جدلية التبعية واضمحلال الشخصية
التبعية تبعيات:
ليست
التبعية
السياسية
مجرد
علاقة
قوة بين غالب
ومغلوب،
بل حالة نفسية
وفلسفية
أعمق
بكثير،
إنها
خوف مزمن من الحرية، فالحرية
ليست
شعارًا
سهلًا
كما تُقدَّم في الخطب، بل عبء ثقيل؛
لأنها
تعني
تحمل
نتائج
القرار،
والوقوف
عاريًا
أمام
احتمالات
الخطأ
والفشل.
|
إن أي إنسان أو دولة
أو أمة بلا مشروع ورؤية وتخطيط علمي، هي كيان ومشروع استغلال واستخدام
واستنزاف وابتزاز، يعيش التفاهة ووهم الكرامة التي أصلا لا تعريف لها إلا عبر
سرديات الماضي. فيقال له أنت لست عالة ولا فاشلا ولا متخلفا، أنت أجدادك أولئك الذين فتحو العالم القديم ودلوا الناس على العلوم والمدنية، أنت ابن الفراعنة العظام الذين اعلوا التماثيل وشيدوا الأهرام، أنت ابن سومر واكد وأشور، والحقيقة انه بيع الوهم وشرائه بالتفاهة والكسل، وجهل حتى بمن يفتخر بهم لا يدري ما صنعوا من سلبيات أو إيجابيات، ومعظمهم أمم بائدة بلا امتداد لم يبق منها إلا ما نرى.
|
إن أي إنسان أو دولة أو أمة بلا مشروع ورؤية
وتخطيط علمي، هي كيان ومشروع استغلال واستخدام واستنزاف وابتزاز، يعيش التفاهة
ووهم الكرامة التي أصلا لا تعريف لها إلا عبر سرديات الماضي.
فيقال له أنت لست عالة ولا فاشلا ولا متخلفا، أنت
أجدادك أولئك الذين فتحو العالم القديم ودلوا الناس على العلوم والمدنية، أنت ابن
الفراعنة العظام الذين اعلوا التماثيل وشيدوا الأهرام، أنت ابن سومر واكد وأشور،
والحقيقة انه بيع الوهم وشرائه بالتفاهة والكسل، وجهل حتى بمن يفتخر بهم لا يدري
ما صنعوا من سلبيات أو إيجابيات، ومعظمهم أمم بائدة بلا امتداد لم يبق منها إلا ما
نرى.
فاين الأمة
اليوم وهذا وضعها لا مشروع ولا رؤية ولا إعمار وإنما فساد وقتل وسجون وتبعية
ودمار، هي اليوم في أفضل الأحوال لوحة يرسم عليها أو فرشاة يخط بها مشاريع
الآخرين.
وعندما تفضّل بعض المجتمعات
والدول، في لحظات
القلق
التاريخي،
الاحتماء
بظل قوة أكبر،
حتى لو كان ذلك على حساب كرامتها
ومصالحها
البعيدة،
فهي تقر بالاستعباد الذي تراه راي العين وتتحمل
نزوات السيد الحامي المهينة، إنها صفقة غير معلنة:
نتنازل
عن جزء من إرادتنا (والإرادة
لا تتجزأ) مقابل وعد بالأمان، لكن المشكلة أن الأمان المستعار
يشبه
المال
المستدان بالربا؛ يمنح
راحة
مؤقتة،
ثم يطالب بثمن
مضاعف، وقد لا يمنح فعلا، وتصبح البلاد حديقة
خلفية لمغامر يحتمى به.
أخطر ما تفعله الهيمنة ليس السيطرة على الأرض، بل السيطرة على المخيال والفكر، والكفر بالكينونة والشخصية فيتغير التفكير والنفسية لتمحى الهوية، وحين تقتنع أمة ما أن مصيرها يُصنع دائمًا في عواصم الآخرين، فإنها تتوقف عن إنتاج المستقبل |
تداعيات التبعية:
أخطر
ما تفعله الهيمنة
ليس السيطرة على الأرض، بل السيطرة على المخيال
والفكر، والكفر بالكينونة والشخصية فيتغير التفكير والنفسية لتمحى الهوية، وحين تقتنع
أمة ما أن مصيرها يُصنع
دائمًا
في عواصم الآخرين،
فإنها
تتوقف
عن إنتاج المستقبل،
وتتحول
إلى مجرد متفرج
على التاريخ،
وعلى مصيرها هي هنا يبدأ الانهيار
الحقيقي؛
عندما
يصبح
الانتظار لما سيحل بها وكأنه قدرا مقدورا بديلًا
عن الفعل.
