https://m-salihalbdrany.blogspot.com/ فكــــــر اليقظـــــــة Mindfulnesshttps://m-salihalbdrany.blogspot.com/

بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 25 أبريل 2026

240 - قرى االكوابيس والرعب

 21 رابط عربي


"لم تعد القرى تُخيفنا بما فيها… بل بما يُزرع في عقول سكانها." رسم الصورة وهذه الفقرة للذكاء الاصطناعي

صراع الكوابيس والأوهام:

لحظة صراحة مواطن تعوّد تحمل الهموم والعيش في بلاد الخوف والرعب، بدل أن تخدمه السلطات يخدمها وهي بدل أن تحميه تظلمه، فإن لم يشبعها لحمه قرقشت عظمه، وبلغنا ما بلغنا من التخلف. لقد أسمى الله جل وعلا أوطان الظلم بالقرى رغم أنها تحمل مدنية عصرها، وأسمى مواطن العدل بالمدن لأن فيها العدل. فالتمدن إذن ليس بالعمارة والتقدم التكنولوجي فقط، بل بما يدل على نجاح المنظومة العقلية بإحياء الإنسانية والسلوك الصائب عندما يتلاشى الظلم وإن ظهر أحبط. وليس الإسلام بأنك ترث دينا لا تفقهه، بل الإسلام أن يسلم الناس من لسانك ويدك وأن تقيم العدل، وليس أن تتعصب للأساطير والأوهام أو تريد أن تعلو في الأرض تستبد وتبيد غيرك، هذه الحيوانية -وهنا أظلم الحيوان لأنه لا يقتل إلا لحاجة- ليست الإسلام.

رأينا العالم الافتراضي قبل أن ينشأ على الإنترنت، وإنما في مساحة الدماغ التي ترسم سيناريوهات القهر وما يفرزه القهر من تشوه في طفرات الإبداع لتموت كما ماتت الأحلام في عالم الكوابيس وقرى الرعب التي تتنكر بلبوس المدنية؛ عالمنا الذي ما زلنا نعيشه مذ أن وعينا. ونحن نسمي الوهم أملا، والحلم نخافه وننكر أننا حلمناه، نزعم أننا لا نعرفه طلبا للنجاة من جريمة الحلم؛ غير أننا نحقق أحلام السادة العظام الحكام على مر العصور والزمان، وهم مجموعة من الجهلة يظنون بنا الجهل لتجاهلنا.

مساحة الدماغ هذه هي ساحة الحرية التي يمارس فيها الرد على القهر والظلم، لكن لا فعل على الواقع، فالواقع هو واقع الطغاة وكل سرّاق النهار الذين ترقوا عن سرّاق الليل في غفلة الزمن، فلا زمن راحة عبر عشرات السنين بل نُقِل عبر أجيال المظلومين مئات السنين؛ وهل سيحاسب الله المظلومين لسكوتهم على الظلم أو اعتيادهم له، أم يحاسب الظالم على طغيانه؟ وما أشقانا إن كنا بعد كل هذا نستحق جهنم، وسنرى هنالك الظالم والمظلوم في وحدة العقاب واختلاف الذنوب، وكل وصل إلى مكانه بعلاقته مع الآخر.

سنن الكون لا تحابي:

للكون سنن وضعت والعدل كل العدل في تطبيقها، فهي معايير لقياس منظومة البشر العقلية، هي معيار نجاح الآدمية؛ عندما تخرج الآدمية من صناديق الجمود والتخلف والفساد الباطني والإيمان الظاهري ومعرفة قشرية؛ فلا فهم ولا وضوح للقضية.

المحتلون لا يعملون لمصلحتك:

هذه البلاد هي بلاد التصادم (clash zone)، حيث تتشابك بعنف أحيانا مصالح الآخرين، عندما يدعمون الظلم في المنطقة؛ ليس حبا في الظالم ولا علاقات استراتيجية مع المتخلفين في نظرهم، ورأينا أن قواعدهم ليست حماية للدول الوظيفية في المنطقة، فالدولة الغربية الحديثة لم تُبنَ على قيم أخلاقية وإنما بنيت على المنفعة، وما يطبق عندها من قوانين هي لحماية النظام بالاستقرار فالمدنية لا تتطور في بيئة مضطربة كبيئتنا، وما نراه هو استيراد وتقليد، ولا يظن أحد أنه بمنأى عن الانكسار وأن يعاد إلى واقع ما قبل استيراده للمدنية، أو ارتأى أن يقلد نتاجها العسكري ولم يغير عقليته التي تنتمي إلى ما قبل الإسلام بالهيمنة والغزو، ولم يبن علاقات سياسية ناعمة تحفظ الرفاهية ومصالح الجميع.

