https://m-salihalbdrany.blogspot.com/ فكــــــر اليقظـــــــة Mindfulnesshttps://m-salihalbdrany.blogspot.com/

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 12 يونيو 2026

253 - جدلية التبعية واضمحلال الشخصية

 رابط عربي 21

جدلية التبعية واضمحلال الشخصية

التبعية تبعيات:

ليست التبعية السياسية مجرد علاقة قوة بين غالب ومغلوب، بل حالة نفسية وفلسفية أعمق بكثير، إنها خوف مزمن من الحرية، فالحرية ليست شعارًا سهلًا كما تُقدَّم في الخطب، بل عبء ثقيل؛ لأنها تعني تحمل نتائج القرار، والوقوف عاريًا أمام احتمالات الخطأ والفشل.

إن أي إنسان أو دولة أو أمة بلا مشروع ورؤية وتخطيط علمي، هي كيان ومشروع استغلال واستخدام واستنزاف وابتزاز، يعيش التفاهة ووهم الكرامة التي أصلا لا تعريف لها إلا عبر سرديات الماضي.

فيقال له أنت لست عالة ولا فاشلا ولا متخلفا، أنت أجدادك أولئك الذين فتحو العالم القديم ودلوا الناس على العلوم والمدنية، أنت ابن الفراعنة العظام الذين اعلوا التماثيل وشيدوا الأهرام، أنت ابن سومر واكد وأشور، والحقيقة انه بيع الوهم وشرائه بالتفاهة والكسل، وجهل حتى بمن يفتخر بهم لا يدري ما صنعوا من سلبيات أو إيجابيات، ومعظمهم أمم بائدة بلا امتداد لم يبق منها إلا ما نرى.

 

إن أي إنسان أو دولة أو أمة بلا مشروع ورؤية وتخطيط علمي، هي كيان ومشروع استغلال واستخدام واستنزاف وابتزاز، يعيش التفاهة ووهم الكرامة التي أصلا لا تعريف لها إلا عبر سرديات الماضي.

فيقال له أنت لست عالة ولا فاشلا ولا متخلفا، أنت أجدادك أولئك الذين فتحو العالم القديم ودلوا الناس على العلوم والمدنية، أنت ابن الفراعنة العظام الذين اعلوا التماثيل وشيدوا الأهرام، أنت ابن سومر واكد وأشور، والحقيقة انه بيع الوهم وشرائه بالتفاهة والكسل، وجهل حتى بمن يفتخر بهم لا يدري ما صنعوا من سلبيات أو إيجابيات، ومعظمهم أمم بائدة بلا امتداد لم يبق منها إلا ما نرى.

 فاين الأمة اليوم وهذا وضعها لا مشروع ولا رؤية ولا إعمار وإنما فساد وقتل وسجون وتبعية ودمار، هي اليوم في أفضل الأحوال لوحة يرسم عليها أو فرشاة يخط بها مشاريع الآخرين.

وعندما تفضّل بعض المجتمعات والدول، في لحظات القلق التاريخي، الاحتماء بظل قوة أكبر، حتى لو كان ذلك على حساب كرامتها ومصالحها البعيدة، فهي تقر بالاستعباد الذي تراه راي العين وتتحمل نزوات السيد الحامي المهينة، إنها صفقة غير معلنة: نتنازل عن جزء من إرادتنا (والإرادة لا تتجزأ) مقابل وعد بالأمان، لكن المشكلة أن الأمان المستعار يشبه المال المستدان بالربا؛ يمنح راحة مؤقتة، ثم يطالب بثمن مضاعف، وقد لا يمنح فعلا، وتصبح البلاد حديقة خلفية لمغامر يحتمى به.

أخطر ما تفعله الهيمنة ليس السيطرة على الأرض، بل السيطرة على المخيال والفكر، والكفر بالكينونة والشخصية فيتغير التفكير والنفسية لتمحى الهوية، وحين تقتنع أمة ما أن مصيرها يُصنع دائمًا في عواصم الآخرين، فإنها تتوقف عن إنتاج المستقبل

التابع لا يولد تابعًا بالضرورة، بل يتحول إلى ذلك تدريجيًا حين يعتاد النظر إلى الخارج باعتباره مصدر الخلاص أوان التهديد من الداخل، عندها يفقد ثقته بذاته، ثم يفقد ثقته بمجتمعه، ثم يبدأ أخيرًا بتبرير عجزه بوصفهواقعية سياسية”. وهكذا تتحول التبعية من وضع مؤقت إلى عقلية كاملة.

