طبيعية لما يختبرونه فيها"- منذ أن بدأ الإنسان ي...

يقظة فكرgoogle-site-verification: google25f7d3ebc2fdac29.html