مدونة تعالج يقظة الفكر الإسلامي والفهم الإنساني والحداثة بما يرتقي بالقيمة الادمية & multi languages by google availablem ,
بحث هذه المدونة الإلكترونية
الجمعة، 28 أغسطس 2026
271: كيسنجر: جواب لقراءة افتراضية حول العراق
منهج كيسنجر:
على الرغم من أن ما نشر على لسان كيسنجر أراه لا يتسق مع عبقرية كعبقرية كيسنجر، فأغلبه يبدو قراءة وتحليل ذكي للكاتب، لكن سأفترض صحته لأهمية التصور المبعثر هذا.
أي مفكر عندما يكتب يستحضر تاريخ أمته عمليا، وكيسنجر ليس بدعا من القول خصوصا عندما يناقش منطقة المتوسط الإسلامي، فهو يتحدث منطلقا من نظريات مدنية، دون تفهم للحضارة الفكرية للمنطقة، خصوصا عندما ضرب مثلا بداعش عن الإسلام العابر للحدود، متجاهلاً أن هذا التنظيم، حسب ما تواتر من تسريبات وشهادات وتحليلات متعددة، وُجد في بيئة تداخلت فيها أجهزة مخابرات دولية باتفاقات متباينة النفوذ، وهو ليس الإسلام الصالح لإدارة الحياة في واقعنا كما يفكر به أغلب النخب.
الإسلام غائب وليس له وجود كفكر، والموجود هو التدين الغريزي غالبا، وهو منقطع عن إدارة الواقع منذ زمن طويل. الإسلام غايته العدل والسلطة وسيلة، وهذا غير موجود بينما السلطة غاية كما هو دارج في نظم اليوم، أما المدنية فهي تراكم جهد بشري عالمي ممكن أن ترشَّد بالسلوك الإسلامي المنبعث من جذور القيم، وليس السلوك الجالس على منضدة النفعية فحسب كما نمط الحداثة التي تحتضر اليوم.
فهم كيسنجر للمذاهب كأنها طوائف؛ وواقعاً، أن هنالك فرقاً بين المذاهب التي لا غبار عليها وبين الطائفية التي تقع تحت تأثير السياسة، ومجموعة ذات مصالح، غالبا فاسدة لأنها منفلتة أو مشوهة للقيم الحقيقية التي تزعمها، سواء يزعمون الإسلام مثلا أو الزعم بحماية وانتماء لمذهب. وهذا لا يحتاج إثباتا، فهو أكثر افتضاحا من قرد البابون، فالتداخلات لم تكن بالصيغة التي وصفها وإنما هنالك نوع من تداخل المصالح وركوبها على الطائفة أو العرق، لكن واقعا أن هذا محض أسلوب تخفّي كما يظل الليل وظلامه أي نهّاب.
بريطانيا العراق:
بريطانيا أتت بحكم الاستراتيجية واحتلت العراق واكتشاف النفط ثبتها فيه، لكنها أزالت عن أكتافها كل أوزارها في العراق من استخدام الناس، الهاربين من أوطانهم في الليفي ثم توطينهم بلا سند قانوني، ولم تكن تفكر بالعراق أكثر من الهند لولا تغيير العوامل الجيوسياسية، وتنبه الهنود وتغيير تكتيكاتهم من اجل الاستقلال، فنشأ العراق دولة صعبة المراس تركتها بريطانيا مع ما فيها من الألغام التي تفجرت على العراقيين. فلم تعمل على تكييف أمة نشأت بلا حدود لتتعامل مع الحدود، وتركت كل أيديولوجيات العالم الفاشلة تدخل قوالب على مجتمع عشائري يتعامل بتوازنات اعتاد إحكامها مع السلطات.
فالقومية التي فشلت في الغرب أتت إلى المنطقة، والشيوعية التي لم تتجاوز الاشتراكية طيلة فاعليتها إلى أن انتهت دخلت في العراق، والدعوات الإسلامية التي تشوهت بالتضييق والسجون والمنع لم تكوّن مراكز دراسات وإنما بقيت تنظر إلى الخلف كنظرة أي فاشل يطلب الملامح الطيبة والزمن الجميل في ماضيه، حتى إنهم لم يحسنوا تصريف أمورهم، وربما لو تركوا لكانوا الأقرب إلى نظام جديد أفضل من الوستفالي المكسور (وأظن كيسنجر سيقول هذا)؛ نظام مدني، لأن الإسلام أصلا قابل وقادر على إنتاج الآليات، لكن حملات التشكيك والحروب الكلامية والسجون التي ما زالت مستمرة إلى يومنا هذا، لم تعطِ الفرصة للمنطقة لتشكل شخصيتها، وتنتج نظامها الذي يتعامل مع العالم وفق الأساليب المدنية وليس من خلال المصلحة الضيقة التي اختلت بالتجربة عند الاحتكاك مع الآخر في أوروبا، والغزو الإمبراطوري وبعنجهية نيرونية تواجه العالم اليوم بقوة ضاربة مدمرة للحرث والنسل.
