رابط الشبكة مباشر مجلة الاسرة في المهجر
تلفزيون الحياة في
ستوديو البيت الأبيض
حدّث العاقل
قيل «حدّث العاقل بما لا يُعقل، فإن صدّق فلا عقل له»،
كانت هذه الحكمة تمثل في زمنها اختباراً بسيطاً للعقل وقدرته على التمييز بين
المعقول واللامعقول، غير أن التحول الفلسفي العميق الذي طرأ على مفهوم الخطاب
السياسي المعاصر يتجاوز بكثير ثنائية التصديق والإنكار التقليدية، ليؤسس معياراً
جديداً أكثر تعقيداً وفعالية، قوامه ما يمكن تسميته «إدارة الإدراك»، المشهد
الجيوسياسي الراهن لا يعبر عن غياب للعقلانية أو عن ارتجال عشوائي، بل ينطلق من
عقلانية تنظيمية صارمة تُصاغ فيها المواقف والتصريحات وفق إيقاع درامي محبوك بدقة
متناهية، تظهر الصورة أمام المتابع وكأن هناك كاميرات شفافة تبث أبعاداً خفية من
المسرح السياسي، فيصل إلى تفاصيل يُراد أن يصلها استشرافا للرواية قبل أن تبدأ
فصولها فعلياً، هذه القدرة على صياغة المشهد مسبقاً وتحريك عناصره وفق سيناريو
مدروس تمثل جوهر السياسة الحديثة، حيث لم يعد الهدف الأساسي إقناع الجمهور بحقيقة
مطلقة، بل إعادة تشكيل إدراكه للواقع بطريقة تسمح بتمرير القرارات الكبرى بسلاسة،
المطلوب أن اصدق قصة كنفاد السلاح وجهل عدد الالغام.
سيناريو التناقضات
هنا تكتسب
التناقضات الظاهرة في الخطاب السائد وظيفة بنيوية دقيقة لا يمكن تجاهلها، سواء
تعلق الأمر بقراءات متضاربة للمتغيرات الميدانية في الممرات المائية الحيوية، أو
بتقييمات متباينة لأحجام المخزونات التسليحية ومدى كفايتها الاستراتيجية، فإن هذه
التناقضات ليست أخطاءً عابرة أو نتيجة ارتباك، هي مقصودة مصممة للمحافظة على درجة
معينة من التذبذب والتأرجح الضمني ضمن حدود مُسيطر عليها بكفاءة عالية، تتيح هذه
التذبذبات لصانع القرار قدرة استثنائية على ضبط حركة الأسواق المالية العالمية،
وتعديل التوقعات الاقتصادية بمرونة تامة، ومنح نفسه هامشاً واسعاً لتحريك أدوات
الضغط والتهدئة دون الانزلاق إلى تصادمات غير محسوبة العواقب، فالإعلام في هذه
الحالة لا يعمل كوسيط محايد ينقل الواقع كما هو، بل يتحول إلى أداة هندسية متقدمة
لتحقيق التوازن الدقيق بين الرغبة في حشد الرأي العام والقدرة على التحكم الكامل
في اتجاهاته، الخبر نفسه يمسي مادة قابلة للتشكيل، والتناقض مصدراً للاستقرار
المؤقت، والارتباك الظاهري غطاءً لتخطيط أعمق، إن التركيبة النفسية والأسلوبية
للقيادة السياسية المسؤولة عن إدارة هذا المشهد المعقد ليست وليدة المصادفة أو
المزاج الشخصي، بل هي تركيبة تتناسب كلياً مع متطلبات المرحلة الراهنة، إنها نمط
من الإدارة يقوم على إبقاء الجمهور في حالة ترقب واستنفار مستمرين، بحيث يبقى
الوعي الجمعي معلقاً بين الخوف والأمل، وبين التهديد والتهدئة. ومن هذا المنطلق،
فإن التغطيات ذات الطابع الاستعراضي أو التهديدات المتبادلة التي تملأ الشاشات لا
تمثل النهاية في حد ذاتها، بل تُعد تمهيداً ذا توقيت زمني دقيق لمرحلة لاحقة.