لا شك أن ما قلته أعلاه هو وهْم وحلم اليقظة في واقعنا، ومن الصعب أن نتقبل الأمر رغم وضوحه وإدراكه، فحين تستسلم الشعوب للأساطير وترى الحكومات الهشة تنهار ثم لا يأتي بديل مناسب والشعب لا يملك إلا إصدار الأصوات والدوران حول النار ثم ينتظر تصفية أخرى ويظن أنها ستحقق أوهامه عندما يقسم المجتمع؛ ولكل جزء حلمه الوهمي الذي مُنِحَ له وعلاقاته الاستراتيجية (كما يظن)، وأن الأيام ستأتي بهذا المستغل لحلمه فيحققه، وهو أداته بابتزازك وتوجيه غضبك لنحر إخوتك وتترسك بساتر الوهم فيخفف الثمن على عدوكم في تحقيق مسار تحقيق أهدافه.

الحروب للهدم لا للبناء:

الصراعات هي مقدمات حروب، والحروب لتنمية الكراهية والهدم للإنسان قبل البناء. الأهداف لا تتحقق بالميوعة والتفاهة، والناس كما نرى اليوم يتمسكون بتلابيب المعتقدات الغريبة، ويرون مجتمعاتهم وإمعانها بالتخلف، وهم يتمسكون بهدم أسباب نهضتها وأدوات رقيّها، ولا يمكن أن تبنى البلاد بالتفرقة والكراهية والفساد.

سنن الكون:

الظلم لا يدوم: ومهما دام فدماره أكبر، وما أسوأ الظلم من ظلم إخوتك، من قوم أو دولة أو أفراد، والنأي بالنفس عن الظلم نجاة وإن لم تنج منه في الدنيا، لكن السعي للقضاء عليه بالحوار والكلمة الطيبة وتجنب الفتن هو نجاة عملية لفاعله.

العمل هو سنة كونية حتمية وقانون إلهي ثابت رُكّب عليه الكون لاستمرار الحياة. والعمل نوعان في زمننا مع الظلم الطاغي فيه؛ عمل مع الظالم ويصب في برنامجه عندما أكون أداة له أو أطلق أوهامي وأنا أخدع النفس بزخرف الحياة والرفاهية الشخصية، على حساب من أزعم أني أعمل لهم، وهذا طغيان عبد الظالم وهو أشد ظلما من سيده الظالم.. وعمل ضد الظلم، ومواضع التغيير وكيفيتها واضحة لكن الأخذ بحرفها يحرفها، وهو من الجهل وفساد النفوس حرّف الدرب إلى غاياتها، فالقوة عند التمكين وعندما لا يكون الظالم أخاك، واللسان مع الطغيان من الحكومات والمتنفذين، والقلب بالصبر على الأذى من أخ وصديق، وعندما يكون للناس حكم رشيد فهو سيعيد تعريف هذه المعاني العظام.

خلاصة القول: نحن لا نحلم وإنما نعيش واقعا افتراضيا لا فاعلية لنا فيه، لأن من يحلم يسعى ونحن ساكتون، ننصح الضعيف ولا نعينه، ونسكت عن الطاغي ولا نناصحه؛ وهكذا، فهو تناقل دوار الألم جيلا بعد جيل وأبدلنا الرقي والعظمة بالهوان والتفاهة.


الجمعة، 17 أبريل 2026

239 - الانسانيـــــــــــــة والزمــــــــن المـــــــــــــر

 رابط عربي 21

ماذا يفعل الأب؟

ماذا يفعل الأب وهو يرى عيني ابنته تغرقان بدمع ينهمر؛ وهي خائفة على ابنها (حفيده)؟ هنا يتوقف القلم مستطلعا ألم الأب والابنة والسبط، هو إحساس الأجيال، عندها يعجز الوصف لتسونامي الألم في صدره.

فماذا يفعل اليوم وهو يرى ابنا مقهورا قهر الرجال؛ أيبكي؟ وهل حرر البكاء أرضا أو سدد دَينا؟ إننا نشاهد كل يوم بناتنا وأبنائنا في هذه الحالة، ونرى ذل الظالم أمام ظالم أظلم منه أيضا، لكن هذا يزيد من نزيف القهر المؤبد الذي نعيش فيه؛ وما فارقنا يوما بسبب نزوة غريب أو قريب ونحن نقلب بل نقرأ صفحات الزمن المر كلمة فكلمة بل حرفا فحرفا، إنه ألم يتجسد فيرتعش له كيان الإنسان، ليس خوفا أو خشية وإنما هو حس حقيقي بدموع لا تتوقف، ترجو الأمل وبِقَهْرِ مَقْهُوُرٍ يكابر ويوقف نزف جرحه براحة يده ويتمتم ناعيا موت الإنسانية وسقوط الآدمية بفشل الإنسان، ثم يأتيك تافه من الشرق أو الغرب متصورا أن ما يراه من رقاعة هي وصف لكل الشعوب، ويريد جهله وسفاهته أن تعتبره معلما وكأن الناس يجب أن يتماهوا مع تفكيره وإلا سينزل عليهم صواعق السماء وحمم براكين الأرض.

