المصدر عربي 21
هنالك خلط الحاد والسطحي بين المعطى البيولوجي والارتقاء القيمي، يولد الإنسان محموماً بخصائصه الجسدية وجنسه المحدد (ذكر أو أنثى)، لكنه لا ينال أبعاد إنسانيته إلا إذا هَذّب غريزته وصقل وعيه؛ من هنا، يتضح أن الرجولة والأنوثة قيمتان عقليتان ونفسيتان وثقافيتان ترتفعان تعرفها البيئة، وتثبطهما "الأنا الغريزية" والجنس البيولوجي الذي يعبر عن الغريزة.
ثنائية الانحراف.. الذكورة السلبية والأنثى المتجردة
من المؤكد أن الرجولة والأنوثة على موازين العقل والعطاء، والانا الغريزية (النرجسية) تنحرف بهما عندما تسقط المنظومة الأخلاقية، ليكون الذكر والأنثى نمطان متقابلان ومتطرفان من الأنانية والإيذاء، بلا إحساس بل يعتقدان انهما يصنعان التميز والنجاح:
- الذكورة السلبية (الغرائزية) هي حالة غريزية غير منضبطة محكومة بطلب السيطرة والبطش والإشباع الفوري لنوازع "الهو". الذكر هنا يؤذي من حوله بالتسلط الفج أو النفاق، ويرى في إخضاع الآخرين دليلاً على وجوده، وهو أبعد ما يكون عن "الرجولة" التي تعني عقلياً ونفسياً الحماية، الشهامة، وتحمل المسؤولية.
- الأنثى المتجردة (وهو اصطلاح لكاتب المقال): هي المقابل الجوهري والوجه الآخر للذكورة السلبية، الأنوثة هنا تنحرف لتتمحور بالكامل حول "عشق الذات المفرط". هذه الشخصية، وبفضل حضورها الاجتماعي وجاذبيتها البالغة، تتقن إدارة لعبة التعلّق؛ إنها تتجرد من قيم الاحتواء والتكامل، وتنشط لتربك الشريك والرجال من حولها مربوطين في فلكها، معلقين رهن إشارتها فقط لإرضاء كبريائها وتغذية أناها المتضخمة، إنها لا تبحث عن استقرار أو بناء أسري، بل عن "جمهور" يضمن بقاء الاهتمام مسلطاً عليها، مخلّفة وراءها استنزافاً نفسياً حاداً لمن حولها وتخلفاً وظيفياً يعيق بناء المجتمع.
في العلاقات المشوهة، لن يكون الإنتاج هدف الذكوري بل ما يمنحه السلطة منها، بينما ترتكز المتجردة على الجاذبية لكنها ستكون منتجة في صراع الأفضلية مع الذكورية.
التداعيات
طغيان "الأنا الغريزية" على حساب قيم الرجولة والأنوثة لا يقف عند حدود تدمير العلاقات الفردية، بل يمتد ليكون عاملاً رئيساً في صناعة التخلف الشامل للمجتمعات على مستويات منها:
- التخلف الفكري (غياب النضج والعقلانية)
عندما تسيطر الأنا، يتعطل العقل النقدي وتغيب الرؤية الموضوعية، يصبح الفكر عاجزاً عن تبني قيم عليا كالإيثار والعدالة، يتحول الوعي الجمعي إلى وعي بدائي متخلف يقدس المظاهر والقوة السطحية (الذكورة المستبدة أو الأنوثة الاستعراضية المتجردة) بدلاً من الانشغال بجوهر الأفكار والإنتاج المعرفي، والنفاق الاجتماعي من المحيط يعزز هذا.
- التخلف الحضاري (تفكك الحاضنة الأسرية):
أي حضارة في التاريخ تُبنى على قدرة أفرادها على التضحية بالرغبة الفردية لصالح المجموع، وبما أن الرجولة والأنوثة قيمتان تؤسسان للأسرة المستقرة (عبر التوازن بين الحماية والاحتواء)، فإن طغيان الأنا والنزعة المتجردة يضعف تماسك الأسرة من الداخل، غياب البناء الأسري المتزن يعني غياب الحاضنة الأولى لإنتاج أفراد أسوياء، مما يؤدي حتماً إلى انهيار النسيج القيمي للحضارة.
