https://m-salihalbdrany.blogspot.com/ فكــــــر اليقظـــــــة Mindfulnesshttps://m-salihalbdrany.blogspot.com/

بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 4 أكتوبر 2025

207 - القيم بين الادعاء والتطبيق

 رابط عربي 21



ظواهر لفهمها وليس للحكم عليها:

كثيرا ما نسمع "الجماعة الفلانية أفكارها هدامة وأنهم أناس يتكلمون ولا يفعلون، وإن ائتُمنوا خوانين وإن كُلفوا فاسدين"، والحقيقة أن الأفكار الهدامة هي ما يحمله المجرمون وفاقدو القيم، لكن ضعف تركيز مثقفي المجتمع وانجرارهم وراء السوقية والرغبة بتحقيق الذات -وهذا عيب كبير ومرض نفسي خفي خطير- يجعلهم ينساقون وراء ما اصطلح عليه بالشعبوية وهي كلمة تقلل من قيمة التوجه نحو إرضاء العامة من الناس.

الأفكار بشكل عام تحمل إضاءة وتنويرا عاليا، لا فرق في ذلك بين الأحزاب أيا كانت؛ علمانية سطحية الفكر تخاطب الجمهور أو شيوعية انقرضت ولم تتخط الاشتراكية التي كانت تسير بضيق وسوء التطبيق، أو رأسمالية في وعود الرفاهية والقيمة الإنسانية التي بانت في الفترة الأخيرة أنها واهية، لكن عند التطبيق الأمر مختلف وكل له أسبابه. وهو ذات الأمر ينطبق على الأحزاب الإسلامية التي غالبا ترى في كوادرها تدينا ولكن فيهم أناس يتسللون للقيادات وهم يرون أنهم هم الدين رغم أن سلوكياتهم لا دين فيها وكلامهم محض نفاق مبين.

فأما ما يهمنا الآن فهو تراجع نظام الرأسمالية بتخلخل أذرع حمايتها في خلق مجتمع مستقر، ونرى أن مجرد المخالفة تتحول الدولة إلى سلطة من العالم الثالث. لكن ما زال هنالك من يؤمن بما يعتقد في السلطة فيوقف تدهور المجتمع نحو الدكتاتورية أو امتهان الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية، وهذا مقروء للجميع عند حصول احتجاجات تخالف السياسة في الدولة، فليس من قبول للآخر المختلف فكيف للمخالف؟ ونحن نرى مثلا ما حصل من تدهور في العلاقات بين إيلون ماسك الذي دعم ترامب للوصول إلى الرياسة لأنه وضع صديقه الديمقراطي في ناسا، ثم برر ذلك بأنه لا يجوز إدارة هذا الصديق لناسا وماسك له مصالح فيها.

أما الإسلاميون، فلطالما عاشوا حياة سرية وتواجدهم كان في المساجد، فالمساجد تستقطب المظلوم الضعيف وغالبا هؤلاء متدينون غريزة وعاجزين وليسوا عاملين لقيمة ومبدأ؛ اللهم إلا بما تفرزه المظلومية من كلام تلك المساجد التي تركها معظم من تولى السلطة، فقد انتفت حالة الضعف والشعور بالقهر والغبن وعاد لطبعه متقنعا بتطبّعه، وحل هو محل الظالم واحتفظ بالاسم الذي أوصله إلى ما هو فيه ولم يك حقيقة يفهم ما اتصف به، فتمكن مفسد مؤذ معيق لتقدم الفكر بمنع مفكريه وإهمالهم إن لم يك معاداتهم وهم أصل الفكر وغذاؤه، لكن المتحول نحو دنيا؛ خسارتها جعلته يذهب إلى المسجد فيلتقطه أناس يتصورون أنه على خلق ودين ويضمونه إليهم؛ يقوم بدور طائر الوقواق الذي يطرد الأصل ليطعمه من يجهل نوعه.

إن الأفكار العظيمة ليس بالضرورة عظيم من يدعيها ولو كان من قياداتها، وعلى هذا فليست أفكارا هدامة تلك التي يزعم امتلاكها أناس هدامون، أو سفلة فاسدون وان زعموا أنهم منتمون للدين؛ وإنما هؤلاء مسوخ لبسوا لبوس الصلاح وبشاعة تقنعت بنور الهداية.

ومن البشاعة في واقعنا استغلال الإنتاج المدني لشعوب أخرى باستخدام سيئ، أو بما تطوره عقلية الفساد، فتجد أن البدايات فاسدة كاستخدام الذكاء الاصطناعي في الغش والشر وتندمج مع النفسية، لتصبح أمرا معتادا بتقديم المكانة الاجتماعية أو القيمة المادية على القيم العليا، فبالتالي تخلق حالة من تعايش الفساد مع الاعتقاد ومعرفة الفضيلة، فيظهر كلام يقطر فضائل ودعوات بالإصلاح بينما نجد أن هؤلاء هم أشد العابثين عند هذا يكون المجتمع عاجزا عن الإصلاح والمطلوب تفعيل التفكير للتغيير.

الموقف والخدمة:

إنك لا تصنف الموقف من عظمة الفعل وإنما من ماهيته، وقد يكون دافعه إنسانيا عاطفيا، أو فكريا عقائديا واعيا، أو يكون لسجية عند الإنسان في حب العطاء. وهذا النوع تكثر مواقفه الإيجابية، والمواقف من الفضائل كما الخدمة للناس بتسهيل أمورهم من الفضائل، بيد أن الاختلاف بين المواقف والفضائل أن المواقف لا تسدد وهي دين غير مطلوب وفاؤه لكنه لا يوفى وإن جازيت مَن عمل الموقف على موقفه إلا بالوفاء، لأن الوفاء من الفضائل التي لا ثمن لها ودَين بلا سداد. أما الخدمة فهي بحكم الواجب، فإن لم تك فهي تسدد بخدمة، وهنا يكون للمصالح سوق وفعل ومن الناس من يقوم بالخدمة ليس لينال مقابلا لها من بشر وإنما هي في سبيل الله، فتعلو عند الله ما يفوق علو الموقف عند البشر للبشر.