الخوف أم الخشية؟

من يبني أمة فإنه يرى تمكين الأمة ونهضتها هو الغاية التي لم تتحقق، وعليه فهنالك المزيد من التغيير والإصلاح مطلوب. هنا تنشأ بلاد الخوف، فأنت لا تعرف كيف يفكر من يرى الصواب في وجوده وتمكينه وما خلا ذلك مرار وقهر


هل يخاف الإنسان؟ هل تخاف الأُسر؟ هل تخاف الأوطان والأمم؟ أم أنها تخشى؟ وماذا تخشى؟

عندما يفقد الإنسان، الأُسرة، الأمة.. تعريف أي شيء، وتبقى الانطباعات عنوان المعرفة؛ يحل وهْم الخوف المحبط للاستمرار. في الزمن المر؛ لا شيء معرّف، والخوف جزء من نظمه وقوانينه، لأن القوانين نصوص تفسرها المصلحة، والمصلحة في الزمن المر هي مصلحة من يجعل الزمن مرا، ولكي يتغير زمنك لا بد أن تغير المكان كمنطق تحليل لازمة النفس، لكن هل يوجد في الأرض اليوم مكان يمر عليك الزمن فيه جميلا؟

الحقيقة أن المكان والزمان موطنهما منظومة عقل الإنسان، فالزمن الحلو هو في ذات المكان من الأرض التي يمر بها الزمن المر، لكن برأس إنسان مختلف، إحساسه وتعريفه للمفاهيم وللمعاني، فما يراه إنسان أو قائد أن الأمة ينقصها، يراه الآخر أنه وضع مثالي، كل الفرق هو فهم الواقع بأساليب مختلفة، ومع المثال يجاب السؤال كما يقال: الإنسان الحامل لفكرة فئوية، هو عنوان من عناوين التخلف أصلا، هو يرى الكمال في تمكين فئته، والأدق تمكينه هو باسم فئته، وهذا غاية الطلب، أما من يبني أمة فإنه يرى تمكين الأمة ونهضتها هو الغاية التي لم تتحقق، وعليه فهنالك المزيد من التغيير والإصلاح مطلوب. هنا تنشأ بلاد الخوف، فأنت لا تعرف كيف يفكر من يرى الصواب في وجوده وتمكينه وما خلا ذلك مرار وقهر. هؤلاء الناس خطرون وهم متمكنون، وكذلك خطرون وهم غير متمكنون ويسعون للتمكين، لأنهم سيكونون العدو المحبط للتطور والنجاح، فهم طاقات سلبية عدمية، أحاديون يجتمعون بغاية حصولهم على ما يريدون لكنهم منفصلون عمليا عن الجميع.

فالخوف هو عندما تتولى هذه الفئة الأمور والقرار، والخشية منها عندما تكون خارج السلطة والقرار لأن الناس يعلمون ما ستفعل هذه الفئة إن تمكنت.

هنا يحس الإنسان بألم الأجيال، هي المستقبل لأناس يعيشون في المكان الذي يراه الظالم حلوا زمانه، وهم الذين يقهرهم هذا الطغيان الرقيع فيكون الخوف على المستقبل ومنه قلم الإحساس العلقم.

هل هو وهْم أم حلم؟

إعاقة الفكر في زمننا أبرزت لنا تلك النفوس التي اشتطت بجهلها لتجعله مرّا، وباسمه أفرزت كل أمراض النفوس وحب السلطة والتمزيق


تكاد أحلام الأمم أن تكون وهْما في بلدان لا يُضمن مستقبل فيها، والناس ما بين خوف وخشية، فمنهم من يعرف ما يخشاه ومنهم ما يتحسس ويجهل ما يخافه، لكن النتيجة أن الجاهل المتسلط لا قيمة عنده لعلم أو قلم أو مستقبل بغير فهمه لمعنى التمكين، فترى الطاقات ليست آمنة أو هاربة بحثا عن الأمان، وهي حتما لن تجد تمام الأمان وإنما تغير ما كانت تخشاه إلى مخاوف تقنع نفسها بأنها بعيدة بالأمل أو تتعايش مع تلك المخاوف لأنها لا تهدد حق الحياة ربما، لكن تهدد معناها رغم أن فيها ما يوحي بأنها تعتني بالكرامة الإنسانية كما هو حال "المهجر".

ولعل هذا ترجمة لما فُقد في مجتمعنا من معاني التكافل التي كانت فيه ولا تأتي مُرضية إلا بالفهم لمعنى مفهوم الإسلام؛ ليس لإشباع غريزة أو عصبية لمسلمين، أو لعنصرية أو جمود، وإنما حضارة فكرية تجمع الكل بنظام عصرهم مهما تعدد أديانهم ومشاربهم. وكما الأب ينظر إلى نقص أولاده لسده وإلى مرضهم لعلاجه، ينظر المتمكن إلى الأمة بتنوعها. وهذا ليس وهْما إنما حصل بظرف أقل إمكانية للتنظيم، غير إن إعاقة الفكر في زمننا أبرزت لنا تلك النفوس التي اشتطت بجهلها لتجعله مرّا، وباسمه أفرزت كل أمراض النفوس وحب السلطة والتمزيق، فعندما يلبس إبليس ثياب الملاك ولكن لا يترك مذراته كما يصورونها، عندها سنجد النفوس تباع بالغرائز ما بين جهالة وجهل ونفاق.

