"لا تكون وظيفة الدولة أن تطالب الناس بحبها، وإنما أن تجعل هذا الحب نتيجة طبيعية لما يختبرونه فيها"-
منذ أن بدأ الإنسان يؤسس الدول، انشغل فكره السياسي بالسؤال نفسه: من يحكم؟ وكيف تُوزَّع السلطة؟ وما شكل النظام الأمثل؟ فظهرت الملكيات والجمهوريات، والإمبراطوريات والدول القومية، والليبرالية والاشتراكية، وتعددت الدساتير والأنظمة الانتخابية، لكن سؤالاً أكثر عمقاً ظل خارج دائرة البحث، وهو: كيف تنشأ الدولة أصلاً، وما الذي يجعلها قادرة على البقاء والتجدد عبر الأجيال؟
معظم النظريات السياسية تبدأ من الدولة باعتبارها حقيقة قائمة، ثم تبحث في تحسين أدائها أو ضبط سلطاتها، لكنها نادراً ما تسأل عن القانون الذي يجعل المجتمع قادراً على إنتاج دولة مستقرة قبل أن يبحث عن شكل الحكم، ولهذا فإن كثيراً من الإصلاحات السياسية لم تكن سوى إصلاحات في إدارة السلطة، لا في بناء الدولة نفسها.
فالسلطة ليست بداية الدولة، بل هي إحدى نتائجها، والقانون ليس أصل الدولة، بل أحد أدواتها، والدستور ليس منشئ الدولة، وإنما وثيقة لتنظيم ما استقر من علاقات داخلها، أما الدولة نفسها، فهي الأمة اجتماعيا وأخلاقيا وفكريا.
ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس: كيف نغيّر الحكومة؟ بل: ما الذي يجعل ملايين البشر يقبلون أن يكونوا مجتمعاً واحداً، وأن يلتزموا بقانون واحد، وأن يدافعوا عن كيان واحد؟
إن القوة لا تقدم جواباً كافياً، لأنها تستطيع أن تفرض الطاعة، لكنها لا تخلق الانتماء؛ والقانون لا يكفي، لأنه ينظم السلوك، لكنه لا يفسر سبب الرغبة في الالتزام به، أما الاقتصاد، فعلى أهميته، فقد أثبت التاريخ أن شعوباً فقيرة دافعت عن أوطانها حتى الموت، بينما انهارت مجتمعات غنية عندما فقدت ثقتها بنفسها.
الانتماء
إذن لا بد من وجود عنصر أعمق من السلطة والقانون والاقتصاد، ذلك العنصر هو الانتماء، غير أن الانتماء ليس شعاراً ترفعه الدولة، ولا درساً في المناهج الدراسية، ولا حملة إعلامية موسمية، فالإنسان لا ينتمي إلى وطنه لأنه طُلب منه ذلك، وإنما لأنه يشعر أن كرامته ومستقبله وحريته ونجاحه مرتبطة ببقاء ذلك الوطن، والانتماء الحقيقي ليس قراراً سياسياً، بل نتيجة تجربة يومية يعيشها الإنسان مع دولته ومجتمعه.
ومن هنا لا تكون وظيفة الدولة أن تطالب الناس بحبها، وإنما أن تجعل هذا الحب نتيجة طبيعية لما يختبرونه فيها.
لكن الانتماء نفسه ليس البداية، لأنه يولد من عنصر آخر هو الثقة، فالإنسان لا ينتمي إلى كيان لا يثق به، ولا يضحي من أجل مشروع يشك في عدالته أو في صدقه، والثقة ليست عاطفة، بل هي تراكم طويل من الخبرات التي تجعل الإنسان يوقن أن مؤسسات دولته تعمل وفق قواعد يمكن التنبؤ بها، وأن القانون لا يتغير تبعاً للأشخاص، وأن الحقيقة لا تُخفى عنه كلما تعارضت مع مصالح السلطة.
وهنا نصل إلى النقطة التي ربما أغفلها الفكر السياسي طويلاً، إن أصل الثقة ليس القوة، ولا القانون، ولا حتى العدالة بمعناها القضائي، وإنما الحقيقة، فالمجتمع الذي لا يمتلك حقيقة مشتركة عن واقعه لا يستطيع أن يبني مستقبلاً مشتركاً، وإذا أصبحت الإحصاءات أداة للدعاية، والإعلام وسيلة للتبرير، والتعليم مجالاً لإعادة إنتاج الأوهام، والسياسة فناً لإخفاء الوقائع، فإن أول ما ينهار ليس الاقتصاد، بل الثقة العامة، وعندما تنهار الثقة، يضعف الانتماء، ثم تبدأ الدولة في فقدان شرعيتها، حتى لو بقيت مؤسساتها قائمة وجيشها قوياً.