 

تداعيات التبعية:

أخطر ما تفعله الهيمنة ليس السيطرة على الأرض، بل السيطرة على المخيال والفكر، والكفر بالكينونة والشخصية فيتغير التفكير والنفسية لتمحى الهوية، وحين تقتنع أمة ما أن مصيرها يُصنع دائمًا في عواصم الآخرين، فإنها تتوقف عن إنتاج المستقبل، وتتحول إلى مجرد متفرج على التاريخ، وعلى مصيرها هي هنا يبدأ الانهيار الحقيقي؛ عندما يصبح الانتظار لما سيحل بها وكأنه قدرا مقدورا بديلًا عن الفعل.

ومن هنا يمكن فهم كيف تتحول الطائفية والقبلية والولاءات الضيقة إلى بدائل عن الرابطة العليا، فعندما تفشل الدولة في بناء معنى جامع لأمة، يعود الناس إلى الروابط الهابطة بحثًا عن الأمان النفسي، ولا تستغرب أن تجد مثقفا أو عالما يلجأ إلى احدى هذه الروابط طلبا للحماية، لكن هذه العودة لا تنتج استقرارًا، بل مزيدًا من التفتت؛ لأن الجماعات الصغيرة، مهما بدت قوية، لا تستطيع بناء أفق حضاري واسع،

ولعل أكثر ما يكشف هشاشة التبعية أن القوة التي يُعوَّل عليها كثيرًا ما تتصرف وفق مصالحها الخاصة لا وفق مصالح أتباعها، فالدول لا تمتلك صداقات أبدية، بل حسابات متغيرة، وعندما تتغير الكلفة أو الأولويات، يكتشف التابع أنه كان مجرد أداة ضمن لعبة أكبر منه.

معضلة البيئة الداخلية

غير أن المشكلة ليست فقط في الخارج، بل في الداخل أيضًا، فالتبعية تحتاج دائمًا إلى بيئة مناسبة كي تستمر؛ انقسامات داخلية، خوف متبادل، فساد، ضعف ثقة، وهروب من المسؤولية، المجتمعات المفككة تصبح أكثر قابلية للارتهان، لأن الإنسان الخائف يبحث دائمًا عن قوة تحميه حتى لو كانت سببًا في خوفه.

ومن هنا يمكن فهم كيف تتحول الطائفية والقبلية والولاءات الضيقة إلى بدائل عن الرابطة العليا، فعندما تفشل الدولة في بناء معنى جامع لأمة، يعود الناس إلى الروابط الهابطة بحثًا عن الأمان النفسي، ولا تستغرب أن تجد مثقفا أو عالما يلجأ إلى احدى هذه الروابط طلبا للحماية، لكن هذه العودة لا تنتج استقرارًا، بل مزيدًا من التفتت؛ لأن الجماعات الصغيرة، مهما بدت قوية، لا تستطيع بناء أفق حضاريواسع، ولا تطور مدني وإنما عودة إلى ما قبل المدنيات بثياب وأزياء ووظائف عصرية.

الاستقلال الحقيقي لا يعني العداء للعالم، بل القدرة على التعامل معه من موقع الندّية لا التوسل، فالأمم القوية ليست تلك التي لا تخطئ، بل التي تملك القدرة على مراجعة نفسها دون انهيار نفسي أو أخلاقي.

 


ما يحصل؟

النتيجة النهائية لهذا المسار هي مجتمعات تعيش حالة إنهاك دائم: موارد كثيرة، وطاقة بشرية ضخمة، لكن دون مشروع واضح، يصبح الشباب ممزقين بين الغضب والهجرة، بين الرغبة في التغيير وفقدان الإيمان بإمكانه، ويظهر شعور خفي بأن التاريخ يتحرك في مكان آخر، وأن دورهم يقتصر على التلقي لا المشاركة، والتفاهة في المعاني وكل حديث عن التطور والتقدم والفكر محض وهم، فهذه أمم ميتة، في التاريخ لا تحترم الأمم التي تتهرب من مسؤوليتها، المدنيات لا تُمنح كمكافأة، بل تُبنى عبر القدرة على مواجهة الواقع كما هو، لا كما نتمنى أن يكون؛ لأننا سنواجه الواقع حتما كما هو، أو بمزايدات الكلام كما نفعل دوما في صفحات التواصل التي منح التطور يمينها لنا لنصدق الوه، بيد أن  المواجهة تبدأ أولًا بتحرير الوعي من عقدة الضحية وأوهام كوهم المخلّص الخارجي.