الحق أقول لكم أن من عرف الله لا يمكن أن يكون متجبرا ظالما ثم يزعم أنه سيفارق إبليس ويذهب إلى الجنة، وإن مواجهة صفحات الزمن المر لا يُهرب من فصولها بالنفاق.



السبت، 11 أبريل 2026

238- الفرقـــــــــان

 عربي 21

( وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ )

منهج طرح الأفكار:


الله عز وجل خلق الآدمية كسلالة بشرية تتميز بمنظومتها العقلية، لذا تقييد ما تتميز به السلالة بغير معايير القيم والأخلاق يعد انتهاكا لدورها في التفكير والإبداع.. القرآن، الكتاب، الفرقان، الذِكر، الضياء.. عندما أردت أن أنقى كم الأفكار في توضيحها وجدت ضعفا بنيويا عند الكثير من الباحثين وفي فهم القرآن نفسه ككتاب وفرقان وذكر حكيم. كل من يطرح يحاول أن يقول لا الأولون ولا الآخرون أصابوا في شرح المعنى وإنما أنا الوحيد الذي يقدم لكم المعنى الصواب، ومن الطبيعي أن يظهر مؤيدون لهذا الشرح ومخالفون.

فهناك التأييد الأعمى الذي يؤيد منطق الطرح دون أن يجري تعسف على الذهن البشري، فكل من يطرح رأيا بالتأكيد عنده منطق مقنع لمسار فكري أو في قواعد اللغة ومعاني الكلمات، وعليه يبني الفكرة، فليس من فكرة خالية من المنطق الذي يؤيدها، بين مقتنع ومخالف ناظر من زاوية أخرى. والمخالفة للأسف عندنا تذهب إلى التسفيه والتكفير غالبا وربما الشتيمة، وهنا ينشغل البعض بالرد على الناس أكثر من القيام بمهمته في التفسير حتى وأنت تسمع مسألة يفترض أنها إعجازيه أو معاني غامضة، فتجد أنك أمام شخص يسفه الآخرين ويسبهم ويفقد قيمة بدأ بها متوازنا، لأن الاعتراضات عليه أصابت الأنا ورفعت الشطط، والشطط عندما أصاب إبليس سُمي شيطانا، وكذلك كل إنسان أيضا يقع في نفس المنزلق الأناني فيبدأ في تسخيف طرحه قبل غيره بجعل الأنا محوره، متفرغا للمناكدات.

"فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ"

الشروحات القديمة هي قراءات على قدر المعرفة في ذاك العصر، والقرآن يتحدث مع المنظومة العقلية، ومهمتنا ليست تسفيه الأولين، كما أنها ليست تقديسهم، فهذا القرآن ينزل كل يوم وكل عصر، والمعاني تأخذ سعة ما توصل إليه الإنسان من معرفة، فليس شرحه في مجتمع صغير كشرحه في مجتمع كبير غير متجانس. هذه الآية مثلا إن قرأتها أنها أستعاذة عند الشروع في القراءة، فأنت تقرأ فهما لها، لكن هنالك أفهام في المراد من القرآن ومنهج النظر إلى معانيه، فهذه الآية لها معنى غير المعنى الذي يقول استعذ بالله من الشيطان قبل القراءة، لأن المشكلة عندنا ومعنا في عصرنا ليست خارجية وإنما داخلية، فعلي وأنا أكتب هذا الكلام أن أسأل الله أن يصوبني، وأن لا أتبع نزوات النفس في الشرح والتفسير أو التأويل، هنا المعنى؛ استحضر الله ولا تجعل نفسك تشطط بالأنا والتماد والتعصب لفهمك وإنما هنالك أفهام، فـ"استعذ" أثناء القراءة هي التفكر والتدبر وتحصين نفسك من سوء الشطط.

قل رأيك ولا تسفه الآخرين:

إن كان مسعانا لله ونرجو رحمته، فاحسب أن هذا ما سيستحضر دوما، إقناع الناس ليست مهمتنا وأن يمتدحنا الناس ليس غايتنا، أقول ما أرى بعد دراسة مستفيضة، أتعامل مع الله في العمل كأمانة أقدمها للبشرية ككل، لست وكيلا، لست مسيطرا، هنالك من سيقف ضد ما أرى فلا أنشغل كثيرا بالتحديات لما طرحت، فالأصل أن أطرح لا أن أجبر الناس على الاتفاق معي، فقد أكون مخطئا في الطرح فيصوبون خطئي، هنا لست منشغلا بالرد على الرد وإنما عقل الرد، فإن وجدته ارتجالا سطحيا فسلاما، لأن من يطرح الأمور بشكل سطحي يعبر عن منهج جدلي سفسطائي سيستمر بإلقاء السلبيات من الأفكار والمشاعر وغيرها.