ومن هنا يمكن فهم كيف تتحول الطائفية والقبلية والولاءات الضيقة إلى بدائل عن الرابطة العليا، فعندما تفشل الدولة في بناء معنى جامع لأمة، يعود الناس إلى الروابط الهابطة بحثًا عن الأمان النفسي، ولا تستغرب أن تجد مثقفا أو عالما يلجأ إلى احدى هذه الروابط طلبا للحماية، لكن هذه العودة لا تنتج استقرارًا، بل مزيدًا من التفتت؛ لأن الجماعات الصغيرة، مهما بدت قوية، لا تستطيع بناء أفق حضاري واسع، |
معضلة البيئة الداخلية
غير أن المشكلة
ليست
فقط في الخارج،
بل في الداخل
أيضًا، فالتبعية تحتاج
دائمًا
إلى بيئة مناسبة
كي تستمر؛ انقسامات
داخلية،
خوف متبادل، فساد،
ضعف ثقة، وهروب
من المسؤولية، المجتمعات
المفككة
تصبح
أكثر
قابلية
للارتهان،
لأن الإنسان الخائف
يبحث
دائمًا
عن قوة تحميه
حتى لو كانت
سببًا
في خوفه.
ومن هنا يمكن فهم كيف تتحول الطائفية والقبلية والولاءات الضيقة إلى بدائل عن الرابطة العليا، فعندما تفشل الدولة في بناء معنى جامع لأمة، يعود الناس إلى الروابط الهابطة بحثًا عن الأمان النفسي، ولا تستغرب أن تجد مثقفا أو عالما يلجأ إلى احدى هذه الروابط طلبا للحماية، لكن هذه العودة لا تنتج استقرارًا، بل مزيدًا من التفتت؛ لأن الجماعات الصغيرة، مهما بدت قوية، لا تستطيع بناء أفق حضاريواسع، ولا تطور مدني وإنما عودة إلى ما قبل المدنيات بثياب وأزياء ووظائف عصرية.
الاستقلال الحقيقي لا يعني العداء للعالم، بل القدرة على التعامل معه من موقع الندّية لا التوسل، فالأمم القوية ليست تلك التي لا تخطئ، بل التي تملك القدرة على مراجعة نفسها دون انهيار نفسي أو أخلاقي. |
ما يحصل؟
النتيجة
النهائية
لهذا
المسار
هي مجتمعات تعيش
حالة
إنهاك
دائم: موارد كثيرة، وطاقة
بشرية
ضخمة،
لكن دون مشروع
واضح،
يصبح
الشباب
ممزقين
بين الغضب والهجرة،
بين الرغبة في التغيير وفقدان
الإيمان
بإمكانه، ويظهر شعور
خفي بأن التاريخ
يتحرك
في مكان آخر،
وأن دورهم يقتصر
على التلقي لا المشاركة،
والتفاهة في المعاني وكل حديث عن التطور والتقدم والفكر محض وهم، فهذه أمم ميتة، في
التاريخ لا تحترم
الأمم
التي
تتهرب
من مسؤوليتها،
المدنيات لا تُمنح
كمكافأة،
بل تُبنى عبر القدرة على مواجهة الواقع
كما هو، لا كما نتمنى
أن يكون؛
لأننا سنواجه الواقع حتما كما هو، أو بمزايدات الكلام كما نفعل دوما في صفحات
التواصل التي منح التطور يمينها لنا لنصدق الوه، بيد أن المواجهة تبدأ أولًا
بتحرير
الوعي
من عقدة الضحية
وأوهام
كوهم
المخلّص
الخارجي.
إن المجتمع الذي
يريد
استعادة
نفسه
يحتاج
إلى شجاعة التفكير
المستقل، يحتاج إلى تعليم ينتج
عقلًا
نقديًا
لا عقلًا خائفًا،
وإلى
ثقافة
ترى في العمل
والمعرفة
مصدر
السيادة
الحقيقي،
لا في الخطابات
العالية
أو الولاءات المؤقتة.
الاستقلال
الحقيقي
لا يعني العداء
للعالم،
بل القدرة على التعامل معه من موقع
الندّية
لا التوسل، فالأمم القوية
ليست
تلك التي لا تخطئ، بل التي تملك
القدرة
على مراجعة نفسها
دون انهيار نفسي
أو أخلاقي.
الأساطيرُ لا تنقذ
الشعوبَ،
بل البشر الواقعيون
الذين
يزرعون
الأرض،
ويبنون
المؤسسات،
ويتحملون
مسؤولية
أخطائهم،
أما انتظار المنقذ،
فليس
سوى السير
الحثيث في طريق السقوط.
✍ محمد صالح البدراني
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق