https://m-salihalbdrany.blogspot.com/ فكــــــر اليقظـــــــة Mindfulnesshttps://m-salihalbdrany.blogspot.com/

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 10 يناير 2025

143- الثيوقراطيـــــــة في النظام الغربي

 رابط عربي 21 

"أصبحت عصبية علمانية، وملكية في سلالة بالحق الإلهي أصبحت وراثية من دكتاتور أو طاغية بحكم القوة والنفوذ وبقي الفساد على وضعه"- عربي21

معنى الثيوقراطية:

هو مصطلح يصف حالة حكم رأي رجال الدين المسيحي في العصور الوسطى وتفاعلهم مع الملوك للتمكن من الشعب، فكان رأي رجل الدين الشخصي يعتبر حكما مقدسا إلهيا، والقساوسة يتكلمون باسم الله، أي هو في الخلاصة رأي مقدس يجب أن يكون معيارا لسلوك الجميع وواجب الاتباع منهم.

لذا يمكن القول إن الثيوقراطية لا تتعلق بالدين المسيحي ولا بأي دين آخر، وإنما هو تقديس رأي البشر وفرضه على الآخرين أو جعله معيارا للصواب والخطأ أو الحسن والقبيح، وبالتالي فإن تعصب العلماني إلى العلمانية وسلوكه هذا السلوك في تقديس رأيه ضد الأديان أو غيرها فهو ثيوقراطي متعصب للفكرة التي عنده.

الثيوقراطية لا تتعلق بالدين المسيحي ولا بأي دين آخر، وإنما هو تقديس رأي البشر وفرضه على الآخرين أو جعله معيارا للصواب والخطأ أو الحسن والقبيح، وبالتالي فإن تعصب العلماني إلى العلمانية وسلوكه هذا السلوك في تقديس رأيه ضد الأديان أو غيرها فهو ثيوقراطي متعصب للفكرة التي عنده

لا غرابة أن نجد العلمانية اللائكية في فرنسا مثلا قد ثارت ضد الملوك ورجال الدين، لكنها في الحقيقة ثارت لأنها واقعة تحت ظلمهم وليس ضد الظلم نفسه، فنجد في التاريخ تعصبا ضد الأديان ونجد تحول الملكية إلى إمبراطورية كانت تُعد زمن نابليون الأول للتوريث، فما اختلف الأمر؛ عصبية باسم الدين أصبحت عصبية علمانية، وملكية في سلالة بالحق الإلهي أصبحت وراثية من دكتاتور أو طاغية بحكم القوة والنفوذ وبقي الفساد على وضعه، وهذه أتت كرد فعل أيضا على بداية الثورة الفرنسية عندما أعدم روبسبير الناس بدل سجن الباستيل، وأعدم روبسبير أكثر من 6 آلاف شخص في أقل من شهر ونصف، وفي العام 1794 من معارضته، وأعدم هو الآخر بـ"المقصلة" مع 100 آخرين من أعوانه، وهي كما هو واضح فاعلية للأنا، فهي منظومة تنمية التخلف إذن تتعامل مع غريزة حب السيادة والتملك كأي سلطة في العالم اليوم مهما حوّرت وغلفت نفسها بشعارات وآليات كما تفعل الرأسمالية.

الثيوقراطية الرأسمالية:

النظم الغربية نشأت على إسقاط الأعراف ووضع القانون والدولة، لكن هذا أبقي باطنيا كثير مما تسرب من العصور الوسطى التي أغلقت دون مراجعة لتفاصيلها إلا بقدر ما يهم الثورة الصناعية والانتقال إلى مجتمع لا يتحكم به القساوسة، واستل النظام الديمقراطي وفق شروط نخبوية، وهذا مهم جدا لأن النظام الرأسمالي غايته حماية رأس المال بآليات متعددة منها نشأت على تتابع كالديمقراطية والليبرالية وحقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني وغيرها في عملية بناء طويلة شكلت نمط حياة مقبولا.

ولأنها لم تواجه في البدء تحديات من الشرق حقيقية أو فكرية لم تُبحث هذه المنطقة إلا بشكل يلائم أفكارها نحوها ومصدرها في هذا المنقول، والذي من ضمنه الحروب البينية. وكان النظر إلى مصدر القوة كتهديد لنمط الحياة كما كان تهديدا للنظم الحاكمة في أوروبا قبل الثورة أو ما يسمى النهضة والتي في حقيقتها تنمية اقتصادية ترافقها تحولات مدنية في المجتمع، لكن أفكارهم عن الإسلام مثلا هي انطباعات منقولة عن الصليبيين والقسس في مرحلة التحشيد لغزو الشرق المهرطق والوثني والذي يملك الكنوز، واليوم هو يملك مصادر الطاقة لكن بقيت ذات الأفكار.

ما المشكلة؟

لدينا في واقعنا مشكلة مزدوجة لفوضى الواقع والفراغ الحقيقي الذي لم يُملأ من زمن ضعف قبضة الدولة العثمانية وامتداد النفوذ الغربي إلى داخلها نتيجة الفساد فازداد الأمر تعقيدا، وعلت المقاومة للدخيل بالتمسك بالماضي والتقليد بل اعتبر أي فكر خارج الصندوق يسعى للاجتهاد فكرا فيه جنوح وكفر، وما أسهل التكفير لحمَلة رايات التغيير. وهنا تحول الواقع إلى ما يشبه الثيوقراطية لكنها مؤيدة للحاكم ولا تحكم أو متحالفة معه، وإنما تؤيده بحكم ولاية التغلب المنقولة عن التنظير الفقهي الواضح في العصر العباسي. والتغلب على فاعليته قد بدأت بعد الحكم الشوري الراشدي.