ما نحتاجه فعلا:

ظهرت في الأمة نخبة من المفكرين خارج الصندوق، وطرحوا الكثير من الكلام، والشمولية عادة يحدث فيها الزلل، فهم وقعوا في نفس عيوب منهج السابقين وهو محاولة الإجابة على كل الأسئلة، والقطع في الجواب، ولا يوجد لا أعلم! أي "هذا لا يمكن" و"من قاله فهو لا يفهم".. وهكذا يقعون في مصيدة الشطط فيفسرون أمورا في فهمهم أنها حقائق وبلا "الله أعلم". هنا نحتاج إلى الشمولية في المعايير وليس التفسير، أمور المراجعات الفقهية تحتاج مراجعات غير تقليدية، ونحتاج أن نعد كادرا لمراكز الدراسات، وليس تكرار أو اعتماد الشهرة وإنما وضع معايير للتقرير ومنهج للتدبر والتفكير.

هل هي تسميات أم صفات أم أوجه؟

عندما نأتي إلى القرآن الكريم فهو مفهوم كمصطلح أنه ما بين الدفتين، ونجد كلام الله، يقول: القرآن، والمثاني، والفرقان، والذِكر، الكتاب هدى للمتقين، والكتاب هدى للناس، والإيمان بالغيب، ثم الدعوة إلى التفكر بالخلق وعلوم الفضاء والكيمياء والفيزياء.

هذه شرحت من الأولين والآخرين بعدة طرق والمشترك بينهم أسلوب المسطرة على كل شيء، وعندما أجريت بحثا لاحظت أن شرح الكل صحيح من جانب، فالقرآن بالذات لا يفسَّر بأن هذا يعني كذا وذاك كذا، فقد يختلف المعنى من فهم لفهم ومن عصر لعصر، ففي موضع القرآن بما يعني هو الاسم والوصف، وفي موقف هو الكتاب من حيث محتواه، وهو الكتاب والحكمة، وهو الفرقان في موقف.

الكتاب للمتقين في مرحلة الإيمان الغيبي وهو سيهديهم الطريق، والكتاب للناس عند توسع المعرفة والرسالة، إنها مدلولات لمراحل وليست توقيفية بمعنى واحد، والاختلاف بها قد لا ترى فائدة منه أصلا في تعريف يضعها في صندوق الأحادية وهي مفتوحة منيرة.

علينا أن ندرك أن الإسلام منهج حياة وليس تقديسا للأشياء والآراء والمعاني، وأن هنالك أدوارا موزعة على الأمة متى ما عرفت طريقها متجاوزة الأنا لتستقيم على المنهج، وهذا لا يأتي بالنفاق والشقاق وسوء الأخلاق، أو طلب الدنيا بغير قصد الآخرة، فطلب الآخرة في حقيقته هو طلب الدنيا كمهمة بنظام وقيم وفهم لمعنى الآدمية وكرامة الإنسان، وليس الاستحواذ أو حصولك على المال ولا يهم بأي طريق أو المنصب والجاه، فأنت ستفقد التوازن إن سعيت لواحدة بغير الأخرى. فالله قال "إني جاعل في الأرض خليفة" أي سلالة جديدة، والفساد يأتي من سوء فهم المهمة، فإن أردت الدنيا كغاية فلك هي لكن ليس لك نصيب في الآخرة، وإن أردت الآخرة بشطط وبدع تقلل من قيمة الرسالة والمهمة وعمارة الأرض فإنك ستحاسب بميزان. لكن للآخرة سعي ونظام، ترتصف النفوس لتسير بالصراط المستقيم إلى أبواب الجنان بالعمل والإحسان، والفهم أول البنيان.


الثلاثاء، 7 أبريل 2026

237 --- الميـــــــــــــــــــــــــــــاه تقرير لكي لا يخدعنا التفاؤل

 



خلاصة والغاية من هذا التقرير:

إن وجود الماء هذا العام لا يعني أن الظروف تحسنت

ضرورة العمل على بدائل للأمطار واستعدادات لخزن المياه في السنين التي تتمطر في خضم الفوضى المناخية

الاتفاقيات الدولية والتعاون المشترك لمواجهة المستقبل مهم

مشاريع كالتي طرحت أو ما يقدمه الفنيون يجب أن تدرس وتصمم وتنفذ بأسرع وقت ضمن تخطيط يسابق العطش.



                                                             

السبت، 4 أبريل 2026

236- وسوسة الانسان وصروف الزمان

 رابط عربي 21


أعماق الإنسان

وأنا أجول مستعرضا الناس وتقلباتهم والزمان، وقامات فقدت انتماءها لشحة المتشدقين بالقيم، أو أناسا أضحوا غير مبالين بمشاعر الآخرين؛ فأحزن على البشر الذين يهربون من الذنب الصغير بالكبير ولعلني أعذره مضطرا، وأدعو له بالفرج، وما يحزن أكثر هو الإصرار عندما يزعم أن ما يقترفه من نفاق هو نصرة للمبادئ والقيم، بينما هو يسيء إلى المبادئ والقيم.. أهو الخوف. أهو ضعف الثقة بالله؟ إنها لقمة العيش المرة زمن الفساد وضيق عيش القابضين على القيم، أم هو تنقله مع رحلة تكسير القيم في دكاكين النفوذ والفساد التي تستعين بالشريف لتبييض سمعتها ثم يسيء هو لسمعته مع وسوسة فقدان الرزق وضياع نمط العيش وانهيار جدار الصمود؟