اقتراح قانون أولي لبناء الدولة:
إن الدولة التي تعجز عن إنتاج الحقيقة المشتركة تعجز تدريجياً عن إنتاج الثقة، والدولة التي تفقد الثقة تفقد الانتماء، والدولة التي يفقد مجتمعها الانتماء تبدأ رحلة التفكك مهما امتلكت من أدوات القوة.
ولذلك فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بتغيير الأشخاص، لأن الأشخاص نتيجة لبنية أعمق، ولا يبدأ بإصدار قوانين جديدة، لأن القانون نفسه يحتاج إلى بيئة تؤمن به. ولا يبدأ بإعادة توزيع السلطات، لأن السلطة لا تستطيع أن تمنح المجتمع ما فقده من ثقة.
إن الإصلاح يبدأ بإعادة تأسيس العلاقة بين الإنسان والحقيقة. فالصدق هنا ليس فضيلة أخلاقية فحسب، بل مؤسسة يجب أن تُبنى. يجب أن تكون بيانات الدولة صادقة، وأرقامها قابلة للتحقق، وقراراتها قابلة للمساءلة، وأخطاؤها قابلة للاعتراف، فالدولة التي لا تملك الشجاعة للاعتراف بالواقع لن تستطيع أن تخطط للمستقبل، لأن التخطيط لا يقوم إلا على معرفة صحيحة بالواقع.
وعندما تصبح الحقيقة قيمة مؤسسية، تنشأ الثقة، وعندما تنشأ الثقة، يتحول الانتماء من شعار إلى سلوك. وعندما يصبح الانتماء سلوكاً، تتحول الدولة من جهاز يحرس المجتمع إلى مجتمع يحرس دولته.
وربما تكمن مهمة الدولة التأسيسية في هذا التحول تحديداً، فهي لا تُنشأ لتحتكر السلطة، بل لتؤسس بيئة يصبح فيها الصدق قاعدة، والثقة نتيجة، والانتماء ثمرة، فتغدو المؤسسات أدوات لخدمة المجتمع، لا وسائل للسيطرة عليه.
ولعل هذا هو السؤال الذي ينبغي أن تبدأ منه فلسفة الدولة في القرن الحادي والعشرين: ليست المشكلة الأولى كيف نوزع السلطة، وإنما كيف نبني الحقيقة المشتركة التي تجعل المجتمع قادراً على الثقة، والثقة قادرة على إنتاج الانتماء، والانتماء قادراً على إنتاج دولة تتجدد من داخلها، لا بقوة الحاكم ولا بشعارات الأحزاب، بل بقوة المجتمع نفسه.
غير أن الانتماء، على أهميته، لا يكفي وحده لتأسيس الدولة، لأن الانتماء بطبيعته يتعدد ويتدرج، فالإنسان ينتمي انتماءات متعددة طبيعية لا يجوز للدولة أن تحاربها أو تسعى إلى إلغائها، غير أن الخطأ التاريخي يبدأ عندما تتحول إحدى هذه الروابط إلى المصدر الأعلى للشرعية السياسية، أو ما يمكن أن نسميه بـ"الحاكمية الفئوية" فتصبح الدولة دولة طائفة، أو عرق، أو قبيلة، أو حزب، نوع من العصبية يجعل بقية المكونات جماعات تعيش داخل الدولة دون أن تشعر بأنها شريكة فيها.
الحاكمية:
إن الدولة لا تقوم على وحدة عصبية، وإنما تقوم على وحدة العقد السياسي الجامع؛ ذلك العقد الذي يجعل جميع المواطنين شركاء في الحقوق والواجبات والمصير، بصرف النظر عن اختلاف أصولهم أو معتقداتهم أو انتماءاتهم الثقافية. فالدولة الحقيقية لا تطلب من الإنسان أن يتخلى عن هويته، وإنما تطلب منه أن يجعل العقد السياسي الذي ينظم حياته المشتركة مرجعيةً أعلى في المجال العام، بحيث الروابط الأخرى مصادر غنى للمجتمع، لا أدوات لتقسيم السلطة أو تعريف المواطنة.
ولعل من أقدم النماذج التاريخية التي جسدت هذا المبدأ وثيقة المدينة، التي لم تؤسس المجتمع السياسي على رابطة الدم أو الانتماء القبلي أو العقيدة، بل على عقدٍ ينظم العلاقة بين جماعات متعددة، لكل منها خصوصيتها، مع اشتراكها في الدفاع عن المجتمع والالتزام بأحكامه العامة، ولم يكن جوهر الوثيقة إزالة التنوع، وإنما تنظيمه داخل إطار سياسي واحد، وهو ما يجعلها مثالاً مبكراً على أن الدولة لا تُبنى على التشابه، بل على الاتفاق الحر حول عقد جامع يحفظ الجميع، وما نسمعه اليوم من حاكمية طائفة حتى ولو كانت الحاكمية بتوجه علماني هو تيه النخبة بين الحقيقة والهوى؛ فليصحُ مفكرو الأمة.
