https://m-salihalbdrany.blogspot.com/ فكــــــر اليقظـــــــة Mindfulness: 276 - خذوا عيني وانظروا بها الى ليلىhttps://m-salihalbdrany.blogspot.com/

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026

276 - خذوا عيني وانظروا بها الى ليلى

 


خذوا عيني وانظروا بها إلى ليلى: في تشريح الاستلاب الفكري وعطب العقل الجمعي

تستقر في الذاكرة الأدبية العربية مقولة قيس بن الملوح الشهيرة، حين انتقد جنونه فقيل ليلى لم تك جميلة وإنها لا تستحق كل هذا الجنون، فردّ بيقين المستسلم: "خذوا عيني وانظروا بها إلى ليلى". خُلدت هذه العبارة لقرون بوصفها ذروةً للعشق المتسامي، غير أن التفكيك العميق لمضمونها النفسي والوجودي يزيح الستار عن حقيقة أقسى؛ انه الجبن والضعف التام أمام ليلى، فلم تكن مقولته تعبيراً عن جمال موضوعي، بل إعلاناً صريحاً عن تعطيل أدوات إدراكه المستقلة، وعري شخصيته من أي معيار ذاتي، وتسليم منظومته العقلية لكائن آخر، لقد غدا قيس لا يرى بعينيه، بل أصبحت عينه مجرد عدسة مستحوذ عليها؛ يُملي عليه كيف يشعر ويفكر، ومن رحم هذا العجز ولدت أسطورة "الحب العذري" لتخفي تحت عباءتها شخصية هشة، فشلت في احتواء أنثى وهربت من مسؤوليات الواقع، وآثرت الهيام في القفار على التخطيط الشجاع.

بين ضحية استسلمت وعرّاب يتغذى

إن التدقيق في هذه العلاقة يكشف أنها لعبة قوة صامتة بين طرفين؛ طرف يمارس الانقياد ويتلذذ بالضعف، وطرف آخر تُجسّده ليلى التي لم تُبدِ أي مقاومة لزواجها من آخر، بل آثرت الخضوع للعرف الاجتماعي والاستمتاع بموقع "الأيقونة" والرمز المعشوق، تحوّل قيس إلى طفل يُسلب منه كل شيء دون أن يملك سوى الصراخ والشعر، بينما بقيت ليلى تمارس سلطتها المعنوية الباردة.

الخطورة هنا لا تقف عند حدود المأساة العاطفية لعاشق الوهم، بل في انتقال هذه "القيسية" بسلاسة من سلوك فردي إلى نهج فكري ومدني تجريفي تتوارثه الأجيال، وتتلبس به المجتمعات في تعاطيها مع العقائد، والأفكار، والرموز التاريخية.

سيكولوجية التبعية: الهروب من مسؤولية الوعي

من الناحية النفسية والاجتماعية، لا ينشأ هذا الاستلاب من قوة الرمز بقدر ما ينبع من "الهروب من الحرية"، يميل العقل الجمعي غريزياً إلى البحث عن مظلة تحميه من قلق الشك ومشقة الاختيار الفردي، يوفر "العرّاب" أو "الأيديولوجيا" للمجموع طمأنينة زائفة؛ حيث يُعفى الأتباع من الجهد النقدي مقابل شعور بالانتماء والقداسة، فعندما يضع المقدس بداية كلامه فهي إشارة توقف مرور التفكير يتحول التنازل عن الفاعلية العقلية ولاء وتقديس؛ وبدل الخطأ والصواب يصبح عميلا أو مخلصا في نظر العلمانيين، وكافر أو مؤمن عند المتدينين فالاعتراف بهشاشة الرمز يعني انهيار المنظومة الأمنية النفسية التي يحتمي بها التابع، لذلك يستميت في الدفاع عنه لحماية توازنه الداخلي لا لحماية الحقيقة.

من "ليلى" الشخص إلى "ليلى" الأيديولوجيا: نماذج من الواقع

في واقعنا المعاصر والتاريخ القريب، تجسدت "ليلى الأيديولوجيا" في نماذج صارخة قادت مجتمعات بأكملها نحو حتفها، رأينا ذلك في ثنائية "الزعيم الملهم" خلال القرن العشرين، حيث قادت الكاريزما الفاشية والنازية شعوباً عريقة نحو دمار شامل، وكان لسان حال الجماهير: "خذوا عيوننا وانظروا بها إلى القائد" لرؤية الحروب التوسعية كأمجاد قومية.