ظهور التطرف من مفرزات تعاظم التحديات والتضييق على الإسلام من داخله وخارجه، فلا يسمح بفهمه بل وُضعت شروط وقواعد للاجتهاد تبقيك في دوار القديم (كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة هي وصاحبها في النار)؛ كذلكم الغرب يعمل على إذكاء الفشل وإبراز التطرف متحدا بذلك مع رجال الدين عنده، المتوجسين على الرعوية، وعناصر من الكراهية وتقسيم المجتمع إلى أقلية وأكثرية وإثنية وطوائف، بل بات المنظرون لا يفهمون الإسلام ومؤمنون بما لا يفهمون أنه الفهم الصائب في ذات طريق العلمانية الثيوقراطية التي تحمل نوعا من العلمانية المقدسة والتصالحية، وهما معروفتان لكنني اصطلحت هاتين الكلمتين للتعبير عنهما.. 
إن جاء للحكم إسلامي، وبدل أن يتركوه يخوض التجربة ويطور في أساليب الحكم؛ فليس في الإسلام نظام جاهز وإنما يتبع الغاية بأسلوب العصر.. يقومون بسؤاله أن يحافظ على الأقليات، وهل الأقليات، أديانا وعرقيات، كانت لتبقى لو أن الإسلام متعصب ضد الأديان والقوميات؟ ولا يرون أن الإسلام لا يتعامل بالأقلية والأكثرية فالأمة تفخر برجالها التاريخيين من أية قومية كانوا.. وهل سيسمح بالتعري وشرب الخمر؟.. وكأن معاييرهم الثيوقراطية هذه هي الصحيحة
فتقول أهونها إن الإسلام يمكن أن يحكم كأحد الجهات، دون فهم لحقيقة الإسلام أنه يحكم بغايته وغايته هي أهلية الإنسان وكرامته، فالعلمانية أصلا لا نحتاج لها لأنها تمثل عيوب وإسقاطات تاريخ مختلف لأمم أخرى وثقافة أخرى.

نحن والغرب:

من المفارقات الرهيبة ما يرتكب بحق المسلمين في بلدانهم سواء من الاحتلال أو ممن لا اعتراض عليهم من الغرب لكونهم "علمانيين" فلا يرون القمع منهم، وكل أمر ضد الإنسانية يمارَس من حكام المسلمين المستبدين، والذين يتسلطون من غير المسلمين، وجرائم يعتبرها القانون الدولي أنها جرائم حرب لكنها لا يُنظر إليها ولا تعالج ويريدون من هذه الشعوب ألا تدافع عن نفسها ولا تثور ضد الظلم وعلى الوحشية وإهانة الكرامة الإنسانية، وإن فعلت فهي إرعابية (كلمة إرهاب خطأ لغوي).

لا يعترضون إلا شكليا لإبقاء الطاغية خائفا منهم مرتاحين لنقاط ضعفه وحرصه على كرسيه، وهذا منزلق لقاع النفاق والوحشية، مع غياب القيم عن الغرب ومعايير الأخلاق وارتباط سلوكه بالنفعية والتعامل من خلالها.

فإن جاء للحكم إسلامي، وبدل أن يتركوه يخوض التجربة ويطور في أساليب الحكم؛ فليس في الإسلام نظام جاهز وإنما يتبع الغاية بأسلوب العصر.. يقومون بسؤاله أن يحافظ على الأقليات، وهل الأقليات، أديانا وعرقيات، كانت لتبقى لو أن الإسلام متعصب ضد الأديان والقوميات؟ ولا يرون أن الإسلام لا يتعامل بالأقلية والأكثرية فالأمة تفخر برجالها التاريخيين من أية قومية كانوا.. وهل سيسمح بالتعري وشرب الخمر؟.. وكأن معاييرهم الثيوقراطية هذه هي الصحيحة؛ ولا يرون ما في مجتمعهم من إفرازات لأن الإنسان لا يعامَل للحفاظ على سلامة تفكيره. والإسلام يهدف للحفاظ على الضروريات الخمس، لكل الأديان وكل البشر. علينا أن ننشئ مركز دراسات من النخب لفهم ديننا على حقيقته، وكذلك الغرب عليه أن يفهم نفسه ويفهم الإسلام أيضا لتستقيم البشرية.

السبت، 4 يناير 2025

142 - صنـاعـــــــة الالهـــــــة

 

رابط عربي 21   

"الشعوب الواقعة تحت الظلم الخاضعة تستفز مصلحيها لأنها لا تعرف حدود الحرية وأطرها لبناء المجتمع"

فكرة البطل وفهم معنى الفرصة

عندما تضع فواصل طويلة بين الكلمات، يصبح من الصعب أن تربط جملة مهما كان معناها واضحا أو ساميا، كذلك القيم مهما علت، تضيع فاعليتها مع فواصل التخلف وعند وجود الدخيل الفاعل على المجتمعات، بحيث تصبح القيم الأساسية مجرد تراث مقدس بذكره، لكنه بلا فاعلية. وهذا لا يعني تبني القيم الدخيلة، بل هي تركيبة متناقضة مشوهة تعطل بعضها بعضا، وتجد في المجتمع كثيرا من المسوخ التي تزعم أنها تعتقد كذا وكذا، لتكون موضع الجدل لا العمل، وتأخذ دور المعارضة المسفهة، وربما تتكلم باستعلاء في نقد العاملين الذين يقاتلون داخل أنفسهم وفي بيئتهم، من أجل البر بها وإصلاحها.

* هذه الطبقة من التافهين تعرض نفسها وكأنها الأفضل، وهي مهزومة ليست مستعدة للتضحية، ولم تضحِّ ولم تعمل وهربت من الظالم لتعود تستغل طيبة العامل، فهي تؤله ذاتها عن فراغ.

* هؤلاء الناس يحتاجون إلى فهم معنى الفرصة، فليس مناسبا أن يستغل التغيير من طبقة غير مستعدة للتضحية، وإنما تجلس في مكان آمن تنتظر أن يسقط التمر من النخيل، وهذه الناس السلبية التي تتصور أن لها حقوقا في الشجرة ولا تكلف نفسها لبذل الجهد لصعود النخيل لجني رطبها، وهم ناس لا يفكرون إلا بالثمر، لا بالبذرة ولا السقي ولا كري القنوات أو عزق النباتات الضارة، بل يأتون للفلاح ليلومونه ويوجهونه، وهو بالكاد يحافظ على توازنه لجني الشجر، ويسخرون منه لأن العالم تقدم وهو ما زال يرفع نفسه بسلك، بينما هنالك رافعات وأجهزة متطورة، هؤلاء الناس هم نوع من الأهل المرضى المؤلهين أنفسهم؛ جهلا، ويحتاجون لاحتضان.

* نوع آخر من التافهين الذين يمجدون البطل ليتحمل عنهم مسؤولية العمل، ويمنون عليه أنهم أيدوه إن عجز عن تقديم شيء أو فشل.

ليس التافهون وحدهم بل النخب التي أحبطت أيضا في واقعنا؛ فحينما يأتي إنسان وهو محْتَسِب مُتَحَسِّب يحمل فكرة ويريد أن يقدمها للناس، الناس لا ينظرون إلى ما يقدمه ويفكر فيه، بل ينقسم الناس في هذا إلى ثلاثة أقسام:

- قسم قليل يفكر فيما هو معروض من أفكار وتقييمها.

- قسم كبير يعتمد انطباعات سلبية ويرفض تصويبها، بل لا يتوقع بهتانها أو مغادرتها.

- الغالبية ممن ترى أن تمجيد الناس برفعها إلى التنزيه والقدسية، وهذا هو موضوعنا المركزي في هذا المقال.

العدالة لا تتحقق إلا بقانون

البلدان في حالات الحروب والثورات، هي في حالة ضعف بقدر لا يقل عما تبدو عليه من قوة، هي كالبراكين في قمم شماء عندما تثور تتحرك كينونة الجبل ليخسف بعضه، ويزداد في أخاديد سفحه، لكنه ليس قويا، وضعف البلدان هذا ليس بالمعيار العسكري، وإنما بالمعايير المدنية والاستقرار. لذا؛ لا نتوقع أن يتقدم بلد بكامل طاقته ويوجه موارده وطاقاته بشكل صحيح، وهو مستمر في حالة الثورة أو في الحرب والصراعات، فلا يمكن أن تكون الحرب أو الثورة هدفا، ولا القوة وعدم الاستقرار والتوجس الجماهيري قاعدة مثلى وصحيحة، وإنما التوقف في مرحلة تحقيق الهدف والغاية من الثورة إن كانت ثورة، أو إمكانية الوصول لحل عادل بالمفاوضات لإيقاف الحرب إن كانت حربا، وهي لحظات تاريخية وصافرة رحلة لا يسمعها إلا رجال الدولة.

في التغييرات المجتمعية والثورات، هنالك ما يعرف بالعدالة الانتقالية، لكن هذه تحتاج إيمانا بالقانون وتطبيقه، وإلا ستبدأ العملية الانتقالية التي تمثل حالة انتقام فردي لتتحول إلى تنشيط منظومة تنمية التخلف، حيث لا يرى الظالم نفسه ظالما، بل هو صاحب الحق ويتأخر باكتشاف نفسه أنه حقق انتقامه، لكن فقد آدمية.

التطرف كما العصبية كما رفض الآخر؛ تمثل أشكالا من الأنا الإبليسية التي أدت بإبليس شيطانا، وأدت بآدم إلى امتحان الدنيا، كالتي نمر بها ورحلتها جميعا هي منظومة تنمية التخلف الفكرية التي شعارها "نحن نحب الظلم ونحب أن نظلم، ولكن نكره الظلم حين يقع علينا"، وهذا تمام الجاهلية.

إن صناعة الآلهة أمر نجيده كأمة، ونحن نقدس الأشخاص من التاريخ وننزههم عن الخطأ، وما كانوا منزهين، إنما هم بشر يخطئون ويصيبون، كذلك أي إنسان أو مجموعة بشرية تنجح وتبدي تفوقا، وهذا أيضا يمثل السلبيات من العجز والإحباط والكسل، وليس الحب للإله الذي نصنعه بتمجيده إلى أن نحوله إلى شيطان كما تحول إبليس، ثم نعيب عليه طغيانه وتألهه. وكيف لا نفعل ونحن موحدون! ناسين أننا من صنع التأله فيه؛ لأننا أردنا منه عملا نكسل عن فعله.

استعادة الحياة

الشعوب الواقعة تحت الظلم الخاضعة، تستفز مصلحيها لأنها لا تعرف حدود الحرية وأطرها لبناء المجتمع، وكأنها تريد اختبار تحملهم ومصداقيتهم، أو التأكد من أن القيود قد انكسرت فتنطلق إلى أقصى الحدود بل وتتجاوز الحدود، فإن سعى المصلحون لإرضاء النزوات وأوهام الواهمين سيان، قمعوها بأوهامهم لأنهم جزء من المجتمع المريض بالاستبداد ومن تشوهت عندهم المسارات، فهذا لن يجدي، إلا أن وضع مهدئات للثورة وترشيد السَكْرة لصالح الفكرة عند الجميع غاية في الأهمية، فالثورة الفرنسية تولى الاستبداد ثوارها، وفكر نابليون بالوراثة لنظامها، لكن في المجتمع المسلم يفرض قيمة للإنسان، وينبغي أن يعرف ما حسابه لله وما للمجتمع، ومدى واجبك تجاه الناس ومعنى النصيحة، فلا تدخل في حياة الأفراد ما لم تشع فاحشة تؤثر فعلا على المجتمع، وليس من ضربات وقائية أو إجراءات وكالة عن الله، في ذات الوقت. أي ارتداد نحو الظلم ممنوع، سواء بتحول المظلوم إلى ظالم، أو عودة الظالم للتمكين وعودة حالة الحرب إلى المسالمين.

الاستعلاء من الطفيليات الذي يقوم به الكسالى والأنانيون، وأولئك الذين يؤلهون أنفسهم لمكانة دينية أو اجتماعية أو لمجرد عيشهم خارج بلدانهم، كذلكم من يكون صاحب الفضل ويصنع منه العاجزون إلها، سيخلق حالة من التنافر والسلوك المكروه ممن كرهه، وهنا سيلجأ كل إلى دعم ما هو مضاد والتخندق، ويخسر الجميع بمن فيهم من ليس له من الأمر شيء، فيضعف الانتماء حتما، ليغدو البلد غنيمة ويمسي المواطنون عبيدا.. إن وضع كل حجر مكانه يحتاج زمنا.

السبت، 28 ديسمبر 2024

141- شذرات في القيادة الادارية

 


رابط عربي 21

مفتاح للفهم:

"وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ".

"فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۗ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ ۖ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْما، وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْما" (طه: 114-115). هاتان الآيتان مفتاح في القرآن لو فهمناهما لأجبنا عن أسئلة كثيرة، ولعلمنا كيف نتعامل مع الكون ونتكامل في الحياة، لأدركنا أن التجديد والحركة تكليف، وليس كما نحن تقليديون نقدس الماضي، معطلين للقرآن بتجميده بشروحات وفهم للشريعة من عصور أخرى، رغم أنها أوقفت الشورى بالتغلب مثلا.

* للقرآن تفاسير موضوعية عبر العصور، فَمَتْنُهُ من العلي القدير لحالات ودرجات وظروف وأحوال متعددة ومختلفة، وإن الفتح من الله على عباده في تأويل كلماته وتفسيرها في كل عصر من العصور، ولا يصح تقديس اجتهاد عالم أو صحابي لعصره، إنما يجتهد لكل ظرف عصر. وكذلك هم فعلوا في زمانهم، ومن أمثله ذلك، أوقف عمر بن الخطاب الحدود في سنة الرماد، وأوقف حصة المؤلفة قلوبهم، وأوقف توزيع الأرض على الفاتحين، وإنما أبقاها ليد من يزرعها، وما زالت الأرض أميرية للدولة لعصرنا هذا. ولعل من يخرج في عصرنا باجتهاد كهذا، يكون عرضة للتسفيه، بيد أنه كان مجتهدا بين أناس يفهمون المقاصد، ومعنى الإسلام ومهمته في الناس أجمعين.

آدم أعطي المعرفة في حافظته، بيد أن المعلومة إن لم تُدَرْ ستنسى، وإن العزم في التفكير والفهم واستنباط معاني للسلوك في معالجة الحياة وصروفها، وإن أبانا آدم لم يتعامل مع المعلومة، فنسي أن ما يتلقاه من إبليس ليس في صالحه؛ لأنه يكرهه.

* الحرام بيّن واضح في القرآن ومفصّل تفصيلا لا مخفيا ولا رمزا، ومن الحرام أن تحرّم بهواك ما لم يحرم الله، والآيات متعددة التي تمنع أن يصدر تحليل وتحريم بالهوى أو وكالة الإنسان على الإنسان بالقوة، أو فرض أي شيء على الناس بدعوى التمكين، فالتمكين للناس وليس على الناس.

من أجل هذا، سنحاول الإجابة عن: كيف ينبغي أن يفهم الإسلام في الشذرات الآتية:

الإسلام في الحكم: تمكين المجتمع لا التمكن عليه

1- أي سلطة أو دولة أو منظومة الحكم، هي منظومة تعاقدية مع الشعب وفق مفهوم الشورى وبآليات متعددة وفق المتاح لزمنها، ولا يضر إن سميت خلافة أو رياسة أو أي اسم، المهم المحتوى المؤسساتي لديمومة المهام، وإقامة العدل لتمكين الشعب لا للتمكن عليه.

2- غاية الحكم كمنظومة إسلامية، هي الإنسان وحماية منظومته العقلية بالأساس وأمانه وأهليته في الخيار، بلا تسلط أو وكالة من أحد، فما كان بينه وسره فهو بينه وسره، ولا يحاسب إلا وفق القانون المرعي بحماية المجتمع من النزوات والجريمة، وما يلحق ضررا بالمنظومة العقلية للإنسان أو الأمن والسلم المجتمعي.

3- مسؤولية الدولة مسؤولية تنظيمية وتمتلك المؤسسات والقوة، لكن هذا لا يعفي المجتمع من الحفاظ على البيئة، من حيث مسارات الحياة المتعددة، فالمال مال عام، والنهضة تتم بتعاون الجميع، والنظم تبنى ولا تفرض.

4- لا تدخل الدولة في تفاصيل حياة الناس أو افتراض المسارات السلبية ووضع القوانين على هذا الافتراض، بل للناس خياراتهم إلا إن أثرت على سلامة المجتمع، فالفرد مكلف بامتحان الحياة والدولة واجبها حماية منظومته العقلية، وليس فرض عقيدة أو رأي، وإنما السلوك الضار يكون بقوانين يتعاقد عليها الشعب.

حصر القرآن بالماضي يخالف صلاحيته عبر الزمن ويجعل الأحكام متخلفة عن العصر، كما هو حال الأمة التي ما زالت تستحضر الخلافات التاريخية لتحتكم إليها، وبعقلية جهل تجعل الأمور أكثر تطرفا من زمن حصولها، فيكون الدين أديانا وأمما وطوائف وأفهاما قاصرة، كل يسمي نفسه بغير اسم الإسلام ليتميز عن بقية المسلمين، وما يقود هذا من فساد في العقائد والسلوك والجهالة المغلفة بالدين على أنها تمسك به، وحب للظلم بين هذه الفرق، وهو ما جعل الأمة على الهامش منكوبة من نفسها وتزعم أنها منكوبة بالتآمر، متناسية أن العرب والشرق أمم تبحث عن مصالحها، ووجدت أمة متخلفة غائصة بالجهل فاستغلتها.

لم يمنح الإسلام الوكالة على البشر لا لحاكم ولا لرسول: "وما جعلناك عليهم حفيظا"، "وما أنت عليهم بوكيل"، "إن عليك إلا البلاغ"، "فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر" (الغاشية: 21- 22]، وقال "فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب" (الرعد: 40).

فالرعوية وتشويه الأفكار وزرع الفتنة والكراهية وذم المخالف وشيطنته، ينبغي أن يسيطر عليها بقانون مجتمعي، وليس لأحد فرض عقيدة أو رأي وتعطيل منظومته العقلية؛ والإنسان يحدد موقعه وفق سلوكياته ويحاسب على أدائه. وهذا النوع من الرقابة مطلوب في منظومة الدولة، لحماية النمط الحياتي ومنظومة الاستقرار والنزاهة في إدارة الدولة.