اختفاء هذا النمط التلفزيوني الصاخب أو انقضاء مرحلة
التهويل الاستعراضي لا يعني بالضرورة انفراج الأزمة أو اقتراب الحل، بل يشير في
كثير من الأحيان إلى الانتقال الهادئ نحو مرحلة الأدوات الأكثر خشونة ومباشرة، حيث
يصبح الفعل الميداني حاجبا لكل الكوميديا بصوت الانفجارات وأزيز أدوات تغييب
الحياة.
هندسة الإدراك
وحسابات الزمن السياسي
هنا يبدو التوقيت
دافعا للمناورة، يُحسب الاستحقاق الزمني بعناية فائقة ليصل إلى ذروته بالقرب من
المحطات الانتخابية الحاسمة أو القرارات الاستراتيجية الفاصلة، وتحديداً حول منتصف
أيلول/سبتمبر المترقب، فالذاكرة الجمعية للمستمع والمتابع للخطاب السياسي تتصف
بالسيولة والنسيان السريع؛ لذا لابد بين الحرب والانتخابات أمد قصير نسبياً، فخفض
التصعيد الاستعراضي في لحظة معينة ليس إلا عملية ضبط دقيقة لساعة التوقيت
الجيوسياسي، إنها عملية حسابية معقدة تجمع بين علم النفس الجمعي والاقتصاد
والإعلام، بهدف ضمان أن تصل الرسالة الأقوى والأوضح في اللحظة التي يكون فيها
التأثير أعظم ما يكون؛ بهذا المعنى، يصبح الزمن نفسه أداة سياسية لا تقل أهمية عن
القوة العسكرية أو النفوذ الاقتصادي.
ومضة اسمها الإنسان:
الإنسان بحاجة أن
يحس أنه إنسان بعيداً عن حسابات المسرح السياسي المعقدة ومهارات التوجيه الإعلامي
والاقتصادي البارعة، تبقى المنطقة المعنية بهذه التفاعلات بحاجة ماسة إلى مقاربة
أعمق وأكثر إنسانية لتاريخها الاجتماعي والسياسي، لقد عاشت هذه الجغرافيا
استنزافاً طويلاً وممتداً عبر عقود متتالية من التوترات والصراعات، وهي اليوم بأشد
الحاجة إلى حالة من الاستقرار البنيوي الحقيقي الذي يمنح الإنسان فيها فرصة
لاستعادة إدراكه للمعنى الجوهري للوجود والعيش الهادئ الكريم؛ إن الحياة الدنيا،
مهما امتدت أعمار البشر فيها تبقى سريعة
فلا شيء يضاف للإنسان وقد اتحد والألم، وليس أصعب على النفس البشرية من أن يمضي
بها العمر كله في حالة ترقب دائم لأزمات لم تشارك في صنعها، ولم يكن لها يد في
إدارتها، لتغادر هذه الحياة في النهاية دون أن تحس بطعم الاستقرار الذي هو حق أصيل
لكل مجتمع وكل فرد.
الاستقرار ليس ترفاً سياسياً، بل هو الشرط الأساسي لكي
يشعر الإنسان بأنه إنسان كامل، قادر على التخطيط لمستقبله وبناء حياته بعيداً عن
ظلال التهديدات المتجددة، ونتأمل النهايات إن قراءة الواقع السياسي برزانة
وعقلانية تقتضي احترام الآليات المعقدة التي تحرك كافة الأطراف الدولية
والإقليمية، وفهم الفلسفة العميقة التي تُدار بها الأزمات الكبرى في هذا العصر؛ لا
ينبغي الوقوع في فخ الرفض السطحي أو الانفعال العاطفي السريع، لم نعرف السياسة
الحديثة أنها صراع على المصالح أو توزيع للنفوذ، بل عرفناها أنها صناعة متكاملة
للإدراك الجمعي، حيث تُصاغ الحقائق وتُعاد صياغتها وفق الحاجة، ويُدار الزمن كأداة
استراتيجية، ويُبقى الإنسان معلقاً بين الخوف والرجاء. ومن يدرك هذه الحقيقة بعمق،
يصبح قادراً على قراءة المشهد لا كما يُراد له أن يُقرأ، بل كما هو في جوهره: مسرح
كبير تُدار فيه معارك الوعي قبل أن تُدار الأحداث.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق