https://m-salihalbdrany.blogspot.com/ فكــــــر اليقظـــــــة Mindfulness: 268- قراءة فلسفية في المدارس السيادية لأعمدة تأسيس العراق الستةhttps://m-salihalbdrany.blogspot.com/

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 21 أغسطس 2026

268- قراءة فلسفية في المدارس السيادية لأعمدة تأسيس العراق الستة

 رابط عربي 21

"علينا فهم نظرية المدارس السيادية، فهي تجربة عراقية، يمكن أن تعيد تشغيل المعمل السيادي، وصياغة عقد اجتماعي جديد"

فخ القاضي:

تعاني الأدبيات السياسية والتاريخية المهتمة بالشأن العراقي من فخ اختزالي مزمن؛ إذ تُصر غالبية القراءات على حصر الجيل المؤسس للدولة الحديثة (ما بعد عام 1921) في ثنائيات قطبية جامدة: إما "نخبة وطنية" في مواجهة الانتداب، أو "أدوات وظيفية" مرتهنة للإرادة البريطانية، وفي مسار موازٍ، يتم اختزال هؤلاء الرجال في نهاياتهم الدرامية والمأساوية؛ فنقرأ العهد الملكي من خلال مشهد انتحار السعدون، أو اغتيال العسكري، أو سحل نوري السعيد، أو تهديد بقايا الليفي للسيادة الوطنية بحكم من أناس يتقمصون دور القاضي بلا معايير ملائمة، ولا يعرفون حيثيات ما يقضون فيه.

هذا الاختزال لا يظلم التجربة التاريخية فحسب، بل يعجز بنيوياً عن تفسير ظاهرة بالغة الأهمية: كيف استطاعت مجموعة محدودة من النخب، على اختلاف رؤيتها في الاستراتيجية والتكتيك السياسي؛ أن تؤسس جهازاً إدارياً ومؤسساتياً صلباً استمر في العمل لعقود طويلة حتى بعد اختفاء الفاعلين أنفسهم؟

تنطلق هذه الدراسة الاستقرائية من فرضية بديلة، تتجاوز السرد الوصفي للأشخاص نحو صياغة نموذج تفسيري يرى في جيل التأسيس تجسيداً لما يمكن تسميته بـ"نظرية المدارس السيادية"، فالشخصيات هنا ليست مجرد فواعل سياسية تبحث عن السلطة، بل هي "نماذج مثالية" بمفهوم ماكس فيبر، يمثل كل منها وظيفة سيادية وركيزة فلسفية لا غنى عنها لبناء الدولة الحديثة.

تجاوز السرد الوصفي للأشخاص نحو صياغة نموذج تفسيري يرى في جيل التأسيس تجسيداً لما يمكن تسميته بـ"نظرية المدارس السيادية"، فالشخصيات هنا ليست مجرد فواعل سياسية تبحث عن السلطة، بل هي "نماذج مثالية" بمفهوم ماكس فيبر، يمثل كل منها وظيفة سيادية وركيزة فلسفية لا غنى عنها لبناء الدولة الحديثة


التفكيك الفلسفي لأعمدة البناء الستة (المدارس السيادية)

لم تكن الدولة العراقية الناشئة بحاجة إلى حكام متشابهين، بل كانت بحاجة إلى منظومة وظائف متكاملة، ويمكن تفكيك الرؤية الفلسفية لجيل التأسيس من خلال ست مدارس أساسية:

انطلق الملك فيصل الأول من وعي مبكر بأن الدولة لا تُفرض بحد السلاح أو بالنصوص القانونية الجافة ما لم يتشكل في عمقها مجتمع يشعر بوحدة المصير، فكانت مدرسة بناء الأمة عنده تتلخص في أن "الدولة الجغرافية" تسبق "الدولة الشعبوية" في العراق، ولذلك ركز على صياغة هوية وطنية جامعة قادرة على صهر التباينات العشائرية والمذهبية والإثنية في بوتقة المواطنة، انطلاقاً من أن المؤسسات كتل خرسانية باردة ما لم تدب فيها روح الأمة.

وفي مسار متوازٍ، مثّل عبد المحسن السعدون مدرسة الشرعية الدستورية والواجب كما قال كانط، والضمير القانوني للدولة الناشئة؛ إذ لم تكن الدستورية عنده ترفاً سياسياً بل كانت الضمانة الأخلاقية لوجود الدولة، مدفوعاً بإيمان عميق بأن الدولة التي تنتهك قوانينها من أجل مكاسب مؤقتة تحكم على نفسها بالفناء، وهو ما جعل صداماته تنبع من نزعة مبدئية ترى في القانون أصل السيادة.

أما جعفر العسكري فقد أسس مدرسة القوة المشروعة والمؤسسية في بيئة إقليمية مضطربة، مدركاً أن احتكار العنف المشروع هو الشرط الأول لبقاء الدولة، عبقرية فلسفية تجلت في أنه لم ينظر إلى الجيش باعتباره أداة للهيمنة أو بديلاً عن السلطة المدنية، بل بوصفه إحدى مؤسسات الدولة الخاضعة للقانون، لتقدم نهايتها تحذيراً مبكراً من خطورة انزلاق أدوات القوة إلى معترك الصراع السياسي.

ومن جانبه، جسد ياسين الهاشمي مدرسة الإدارة المركزية والبيروقراطية القائمة على مفهوم "الدولة الإدارية، حيث آمن بأن هيبة الدولة لا تنبع من الخطابات، بل من كفاءة جهازها التنفيذي وقدرته على بسط النظام، فكانت البيروقراطية عنده هي العمود الفقري الذي يحمي المجتمع من الانزلاق نحو الفوضى البدائية وتُعلي سلطة المؤسسة على الولاءات الفرعية، وفي الديون التي كانت ستستمر دفوعاتها وفوائدها إلى الثمانينات، وسك الدينار العراقي بمتابعة حيدر رستم فأنتج عملة وطنية بدل الروبية الهندية.

وعلى مستوى الجغرافيا السياسية، كان نوري السعيد يقرأ العراق من الخارج إلى الداخل عبر مدرسة الواقعية الاستراتيجية، فلم يكن سؤاله مقيداً بكيفية حكم العراق معزولاً عن العالم، بل بكيفية حماية هذا الكيان الناشئ في بيئة دولية تتصارع فيها الإمبراطوريات، فصاغ فلسفة تقوم على أن الدول الصغيرة تحميها شبكة التحالفات الذكية والموازنات الجيوسياسية المتقنة، لتصبح الدولة عنده وحدة مناورة في نظام دولي معقد لا يرحم الضعفاء.

وبرز جميل المدفعي قائد الميدان ممثلا لجمعية العهد في ثورة تلعفر في 1920، ورجل التهدئة الحكيم ليمثل مدرسة التوازن والاحتواء السياسي وصمام الأمان في لحظات الانسداد؛ فكانت فلسفته تقوم على التسوية والامتصاص والتدخل لمنع تحول التنافس المشروع إلى صراع وجودي صفري، إيماناً منه بأن بقاء الدولة يعتمد على قدرتها على استيعاب التباينات وتدوير الزوايا الحادة، فالحفاظ على الكيان أولى عنده من انتصار أي جبهة سياسية.

القوانين الحاكمة لمعادلة الدولة

بناءً على هذا الاستقراء التاريخي، يمكننا استنباط أربعة قوانين أساسية تشكل الهيكل النظري لـ"نظرية المدارس السيادية":

• القانون الأول (معادلة القوة): قوة الدولة هي حاصل توازن وظائفها السيادية المشتركة، وليست مجموع قوة الحكام الفردية، ويمكن صياغتها رياضياً بأن قوة الدولة تساوي المحصلة بين تلك الوظائف المتكاملة.

• القانون الثاني (قانون الاحتكار والمقايضة الصفرية): كلما تحولت وظيفة سيادية إلى مركز احتكار مطلق، اختل توازن الدولة وتآكلت شرعيتها؛ فإذا طغت مدرسة القوة (الجيش) ماتت الشرعية الدستورية، وإذا طغت مدرسة الواقعية الخارجية (التحالفات) تآكلت الهوية الوطنية والسيادة الداخلية.

• القانون الثالث (قانون الموت السريري للدول): لا تموت الدول برحيل قادتها أو بوفاة رجالها، وإنما تموت عندما تنقطع سلاسل التوريد الفكري للمدارس التي أنشأتها.

• القانون الرابع (عتبة التأسيس الحضاري): تبدأ الحضارة السياسية للدولة عندما تتحول "مدارس الرجال" إلى "مؤسسات مستقلة عن الرجال"، بحيث تصبح الرؤية الفلسفية عقيدة مؤسساتية عابرة للأجيال.

التشخيص الاستقرائي وأزمة الانقطاع التاريخي

فشل العراقيون اللاحقون في تحويل مرحلة التأسيس إلى فلسفة ومأسسة وراحوا يحاكمون المؤسسين وبدل السؤال التأسيسي العظيم: "كيف نشغّل معمل الدولة ونطوره؟"، حل السؤال السلطوي الضيق: "من يسيطر على الإدارة؟"


إن التدقيق الاستقرائي في مسيرة الدولة العراقية يكشف عن حقيقة بنيوية مغيّبة: إن الدولة العراقية قد أُسّست وأُنجزت بالفعل كـ"معمل متكامل" واكتملت خطوط إنتاجه، لم تكن الأزمة يوماً في غياب المخطط أو نقص التروس والمحركات؛ فقد نجح الجيل المؤسس في ضبط إحداثيات الآلة وصياغة وظائفها السيادية، إلا أن المعضلة التاريخية بدأت عندما تحول هذا المعمل المكتمل إلى يد "مدراء تعاقبوا عليه" دون أن يمتلكوا فلسفة التشغيل أو يستوعبوا هندسة البناء.

بدلاً من إدارة المعمل وتشغيله لإنتاج الاستقرار والتنمية، انشغل المدراء الجدد بالصراع على مقعد الإدارة ذاته، ولأنهم لم يدركوا أن القيمة تكمن في توازن التروس وتكاملها، راحوا يفككون أجزاء المعمل قطعة فقطعة؛ فاستُهلكت مؤسسة الجيش في الانقلابات لتلغي الشرعية الدستورية، وجُيشت البيروقراطية لخدمة الولاءات الضيقة لتلتهم كفاءة الإدارة، وحُوّلت السياسة الخارجية إلى أداة للمغامرات أو التبعية المطلقة لتقوض السيادة.

فشل العراقيون اللاحقون في تحويل مرحلة التأسيس إلى فلسفة ومأسسة وراحوا يحاكمون المؤسسين وبدل السؤال التأسيسي العظيم: "كيف نشغّل معمل الدولة ونطوره؟"، حل السؤال السلطوي الضيق: "من يسيطر على الإدارة؟"، فبقيت الجدران والمناصب، وتفككت المحركات الاستراتيجية.

الرؤية الاستشرافية لمستقبل الدولة العراقية

علينا فهم "نظرية المدارس السيادية"، فهي تجربة عراقية، يمكن أن تعيد تشغيل المعمل السيادي، وصياغة عقد اجتماعي جديد؛ ثورة إدارية، رؤية، واستعادة لمفهوم الأمن والحوكمة الرقمية والخدمات طريق الخلاص من ارث المحاصصة الذي عطل الإنتاج وقضى على أدواته، استشراف سياسة خارجية حول نقطة توازن وشبكة مصالح، ووضع آليات كفيلة بامتصاص الأزمات.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

268- قراءة فلسفية في المدارس السيادية لأعمدة تأسيس العراق الستة

 رابط عربي 21 " علينا فهم نظرية المدارس السيادية، فهي تجربة عراقية، يمكن أن تعيد تشغيل المعمل السيادي، وصياغة عقد اجتماعي جديد" فخ...

يقظة فكرgoogle-site-verification: google25f7d3ebc2fdac29.html