هذه أمور يتساوى بها الزعم بالتطبيق، فإن زعم من ينسى التنفيذ فهذا ارتداد عن مكارم الأخلاق وخداع للناس وفساد في النفس مهما كانت غايته. فهنا لا صغيرة ولا كبيرة، فكل أمر عند محتاج له كبير، والمحتاج كالأعمى من دله على طريق حاجته أو أتاه بها فذاك خير وإن فعل العكس فتلك خيانة، وإن لم يفعل رغم وعده فذاك مضيعة للفرصة والوقت، لذا قيل "الوعد دين" لوجوب الوفاء له.

السبت، 27 سبتمبر 2025

206-الظلم وصناعة النموذج العادل

 رابط عربي 21


"خيط رفيع بين العدل والظلم يتعلق بسلوك الفرد والمجتمع والدولة التي مهمتها الإنسان نفسه"- CC0
أمام الله:

إن أخطر نتائج الظلم على الظالم نفسه، خاصة عندما يظلم استقواء على من ليس له عزوة تردع الظالم، عندها سيكون الظالم أمام الله مباشرة وهو يحمل ظلما لتسديده ويتمنى له أنه لم يك شيئا، فالظالم يظلم نفسه بظلمه للآخرين لأنه يفقد الكثير بما لا يربح مقابله وقد يدخل الجنة بحسناته أناس ظلمهم كذلك يفعل الكيان وهو يمزق إنسانية الإنسان.

العلاقة مع الله تمثل حالة التوازن القيمي والتعاملات وتقود السلوك الهادف المبني على قيم، لأنها مصلحة الإنسان عندما يكون عمله ومعاملاته من خلال طلب رضا الله وليس نفاقا من أجل مصلحة آنية، فإن غابت المصلحة ساء السلوك أو على الأقل خرج من الاهتمام.

المجتمع:

التعامل مع القيم لا بد أن يكون عقلا تروض معه الغرائز، أما إثارة الغرائز بلا وجود واقع يتفاعل معها أو قيم فاعلة في المجتمع فهو محض تحفيز يولد البلادة واعتياد مخالفة القيم عن علم ومعرفة بها، فالقيم غير الفاعلة لا تتفاعل مع السلوك بشكل راسخ. وهنا لا يختلف الفاسد والناسك فالكل معرض للزلل، ولهذا نجد الوعاظ في المنابر يستثيرون غريزة التدين في ظنهم أنهم يُصلحون الناس، لكن الحقيقة أن الناس بعد خفوت الاستثارة يواجهون واقعا ليس ما استثار مشاعرهم فعلا، وربما الخطيب نفسه ينزل من المنبر شخصا آخر براغماتيّا.

القيم كأي زرع طيب يحتاج بيئة ورعاية، والأهواء كالأدغال لا تحتاج الكثير لتملأ المكان، إن القيم تحتاج أن تكون في القلوب المفكرة لا العواطف والانفعالات، أي تكون لها فلسفة ورؤية في أهمية السلوكيات المنبثقة عنها لبناء المجتمع وأمنه. التعامل إن ابتعد عن الله فالسلوكيات لن تكون إلا مرتبطة بما ينفع الفرد، لكن تضبطها القوانين بالعقاب.. لكن إدراك الأفراد أن الالتزام بالقيم هو سلامة للمجتمع وهم منه، وسيؤدي إلى انضباط يصبح في السلوك كالعادات والتقاليد، أما إن اتفق الحاكم والمحكوم على سوء التعامل مع الله والقيم فهو ظلم لأنفسهم قبل أي أحد، "وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ" (هود: 102).

لماذا الازدواج السلوكي:

ما ذكرنا هو أساس الازدواج السلوكي عند اختلاله، لكل منظومة قيم آليات حماية لسريانها، ولكل نظام آليات تطبيق. الاجتزاء يشوه ويضعف ويلاشي الفعل المؤثر لأي منظومة وليس للقيم فقط، فعندما تريد تطبيق النظام الرأسمالي، فلا بد من تغيير تفكير المجتمع وتهيئة أدوات النظام من منظمات ومنظومات وتطبقه كنظام متكامل، أما اجتزاء الآليات كالديمقراطية أو السلوكيات الليبرالية أو اجتزاء من اللب كالتعامل مع حالة في الاقتصاد أو البنوك أو أي جزئية، فهذا ظلم للمجتمع وإن كانت النية الإصلاح.

نفس الكلام صحيح على النظام الشيوعي الذي لم يصل للتطبيق لأنه عجز عن تجاوز مرحلة الاشتراكية والنتيجة، لقد أتعب المجتمع بلا آليات الرضا واستخدام العنف والاضطهاد لفرض سلطته، بل أغلب من اعتنق الفكرة في بلداننا وجدها وسطا ملائما لنمو بكتيريا وحشيته ووضاعته، ومنهم من ظن أنها الدرب الرشيد لكن لم تصل لقناعات حتى عند قادته في مرحلة التنفيذ وإسقاط الفكرة على الواقع، فنجد التحول الفجائي نهاية القرن مقابل الدخول الثوري في بداية القرن.