تعريف الوسوسة

ما بين الأمل والخوف، ينبض صوت خفي يُدعى الوسوسة، ليست مجرد همسة عابرة، وصفها أرسطو بأنها خلل في التخيل، حيث يطغى الوهم على الحقيقة لدرجة يُصدقها العقل، وعرفها الغزالي بأنها "حجاب يشغل القلب عن الحق"، ومهما رأى الفلاسفة في الوسوسة من الشر، أراها قلقا وجوديا وتصورا يولد الخوف مما ينتج عن الأحداث وحالة من التفكير لحل ما لا معطيات لحله.

في هذا المأزق الوجودي، يهرب الإنسان من صغير متوهم إلى كبير واقع، يخشى خسارة وظيفة أو دخل محدود، فيتنازل عن مبدأ أخلاقي أعظم، يخاف الفقر الموهوم، فيبيع ضميره بثمن بخس، يقلق أو تقلق على أولادها، تفسد علاقاتها الاجتماعية


تبدأ الوسوسة بنبض صغير: "ماذا لو خسرت الرزق؟ ماذا لو انهار مستوى عيشي؟ ماذا لو عجزت عن حماية من أحب؟ وهذه لحظة فشل في اختبار الإيمان وتحميل النفس ما ليس عليها.

كلما حاول الإنسان مواجهة الوسوسة بالتفكير فيها أو تجنبها، ازدادت قوتها، لأن القلق نفسه يُفرز دوبامينا خفيا يحوّل الخوف إلى إدمان، هكذا تتحول الوسوسة إلى حلقة مفرغة: خوف، تضخيم كارثي، تنازل مؤقت؛ قد يستديم، إحساس بالذنب، وسوسة.. وهكذا.

في هذا المأزق الوجودي، يهرب الإنسان من صغير متوهم إلى كبير واقع، يخشى خسارة وظيفة أو دخل محدود، فيتنازل عن مبدأ أخلاقي أعظم، يخاف الفقر الموهوم، فيبيع ضميره بثمن بخس، يقلق أو تقلق على أولادها، تفسد علاقاتها الاجتماعية.

الوسوسة في الفكر الإسلامي

وفي التراث الإسلامي، يصف ابن القيم الوسوسة بأنها "حديث نفس يهجم على القلب بغير اختيار"، ويبدو أنه يعدها من اللمم؛ "أن الله يتجاوز عنها ما لم يُعمل بها أو يتكلم"، لكن المشكلة ليست في مجرد الوسوسة، بل في الاسترسال معها حتى يصبح التنازل والتخلي عادة، أو القلق سمة.

الخلط بين حالة مرضية وأن تكون من سمات الشخصية هو الإصرار، وفقدان الموازنة العقلية في السلوك، ومعاملة الاضطرار وكأنه حالة طبيعية، والوسوسة أحيانا تخوين النفس ربما لأنه يتصور أن هنالك خيانة لمبادئه من أجل حماية عزيز عليه، وهو واقعا قدم التضحية من أجل كتم شر أكبر.. سؤالان يثبتان أن الأمر داخل النفس، فالوسوسة هنا ضعف تمييز بين التوازن والهدر، هو مضطر اضطرارا وجوديا، الوسوسة جعلته يرى الرزق رهينة نقلته إلى الخوف بل الرعب، وأصبح التوكل وهما، والصدق رفاهية لا يقدر عليها إلا الأقوياء.

هو يحمل على كتفيه أسرة وأحلاما ومسؤولية ثقيلة، فيصبح التخلي عن مبادئه "حلا" يبدو منطقيا داخل سجن القلق وتخلي من عليه واجب دعمه عن دعمه، فتضيع الطاقات بالمثاليات وما أيسر انتقاد فراغ صبر الجائع وأنت شبعان، فيأخذ الناقد دور القاضي بدل أن يعين.

الإرادة -مهما اغتيلت بالوسوسة- يمكن أن تُبعث من جديد حين يقرر الإنسان أن يحول قرار الضعف إلى دافع نحو الأمل والتوكل الصادق


لعل المتخلي يُعذر فليس كل التخلي عن عزم، لأن القلق الوجودي ليس اختيارا، بل هو جزء أصيل من كينونة الإنسان. بعض الناس يصمدون كما قال كيركغارد: "كلما ازداد الإنسان عمقا في القلق، ازدادت إمكانية عظمته.. إن استطاع أن يحوله إلى إيمان وشجاعة"، لكن هذا ليس القاعدة ويبدو كلاما مثاليا والواقع يتطلب التكاتف والبذل من المتمكن لغير المتمكن، من اجل نظافة الطاقات وعدم تحولها إلى طاقات تبدع في السلبية. فحل مشكلة هذا النوع من الكفاءات هو دعمها من المتمكنين الصالحين، فإن بخلوا أو أرفقوا عطاءهم بالمن وشحنات الشح السلبية، فيفضل العيش منتحرا بالتخلي على أن يبدو مغفلا حين وثق بهذا النوع من الذين لن يهتم لجلدهم له باسم القيم.