إن المجتمع الذي يريد استعادة نفسه يحتاج إلى شجاعة التفكير المستقل، يحتاج إلى تعليم ينتج عقلًا نقديًا لا عقلًا خائفًا، وإلى ثقافة ترى في العمل والمعرفة مصدر السيادة الحقيقي، لا في الخطابات العالية أو الولاءات المؤقتة.

الاستقلال الحقيقي لا يعني العداء للعالم، بل القدرة على التعامل معه من موقع الندّية لا التوسل، فالأمم القوية ليست تلك التي لا تخطئ، بل التي تملك القدرة على مراجعة نفسها دون انهيار نفسي أو أخلاقي.

الأساطيرُ لا تنقذ الشعوبَ، بل البشر الواقعيون الذين يزرعون الأرض، ويبنون المؤسسات، ويتحملون مسؤولية أخطائهم، أما انتظار المنقذ، فليس سوى السير الحثيث في طريق السقوط.

 

                                                                                        محمد صالح البدراني


السبت، 6 يونيو 2026

251- بين الوهم والواقع: الإنسان حين يضلّ صورته

 رابط عربي 21

الوهم والهُوية:

ليست المأساة الكبرى في حياة الإنسان أنه يخطئ، بل أن يتحول خطؤه إلى هوية كاملة يدافع عنها بوصفها حقيقة مطلقة، فالوهم لا يبدأ عادة من الكذب الصريح، وإنما من الرغبة العميقة في رؤية العالم كما نشتهي لا كما هو، ومن هنا تنشأ أغلب الانكسارات الفكرية والحضارية؛ حين تتقدم الرغبة على الفهم، ويتحول الخيال من قوة للإبداع إلى وسيلة للهروب من الواقع.

الإنسان كائن رمزي بطبيعته، لا يعيش داخل المادة وحدها، بل داخل الصور والمعاني التي يصنعها عن نفسه وعن العالم، لذلك لم تكن الأساطير القديمة مجرد حكايات للتسلية، بل كانت محاولات لفهم الوجود وتحمّل قسوته، غير أن المشكلة تبدأ عندما يفقد الرمز وظيفته التأويلية ويتحول إلى بديل كامل عن الواقع، فيصبح الإنسان أسير الصورة التي اخترعها بنفسه.

في لحظات كثيرة من التاريخ، تصرفت الأمم كما لو أنها شخصيات روائية مأخوذة بأوهام البطولة. توهمت أنها تحمل رسالة مطلقة، وأن العالم خُلق كي يعترف بتفوقها، وأن كل اختلاف يمثل تهديدا ينبغي إخضاعه أو محوه، وما إن تستقر هذه الفكرة في الوعي الجمعي حتى يبدأ الانفصال التدريجي عن الواقع؛ إذ تتحول الوقائع المعقدة إلى سرديات مبسطة، ويتراجع الفهم أمام الحماسة، ويصبح الشعار أهم من الحقيقة.

الإنسان الذي يطارد أوهامه طويلا ينتهي غالبا إلى الاصطدام بالعالم كما هو، لا كما تخيله. والمفارقة أن أكثر الناس تعلقا بالأوهام هم أولئك الذين يرفضون الاعتراف بها؛ لأن الاعتراف يعني انهيار الصورة المثالية التي بنوا ذواتهم عليها


لكن الواقع لا يهزم بالكلمات، ولا يتغير بالرغبات وحدها، إنه أكثر صلابة من الصور التي نصنعها عنه، ولهذا فإن الإنسان الذي يطارد أوهامه طويلا ينتهي غالبا إلى الاصطدام بالعالم كما هو، لا كما تخيله. والمفارقة أن أكثر الناس تعلقا بالأوهام هم أولئك الذين يرفضون الاعتراف بها؛ لأن الاعتراف يعني انهيار الصورة المثالية التي بنوا ذواتهم عليها.

الوهم والإنسان المعاصر

ومن هنا يمكن فهم جانب عميق من المأزق الإنساني المعاصر، فالعصر الحديث، رغم تقدمه الهائل، لم يحرر الإنسان من الوهم، بل منحه أدوات أكثر تعقيدا لصناعته، لم تعد الأوهام تُنسج في الحكايات فقط، بل في الإعلام، والسياسة، والفضاء الرقمي، وحتى في الطريقة التي يعرض بها الإنسان ذاته أمام الآخرين، لقد أصبح من الممكن صناعة نسخة محسنة من الذات، أكثر بريقا وأقل حقيقة.