نفس الكلام يقال لمن يريد أن يطبق الشريعة الإسلامية مثلا وهو يأتي بأحكام غائبة لقرون ومنقطعة لألف وأربعمائة عام لم تتجدد ولم تفتح مثاني جديدة، فهذا ظلم للمجتمع ووسيلة لانحرافه ونشر النفاق وفشل النموذج المطلوب لفجر الإسلام، لكن بما يملك المجتمع من عاطفة وغريزة تدين فإن لم يطبق ما يناسب العصر فقد أثبتت التجربة حصول ارتداد ولدرجة الإلحاد والكفر، لأن النموذج الذي قُدم هو نموذج مشوه قاصر يطبقه أناس عقيمو التفكير والإبداع؛ تعمدا أو جهلا فهذه محاور أخرى للتقييم.

من الأولى صنع النموذج بما يعزز غريزة التدين لتكون مشبعة بفعل إيجابي، وتقوية الانتماء الشعوري إلى انتماء حقيقي ليكون مجتمعا صحيحا سليما ليس فيه من الأمراض ما تسيطر عليه وتفشل النموذج الذي سيكون قابلا للتوسع والتطوير.

الحالة نفسها يمكن إذا أن تكون ظلما إن وُضعت كقالب جاف تريد أن يتشكل وفقه المجتمع، وهي تكون عدلا عندما تبنى الحياة بأسلوب صحيح لا فرضا ولا جبرا، وإنما للإنسان أهليته يرشد إلى الطريق الصائب ولا يُجبر عليه لأنه قد يرفضه بداية لكنه سيعود له عند توازن منظومته العقلية، أما إن أجبر فسيكفر وإن لم يعلن كفره. وهنا نرى الخيط الرفيع بين العدل والظلم يتعلق بسلوك الفرد والمجتمع والدولة التي مهمتها الإنسان نفسه، وتوفير الأجواء لأهليته وبرامج التفكير والتطوير وتقديم القدوة والنموذج للمجتمع بفهم وعلم ورضا.

السبت، 20 سبتمبر 2025

205 - لماذا اليوم افضل من غــــــد ---- الجـــــــ 2ـــزء

 رابط عربي 21


اليوم أسوأ من أمس

ليس في هذا القول تشاؤم محض، ولا تفاؤل أعمى، وإنما هو قراءة دقيقة للواقع الاجتماعي والفكري والإنساني. نحن أمام زمن تتداخل فيه المعايير وتتساقط فيه القيم كما تتساقط أوراق الخريف، زمن يبدو فيه أن ما كان بالأمس، وإن بدا صعبا، يحمل من الخبرة والعبرة ما يجعلنا ندرك خطورة الوضع الحالي، بينما اليوم، برغم محاولاتنا للتجديد، يبرز فيه خلل الأدوات وفقدان الرؤية، أما الغد فهو الغموض بعينه، لأنه سيأتي بما زرعناه اليوم وما أهملناه أمس.

ما معنى أن اليوم أسوأ من أمس؟

ليس في الأمر مدح للماضي، وإنما إدراك أن في حاضرنا عوامل هدم تحكم، وإذا لم نواجهها ونعمل على إصلاحها، فلن يكون الغد أفضل أبدا. الأدوات التي يفترض أن تبني المجتمع تعطلت أو شُوهت بفعل ازدواجية المسؤولين، وسيطرة أصحاب المصالح الشخصية على ما يفترض أن يكون خدمة عامة، ففي مجتمع تتبدل فيه القيم الأخلاقية بسرعة وتغيب فيه النخبة المبدعة، يصبح أي حديث عن غد أفضل مجرد أمنية بلا أفق، أو دعوة للعزوف عن العمل البناء، لأن منطق الهدم يهيمن على أدوات البناء.

ليس في الأمر مدح للماضي، وإنما إدراك أن في حاضرنا عوامل هدم تحكم، وإذا لم نواجهها ونعمل على إصلاحها، فلن يكون الغد أفضل أبدا. الأدوات التي يفترض أن تبني المجتمع تعطلت أو شُوهت بفعل ازدواجية المسؤولين، وسيطرة أصحاب المصالح الشخصية على ما يفترض أن يكون خدمة عامة


الأدوات والقيم

من دون معايير واضحة، ومؤسسات قوية، وأطر اجتماعية تحترم الكفاءة والنزاهة، لا يمكن لأي جهد فردي أن يصنع فرقا، فالمجتمعات التي تُترك لأهواء المسؤولين المزدوجين تشهد تراجعا مستمرا، لأن كل عمل بنّاء يُقابَل بمحاولات هدم، وكل قيمة أخلاقية تُستبدَل بقوانين مرنة لمصلحة شخصية. الغد لن يكون أفضل إلا إذا أعدنا النظر في أدواتنا ومعاييرنا، وإذا كانت الأدوات معطلة والقيم مهدرة، يصبح الغد استمرارا لسلسلة الهبوط والانحدار.

الازدواجية: مفتاح الانحدار

حين يتحدث المسؤول عن المصلحة العامة ويخالفها عمليا، حين يستشهد بالدين ويخالفه في أفعاله، حين يلتزم بالمصلحة الوطنية بينما يسعى خلف مصالحه الشخصية، فإننا أمام ازدواجية خطيرة، هذه الازدواجية لا تهدم البلد مباشرة، لكنها تضعف من قدرته على النمو والتطور، لأنها تخلق فراغا قياديا، وفراغا أخلاقيا، وفراغا اجتماعيا؛ وكل فراغ يملؤه من لا هم له إلا مصالحه الشخصية يجعل البناء شبه مستحيل، فالقادة الذين يلتزمون بقيمهم ويعملون بإخلاص، هم الذين يمكن أن يجعلوا من الغد أفضل من اليوم، وليس العكس.