العراق خيار صحيح:
اختيار كيسنجر للعراق في الحقيقة يعبر عن بعد نظره؛ ويتناقض مع السعة التحليلية، نعم العراق مقياس، لكن ما برر كيسنجر به هو مقاربات. العراق وسوريا مهمان جدا لإنشاء نظام جديد أو حداثة جديدة إن فسح المجال لهما، حضارة ومدنية ليست محاربة أو مقاتلة كما هو تصور الغرب لنهضة المسلمين، بل حضارة فكرية تحمي الثورة المدنية من الفساد الذي أحدثه التشوه والحرمان والاضطهاد المتعدد الأشكال، وهذا نتيجة طبيعية للقوالب وضغط الشعوب بها، وصراع الأطماع باسم الأيدولوجيات. اتفق إذن أن النظم التي جربت على المجتمع هي نظم فاشلة وجاءت مقولبة ترفع أعلام الطغيان والفساد مغلفة باسم القومية أو الحداثة أو الدين..
العراق والنظم:
قصة الجيوش وحفاظها على الوستفالية لم يكن الكلام المنسوب لكيسنجر بها موفقا، فمحمود الحفيد ثار مرتين، المرة الأولى كان يخاف على دينه من الغزاة، وينتظر أن تصحو الدولة العثمانية، فلما احتضرت كما احتضرت الدولة العباسية زمن المغول، استحضر الحفيد سيرة عثمان طغرل بك ليكون ملكا على قومه ويقودهم إلى سلطنة أو خلافة جديدة؛ لم يدع إلى قومية، من أحبطه ليس الجيش العراقي وإنما الليفي البريطاني المتكون من أناس أغراب قبل أن يجنسوا لاحقا عراقيا. والجيش الملكي قمع الفتن التي نشأت مع الإنكليز في المنافسات غير العقلانية واستثارة العشائر، أما في العهد الجمهوري فقد حكم العسكر البلد، والعسكر حلولهم معروفة خصوصا عندما يؤدلجون، والأمثلة كثيرة.
عموما بجملة حاسمة يسمح بها المقال؛ أن صراعات أيديولوجيات القوالب المستوردة أوصلتنا من احتلال إلى احتلال.
ما المطلوب؟
لم ينتحر العالم -كما نسب لكيسنجر- في 2003، بل انتحر عندما عادى الإسلام وتركه من الضغط ينتج هذه المسوخ التي تقودها عمليا مخابرات العالم بالصفات المتعددة التي ذكرناها والتي لم نذكرها، أو بشكل الإلحاد والليبرالية. العالم انتحر عندما مكن للكيان الصهيوني أن يظلم اليهود باسم اليهود كما يفعل الفاسدون من ظلم لأهلهم وباسم أهلهم، وأثار الكيان الكراهية والعصبية والتطرف العنصري كما يفعل الفاسدون باسم الإسلام والبعض باسم مسيحية -يهودية الأساطير والأوهام، التي تستخدم التكنولوجيا لتدمير العالم وكأن الأمر واجب مقدس مثل الحروب الصليبية في العصور الوسطى..
نحتاج أن تتنفس هذه المنطقة، أن يسمح لها بفهم عقيدتها وثقافتها، عندها ستشع وتعطي النماذج الإصلاحية ليس عبر الجيوش والأساطيل وإنما عبر التواصل الاجتماعي وما سينتجه العلم من وسائل تقارب بين الشعوب.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
271: كيسنجر: جواب لقراءة افتراضية حول العراق
رابط عربي 21 منهج كيسنجر : على الرغم من أن ما نشر على لسان كيسنجر أراه لا يتسق مع عبقرية كعبقرية كيسنجر، فأغلبه يبدو قراءة وتحليل ذكي للكات...
يقظة فكرgoogle-site-verification: google25f7d3ebc2fdac29.html
-
حرب القرم ما بين الحتمية والعدمية توصيف المشكلة: عندما تفكك الاتحاد السوفيتي، لم يك أمام الغرب إلا القبول بروسيا كوريث للاتحاد ا...
-
مدونة يقظـــــة فكــــــــــــر عندما تغيب الرابطة العليا وتحل محلها روابط هابطة تظهر أصنام الدجل والتخلف مرتدية أجمل أحلامك لتحولها إلى...
-
ثقافـــــــــة الاعتــــــــــــذار الأنا: لم يك إبليس غبيا، لكن كانت الأنا عنده مرتفعة فأعمته عن إدراك قدر نفسه فتاهت وضعفت عندما ق...