https://m-salihalbdrany.blogspot.com/ فكــــــر اليقظـــــــة Mindfulness: 06/06/26https://m-salihalbdrany.blogspot.com/

بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 6 يونيو 2026

251- بين الوهم والواقع: الإنسان حين يضلّ صورته

 رابط عربي 21

الوهم والهُوية:

ليست المأساة الكبرى في حياة الإنسان أنه يخطئ، بل أن يتحول خطؤه إلى هوية كاملة يدافع عنها بوصفها حقيقة مطلقة، فالوهم لا يبدأ عادة من الكذب الصريح، وإنما من الرغبة العميقة في رؤية العالم كما نشتهي لا كما هو، ومن هنا تنشأ أغلب الانكسارات الفكرية والحضارية؛ حين تتقدم الرغبة على الفهم، ويتحول الخيال من قوة للإبداع إلى وسيلة للهروب من الواقع.

الإنسان كائن رمزي بطبيعته، لا يعيش داخل المادة وحدها، بل داخل الصور والمعاني التي يصنعها عن نفسه وعن العالم، لذلك لم تكن الأساطير القديمة مجرد حكايات للتسلية، بل كانت محاولات لفهم الوجود وتحمّل قسوته، غير أن المشكلة تبدأ عندما يفقد الرمز وظيفته التأويلية ويتحول إلى بديل كامل عن الواقع، فيصبح الإنسان أسير الصورة التي اخترعها بنفسه.

في لحظات كثيرة من التاريخ، تصرفت الأمم كما لو أنها شخصيات روائية مأخوذة بأوهام البطولة. توهمت أنها تحمل رسالة مطلقة، وأن العالم خُلق كي يعترف بتفوقها، وأن كل اختلاف يمثل تهديدا ينبغي إخضاعه أو محوه، وما إن تستقر هذه الفكرة في الوعي الجمعي حتى يبدأ الانفصال التدريجي عن الواقع؛ إذ تتحول الوقائع المعقدة إلى سرديات مبسطة، ويتراجع الفهم أمام الحماسة، ويصبح الشعار أهم من الحقيقة.

الإنسان الذي يطارد أوهامه طويلا ينتهي غالبا إلى الاصطدام بالعالم كما هو، لا كما تخيله. والمفارقة أن أكثر الناس تعلقا بالأوهام هم أولئك الذين يرفضون الاعتراف بها؛ لأن الاعتراف يعني انهيار الصورة المثالية التي بنوا ذواتهم عليها


لكن الواقع لا يهزم بالكلمات، ولا يتغير بالرغبات وحدها، إنه أكثر صلابة من الصور التي نصنعها عنه، ولهذا فإن الإنسان الذي يطارد أوهامه طويلا ينتهي غالبا إلى الاصطدام بالعالم كما هو، لا كما تخيله. والمفارقة أن أكثر الناس تعلقا بالأوهام هم أولئك الذين يرفضون الاعتراف بها؛ لأن الاعتراف يعني انهيار الصورة المثالية التي بنوا ذواتهم عليها.

الوهم والإنسان المعاصر

ومن هنا يمكن فهم جانب عميق من المأزق الإنساني المعاصر، فالعصر الحديث، رغم تقدمه الهائل، لم يحرر الإنسان من الوهم، بل منحه أدوات أكثر تعقيدا لصناعته، لم تعد الأوهام تُنسج في الحكايات فقط، بل في الإعلام، والسياسة، والفضاء الرقمي، وحتى في الطريقة التي يعرض بها الإنسان ذاته أمام الآخرين، لقد أصبح من الممكن صناعة نسخة محسنة من الذات، أكثر بريقا وأقل حقيقة.

ومع ذلك، فإن المشكلة ليست في الخيال نفسه؛ فالخيال أحد أعظم قوى الإنسان الخلّاقة، الحضارات الكبرى بدأت دائما بحلم، والعلم نفسه كان في بداياته ضربا من التخيّل الجريء، لكن الفرق كبير بين الخيال الذي يدفع الإنسان إلى بناء الواقع، والوهم الذي يدفعه إلى الهروب منه، الأول يوسّع حدود الممكن، أما الثاني فيعطل القدرة على رؤية الممكن أصلا.