القيم الاجتماعية والأخلاقية

لا يمكن النظر إلى أي مجتمع بمعزل عن قيمه الأخلاقية والاجتماعية، وعندما تتراجع هذه القيم، تتحول المؤسسات إلى أدوات هدم، ويتحول العمل الجماعي إلى لعبة مصالح شخصية. ومن هنا نفهم لماذا يشعر الناس بالاستياء من الحاضر، فالذاكرة الجمعية تمثل خط الدفاع الأول أمام فوضى اليوم، لكن استعادة الماضي مجرد وهْم وطلب النجاة بما لا ينجي، ففي ذاك الماضي كانت أدوات الهدم وتغير حاملوها من جيل آخر، ولا بناء حقيقيا، لأن الزمن يتغير، ولا بد من معايير جديدة تتطلب أدوات جديدة، ومبدعين قادرين على تحويل الرؤية إلى واقع.

ومحاولة كل مسيطر على الحكم أن يجرب أفكاره المستوردة بسطحية مؤدلَج؛ وليس بعمق عالم فقد التوازن لصالح التخلي عن القيم لأمور تافهة وغاب النظام الاجتماعي الذي يعبر عن إدارة العلاقات بين الأفراد، فمن التلاحم والتكاتف وثوابت القيم إلى أن أصبحت العائلة بل الأسرة الواحدة مفككة وإن بدت مترابطة. ومن الطبيعي أن يكون الأمس أفضل من اليوم واليوم أفضل من الغد فلا رؤية للبناء ولا معايير لاختار القادة، والنتيجة أن يعظّم كل ما كسب، وهذا يعني تراكم الهدم وتعرية القيم، بل أصبحت قيم كانت تعيب عشيرة إن فعلها الفرد؛ نوعا من الشطارة، أما الإخلاص فنوع من المثالية والغباء في إدارة الحياة، والذي يقضم أكثر هو الأشطر، بينما هذا الأشطر لا يجد من ترضى به زوجا قبل انحراف العقلية والنفسية، وهذا الخراب بعينه. لذا فسرّ المقولة اليوم أفضل من غد هو تراكم الهدم بسبب غياب الرؤية والبيئة الحافظة للقيم والرافعة لرؤية البناء المجتمعي بخلق التوازن الذي هو عنوان الرفاهية بالرضا، حيث تجد كل مستوى معاشي له برامجه وحياته في معاني الرفاهية والحياة.

إن السعي وراء الرفاهية في مجتمع كهذا سراب يحسبه الظمآن ماء، فالكل يركض للغنى والغنى في البناء، بينما الركض هذا في بيئة الفساد حيث الهدم ولا بناء، فبغياب الرؤية تسود الرعاع والأهواء

الأمل والعمل

إذا أردنا أن يكون الغد أفضل، لا يكفي الانتظار ولا الأمنيات، بل لا بد من مواجهة الواقع بكل صراحة. علينا استعادة أدوات البناء، وتمكين المبدعين والنخب، وإعادة تأسيس القيم، ومحاسبة كل من يخالفها. العمل الفردي والمبادرات المجتمعية الصادقة يمكن أن تصنع فرقا، ولكنها تحتاج إلى دعم مؤسساتي وقيادة تتسم بالنزاهة، وإلى مجتمع واعٍ يدرك خطورة الازدواجية.

اليوم أسوأ من أمس من حيث عوامل الهدم، وأفضل من غد من حيث الإمكانات والفرص المتاحة لإصلاحها؛ الغد لن يكون أفضل إذا لم نعمل على مواجهة الهدم وإصلاح الأدوات والقيم، ما نفعله اليوم يحدد مصير الغد، والقيم والأدوات والنخبة والقيادة، هي مفاتيح المستقبل


ليس بالضرورة أن أقف حكَما أو أنتقد، ولكن من الضروري أن أصوب وأدعم من به أمل أو بصيصه وأبقيه معي كيلا يكون ذلك الينبوع الغائب في نهر عكر. تشجيع النقاط المضيئة وتصويبها ليس بالضرورة لتتقدم إلى عمل قد يهدمها من ضمن عملية الهدم، وإنما تصويبها لديمومة البنائين لزمن البناء، وليس من نقطة مضيئة تفكر في مصلحتها الخاصة فقط فهذه؛ ستأخذ معرفتك وتجعلها إطارا لما تريد أن تضع فيه من كلام أو صورة، وهذا إخفاق في مهمة المصلحين الذين غالبا انتفت إمكانية تأثيرهم من تمكن الفساد.

خلاصة

اليوم أسوأ من أمس من حيث عوامل الهدم، وأفضل من غد من حيث الإمكانات والفرص المتاحة لإصلاحها؛ الغد لن يكون أفضل إذا لم نعمل على مواجهة الهدم وإصلاح الأدوات والقيم، ما نفعله اليوم يحدد مصير الغد، والقيم والأدوات والنخبة والقيادة، هي مفاتيح المستقبل، من يدرك هذه الحقيقة ويعمل وفقها، يمكن أن يكتب تاريخا أفضل، ومن يغفلها سيظل يعيش في فوضى الحاضر بينما الغد سيزداد سوءا.

فماذا نفهم؟ أن اليوم ليس أفضل من غد، وإنما عوامل الهدم ما زالت تنتج الهدم ليكون اليوم أفضل وأننا نتكيف لمزيد من التقبل للتخلف والسوء متبرئين من الواقع بالانتقاد ولا عمل من أجل الإصلاح، ونداري عجزنا بإبراز فشل الآخرين. من صنع اليوم هو عجزنا في الماضي وتبرير العجز بالصبر، وكنا وما زلنا كأي شعوب الوهم تنتظر المنقذ، بينما المنقذ هو أنت أو على الأقل حاول أن تحمل عقلية ونفسية المنقذ قبل ألا تستطيع حمل شيئا

الجمعة، 12 سبتمبر 2025

204 - لماذا اليوم أفضل من الغد؟.. الخوف من التغيير (1)

 




الانطباع والحقيقة:

هنالك كثير من المفاهيم تحولت إلى ما يشبه المصطلحات بعد التشوه في فهمها، لهذا فإني ممن يعدون الفهم الصحيح أساس ومنطق عقل الأمور، وهو الضمير الذي به تحكم على المحيط أو بيئة منظومتك -والإنسان منظومة- وما فيها.

