مقدمة:
لا يقاس التاريخ بمدى الفخر والاعتزاز بالبطولات والملاحم؛ فما فات من الزمن قد مضى وانقضى، وإنما تُقاس عظمة الأمم بمدى قدرتها على تحويل دماء الماضي إلى دروس حية لفك شفرات الحاضر واستشراف المستقبل، وعند إعادة قراءة وثائق الأرشيف الوطني البريطاني (TNA) الخاصة بعام 1920، يتضح أن ثورة الموصل وتلعفر (أيار/مايو- حزيران/يونيو 1920) لم تكن حدثاً بلا جذور، بل كانت الشرارة التنظيمية الأولى والجزء اللوجستي المتمم لجسد ثورة العشرين الكبرى في الفرات الأوسط، رغم وجود تعتيم تقليدي على ثورة الموصل، والتي كانت حركة النخبة، والتي كانت حركة نخبوية. وهذا التعتيم أساسه متعمد، لإبعاد فكرة التنسيق رغم ضعف الاتصالات بل هي معدومة بالنسبة لغير المحتل آنذاك.
إن تفكيك هذه الجبهة المترابطة (دمشق- دير الزور- الموصل- الفرات) يمنحنا أربعة دروس استراتيجية كبرى تُعد بمثابة المفتاح الأساسي لفهم طبيعة وجذور الواقع السياسي اللاحق في العراق المعاصر.
أولا: واقعية المصالح والبراغْماتية السياسية (صناعة رجال الدولة)
وضعت بريطانيا قادة ثورة الشمال (جميل المدفعي وآخرين) على قوائم الإعدام والملاحقة العسكرية الدولية عام 1920، ولكن بعد ثلاث سنوات فقط (عام 1923)، اضطرت لندن لإصدار عفو شامل عنهم ودفعهم لتولي رئاسة الوزراء والوزارات السيادية ومجلس الأعيان. هذا الاضطرار ليس إرغاما وإنما هو لبناء الدولة والاستقرار، فالملك الذي تحول من سوريا إلى العراق كان يحتاج خبرة رجال دولة، ومن غير ياسين الهاشمي الذي أطلق سراحه توا، والمدفعي المتنقل بين العشائر غالبا في الأردن، وإبداء حسن النية مع العشائر كقبيلة الجحيش التي تمثل ثغرا حدوديا في البو عاج أو البعاج لاحقا.
هذا الحدث أسس للقاعدة الذهبية في السياسة العراقية اللاحقة: "القوة المنظمة على الأرض هي التي تفرض الاعتراف السياسي". لقد أدركت بريطانيا أن قمع الكفاءات الوطنية يعني استمرار النزيف العسكري، فآثرت سياسة "الاحتواء والاستيعاب". هذا يفسر لماذا اتسمت النخبة السياسية الحاكمة في العهد الملكي بالصلابة؛ فقد كانوا "رجال ثورة" قادمين من الميدان فرضوا أنفسهم بفرض الأمر الواقع، وليسوا موظفين عُينوا بقرارات إدارية فوقية.
ثانيا: التكامل البنيوي بين "النخبة العسكرية" و"القاعدة الاجتماعية"
نجحت نسبيا ثورة تلعفر والموصل لأن "العقل العسكري والسياسي" تلاحم تلاحماً عضوياً مع "الغطاء القبلي والبشري"، ويفسر هذا الدرس طبيعة الاستقرار والاضطراب في العراق اللاحق؛ فالدولة لا تستقر إلا بتوازن حقيقي بين أجهزتها التنفيذية (الجيش والإدارة) وقواها الاجتماعية والرمزية (العشائر والنخبة)، وأي محاولة لاحقة من الأنظمة السياسية لتهميش البعد الاجتماعي والاعتماد على القوة العسكرية الصرفة، كانت تؤدي سريعاً إلى انفجار الأزمات الداخلية الكبرى.
ثالثا: حتمية الجغرافيا وعقدة "الحدود الرخوة":
إن الحدود السياسية التي خطتها اتفاقية "سايكس بيكو" عاجزة عن قطع الروابط الجغرافية والقبلية.
وهذا هو الدرس الأكثر حيوية وتكراراً في تاريخ العراق الحديث؛ إذ إن "أمن العراق القومي يبدأ من خارج حدوده الغربية والشمالية". إن أي فراغ أمني، أو اضطراب سياسي في منطقة الفرات الأعلى ودير الزور في سوريا، يتحول تلقائياً وفوراً إلى ثغرة أمنية تضرب استقرار الموصل والأنبار ونينوى.
وما شهدناه في العقود اللاحقة وحتى الأحداث المعاصرة من تسلل للجماعات المسلحة والاضطرابات الحدودية، ليس إلا تكراراً حتمياً لنفس الدرس الجغرافي الذي كشفت عنه وثائق عام 1920.
رابعاً: معركة الوعي (سلاح الكلمة قبل البندقية)
رصدت الاستخبارات البريطانية بقلق بالغ المنشورات والدعاية الإعلامية والفتاوى الوطنية التي صاغها عزت الأعظمي وسُربت من دير الزور إلى أسواق الموصل؛ واعتبرتها بريطانيا أخطر من الرصاص لأنها زعزعت ولاء الجنود المحليين وحركت الجماهير الصامتة.
هذا الدرس شكّل الوعي السياسي للجيل الذي بنى الدولة العراقية؛ فأدركت الحكومات اللاحقة كما أدركت قوى المعارضة أن السيطرة على "ميدان الوعي والإعلام" هي خط الدفاع الأول، ومن هنا نشأت الحركات الحزبية والصحفية النشطة في العهد الملكي والجمهوري، كأدوات أساسية لحسم الصراعات السياسية قبل اللجوء إلى القوة الخشنة.
إن هذا البلد لا بد أن يكون متحدا ويعلم ما يريد، فرغم فقدان التنسيق كانت الدولة، لكن لن تتم المحافظة عليها إلا بهذه الوحدة والتنسيق، ذلك التنسيق الممكن مع وسائل التواصل الحديثة إن تعذر اللقاء.
الخلاصة الاستراتيجية:
إن الثورات والانتفاضات قد لا تحقق نصراً عسكرياً حاسماً في حينه، لكنها -إذا أديرت بذكاء وتكامل- تفرض واقعاً سياسياً جديداً يجبر القوى العظمى على إعادة الحسابات، فلولا الدماء التي سُفكت في تلعفر والموصل والفرات عام 1920، لما اضطرت بريطانيا لإلغاء "الحكم العسكري المباشر" وتأسيس الدولة العراقية وتتويج الملك فيصل الأول عام 1921.
التاريخ لا يُقرأ للبكاء على الأطلال، بل لفهم أن أحداث اليوم هي صدى مباشر لخطوط النار والتفاهمات التي رُسمت قبل أكثر من قرن من الزمان.
إنّ ثورة العشرين وان لم تنطلق في يوم واحد رغم كل ما كان من الأعذار، هي ثورة لكل الشعب في كل مكان إن دققنا واستخدمت كل الوسائل من المقاومة السلبية إلى حمل السلاح، بقيادة النخبة أو بتصرف استحضر القيم العليا عندما قرر الخروج، فثورة الموصل لو كانت هنالك اتصالات لتوحدت وأنجزت متحدة مع الضاري وأبو الجون، لكن بغياب التنسيق بسبب اللوجستيات ولأن ليس هنالك دولة تفرقت الطرق وتباعد الرفيق والصديق، دعونا نعيد الإنصاف إلى ذاكرتنا التاريخية باستحضار ثورة الموصل التي حدثت في 4 حزيران/يونيو 1920 في تلعفر، وبحركة نخبة الموصل وعشائرها، بغض النظر عن أنها نُفذت بضباط ومثقفين مع العشائر، فإنها ذات منطلق ثورة أبو الجون والضاري، وحرس الاستقلال، التي أُرّخ لها 30 حزيران/يونيو. والمقال مقدمة ما بعده.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق