https://m-salihalbdrany.blogspot.com/ فكــــــر اليقظـــــــة Mindfulness: 05/16/26https://m-salihalbdrany.blogspot.com/

بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 16 مايو 2026

245 -اللامعيارية الواعية: نظام الفوضى في التجمعات البشرية

 رابط عربي 21

اللامعيارية الواعية: نظام الفوضى في التجمعات البشرية


التشخيص والوصف العام (الحالة الراهنة)

ظاهرة نجدها أينما نظرنا حول العالم بدرجات من التدني، حيث يعيش المجتمع الذي يرفع من شأن "اللص" أو "التافه" ويهمش "العالم" حالة من الارتباك العضوي في بوصلته الأخلاقية، في هذا المجتمع، لم تعد "القيمة" تُستمد من العطاء المعرفي أو النزاهة، بل من "القدرة على الاستحواذ".

يظهر هذا المجتمع ككتلة بشرية تعاني من "الاغتراب المعياري"؛ حيث تُقلب المفاهيم وتصبح "الشطارة" مرادفا للاحتيال، و"الرزانة" مرادفا للعجز، هذا ليس مجتمعا بلا معايير، بل هو مجتمع اللامعيارية (ANOMIE)، حيث تهان القيم العليا وتوضع عناوين لتطبيقات فاسدة أو سيادة التفاهة، ويجري تجريف للقيم عندما تصبح تهمة وعارا بسبب الأحقاد بعد أن كانت معيارية في تفاصيل الحياة، أو يغدو التمكين والقوة بيد نماذج بشرية لا تعيش إلا في أجواء الأسن والتلوث في الذوق والتفكير.

التوصيف الفلسفي (لماذا يحدث هذا؟)

فلسفيا، يمكن تحليل هذه الظاهرة من خلال ثلاث زوايا:

إننا نتحدث عن مجتمع فقد "اليقين"؛ في غياب اليقين، لتكون القيم عبئا. العالِم (صاحب المعرفة) يطالب الناس بجهد ذهني وأخلاقي، بينما المجتمع "متعب" نفسيا، فيفضل النماذج السهلة


1- نظام التفاهة (Mediocracy): عندما يتولى أمور الناس من همه الإثراء الثوري، فهذا ليس لديه رؤية إصلاحية أو بناء يشيده، أو اليقظة الفكرية والنهضة المدنية، هو محض شخص يستخدم ذكاءه ونفوذه في التحول إلى حيوان تملكته الغرائز. ولعلنا نرى هذه النماذج تنتقد الفساد والفاسدين وتتحدث عن حقوق الإنسان، وهذا ليس نفاقا بل هو يرى نفسيته المتحولة إلى حيوان، لكن لا يتابع ما يقول عندما تتعارض أقواله مع مصالحه.

2- موت النماذج العليا: عندما ينهار الإيمان بالقيم الكبرى (الحق، الخير، الجمال)، يسقط المجتمع في "العدمية"، في هذه الحالة، يصبح المال (القيمة المادية الوحيدة الملموسة) هو الإله الجديد، بمعنى التشريع للسلوك وإن كان كثير من هؤلاء يؤدون طقوس العبادة لله. اللص يمتلك المال، لذا هو "ناجح"، والعالم يمتلك المعنى، والمعنى لا يُشترى به الخبز في سوق العدمية.

3- غريزة القطيع والنموذج القوي: يميل البشر تاريخيا لتكريم "القوة" كضمانة للبقاء، في المجتمعات المهزوزة، يمثل الفاسد "القوة الفاعلة" التي تنتزع الحقوق (أو المسروقات)، وبسيطرة الكليبتوقراطية لا يعود السؤال سؤال برنامج إصلاحي بل الناجح هو من يستطيع أن ينال الشطر الأكبر من الغنيمة والتي هي بأساسها أمانة عظمى، ويبدو المصلح مختلا عقليا مثاليا بمعنى ليس واقعيا، بل غير صالح للقيادة رغم أنه يحمل برنامجا ورؤية لحياة هؤلاء الرعاع، فهم لا يكتفون بتسفيهه، بل قد يقتلونه لأنه يريهم قبح سلوكهم وفشل الآدمية فيهم التي لا نجاح بفشلها.