الحب لا يمكن أن نسميه حقيقيا إلا بدمج الأنا والـ"هي" في الرجولة والأنوثة ليكون الـ"هو"، أما إن برزت الذكورة لوحدها والمتجردة لوحدها فإن هذا يبقي العلاقة الهشة الغريزية التي لا تصمد أمام عواصف الزمن والمنعطفات في الحياة، لهذا فبناء علاقات الزواج اليوم ولأنها بدافع الغريزة دون التفكير بالبناء الأسري؛ نجد أنها تتفكك سريعا، فالبناء الأسري من الرجولة.. مجتمع لا يفهم هذه الأمور يتفكك بسهولة، فالعقود هي ليست عقودا جنسية وإنما عقود التزام لبناء الأسرة، وهو واجب الإنسانية في خلافة الأرض أي إقامة السلالة، فالله لا يخلف لنقول الإنسان خليفته في الأرض، فهو حي قيوم ومن يخلف يكون قد مات، وإنما تخلف السلالات.
- التخلف المدني الوظيفي (تدمير المؤسسات والمواطنة):
في الدولة المدنية الحديثة، تعتمد الوظيفة والمؤسسة على كفاءة الأداء والشعور بالمسؤولية المشتركة. لكن الشخصية التي ثبطتها الأنا الغريزية تنقل أمراضها النفسية إلى بيئة العمل:
- الذكر السلبي يحول موقعه الوظيفي إلى مساحة للتسلط الإداري، وتصفية الحسابات، وشل حركة الكفاءات.
- الأنثى المتجردة توظف بيئة العمل للاستعراض الشخصي، والتلاعب بالعلاقات، وتحقيق المكاسب الفردية على حساب الإنتاجية الجماعية. هذا الانحراف يضرب "المواطنة الوظيفية" في مقتل، حيث يغيب الصالح العام، وتتحول المؤسسات المدنية إلى مقاطعات تديرها الصراعات الشخصية الضيقة والأنانية المفرطة.
كيف ننتقل من "الغرائزية" إلى "المؤسساتية الحضرية"؟
الأنا الغريزية لا يتم ترويضها بالتمنيات الأخلاقية، بل عبر إجراءات عملية وصارمة تعيد صياغة الوعي الجمعي، وتتمثل في ثلاثة محاور رئيسية:
- إعادة هندسة البيئة الوظيفية (مدنياً):
* التقييم النفسي الحقيقي: إدخال اختبارات الذكاء العاطفي (EQ) واختبارات قياس السمات النرجسية كمعيار أساسي لتبوّء المناصب القيادية، لحرمان "الذكورة السلبية" من أدوات التسلط الإداري.
* الإدارة الإلكترونية، أي عزل القرارات الإدارية عن الأمزجة الشخصية والتلاعب العاطفي، بحيث تُقاس الإنتاجية بالأرقام والمستهدفات، مما يحيّد أدوات الاستعراض والتلاعب التي تتقنها "الأنثى المتجردة".
- التأهيل المعرفي الإلزامي (حضارياً وأسرياً):
* رخص القيادة الأسرية: تحويل خطوة الزواج من مجرد عقد قانوني إلى "استحقاق معرفي"، عبر دورات إلزامية تفكك المفاهيم الغريزية السطحية وتدرب الشريكين على مهارات الاحتواء الحقيقي، وتحمل المسؤولية المشتركة لبناء جيل سوي نفسياً.
* مراقبة المناهج التربوية وتحديثها باستمرار: دمج مهارات "الوعي بالذات" وضبط الأنا في المناهج المدرسية المبكرة، ليتعلم الطفل أن القوة تكمن في السيطرة على النفس والنزعات الأنانية، وليس في السيطرة على الآخرين.
- تنقية الخطاب الإعلامي (الفكري):
* انتقاء النماذج القيادي: سحب الدعم الثقافي والإعلاني عن النماذج التي تسلّع الجسد أو تكرس السفاهة الذكورية، واستبدالها بنماذج واقعية تبرز النجاح القائم على الإنتاج الفكري، والشهامة العملية، والاتزان النفسي.
خاتمة
لنبرز مصطلح "المُتَجَرِّدَة" كمقابل للذكورة، و"المرأة" من المروءة والعطاء المقابل للمرء (الرجل)، بينما تتجلى "الأنوثة" مع "الرجولة" كحالة موقف وفعل".