إن أخطر أنواع الوهم هو ذلك الذي يمنح الإنسان شعورا زائفا بالاكتفاء، حين يقتنع الفرد أو المجتمع بأنه يملك الحقيقة النهائية، يتوقف عن التعلم، وعندما يتوقف عن التعلم يبدأ التآكل الداخلي، حتى لو بدا ظاهريا قويا ومتماسكا، فالحياة لا تعاقب الجهل بقدر ما تعاقب الغرور المعرفي؛ لأن الجاهل قد يتعلم، أما المتوهم أنه يعلم كل شيء فقد أغلق باب المراجعة على نفسه.

الوهم والفهم

ولعل هذا ما يفسر كيف يمكن لأمم تمتلك القوة والثروة والمعرفة أن تسقط في أخطاء بدائية، فالخلل لا يكون دائما في الإمكانات، بل في طريقة إدراك الذات. أحيانا تصبح الصورة التي يرسمها الإنسان عن نفسه أكثر أهمية لديه من الحقيقة نفسها، فيعيش مدافعا عن صورته لا عن وجوده الحقيقي.

الإنسان المعاصر في حاجة ماسّة إلى نوع جديد من الاتزان؛ اتزان يسمح له بالاستفادة من الخيال دون السقوط في الوهم، وباستخدام التكنولوجيا دون التحول إلى عبد للخوارزميات، وبامتلاك الطموح دون الوقوع في جنون العظمة


وفي المقابل، لا يقل خطرا ذلك النوع من البشر الذين يهربون من مسؤولية حريتهم بالاحتماء بالأقوياء أو بالجموع أو بالأفكار الجاهزة، فالإنسان الخائف من اتخاذ موقف مستقل يميل دائما إلى استعارة وعيه من الآخرين، إنه يفضل الطمأنينة النفسية التي يمنحها الانتماء الأعمى على القلق الصعب الذي يرافق التفكير الحر.

غير أن الوجود الإنساني لا ينضج إلا بالمواجهة، مواجهة النفس أولا، ثم مواجهة الواقع دون أقنعة، فالحكمة لا تولد من الانتصارات السهلة، بل من القدرة على مراجعة الذات دون انهيار، والوعي الحقيقي ليس أن يمتلك الإنسان أجوبة جاهزة، بل أن يحتفظ بالشجاعة الكافية لطرح الأسئلة المؤلمة.

الوهم والاتزان

لهذا يبدو الإنسان المعاصر في حاجة ماسّة إلى نوع جديد من الاتزان؛ اتزان يسمح له بالاستفادة من الخيال دون السقوط في الوهم، وباستخدام التكنولوجيا دون التحول إلى عبد للخوارزميات، وبامتلاك الطموح دون الوقوع في جنون العظمة. إن النجاة الفكرية اليوم لا تتحقق بالانسحاب من العالم، بل بالقدرة على العيش داخله بوعي نقدي متيقظ.

فالواقع ليس شيئا ثابتا تماما، كما أنه ليس مادة طيّعة بالكامل لإرادتنا، إنه علاقة معقدة بين ما هو موجود وما نضيفه نحن إليه من معنى، ولذلك فإن الإنسان لا يُقاس فقط بما يملكه من أدوات، بل بقدرته على التمييز بين الحقيقة والصورة، بين الرؤية والبريق، بين الحلم الذي يبني والحلم الذي يلتهم صاحبه.

ربما لا تكمن الحكمة في القضاء على الأوهام نهائيا، فهذا مستحيل تقريبا، بل في ألا نسمح لها بأن تعيش بدلا منا، فالإنسان الذي يفقد صلته بالواقع يتحول تدريجيا إلى سجين لخياله، أما الذي يوازن بين الحلم والبصيرة، بين الطموح والنقد، فإنه يملك فرصة حقيقية لبناء حياة أكثر صدقا وعمقا واتزانا.



251- بين الوهم والواقع: الإنسان حين يضلّ صورته

 رابط عربي 21 الوهم والهُوية: ليست المأساة الكبرى في حياة الإنسان أنه يخطئ، بل أن يتحول خطؤه إلى هوية كاملة يدافع عنها بوصفها حقيقة مطلقة،...

يقظة فكرgoogle-site-verification: google25f7d3ebc2fdac29.html