المعاملة فطرة الصالحين: "وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ" (24-الحج)

إن التنوع إيجابي محفز للفكر متى ما كان الطرح بين الأفكار المتعددة طرحا لرؤية الحقيقة في مناقشة موضوعية، لكن إن بدأ بالتسفيه والبهتان أو الاجتزاء وخلط التاريخ والجغرافية وغيرها، بهدف الحفاظ على الرعوية ومراكز ومناصب وهالات، فلا أحد يكون خارج سلطة القانون الذي يرتضيه المجتمع.

فتجد أن الإنسان الراقي يسير في حواره مع الآخر كما تتحرك أم الطير فوق أفراخها كي لا تؤذيهم، ذلك أنه لا يتعامل بمشاعر إلا الصدق والمحبة كمنهج آدم، وليس الكره أو التعصب الذي هو منهج إبليس، عندها مهما اختلف الناس فلن يتنافروا. إننا خُلقنا في دنيا ونظام متحرك لا يثبت ولا يعاد، فإن سكن مات، والجمود هو ضد سنة الكون المتحرك والمتوسع بالحركة (وإنا لموسعون)، فالجمود على فكرة أو آلية أو رأي، هو موت عمليّا، وخروج عن الزمن والنظام الكوني.

لعل هذه الشذرات، تنفع في الإضاءة والاستدلال لشذرات أخرى، وإنها لذكرى والذكرى تنفع المؤمنين
.

السبت، 14 ديسمبر 2024

140 - قــراءة التاريخ - الفشل برداء النجاح

رابط عربي 21 


بداية الحقبة الضائعة:

الألم أو الإحساس بالظلم والقهر والتخلف بداية حقبة الوعي وتشخيص المشكلة، وهو أمر نختلف عليه وفق الجهاز المعرفي المنقول، ونستمر بالاختلاف ولا نرضى بقيادة ولا زعامة إلا أن تكون من فئة "ب"، وتمحق الزعيم أو القائد الذي يظهر من أي حرف آخر في بيئة منظومة تنمية التخلف، وتسفّه الحروف ما ظهر عند غيرها، إلى أن ينعزل ويموت الأمل فيه. كذلك يفعل الآخرون مع من يظهر من أي حرف، فأحادية النظرة من ضمن المنقول في الجهاز المعرفي المشكل لمنظومة تنمية التخلف؛ فأنا الفاهم والواعي والمؤمن والوطني الذي يملك الحلول، حتى لو كنتُ واضح التفاهة، وغيري الجاهل والخائن والكافر، وإن كان في رزانة الدعوة للحق والمنطق.

في ذات الفئة "ب" هذه، تظهر الفردانية أنانية تهمل عالمها والعلماء أو المفكرين وهم أقل الناس قدرة للدفاع عن أنفسهم، وإنما يحتاجون غالبا إلى قادة وزعماء لترويج أفكارهم، فعندما يواجهون بتسفيه المجموعة وتسفيه المجموعة للمفكر، حاضر عكس اجتماع المجموعة على رأي واحد صواب. فالعمل الفرداني دون مؤسسة لا ينجز؛ لأنه سيواجه التحديات بلا قوة صد ويفتقد للتنسيق ومتابعة التطبيق وتصويبه، فلا تكون مخرجات قوية دالة على الفكرة، وتضعف بالتشويه الذي يحصل فيموت الشخص والفكرة ليس مهما من السابق للموت.

بطل واحد! فاهم واحد! خبير واحد! هذه العقلية قادتنا إلى التخلف والعدمية وصنع الفاشل من الناجح؛ الإنسان يستطيع تحقيق طموحه الشخصي منفردا، بيد أن طموح الأمة لا يحققه إلا مجموعة منتظمة في عمل مؤسساتي، فالإحساس والتشخيص والذهاب إلى الحلول ما لم يكن مؤسساتيا، فهو سيقود إلى الفوضى بتراكم الإحباطات، والخضوع والركود إلى حالة انفجارية لا تضبطها قوانين وأعراف.

فكرة الإصلاح والتغيير:

الإصلاح لا يأتي كنشاط على فوضى أو هياكل ليست معرفة المهام أو شعوب لا تعرف ما تريد، وإنما تتحسس الألم فقط وتبحث في خيالها عن المنقذ وتذهب إلى الأوهام والخزعبلات، أو تستحضر تراث الاستسلام للواقع وللظلم وكأنه قدر مقدور. هذا الوصف، يحتاج مراجعة كبرى وإلى تغيير بعزيمة مؤسساتية مترابطة بين مجموعة من المفكرين، ومجموعة من القادة وزعماء تنفيذيين للأفكار والمعالجات والمتابعة. أي تشكل منظومة بها أفكار ومعالجات لهذه الأفكار ومخرجات تستلمها البيئة والحاكم والمحكوم، ثم تعاد التغذية بمواطن الإخفاق ومحتمل النجاح وهكذا أو بتغيير شامل، لكن يضاف له برامج مكثفة للتوعية وتثبيط الرعاع وتهدئة الغوغاء، ليتمكن العاملون من إجراء قواعد التغيير.

أما الإصلاح، فهو عملية ضمن مسار منظومة فاعلة، تحدث إخفاقات في بعض أنشطتها فتدرس وتوضع بدائل تدخل التجربة إلى تصويب العمل. الإصلاح والتغيير عمليّا، يرتكزان على الاستقراء للواقع، ثم استنباط الحلول وهذه الملاحظة مهمة؛ لأن القوالب الجاهزة من تجارب التاريخ أو تاريخ الشعوب الأخرى ليست صالحة، وإنما تضيف جروحا جديدة للمجتمع.

الإصلاح يحتاج إلى تشخيص وأفكار للحل وكوادر مؤمنة بالحل وتعمل عليه وقبول من البيئة، وهذه أمور داخلية، لكن بغياب أي منها لا تثمر، الإثمار له أيضا واجبات رعاية وديمومة وصيانة وهذا أمر مهم.

أما التغيير، فيتضمن معادلة الإصلاح وقبولا إقليميا وقبولا دوليا وضمان مصالح الجميع حقيقة. وطبعا بغياب أي من هذه الأمور، فسيوضع في المعادلتين صفر وكل ما يضرب بالصفر، فالنتيجة الصفر رياضيا أو بمنطق الفكرة، يعني الفشل.

الفشل برداء النجاح:

عندما نتحدث عن النجاح، فإننا نتحدث عن أمر مدروس مقصود، وعندما أردنا النهوض وأتينا بالتقليدية والعقلية الفردية، عجزنا أن ننتج مدنية أو نستحث حضارتنا الفكرية فاستعنّا بالاستعمار لجلاء الاستعمار، فترك من منظومة متوافقة مع الخضوع للمتغلب فينا مما نراه إلى اليوم، وهو لم يخرج فعلا، وإنما ربح خسائره وزاد من خسائرنا، وأرهقتنا المظاهر الصوتية التي تتحدث عن إزالة الفقر بأفكار مستوردة، والجهل بنظم مستوردة، وكلها قوالب تضعنا في ضيق وتمزق أجزاء منا، وتسبب لنا النزف من قطوع وجروح.

دعونا للديمقراطية فأخذناها مستأصلة من نظم تصويبها وتصفق الجماهير لوعود الوهم، فإن صدف أن حدثت طفرة فيها، فهنالك قوى منك تثبطك بل تنهي أي فكرة أو أمل، وأنت مخدر تصفق لجلادك. إن التغيير والإصلاح الحضاري والمدني، لا يأتي إلا منك ومن خلال الاستقراء والاستنباط السليم، عندما نتخلص من الثرثرة التي لا تبني ثقافة ومثقفا بل مضيعة للعمر، ونروض أنفسنا على الاستماع والحوار بدل الجدل، والسعي للأفضل بدل الظن بامتلاكنا الأفضل، فإن ثبت أن ما لدينا الأفضل فهذا خير، وإن عرفنا أننا لا نملك الأفضل فهو خير أيضا.

إن ميلنا إلى أن نكون مستهلكين للمنتج المدني، هو أحد إخفاقات أنتجها من صمم الناس الذين خلفوا الاحتلال في الإدارة، التعامل مع عقيدتنا الإسلامية وكأنها عنكبوت، وتقديس غير المقدس من أشخاص وتاريخ، يجعلنا ننسى أن أمتنا ككل كانت ما بين الهامش كالعرب، والظلم والاستعباد لأمم كان وطأة إمبراطوريتين لا تحوي عوامل الكرامة الإنسانية والقيم العليا.

إننا لو نظرنا إلى دورة التاريخ، سندرك أن الإسلام ليس دينا، وإنما فكر وقيم ترتقي بالإنسان وبناء المدنية وإبراز الجمال في العالم، رغم كل التشوية والتضليل.

إن الكلمة الأولى "اقرأ" وليس ثرثر بأي كلام، فالقراءة انطلاقة إلى التغيير الدائم والإبداع والعلم والمعرفة، متى ما هجرنا الإسلام عدنا كما كنا، أمة جامدة وأخرى تبعية، وأخرى هامشية وأخرى تجد الظلم مكرمة، من أجل هذا لا بد أن نتطرق إلى تاريخ مهم، وهو محاولة لطرح سؤال: لماذا لم تستمر مدنيات كالصين في قيادة العالم، أو مدنية وحضارة كالإسلام، ليعود أتباعها إلى الغفلة والجاهلية؟ وما نراه يكفينا الوصف.

الجمعة، 6 ديسمبر 2024

139 -قراءة التاريخ - حلول للدراسة

 رابـــــــــط عربي 21


لتقليدية مشكلة وليست حلا:

النظر إلى صُلب الحياة المدنية وكأنها من صُلب الدين كثوابت أو تقديس الأشخاص المجتهدين في عصورهم أو أيٍّ من الصحابة وآل البيت دون فصل حياتهم المدنية عن مكانتهم في الدين أو معرفتهم واجتهادهم في العبادات؛ معضلة أمام تفسير حقيقي للتاريخ والاعتبار منه أو التقدم إلى الأمام، لأن أي رأي تجد من يعيدك إلى مقدس ليس مقدسا كرأي فقيه أو مجتهد وظرف عصر مختلف.

فالمشكلة الكبرى وهي الفتنة، بدأت باغتيال لخليفة وهدأت بإدارة خليفة رفض الاستمرار (الحسن رضي الله عنه) وحل المشكلة سياسيا، بشرط عودتها للأمة وهي من قواعد الشورى الفكرية في الحضارة الإسلامية، أي حكم الشعب لنفسه من خلال حقه في تنصيب أدوات الحكم وإبدالها أو خلعها، وهي مسألة قيمية إرشاديه للحياة المدنية وأهم ما فيها هو الاستقرار بإنشاء حكم أمين رشيد.

السؤال: هل كان يمكن تفادي الفتنة؟ الجواب افتراضيا نعم، لأنها في واقع الحال مشكلة سياسية تطورت إلى الاتجاه السلبي وأخطاء بشرية من الطرفين، رغم أن موقف معاوية كان به خلل في بعض المفاصل كمواجهة جيش فيه الخليفة ونهضة العصبية القبلية، ثم بعد صلحه والحسن t لم يلتزم بشرط الصلح وهو إعادة الولاية إلى الأمة وإنما جعلها ملكا وأسس لولاية التغلب التي ما زالت فاعلة الأمر الذي تسبب في حيثيات خروج الحسين رضي الله عنه، وما زال المتغلب لحد الآن مدنيا أو مغامرا أو عسكريا يحكم الأمة، وقد أصبح كالسيد الذي يسوس العبيد بلا إرادة ويكرر ما قاله فرعون في وصف المصلحين بما وصف فرعون موسى عليه السلام "لا أريكم إلا ما أرى"، "وأخاف أن يفسد عليكم دينكم"، وهو في الحقيقة يخاف أن تزول ركائز حكمه وظلمه.

كيف تحل مثل هذه المعضلة:

في التاريخ مهما كتبنا من حلول فهي محض رأي لا ينتج عنه أمر إلا تبريرات المخالفين له وجدل بيزنطي لا غرض لنا فيه. لذا فنحن ننتقل بالحالة إلى واقع اليوم مستفيدين من التطور المدني في مسائل القيادة والسيطرة والإدارة والحكم ونظم التعامل بين الجمهور والحاكم، ليس نقلا عن نظام ليبرالي رأسمالي فهذا النظام اقتُبس من الفلاسفة اليونانيين وتجربة أثينا ليحمي أصحاب المصالح أو النظام الرأسمالي ككل؛ بل نلجأ إلى ما يوافق العقيدة من فكر مستخدمين الآليات المتاحة لحين يلد الواقع والتجربة آلية مناسبة لمجتمع التكافل وسيادة الشريعة التي ليست الشريعة المنقولة من اجتهاد البشر، وإنما ما ينتج بشكل نظام أو قوانين من خلال استقراء الواقع ثم الاستنباط من القرآن والسنة والسيرة النبوية التي هي تاريخ يحمل خصوصية سير الشريعة على الأرض، وفق نظام معرف فيه الثابت والمتغير وما هو رأي بشري وما هو قول نبوي وما هو نص منزّل، وكيف يتعامل الحاكم، وكيف يتعامل القاضي وكيف يكون تقييم الرأي الشرعي والرأي المدني ضمن فكرة الإسلام ككل لحماية الأهلية للمواطن وخياراته لأنه من سيحاسب على قراراته الخاصة، أما ما يتعلق بأعماله وأقواله وفعل ما له تأثير على أرض الواقع على الناس ومعتقداتهم والدولة والحكم؛ فهنالك القوانين التي تحاسبه وتقدر كيف يكون عقابه أو إصلاحه إن كان ممكنَ الإصلاح أو يعد خطرا على المجتمع، وعندها فكل القوانين ستكون معرّفة مستنبطة على استقراء الواقع.

الحل الأمثل:

الحكم كان فرديا عندما كانت الحياة بسيطة والدولة لا تدخل التفاصيل في حياة الأفراد، لكن اليوم تشعبت الوسائل والحاجات والمخاطر والتحديات، وأضحت بيئة الدولة تتقبل الكثير ومنفتحة وتحتاج إلى تجاوز هذه المواقف التي حصلت في صفّين والطف، بل وضعها في نظام لا يقبل التمرد، بل يضع خيارات الأمة هي الحكم وبشكل واضح، ففقدان الفهم والوضوح نتيجة توسع الدولة بلا وسائل الإفهام والتعليم والاجتهادات المنفردة، بعيدا عن المركزية لضعف التواصل وفقدان المؤسسات أوجد تلك الحالات.

بالعمل المؤسساتي تنتهي تلك المشكلة عندما يكون كل أمر مؤسساتي من الحكم وإدارته كمؤسسة الخلافة، وفيها تفاصيل تقود حركة الحكومات، إلى مجالس توظف الخبرة، فلا يوجد حاكم مدى الحياة حتى النظام الملكي، بل هنالك تغيير وفق إرادة الشعب، لكن منظومة الحكم لا تتبدل وإنما تحدّث وتبقى المشاريع متابعة وعن طريق مجلس التخطيط الاستشاري يتابع كل أمر دون أن يتدخل في إدارة الدولة، وإنما يستمر العمل والمخطط بحيث يكمل كل جديد من سبقه ويضع مشروعاته لينفدها ويكملها أو يكملها من يليه (هنالك مقالات للكاتب حول هذه الحلول مفصلة؛ ومنشورة سابقا) وكل فقرة بها شرح مهام وتفاصيل.

ألم بلا عواقب:

إن الإحساس بألم الظلم أولى الخطوات التي تحرك نحو الحرية، لكن لهذا شروط وأهمها الفهم ووضوح الرؤية، وكسر قيود التقليد والتحجر، وإبعاد التأليه والتقديس لكل ما هو قديم وبناء مدنية تعبر عن المجتمع ذاته من مخرجاتها وتشارك العالم في بنائها.

هذا الكلام هو مقدمة لما سنتحدث عنه في الجزء الثالث من قراءة التاريخ..

الجمعة، 29 نوفمبر 2024

137 - قراءة التاريخ (1-3) الزوايا المظلمة

 رابط عربي 21


فلسفة التاريخ:

تجارب وأحداث يمكن أن نفيد منها العبرة وكثير منها لا يفيد، والأسوأ هو التضليل للذات في اختيار النموذج ووصفه وعبادة الرموز بعد تأليهها، وهي بشر تلمس طريقها في الحدث، أصابت مرة وأخطأت أخرى، نتحدث بتمجيد حتى عن الأساطير التي تُستقى من حدث حقيقي أحيانا كالطوفان، وتختلط بالخرافات، فتغدو أسطورة يكتبها مبدع شعرا أو نثرا، ليجعل من طغيان شخصية جلجامش نموذجا.

ذات الشيء، عندما يُغفِل التاريخ جانبا من السردية ليبقي جانبا مضيئا منها، كسردية صلاح الدين وبيت المقدس مع أنه ترك الساحل للصليبيين، وإغفال السلطان قلاوون وابنه أشرف خليل الذي أنهى الاحتلال الإفرنجي نهائيا، استكمالا لإنهاء احتلال كان بسبب ضعف الدولة استمر 198 عاما لعكا؛ التي تعرضت لمذبحة وجريمة ضد الإنسانية باسم الصليب قام بها ريتشارد قلب الأسد، إلى سقوط حصن حراس المعبد، الذين كانت نهايتهم سيئة جدا، بعد أن اتهمهم البابا كليمينت الخامس بالهرطقة، واختلاس الأموال من فيليب الرابع (ويكبيديا).

التاريخ ينقل حدثا، الاستقرار عنده واجتراره نتيجة الجهل والتخلف هو امتهان للكرامة الإنسانية، وإحياء وتخيل الفتن منه بالتأكيد يضعف أهمية التاريخ، بل يجعل منه ثقلا في بحر الظلمات التي تعيش به الأمة عائمة غير مستقرة.

الفردانية التي تبرز في التاريخ وهي تتحدث عن البطل، تضع أساطير أو ما يشبهها وتضفي قدسية تقارب التحول إلى مرتبة الآلهة، وهذا يفقد الأمة القدوة والإيمان بالعمل الجماعي، فلا قائد يمكن أن ينتصر بغير جند أشداء مؤمنين بما يفعلون؛ ليس من ناحية عقدية فحسب، بل مهنية عندما تصبح الفروسية مثلا قيمة أو الجندية قيمة أو المجد قيمة.

حاضر في تاريخ معتم:

الأمم التي تهتم بالرموز والنقاط المضيئة في التاريخ وتهمل مهامها أو تتعظ من السلبيات والزوايا المظلمة فيه، هي أمة ماهرة في صنع الأصنام، لكنها لا تصنع الحياة، تنجذب لتعظيم شروط للتخلف لأنها لا ترى المستقبل، والكسل ديدنها؛ لأنها بلا دافع للبناء ولا دافع التنمية، والغرائز ضمن القانون ولا دافع من فهم القيم. يفكر السواد الأعظم منها بما له لا بما عليه، فهو يرى العمل موارده لا مهامه، والحياة تتأرجح وفق غلبة الغرائز وأيها تطغى، فمن طغت عنده غريزة التملك سعى للمال، ومن طغت عنده حب السيادة سعى لقمع محيطه، وهكذا بقية الغرائز قياسا لنصل إلى إنسان التخلف والضياع ومجتمع يغلب فيه الفساد ويطغى، فلا يحاسب ليكون الفساد طبيعيا وليس منقصة عندما يحضر فاعلها.

وهذا نراه واقعا ليس تحليلا؛ لأننا نرى المصفقين ونرى من ينتقدون المفكر المصلح ويسفّهونه ويحاولون تبيان نواقص فيه، بينما ذات الأشخاص وهم ناقدون للفساد يداهنون الفاسدين ويحاولون التقرب منهم، ويبحثون عن الطموح الذي داخلهم والنفعية الغازية لضمائرهم في أشخاص تافهين، هم في شغل عن الذين لا يرون نفعا منهم، سواء صالح مصلح أو منافق وصولي.

معظم نخبة القوم ومن يزعمون أنهم يتصدون لقضايا الأمة أو عقيدتها أو قيمها، أول من يكذب معظمهم عليه هو أنفسهم، ولا يرى انكشافه وتفاهته التي أحيانا كثيرة تكون واضحة أمام الناس، هذه الفئة أنواع شتى وغالب أنواعها طاقتها ضد نهضة أمتها، وهنالك منها ما يسعى لمجده هو، فلا يبحث عن الحقيقة بل يعدّ جهله غاية في العلم، وربما يفرضه على مجتمعه أو يخونهم، إن لم يك بتوجه ديني، وإن كان متدينا أو واعظا، فإنه يكفّر مخالفه وكلاهما يفعلان بتعميم لأمر ليس عامّا.

دوافع التخلف:

دوافع الهزيمة والتخلف هي دوافع للنهضة، لكن ينقصها الفهم وليس بالضرورة تنقصها المعرفة، فرواد التخلف مثقفون ومتكلمون متفانون وذوو حجة، بل إصرار وتضحية حتى بالنفس لكنهم في ضلال.

فأمة التخلف تشخص كدعاة النهضة وربما تتطابق معهم أحيانا، فهو إحساس بالألم، وهو يبحث عن حل وإنقاذ، بيد أنه لا يخرج من الصندوق، ويبقى في دوار الأفكار المهيمنة، ويبقى يأتي إلى حلول معادة تتناوب الإحلال مع بعضها. ولا شك أننا نستطيع أن نضيف المنبهرين بمدنية الغرب المتقدمة أو الشرق، ولكن دون فهم أسسها أو آليات إدخالها إلى المجتمع، فالأفكار هذه مخرجات مدنية، لكنها فُصّلت وارتديت في مجتمعات أخرى، ومضى زمن على تطبيقها، جرى إصدار أشكال متجددة بالخبرة والمستجدات وفق قراءة أو استقراء الواقع، لكن مجتمعا لا يمكن أن تُدخل عليه النظام في التطبيق الاقتصادي، الذي تطور لمئات السنين كقوانين ضرائب أو مستشفيات القطاع الخاص أو غيرها، بلا آليات موجودة تخفف عن كاهل المواطن، ولو طُبقت بشكل تقليدي بلا فهم آلياتها عندنا، فستكون قاتلة للمواطن ومعاشه؛ لأنها تأخذ بمبدأ لكل شيء ثمن، ولكن بلا آليات صنعتها التجربة مع الزمن.

المجتمع تعرض لصدمات ومتغيرات ونظم متعددة، لهذا حتى تطبيق النظام الإسلامي كنظام سياسي لرعاية الأهلية وحفظ المعتقد لمواطنيه، يحتاج استقراء وقراءة للواقع وإنتاج ما يناسب المجتمع، ووضع آليات لتحديث قوانين الدولة وإداراته بشكل مؤسساتي، ففهم معنى صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان دون استقراء أو تحديث للآليات، لن يكون نظاما ناجحا ذا ديمومة، وإنما حاله حال أي نظام دخيل، لكنه سيتحول إلى الهوى، وهذا معنى الثيوقراطية، فليس من دين فعلا أو شريعة، وإنما باسم الدين تحل الفوضى والظلم.

من المهم القول: لا بد أن تمخر قوارب اليقظة في بحر التاريخ لتبحث عن العبرة وفي السلبيات وحقيقة المواقف والأحداث لنجيب على سؤال مهم: لماذا أعجزنا الإسلام أن يستمر في قيادة المدنية وتتلاشى حضارته الفكرية، لتغرق بالأوهام والخزعبلات وشتى التسميات التي تحمل التخلف والجهل، ويحارب المجددون الفاهمون لفكرة الإسلام والخليقة، وكأنهم وباء وليسوا عناصر إحياء الموات والبوار الذي نحن فيه؟ هذا ما نحاول وضع أسس للإجابة عليه في الجزء الثاني.

265 -تلفزيون الحياة في ستوديو البيت الأبيض

رابط الشبكة مباشر مجلة الاسرة في المهجر تلفزيون الحياة في ستوديو البيت الأبيض حدّث العاقل قيل «حدّث العاقل بما لا يُعقل، فإن صدّق فلا ع...

يقظة فكرgoogle-site-verification: google25f7d3ebc2fdac29.html