كما يتجلى هذا الاستلاب اليوم في "الشرانق الحزبية والمذهبية"، حيث يُطالب المنتمي بإلغاء عقله أمام فتاوى وتوجيهات "العمامة" مرشد “التنظيم"، أو تجريم الكف عن تمجيد القائد الفلتة وجعل تفاهته قدوة وعمق أيديولوجي وحين تُفكك هذه الأفكار بالمنطق والأرقام، وتُكشف هشاشتها أمام معطيات الواقع – كالأزمات الاقتصادية أو الانكسارات الميدانية – لا يلجأ التابع إلى البرهان، بل يصرخ بنفس المنهج القيسي: "خذوا عيني وانظروا بها إلى فكرتي!". إنه يطالب العالم بأن يرتدي نظارته المغلقة كي يرى الفشل نجاحاً، والانكفاء تميزاً وإنجازاً.

هنا تتجلى الكارثة المدنية حين تُقلب المعادلة العقلية الفطرية؛ فبدلاً من أن يكون المنطق هو الوسيلة لفحص الأدلة والوصول إلى القناعات يسبق "الولاء الأعمى" التفكير، ويُسخّر الفكر فقط لتبرير الإخفاق وإقصاء المخالف.

الخلط بين المعتقد والحياة المدنية

هذا العطب هو العائق الأكبر أمام قيام أي حياة مدنية راشدة، فالمدنية تُبنى على العقد الاجتماعي، المواطنة المستقلة، والمساءلة. أما عقلية "القطيع" فتقوم على علاقات تبعية صارمة (كالشيخ والمريد، أو القائد الفذ والملهم)، وهي علاقات تلغي الفردانية المسؤولة، وتُسقط معايير الإنتاج، وتُعيد إنتاج الفشل باستمرار.

لقد علمتنا تجارب الأمم أن الأفكار والرؤى لا تُقاس بجمال تنميقها البلاغي ولا بقدسية من ينطق بها؛ وإنما العبرة دائماً بالفاعلية الميدانية، ومدى الالتزام بالتخطيط والإنتاج الحقيقي، الفكرة التي لا تُنتج واقعاً مدنياً نزيهاً ومثمراً هي مجرد "شعر عذري" فارغ، لا يغني من جوع، ولا يبني حضارة.

الحصن الحصين: استعادة المنظومة العقلية

إن الحصن الحصين للإنسان هو الحفاظ على استقلالية منظومته العقلية بصلابة، إن التعلل بالحب، أو التذرع بالانتماء لرمز أو تاريخ، لا يعفي أحداً من مسؤولية التفكير النقدي والمراجعة الذاتية، ومتى ما سمح الفرد لجهةٍ ما – مهما بلغت قدسيتها – بانتزاع تفكيره، فقد خطا خطوته الأولى نحو التخلف.

حياتنا المدنية لا تريد مجانين، ولا مسلوبي إرادة يهيمون في قفار التعصب والإنكار ليبرروا عجزهم، عندما تكلمهم يأتونك بالمقدس ليسكتوك كما سكتوا هم بل يحتاج إلى عقول حرة ومستقلة؛ عقول تملك الجرأة على نقد ذواتها، وتفرّق بوعي بين الإيمان الروحي وبين إدارة الواقع بكفاءة، وترفض بصلابة أن ترى العالم بعيون الآخرين، كي لا يظل مستقبلها رهيناً لأسطورةٍ تتغذى على عجزها.

نعم قد تحب حضور ليلى وليس جمالها وهذا غالبا مع النضج يكون طبيعيا، ولكن لاتكن عاجزا ولا منقادا لنزوات استغلال ضعفك فالمرأة والحياة القويمة تحتاج من يحميها لا من بشعره يرثيها وليس مستعبدا لرأي أو فكرة وإنما لله الواحد القهار.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

276 - خذوا عيني وانظروا بها الى ليلى

  خذوا عيني وانظروا بها إلى ليلى: في تشريح الاستلاب الفكري وعطب العقل الجمعي تستقر في الذاكرة الأدبية العربية مقولة قيس بن الملوح الشهيرة،...

يقظة فكرgoogle-site-verification: google25f7d3ebc2fdac29.html