وحصل هذا الخلل في الانطباع حتى على عهد الرسول عندما يحكم الناس بفهمهم ويظنون أنه الصواب والحقيقة، ويبدأون بالتقييم والحكم على الآخرين من خلال فهمهم وهواهم، فقيّموا فلانا أنه يعطي رياء، وفلانا يعطي أمرا لا يستحق أن يسمى عطاء وإنما هو ليظهر أنه يحتاج الصدقة، فنزلت الآية: "الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" (التوبة: 79).. حتى الرسول صلى الله عليه وسلم لم يسلم من هؤلاء الناس: "وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ" (التوبة: 58)، واليوم نجد الكثير ممن ينسون أنفسهم ولا يصلحوها ويتجهون إلى الدخول في دواخل الناس وتأويل سلوكهم من خلال قناعاتهم وربما الإضرار بهم، وإن سألتهم سيقولون: نحن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، والحقيقة أنهم لا يتوقع شرا ممن ينتقدونهم فأطلقوا لأنفسهم العنان، ولم يشكوا لحظة أنهم قد يكونون على خطأ وأن من ينتقدهم على الصواب.

الانطباع عن العرف أنه السائد في المجتمع خطأ، وأنكر الإسلام هذا: "وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُون، إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ" (الأنعام: 116-117). انظر إلى الحسم الذي لا يراه الرافضون للآخر، المتعصبون لفهمهم ولا يناقشونه، وهم يسفّهون المختلف. إن الله أعلم بالضال وأعلم بالمهتدي، لذا فالتوجه نحو التصويب والصيانة والتحديث لمعلوماتك وليس اعتبار الرأي البشري وكأنه قرآن.

الانتباه للناس وسلوكهم ليس لنكون قضاة عليهم بل لاستطلاع إن كان ممكنا إعانتهم ليعودوا إلى الصواب، فلربما الفعل ليس فعلا وإنما رد لفعل وأثر، والدولة نفسها ينبغي عليها معالجة الإخفاقات الحياتية، وعندها من يخالف القانون في مجتمع مستقر متكافل يعاقب، أما قبل ذاك فالإصلاح؛ ما لم يُحدث سلوكه ضررا أو يشيع فاحشة. فالحدود عندما توضع في قوانين وعلى إشاعة الفاحشة وضررها للمجتمع، هي ولا شك تنظر إلى المستجدات، وهو ما فعله الراشدون في تطبيق الأحكام عندما أوقفوا وعطلوا بعض الأحكام لمصلحة واقع الأمة، واليوم القانون علم متطور يمكن أن يدخل في تفاصيل وحيثيات كثيرة.

التغيير المرعب:

نحن الآن في عصر التفاهة، وخطاب التغيير لا بد أن يخاطب هذه العقلية والنفسية المنكسرة المستسلمة أو المتمردة العشوائية بفهم الفعل ورد الفعل والعجز المتمثل بغودوا المنقذ الذي لن يأتي يوما لينقذ القرية. الحكومات التي رافقت الاحتلال (القرون الماضية)، كانت أدوات تنفيذية ترعى المزرعة، فالتطور والإدارة والعوامل المتعلقة بتحسين النوع والإنتاج كان في الحسبان لكي لا تكون عالة إدارية أو عسكرية على المحتل؛ المهم الولاء والصيغ من الحكم ما يوافق ثقافة البلاد وتبجيلها للحاكم، خصوصا في المناطق المتنوعة إثنيا، أو غيره ذلك.

فحكومة كحكومة العراق الملكية كانت واعدة قابلة للتطور ضمن منهج بريطانيا في إدارة المستعمرات وتوظيف الأهالي ببرنامج خدمي ما زال مستمرا أي لا تلامس الهوية مباشرة وإنما تثبطها، إلا أن سياسة المحتل الفرنسي خلقت عداء لأنه يلامس الهوية والثقافة ويلغي أهل البلاد علنا. أما بريطانيا فكان لها أسلوبها في الاعتماد على الشعوب وإخراج حكومات تجمع الكل تحت خيمتها، غير أن نجم الإمبراطورية أفل وأضحت إدارتها مكلفة، فكان التفكيك ضروريا لإبقاء التخلف وإلا فتمدن متطور غير مسيطر عليه قد يُحدث ما يفوق التصور.

ورأينا نموذج التغيير المرعب الذي لا يملك من قام به أي رؤية أو حتى ثقافة عامة كافية، فبقيت الدولة كمؤسسات تسيّر المجتمع ولم يك هنالك إرادة أو محاولة لتغيير نمط إدارتها، غير الأفكار التي باتت تتكاثر وتتنوع وتتصارع من أجل التمكن من السلطة لتحقق أيديولوجياتها، والتي غالبا كانت تقليدية وحسب فهم دعاتها لها لكن بلا رؤية واضحة، فكان هذا الصراع في المعتقدات التي قسمت المجتمع بين أفكار قومية متعددة ومتصارعة حتى في القومية الواحدة بل في البيت الواحد وهكذا الليبرالية والاشتراكية بأفهامها، ثم الإسلامية ومشاربها، وكلها تتحرك من باب امتلاك الحقيقة وليس من خلال رؤية واضحة للمجتمع والدولة. فلا توجد قدرة للجلوس للتفاهم وإنما قادة وتعظيم القادة والرموز، فلم يعد عيبا أن تمجد الرموز فتجعل منهم طغاة كالنار وأول من تحرق القريب منها، فتكررت التغييرات وتكرر سفك الدماء والانتقام والإعدام والسجون، فكانت المؤسسات الحكومية وقد دخل أفرادها في هذا الإعصار عناصر هدم لا تنظر إلى الكفاءة والخبرة أو تنميتها وإنما إلى الولاء، وهنا تتنوع الولاءات وأنواعها واستغلال هذا الفتق في المؤسسات الذي نراه اليوم بوضوح فلا ترى إعمارا بل هدما ودمارا.

خلاصة القول إن هنالك آلات هدم وبرامج هدم وثقافة هدم مرافقة للتغيير، فكان كل تغيير يمثل رعبا ثم استرخاء لبعض الوقت ثم قهرا جديدا، ودوما هنالك تدن في النوعية. من هنا أتى سيناريو حقيقي بأن اليوم أفضل من غد! والناس تعودوا أن يغازلوا الوهم بالعجز وأن ينتظروا الفرج وأن ينتظروا الأمل، وتحور معنى الصبر ومعنى العمل وأصبح الناس يقتلون الأمل لأن الأمل حركة تغيير والناس يريدون السكون والانتظار، فهم من يعينون الظالم على من يثور عليه لأجلهم، يسفهّونه ويقتلونه ولا يفهمونه لأنهم لا يريدون أن يفهموه، ويحسسهم الطغاة بالسكون لأن عجزهم يصبح حكمة، فالكل يخاف والكل ساكن والكل مستباح.

السبت، 30 أغسطس 2025

203 - المسائل الكبــــــرى ومنظومــــة الحيــــــاة


عربي 21 هنـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا


رحابة الغيب تسليم أم دعوة للبحث والتعليم

الحياة عند فهمها والإيمان بقيمة تصبح سهلة من خلال برمجة المعطيات مع المطلوب وهما متغيران، ففي عمق وجوده، يواجه الإنسان أسئلة كبرى تتجاوز إدراكه المباشر: من أين؟ ولماذا؟ وإلى أين؟ تلك هي "المسائل الكبرى" التي تتصل بالمصير والمعنى والحقيقة، وتطل برأسها كلما حاول الإنسان أن يُخضع الحياة لمقاييسه المحدودة، أو أن يتجاوز حدّه في معرفة ما لا سبيل إليه.

ومع تطور الأدوات المعرفية دقة وتقدّما، تصبح معرفة الإنسان في اتساع وعلم الله أوسع دوما يستدعيك لمزيد من البحث: "وما أوتيتم من العلم إلا قليلا" (الإسراء: 85) ليست لإحباط الإنسان وإنما دعوة له لعدم الاكتفاء بما يعلم وانه بلغ المراتب التي لا يحتاج عندها المزيد.

المنظومة العقلية لها قدرات واسعة جعل الله لها سعة وإدراكا عظيما، فمن أراد أن يستزيد استزاد لكن معايير التصويب من الشطط قد لا تلامس الكل من حيث التقوى واليقين، لكن بصيرة الإنسان تعمل بشكل ما في المعرفة واستزادتها ربما ليس بعمق فهمها وإدراكها، فالأسئلة تولدها العملية العقلية والمعرفة والعلوم، لكن الأجوبة تبقى ظنية ما لم يؤكدها التوافق وقواعد التقوى، لهذا نرى نظريات عظيمة ومنها ما فيها مجاهيل، لكن تبقى التساؤلات تحيط بها حتى يأتيك الدليل.. الشمس تجري لمستقر، وانا لموسعون، وكل في فلك يسبحون.

الإنسان ليس بكم المعرفة وإنما بعمق الفهم، لهذا إن كان معدن الإنسان نبيلا ستجد فكرا متجددا قد يصل مع الزمن إلى تغيير شامل ومعاكس لما بدأ عنده بحثه، قد يراه البعض أنه خان أفكاره القديمة، لكنه في الحقيقة وضعها وفق درجة تفكيره في اتجاه الحقيقة أو التيه، لأن التغيير يكون أحيانا كثيرة سلبيا


بين الإدراك والتوصّل أو الانزلاق

الإنسان ليس بكم المعرفة وإنما بعمق الفهم، لهذا إن كان معدن الإنسان نبيلا ستجد فكرا متجددا قد يصل مع الزمن إلى تغيير شامل ومعاكس لما بدأ عنده بحثه، قد يراه البعض أنه خان أفكاره القديمة، لكنه في الحقيقة وضعها وفق درجة تفكيره في اتجاه الحقيقة أو التيه، لأن التغيير يكون أحيانا كثيرة سلبيا إن ارتكز على ظاهر القول أو قبل استرسال التفكير باتجاه منزلق، وليس بناء متصاعدا يسمو ليرى كامل المشهد بما يتجاوز محيطه.

هنالك دوما فرق بين حقائق يدركها الإنسان مباشرة وبين محسوسات وتجارب وتحليلات ذاتية. المعرفة مهما بلغت درجتها فإن إدارة هذه المعرفة تحدد قيمتها، كذلك حولت إبليس شيطانا بارتفاع الأنا وغياب الرشد، "أنا خيرٌ منه"، وكانت لحظة التحوّل:"قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين" (الأعراف: 12). وهذا المنزلق -الذي حوّل كائنا عارفا بالله إلى شيطان رجيم- يمكن أن يُصيب الآدمي أيضا، حين يتورّم شعور التميز داخله، أو يعتقد أنه أرقى من الآخرين، فيختار مسار الإقصاء والتعالي بدل التواضع والعودة.

الإنسان، في أصله، مولود على الفطرة، بريء كما كان آدم في لحظة خلقه. والخطأ ليس سقوطا نهائيا، بل جزء من التجربة الوجودية التي تصنع الإدراك وتنحت الوعي، هي الخبرة مع الاستغفار والدمار مع الإصرار، كذلك أراد الله جل وعلا. فالمغفرة مفتوحة وواسعة ولها أدواتها سواء التعبدية أو السلوكية، ولن يخسر إلا من أبى ذلك أي استعلى فلا يعود يرى ما أمامه من هاويه وحفر.

الزمن نفسه يتحوّل إلى فرصة للغفران، كما في حديث النبي ﷺ: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفّرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر".

الحياة ليست مجرد سلسلة من الحوادث أو القرارات الفردية، بل هي منظومة متكاملة من القيم، والرؤية، والاختيار الأخلاقي، والمسائل الكبرى -كالمعنى، والمصير، والعدل، والخير، والشر- ليست موضوعات نظرية فقط، بل بوصلات تحدد طبيعة الحياة ذاتها


المسافة المكانية في المنظومة العقلية التي تميز بين ظلم النفس والتوبة هي مسافة لا يفعّلها المرء الغافل ليستغفر، فيكون الانزلاق والحس كتجربة حس الضفدع في ماء يتحول من بارد إلى الغليان على النار، ثم التبرير الذي لا يخدع به إلا نفسه، فإن عاد إلى رشده وجد الله الغفّار أي كثير المغفرة. فذكر الله يصوّب التفكير (ألا بذكر الله تطمئن القلوب)؛ لأن المنظومة العقلية عندما تستحضر ذكر الله سواء بمعنى المشافهة أو القرآن أو استحضار ذكره ضمن الكلام يكون الإنسان بعيدا عن الغفلة.

منظومة الحياة: اتساق داخلي مع الحقيقة

الحياة ليست مجرد سلسلة من الحوادث أو القرارات الفردية، بل هي منظومة متكاملة من القيم، والرؤية، والاختيار الأخلاقي، والمسائل الكبرى -كالمعنى، والمصير، والعدل، والخير، والشر- ليست موضوعات نظرية فقط، بل بوصلات تحدد طبيعة الحياة ذاتها. الانتباه لضعفنا المعرفي، وبحدودنا، لا يقود إلى العجز بل إلى الاتزان والتواضع والنضج، وبتقويته وإثرائه كهدف لوسيلة نحو غاية عظمى ستجعلنا أكثر حرصا على القيم، وأكثر إدراكا لعمق الخير والشر فينا، وأكثر رغبة في إصلاح الذات بدل تزكيتها.

خاتمة

المعرفة ليست تملكا، بل دَين ورزق، وما لا تعرفه مهم لتثري ما تعرفه وربما لتفعيل الجانب الخامل منه. الإنسان نفس أتى بأمر الله (الروح)، وهو عرضة للشطط ربما بدوافع رغباته وليس بنزغ إبليس ولكن بدافع الأنا، دوافع الغريزة كحب التملك والنوع والسيادة. إطاعة هذه الغريزة أو إطاعة الهوى وإغفال عرضهما على ما يرضي الله أو تجنيد المنظومة العقلية للتخطيط والتنفيذ لإشباع؛ هو فشل في الاختبار للمنظومة البشرية ككل، ومنظومة العقل هي من يمتحن في الحياة، فما أكثر البشر الذين استخدموا المنظومة العقلية في الشر لأنهم نسوا الله فنسوا أنفسهم في أمواج بحر الحياة. فهل سنكون آدميين كما أراد لنا الله من تكريم؟ أم نكون مصنعا ننتج منظومة إبليس بالشطط؟

الجمعة، 22 أغسطس 2025

201- الانتمـــــــــــاء للحقيقـــــــــــــة

رابط عربي 21


 ماهية الحقيقة


عرف أرسطو طاليس الحقيقة بأنها "قول ما هو كائن أنه كائن، وما هو غير كائن أنه غير كائن". هذا يعني أن الحقيقة تكمن في التوافق بين الحكم الذهني والواقع الموضوعي، وعرف هيكل الحقيقة كعملية ديناميكية تتكشف عبر التاريخ أو التطور الفكري.

وعند مقارنة التعريفين نجد اختلافا في معنى الحقيقة ما بين اعتبار الواقع هو الحقيقة وهذا قد لا يكون فعلا عندما تسيطر عوامل السلبية على المجتمع وتأتي بشيء لا يمثل حقيقة الصواب في السلوك بل يأتي بالظلم والاستبداد، ولو نظرنا إلى تعريف هيكل فهو يجعل الحقيقة نسبية فلا تكاد تثق بشيء أنك وصلت غايته، ولعل الفلاسفة الآخرين يعرفون الحقيقة بين هذين الاتجاهين بن المنظور والمنتظر.

امتلاك الحقيقة:

عندما نأتي إلى الحقيقة الراسخة نجد أيضا تعاريف متعددة قياسا لدرجة ثقافة ومعرفة الفرد فالمعرفة ديناميكية وقابلة للتطور.

الفلاسفة مثل أفلاطون وكانط ناقشوا هذا التمييز، حيث رأى أفلاطون أن المعرفة الحقيقية تستند إلى العقل والحقائق المطلقة، بينما اعتبر كانط أن المعرفة محدودة بإدراكنا البشري، ونجد هنا أمرا مهما، فأفلاطون يعبر عن إرهاصات امتلاك الحقيقة بامتلاك المعرفة.