ومع ذلك، فإن المشكلة ليست في الخيال نفسه؛ فالخيال أحد أعظم قوى الإنسان الخلّاقة، الحضارات الكبرى بدأت دائما بحلم، والعلم نفسه كان في بداياته ضربا من التخيّل الجريء، لكن الفرق كبير بين الخيال الذي يدفع الإنسان إلى بناء الواقع، والوهم الذي يدفعه إلى الهروب منه، الأول يوسّع حدود الممكن، أما الثاني فيعطل القدرة على رؤية الممكن أصلا.

إن أخطر أنواع الوهم هو ذلك الذي يمنح الإنسان شعورا زائفا بالاكتفاء، حين يقتنع الفرد أو المجتمع بأنه يملك الحقيقة النهائية، يتوقف عن التعلم، وعندما يتوقف عن التعلم يبدأ التآكل الداخلي، حتى لو بدا ظاهريا قويا ومتماسكا، فالحياة لا تعاقب الجهل بقدر ما تعاقب الغرور المعرفي؛ لأن الجاهل قد يتعلم، أما المتوهم أنه يعلم كل شيء فقد أغلق باب المراجعة على نفسه.

الوهم والفهم

ولعل هذا ما يفسر كيف يمكن لأمم تمتلك القوة والثروة والمعرفة أن تسقط في أخطاء بدائية، فالخلل لا يكون دائما في الإمكانات، بل في طريقة إدراك الذات. أحيانا تصبح الصورة التي يرسمها الإنسان عن نفسه أكثر أهمية لديه من الحقيقة نفسها، فيعيش مدافعا عن صورته لا عن وجوده الحقيقي.

الإنسان المعاصر في حاجة ماسّة إلى نوع جديد من الاتزان؛ اتزان يسمح له بالاستفادة من الخيال دون السقوط في الوهم، وباستخدام التكنولوجيا دون التحول إلى عبد للخوارزميات، وبامتلاك الطموح دون الوقوع في جنون العظمة


وفي المقابل، لا يقل خطرا ذلك النوع من البشر الذين يهربون من مسؤولية حريتهم بالاحتماء بالأقوياء أو بالجموع أو بالأفكار الجاهزة، فالإنسان الخائف من اتخاذ موقف مستقل يميل دائما إلى استعارة وعيه من الآخرين، إنه يفضل الطمأنينة النفسية التي يمنحها الانتماء الأعمى على القلق الصعب الذي يرافق التفكير الحر.

غير أن الوجود الإنساني لا ينضج إلا بالمواجهة، مواجهة النفس أولا، ثم مواجهة الواقع دون أقنعة، فالحكمة لا تولد من الانتصارات السهلة، بل من القدرة على مراجعة الذات دون انهيار، والوعي الحقيقي ليس أن يمتلك الإنسان أجوبة جاهزة، بل أن يحتفظ بالشجاعة الكافية لطرح الأسئلة المؤلمة.

الوهم والاتزان

لهذا يبدو الإنسان المعاصر في حاجة ماسّة إلى نوع جديد من الاتزان؛ اتزان يسمح له بالاستفادة من الخيال دون السقوط في الوهم، وباستخدام التكنولوجيا دون التحول إلى عبد للخوارزميات، وبامتلاك الطموح دون الوقوع في جنون العظمة. إن النجاة الفكرية اليوم لا تتحقق بالانسحاب من العالم، بل بالقدرة على العيش داخله بوعي نقدي متيقظ.

فالواقع ليس شيئا ثابتا تماما، كما أنه ليس مادة طيّعة بالكامل لإرادتنا، إنه علاقة معقدة بين ما هو موجود وما نضيفه نحن إليه من معنى، ولذلك فإن الإنسان لا يُقاس فقط بما يملكه من أدوات، بل بقدرته على التمييز بين الحقيقة والصورة، بين الرؤية والبريق، بين الحلم الذي يبني والحلم الذي يلتهم صاحبه.

ربما لا تكمن الحكمة في القضاء على الأوهام نهائيا، فهذا مستحيل تقريبا، بل في ألا نسمح لها بأن تعيش بدلا منا، فالإنسان الذي يفقد صلته بالواقع يتحول تدريجيا إلى سجين لخياله، أما الذي يوازن بين الحلم والبصيرة، بين الطموح والنقد، فإنه يملك فرصة حقيقية لبناء حياة أكثر صدقا وعمقا واتزانا.



الأربعاء، 3 يونيو 2026

250 - التفاهة ووهم الوجاهة

 رابط الكاردينيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا

عالم التفاهة ووهم الوجاهة

تفاهة بلا حدود:
الدراج من المعرفة عند المفكرين إن المنظومة أمة أو فرد لا يضيع بخسارة اقتصادية ولا بهزيمة عسكرية، وإنما تسقط وتضيع عندما تختل منظومة الأخلاق ويصبح السلوك بلا انضباط، الدول التي يعاقب فيها الصالح ويكافئ الفاسد ويصبح نموذجا للنجاح، عندما يكافئ بمنصب يحتاج عالم ويقصى العالم لانه صالح، وعندما تبيع الناس كينونتها من اجل المنصب والمال أو التقرب من الفاسدين، وعندما يضطر الأب أن يمنع أولاده من السؤال عن توجهات الظلم خوفا عليهم فيتعلمون الخضوع ، وتجد علوا لنكرات لا شخصية واضحة ولا كينونة تصبح هذه النكرات محور اهتمام الناس وتقول تلك الناس يا ليتنا أوتينا مثل ما أوتي قارون وينسون مصير أولادهم أو أحفادهم وهو يرون امتهم تنحدر، لذا لم اجد عنوانا لهذه الفقرة اكثر تعبيرا عن التفاهة التي باتت منظومة فعلا، تفكر وتخطط وتزيح وتنافق وتتألق، نرجسية ومتواضعة، هي بكل شكل ولون خادعة للحصفاء تستغبي الأذكياء، ليس من باب الخداع فهو عملها وهي نفسها خدعة ووضاعة مغلفة بأشكال منها السوقي ومنها الذي يتبع فن الذوق العام وآداب السلوك والمعاشرة، يعكس أسلوب تعامل راقي واحترام للنفس وللآخرين عبر قواعد من التهذيب والانسجام، هي فئة متحولة تزداد عددا وانتشارا منها من المقلدين الآملين بالنجاح والشهرة ومنها من الناجحين الذين يسايرون نظام التفاهة وسطوتها
نظام التفاهة والفساد: تحالف السطحية وإقصاء الكفاءات
في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المجتمعات المعاصرة، لم تعد "التفاهة" مجرد سلوك فردي عابر أو حالة من السطحية الاجتماعية، بل تحولت إلى نظام وهيكل يجتاح المؤسسات ويوجه الرأي العام، يتجلى هذا النظام بوضوح عندما تلتقي آليات "عصر الصورة" الرقمي مع مصالح مراكز النفوذ، لينتجا معاً بيئة طاردة للكفاءات ومرحبة بالرداءة، إن فهم هذا التشابك يتطلب تفكيك العلاقة بين تراجع معايير النجاح الحقيقية، وصعود ظاهرة مداهنة المسؤولين، وتزييف المفاهيم الكبرى وعلى رأسها مفهوم "حب الوطن".
هذا الحب الذي يمثل الأنا الإبليسية برداء الوداعة والجمال، باسم حب البلد، المدينة، القرية، الفقراء، التنمية، التطور، وكل فروع الحب، الوطنية هنا كـ "غلاف براق" لصندوق مغلق يحوي بداخله المصالح الشخصية الضيقة للمادحين والكسب غير المشروع واستراق الفرص.
يصبح "الوطن" طرد تمرر داخله صفقات الفساد وتبرر بها الإخفاقات، من خلال هذه المزايدات، يتم منح "التافهين" شرعية زائفة وشهرة واسعة، ليكونوا واجهة مقبولة تسوق للعامة تراجع الأداء العام تحت لافتة "الدفاع عن المصلحة الوطنية".
هذه الناس المتماهية مع التفاهة وتعتبر من أدواتها نرجسية لا يهمها إلا نفسها ولا تسمع إلا صوتها، بل هي جزء من مشروع التفاهة، عندما تحترم وتخضع للنفوذ وأصحابه وتتجاهل وتتعالى على النخبة الراقية فعلا من القيادة الفكرية التي هي متنحية أصلا عن ساحة سلطة التفاهة.