الأمل لا يموت

لا تجد عزيمة عند محتار؛ فعندما يثبط الأمل في النفوس فهي تسير ميتة، الأمم السائرة ميتة لا ينقذها إلا هؤلاء الذين يتساقطون اليوم تحت وطأة العيش ويغرقون في طغيان الفساد، الصالحون قولا الغافلون عن واجبهم في تثبيت هؤلاء هم من يجرم بحق هذه الطاقات، وبدل أن يستعيدهم يحمل مذرات تبعدهم عن ساحل النجاة، لا بد من حماية سلام النفس ونقاء الضمير في صروف الزمان.

لكن! الإرادة -مهما اغتيلت بالوسوسة- يمكن أن تُبعث من جديد حين يقرر الإنسان أن يحول قرار الضعف إلى دافع نحو الأمل والتوكل الصادق، فليقطع كل واحد منا هذه الحلقة قبل أن تغتاله، ففي تهذيب القلق الوجودي تكمن عظمة الإنسان، وفي الثبات على المبادئ تكمن العزيمة، فثق بالله ربك.


السبت، 28 مارس 2026

235 - تصويب نظرية داروين في اطار علمي

 


234 - ازمــــــــــة وعي

 عربي 21


ليست أزمة العالم في قلة الناس الذكية والقوية، ولا في ندرة المتعلمين، ولا حتى في غياب الشعارات الأخلاقية، المشكلة أعمق وأشد خفاءً: إنها في الخلط بين الوعي وما يشبهه. فالذكاء، والثقافة، والتدين، كلها صفات قد تتجاور في شخص واحد، لكنها لا تصنع بالضرورة إنسانا واعيا، ولهذا يمكن أن ترى عالما يزداد معرفة، بينما لا يزداد بصيرة، وتزداد فيه الأدوات، بينما تتراجع القدرة على استخدامها بحكمة.

الذكاء:

يمنح الذكاء صاحبه قدرة على التحليل، والربط، واستنتاج ما لا يراه غيره، لكنه لا يمنحه بالضرورة القدرة على رؤية نفسه؛ وهنا يكمن الخلل، فمنظومة العقل التي تستطيع تفكيك أعقد المسائل، قد تعجز عن اكتشاف تحيزاتها الخاصة، بل الأخطر من ذلك، أنه الإنسان قد يستخدم ذكاءه لتبرير هذه التحيزات، فيصبح أكثر اقتناعا بخطئه كلما ازداد تفكيرا، الذكاء هنا لا ينقذ، بل يعمّق المشكلة، لهذا نرى أناسا يتحدثون عن العنصرية وينتقدونها وهم عنصريون أو طائفيون بل ويقترفون نفس ما ينتقدون.

الوعي ليس مجرد معرفة، هو موقف من المعرفة، ليس مجرد إدراك، بل طريقة في الإدراك، هو القدرة على رؤية الواقع كما هو لا كما نحب أن يكون، وعلى رؤية الذات كما هي لا كما نرغب في تقديمها، إنه المسافة الدقيقة بين الفكرة وصاحبها بين القناعة وإمكانية مراجعتها


الثقافة:

هي توسّع الأفق، وتفتح أبوابا متعددة للفهم، لكنها أيضا قد تتحول إلى تراكم معلومات بلا مركز. المثقف قد يعرف الكثير عن العالم، لكنه لا يعرف موقعه من نفسه فهو مخزن معلومات يتنقل بين الأفكار، يقتبس، يقارن، يحلل، لكنه قد يظل بعيدا عن أبسط سؤال: هل ما أؤمن به حقيقي، أم مجرد فكرة جميلة اعتدت عليها؟ الثقافة دون وعي تشبه مكتبة ضخمة بلا قارئ نقدي ما لم تكن موردا للحلول.

التدين:

في جوهره غريزة؛ وعندما تدار بالفهم هو قيم لضبط السلوك، لكنه -عند غياب الفهم- قد يتحول إلى هوية مغلقة، أو إلى شعور بالتفوق الأخلاقي؛ فيختل التفاعل مع البيئة، هنا لا يعود التدين أداة لمحاسبة النفس، بل وسيلة للحكم على الآخرين، وحين يحدث ذلك، يفقد وظيفته الأساسية، ويصبح جزءا من المشكلة بدل أن يكون حلا، فميزة الإنسان منظومته العقلية التي تصوّب فاعلية الغرائز.

الوعي:

إذن، ما الذي ينقص؟ ما الذي يجعل كل هذه الصفات غير كافية؟ الجواب هو الوعي. والوعي ليس مجرد معرفة، هو موقف من المعرفة، ليس مجرد إدراك، بل طريقة في الإدراك، هو القدرة على رؤية الواقع كما هو لا كما نحب أن يكون، وعلى رؤية الذات كما هي لا كما نرغب في تقديمها، إنه المسافة الدقيقة بين الفكرة وصاحبها بين القناعة وإمكانية مراجعتها.

النفس البشرية تدافع لا تراجع:

الإنسان الواعي لا يعيش داخل أفكاره وكأنها حقائق مطلقة، بل يتعامل معها كفرضيات قابلة للاختبار، لا يخاف من أن يقول "كنت مخطئا"، لأن هويته ليست معلقة بصواب رأيه، هو لا يسعى إلى الانتصار في كل نقاش، بل إلى الاقتراب من الحقيقة، حتى لو كلّفه ذلك التراجع، وهذا ما يجعله نادرا لأن النفس البشرية تميل إلى الدفاع لا إلى المراجعة.

عالم بلا قيادات واعية:

وعندما ننتقل من الفرد إلى القيادة، تتضخم المشكلة؛ القائد غير الواعي لا يحتاج أن يكون جاهلا أو سيئ النية، يكفي أن يكون محاطا بدائرة تعكس له قناعاته، فيظن أنه يرى الحقيقة كاملة.

مع الوقت، تتحول رؤيته إلى معيار، ويصبح الاختلاف تهديدا، والنقد عائقا، هنا لا يعود الخطأ احتمالا، بل يتحول إلى مسار مستمر، لأن آليات تصحيحه تم إلغاؤها.

في هذا السياق، لا يعود السؤال: لماذا تتخذ القيادات قرارات خاطئة؟ بل: لماذا لا ترى أنها خاطئة أصلا؟ الجواب ببساطة: لأن الوعي غائب، القدرة على الشك في الذات تم استبدالها بالثقة المطلقة، الرغبة في الاستقرار النفسي غلبت الحاجة إلى الحقيقة؛ وهنا، حتى الذكاء يعمل ضد صاحبه، لأنه يمنحه أدوات أفضل للدفاع عن وهمه.

الوعي مسؤولية:

الإنسان الواعي قد يخطئ، لكنه يختلف في شيء أساسي: أنه يملك آلية للعودة، يكتشف، يراجع، يصحح، يعلم حدود علمه وعظم جهله عندما ينظر إلى نفسه وسلوكها ومتى يرى أنه مسيطر أو فاقد السيطرة على رغباتها، بينما غير الواعي قد يخطئ بنفس القدر، لكنه يفتقد هذه الدائرة التصحيحية


قد يبدو هذا الطرح قاسيا لكنه واقعي، فالعالم لا يعاني من نقص في المعلومات، وإنما من سوء في ترتيبها داخل منظومة العقل التي لا تبالي لفقدان القيم، ومن استخدام القيم بشكل انتقائي لتبرير أهدافا لا تمت بصلة للقيم، ليست هذه معاناة من ضعف في التفكير، بل من غياب التفكير في التفكير نفسه، وهذه طبقة أعمق لا يصل إليها إلا الوعي.

الوعي أيضا ليس حالة مثالية مستقرة، بل عملية مستمرة، ليس نقطة يصل إليها الإنسان ثم يستريح، وإنما جهد دائم لمراقبة النفس والبيئة، ولمراجعة القناعات، ولمقاومة الإغراء الدائم باليقين السهل، الإنسان الواعي قد يخطئ، لكنه يختلف في شيء أساسي: أنه يملك آلية للعودة، يكتشف، يراجع، يصحح، يعلم حدود علمه وعظم جهله عندما ينظر إلى نفسه وسلوكها ومتى يرى أنه مسيطر أو فاقد السيطرة على رغباتها، بينما غير الواعي قد يخطئ بنفس القدر، لكنه يفتقد هذه الدائرة التصحيحية.

مستوى الوعي:

ولو ارتفع مستوى الوعي، سواء عند الأفراد أو القيادات، فلن تختفي الخلافات ولا المصالح ولا الصراعات؛ لكن طريقة التعامل معها ستتغير جذريا، سيصبح السؤال ليس فقط "كيف ننتصر؟" بل "ما الذي نحافظ عليه ونحن ننتصر؟". لن يكون الهدف مجرد تحقيق المكاسب، بل تجنب الخسائر غير الضرورية، خصوصا تلك التي تمس الإنسان نفسه.

في النهاية، ليست المشكلة أن العالم معقد، بل أن مستوى العقليات التي تديره كثيرا ما تتعامل معه بسطحية مغطاة بالثقة، والفرق بين إنسان ذكي، أو مثقف، أو متدين، وبين إنسان واعٍ، هو أن الأخير لا يكتفي بامتلاك الأدوات، بل يسأل دائما: هل أستخدمها لأرى الحقيقة، أم لأحمي نفسي منها؟ هذا السؤال البسيط -والصعب في آن واحد- هو ما يصنع الفارق بين عالم يفهم وعالم يدار فيه العبث.

240 - قرى االكوابيس والرعب

  21 رابط عربي "لم تعد القرى تُخيفنا بما فيها… بل بما يُزرع في عقول سكانها." رسم الصورة وهذه الفقرة للذكاء الاصطناعي صراع الكوابيس...

يقظة فكرgoogle-site-verification: google25f7d3ebc2fdac29.html