أما كانط فهو يعبر عن الفهم للمعلومة وهو في الحقيقة ما يقوله الفكر الإسلامي من أن نقطة الفهم والإدراك تبدأ معرفة الحقيقة وليس بأن الأصل حقيقة، فالإسلام هو حقيقة راسخة ولاشك، لأنه متأصل بكتاب ولكن اعتبار الإنسان المسلم فهمه هو الحقيقة هنا ينتقل إلى الجمود والتعصب، وهذا وحده سمة نفي معرفة الحقيقة ناهيك عن أصلها.. فأصل الرسالة مخاطبة المنظومة العقلية وليس استعبادها ودعوتها للتفكير وليس الانضباط بمعلومات إملائية تلقينية لا تسأل عنها كيف أتت، وتصور الإنسان وكأنه ماكنة بيد خالقه مستعبد بذلة، بينما الإسلام ينفي الإذلال عن الذين يفكرون ويقررون وإنما هو يدعو للتفكير كي تصل إلى فهم يقودك إلى الانتماء للحقيقة وليس امتلاكها.. فأنت في وطن الفكر الذي تحمله وهو فيك بما تفهم منه، فمجرد إحساسك بامتلاك الحقيقة والرأي الأمثل هو مؤشر لبداية تضليلك لفكرك، لكن عبر عمّا تفهمه الآن انه فهم قابل للنظر، يرى نتشه أن ما نسميه "حقيقة" هو مجرد تفسير يعتمد على السياق الثقافي أو الشخصي.

الحقيقة هي انتماء إلى عالم البحث والتصويب والبناء وليس لرفع الأفكار أو الرؤى في التطبيقات بجمود وتعصب يصل إلى الاختلاف إن فرقت المسار خطوة واحدة، فهذا استعباد وتعطيل واحتقار للمنظومة التي كرم الله الإنسان لأجلها وجعله في اختبار عدل
هذا يتقاطع مع قول الشافعي في إقراره باحتمالية الصواب في آراء الآخرين عندما يقول إن الرأي الصائب بالدليل الأقوى وهو تحكيم لتفعيل المنظومة العقلية "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأى غيري خطأ يحتمل الصواب".. وهذا رقي فكري يدل أنه سيقبل اعتناق الرأي الأفضل بالدليل والأصوب في تقدير المنظومة العقلية البشرية، هو نوع من الإثراء في التعامل المجتمعي على التفاعل مع الجديد والفهم المنضّج لقيادة مجتمع سليم، وليس أن افهم أمرا اعتبره كل الحقيقة واجبر الناس على اتباعه هذا اسميه (دين الغريزة والنزوات) لأنه لا يفهم أساس خلق الإنسان ووجوده كسلالة على الأرض بل يمنع الناس من التفكير في الطريق للوصول إلى حيث الأمان.

الحقيقة انسجامك مع إيمانك ومنهجك:

الفرنسي فولتير يقول (قد أختلف معك في الرأي ولكنى مستعد أن أدفع حياتي ثمنا لحقك في التعبير عن رأيك) فالانسجام هنا مع حرية التعبير وليس بما تعبر ومضمون الفكر الذي تطرحه، لكن لهذا الراي الفلسفي قواعده، فليس التعبير عن الراي غاية بحد ذاته وإنما طرح الفكر الذي يفيد المجتمع أو يعبر عن تصويب للقيمة الإنسانية، فانت عندما تصوب طرحا ونصرة لقيمة فكرية فليس في هذا استبداد وإنما تموضع لأسس الحوار حول الموضوع وليس فرض الطرح الذي يصطلح عليه بالراي، والراي في الحقيقة ليس ما تقوله مرتجلا بل هو فعل عقلي ونشاط فكري فالراي أن تقدم فهما مدروسا وفق درجة المعرفة لديك، لان الراي هو نتاج منظومة العقل وهو محترم بتكريم الله للمنظومة العقلية، أما الارتجال فبواعثه المشاعر والعواطف فهو رد فعل يعالج بالتصويب والتريث والتهدئة، وما طرح فولتير من فكر يوافق احترام أهلية الإنسان وان حسابه على فكره وخياراته لله وحده كما هي نظرة الإسلام.

الحقيقة انتماء:

فالحقيقة هي انتماء إلى عالم البحث والتصويب والبناء وليس لرفع الأفكار أو الرؤى في التطبيقات بجمود وتعصب يصل إلى الاختلاف إن فرقت المسار خطوة واحدة، فهذا استعباد وتعطيل واحتقار للمنظومة التي كرم الله الإنسان لأجلها وجعله في اختبار عدل فإن أمره (إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ......) وهي قيم بناءة يستحسنها لكنه تعالى لا يحجر على خيارك إن كان غير ذلك فأنت الممتحن وهذا أمر اختياري لك لتقود سلوكك فأنت المسؤول بالقرار والمتضرر من قرارك، ولذلك قال (يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.. [النحل: 90]) فهو يسد نقص الإنسان من جراء الغفلة والنسيان، صيغة عدل ألزم الله به نفسه، بيد أن الأمر يصل التحذير عندما يكون الأمر هو حقوق الآخرين فيستخدم كلمة (يأمركم) لأن الحالة بها ضرر لآخرين وللمجتمع والعدالة فيه فهو يوجب العقاب وفق القوانين أو الشريعة المستنبطة لواقع مستقرأ في شدتها وتخفيفها، [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء:58{، فهذه الأمور قد لا تكون في مجتمع فاسد يعلوه الاستبداد ويحيّد مخافة الله وإن زعمها زعما، عنده فالله (كان سميعا بصيرا) أي هو دائما يسمع ويرى.

265 -تلفزيون الحياة في ستوديو البيت الأبيض

رابط الشبكة مباشر مجلة الاسرة في المهجر تلفزيون الحياة في ستوديو البيت الأبيض حدّث العاقل قيل «حدّث العاقل بما لا يُعقل، فإن صدّق فلا ع...

يقظة فكرgoogle-site-verification: google25f7d3ebc2fdac29.html