إن علاج مجتمع غارق في التفاهة لا يتم بالوعظ الأخلاقي وحده؛ لأن الوعظ قد يمارسه الفاسد نفسه، وإنما الحل باستراتيجيات جذرية، فالتفاهة آلية هروب في هذا السياق ليست مجرد جهل، بل هي "مخدر جماعي". بعد رؤية الدماء يصبح القاتل بطلا فمن الطبيعي أن تسود فكرة العنف ويكون الداعي للإنسانية جبانا، والفساد باسم الدين يحمل الدين فشل من يدعيه، وغالبا هؤلاء يحملون الدين غريزة بلا معنى قيمي حقيقي. والنهب باسم السياسة يجعلها أداة تآكل لمستقبل ومدنية أمة، يهرب المجتمع إلى "التفاهة" و"تمجيد النكرات"، هو هروب من المعايير القديمة إلى المعيارية الظرفية أو اللامعيارية لتكون قيم التفاهة هي الممجدة وقيم كانت عنوان الصلاح هي المعابة بل تحول بعضها عارا، ولتصبح الفوضى نظاما رغم أنهم ينتقدونه، لكنهم يمارسونه.

إننا نتحدث عن مجتمع فقد "اليقين"؛ في غياب اليقين، لتكون القيم عبئا. العالِم (صاحب المعرفة) يطالب الناس بجهد ذهني وأخلاقي، بينما المجتمع "متعب" نفسيا، فيفضل النماذج السهلة (اللص المحترم التافه)، غير مكلف ولا متعب وهي مغامرة لا شيء يهم فيها.

المشكلة أن استغلال المتدينين هو استنزاف معظّم للامعيارية والتفاهة، واستغلال المظلومية القومية لتتحول إلى الكراهية، وكلما قتل هؤلاء وهؤلاء الآدمية في مجتمعهم كلما سيطروا عليه وخدروه بضعفه ليسرحوا بحقوقه وماله.

عندما يجد المظلوم أن الحروب والسلاح هما اللذان قتلا أحلامه وكيانه فلا شك أنه سيختار العنف منهجا وليس التسامح والسلام، لأنه كان ضمن ممارسة سيطرة الجبان على الشجاع الأعزل والتافه على القيم والنفاق على الصدق، هنا تتجسد فظاعة الإجرام بحق الآدمية والتكليف الرباني لها.

كيف يخرج مجتمع من "اللامعيارية" بعد هذه الخيبات؟

لا يمكن إقناع مجتمع بترك تكريم الفاسد وهو يرى الفاسد يفلت من العقاب والمفكر يموت جوعا، المساواة بالقانون هو أول خطوة لاستعادة "المعايير"؛ العدالة


الحل هنا لا يبدأ من "النصيحة"، بل من "القدوة العملية" والفهم للبيئة التي أصبحت سامة إراديا لأنها رأت الوسيلة غاية وأن قتل الأمل أسلم من مقاومة الفساد، وليس بالضرورة أنهم يحصلون على شيء، فالسقوط هو سقوط للدفاعات الأخلاقية عندها تكون المشكلة كم ثمنك لتمجد الفساد، ربما رقما صغيرا وربما مجانا.

ما هو الحل؟

- خلق "جزر الاستقامة": يحتاج المجتمع لرؤية "عالِم" ليس فقط ذكيا، بل شجاعا ومنخرطا في وجع الناس، ليعيد الثقة في فكرة "السلوك المتمدن" أو ما يسمى المثالية الممكنة.

- فصل القيم عن الأشخاص: البدء في بناء وعي يفرق بين "الدين" و"تجار الدين"، وبين "الحرية" و"الفوضى" وبين معاناة القوم والكراهية للآخرين، وبين القيم وزاعميها.

- العدالة هي المعيار الأول: لا يمكن إقناع مجتمع بترك تكريم الفاسد وهو يرى الفاسد يفلت من العقاب والمفكر يموت جوعا، المساواة بالقانون هو أول خطوة لاستعادة "المعايير"؛ العدالة.

خاتمة: نظام التفاهة ليس غبيا ولا فوضويا، وإنما يصنع الجهل والفوضى، هو ينقذ الفاسد ممارسا العدالة التي باسمها يزيح الصالحين، لكي يحوله إلى قدوة ونموذج للنجاح وبراغماتية تحمل ثمنا من أجل الإثراء.. لكن هذا لا يعفي المجتمع ويحوله إلى مظلوم وإن ظلم، فالإنسان على نفسه بصيرة وليس من فاسد يجهل الحق وإنما يسخر ممن يتبعونه كيلا يجعلهم ينظرون إلى أنفسهم أنهم الأرفع فيحتقرونه، وبذلك تجد من باع نفسه بفتات الفاسدين، إنها مأساة المدن اللافاضلة تتسع حول العالم اليوم حيث يفسد الآدمي ويسفك الدماء في الأرض.

245 -اللامعيارية الواعية: نظام الفوضى في التجمعات البشرية

 رابط عربي 21 اللامعيارية الواعية: نظام الفوضى في التجمعات البشرية التشخيص والوصف العام (الحالة الراهنة) ظاهرة نجدها أينما نظرنا حول العالم ...

يقظة فكرgoogle-site-verification: google25f7d3ebc2fdac29.html