"مداهنة الفاسدين"، وتراجع الرزانة، يظهر نوع من المسؤولين الذين لا يبحثون عن الإنجاز الفعلي، بل عن "صناعة صورة الإنجاز"، وأناس تتخذ من نقاط ضعف المسؤول وتفاهته إلى مصالحها سلّم
هؤلاء المسؤولون، مدفوعين بنرجسية السلطة، يبحثون بنهم عن المديح والثناء على مشاريع وهمية أو إنجازات لم يفعلوها، هنا تلتقي مصلحة المسؤول الفاسد مع مصلحة "المادحين والمزايدين “،هذا التحالف ينتج بيئة طاردة بشكل تلقائي للكوادر الملتزمة والبناءة، النخبة الريادية، التي تمتلك الرؤية الحقيقية لإعمار الوطن وترفض الانخراط في منظومة الفساد، تجد نفسها مستبعدة ومقصاه؛ لا يبعدون خوفا من فضحهم، فالفساد اصبح فخرا وشطارة والكل يحقق ما يريد من الآخر بتفاهم تام غير معلن أو مكتوب ولكنه من معالم تحول التفاهة إلى مؤسسة مقرها سلوك التافهين وبهذا الوصف تتضح كامل الصورة للنفاق وعامة الناس تنظر من قناع الخيل المسرجة، عندما تشتكي الفساد للفساد.
سريالية "صناعة الوجاهة الطارئة" والآليات غير المباشرة لتفكيك الوهم
عندما تمر المجتمعات بمراحل انتقالية حرجة، تبرز في الفضاء العام ظاهرة سريالية يمكن تسميتها بـ "صناعة الوجاهة الطارئة"، في هذا المشهد، تظهر شخصيات رجالا أو نساء تفتقر إلى العمق المعرفي أو التاريخ الذي يؤهلهم لمكانتهم التي يحصلون عليها، أو أي ميزة ممكن أن تستند إليها لتضع منطقا لما يحصل لها ومعها واتباع الناس لها، فهي تتربع فجأة على عرش الوفرة المادية والاستعراض البصري للأعطيات والمكاسب السريعة، مستندة إلى شبكات رعاية غير مرئية، هذا النموذج لا يهدف إلى التنمية، بل إلى دغدغة طموحات الفئات الهشة وإغراقها في دوامة "المراهنة على الحظ"، مما يدفع الأفراد إلى خسارة ذواتهم وكرامتهم في ركض عبثي خلف سراب الثراء بضربة حظ.
التفاهة مرض:
هي مرض مجتمعي يصبح معديا بإخضاع النفوس التي تفقد مطاولتها، هذه الطبقة المتحولة، هي في الحقيقة تمثل مجموعة مريضة نفسيا تطاولت نتيجة إحساسها بالإهمال والدونية أو الفخر المزيف أيضا، أو قد يكون ضعفا بشريا يأخذهم إلى المنحدر الزلق من سيناريو الانحدار، فالفساد ليس بيئة للصالحين، وقد لا يدرون أو لا يهمهم أن يستخدموا كأدوات للعبث بمصير أهلهم، بتضليل الشباب المحبط، وتحويل البيئة الراقية إلى بيئة تفاهة.
إن النتيجة الحتمية لإقصاء النخبة الحقيقية وتقريب المادحين هي هبوط الخطاب الوطني إلى مستويات شديدة السطحية والابتذال، يتحول "حب الوطن" في هذا السياق من تضحية وبناء وعمل مؤسسي رصين، عنوان الشروع باختلاس مستقبله.
فما الحل:
ستتلاشى هالتهم المزيفة عندما يفقدون الاهتمام، لكن هذا لا يحصل مع شعوب تعيش اللامعيارية.... ودوما انصح بإنشاء مراكز دراسات وظيفية تقوم بأعمالها لليقظة فالنهضة، لان لا شيء بلا تخطيط أو دراسة يمكن اعتماده لترميم المجتمع أو إعادة بناء المجتمع المهدوم، لكن ... لكن لمن النصيحة!




265 -تلفزيون الحياة في ستوديو البيت الأبيض

رابط الشبكة مباشر مجلة الاسرة في المهجر تلفزيون الحياة في ستوديو البيت الأبيض حدّث العاقل قيل «حدّث العاقل بما لا يُعقل، فإن صدّق فلا ع...

يقظة فكرgoogle-site-verification: google25f7d3ebc2fdac29.html