( وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ )
منهج طرح الأفكار:
الله عز وجل خلق الآدمية كسلالة بشرية تتميز بمنظومتها العقلية، لذا تقييد ما تتميز به السلالة بغير معايير القيم والأخلاق يعد انتهاكا لدورها في التفكير والإبداع.. القرآن، الكتاب، الفرقان، الذِكر، الضياء.. عندما أردت أن أنقى كم الأفكار في توضيحها وجدت ضعفا بنيويا عند الكثير من الباحثين وفي فهم القرآن نفسه ككتاب وفرقان وذكر حكيم. كل من يطرح يحاول أن يقول لا الأولون ولا الآخرون أصابوا في شرح المعنى وإنما أنا الوحيد الذي يقدم لكم المعنى الصواب، ومن الطبيعي أن يظهر مؤيدون لهذا الشرح ومخالفون.
فهناك التأييد الأعمى الذي يؤيد منطق الطرح دون أن يجري تعسف على الذهن البشري، فكل من يطرح رأيا بالتأكيد عنده منطق مقنع لمسار فكري أو في قواعد اللغة ومعاني الكلمات، وعليه يبني الفكرة، فليس من فكرة خالية من المنطق الذي يؤيدها، بين مقتنع ومخالف ناظر من زاوية أخرى. والمخالفة للأسف عندنا تذهب إلى التسفيه والتكفير غالبا وربما الشتيمة، وهنا ينشغل البعض بالرد على الناس أكثر من القيام بمهمته في التفسير حتى وأنت تسمع مسألة يفترض أنها إعجازيه أو معاني غامضة، فتجد أنك أمام شخص يسفه الآخرين ويسبهم ويفقد قيمة بدأ بها متوازنا، لأن الاعتراضات عليه أصابت الأنا ورفعت الشطط، والشطط عندما أصاب إبليس سُمي شيطانا، وكذلك كل إنسان أيضا يقع في نفس المنزلق الأناني فيبدأ في تسخيف طرحه قبل غيره بجعل الأنا محوره، متفرغا للمناكدات.
"فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ"
الشروحات القديمة هي قراءات على قدر المعرفة في ذاك العصر، والقرآن يتحدث مع المنظومة العقلية، ومهمتنا ليست تسفيه الأولين، كما أنها ليست تقديسهم، فهذا القرآن ينزل كل يوم وكل عصر، والمعاني تأخذ سعة ما توصل إليه الإنسان من معرفة، فليس شرحه في مجتمع صغير كشرحه في مجتمع كبير غير متجانس. هذه الآية مثلا إن قرأتها أنها أستعاذة عند الشروع في القراءة، فأنت تقرأ فهما لها، لكن هنالك أفهام في المراد من القرآن ومنهج النظر إلى معانيه، فهذه الآية لها معنى غير المعنى الذي يقول استعذ بالله من الشيطان قبل القراءة، لأن المشكلة عندنا ومعنا في عصرنا ليست خارجية وإنما داخلية، فعلي وأنا أكتب هذا الكلام أن أسأل الله أن يصوبني، وأن لا أتبع نزوات النفس في الشرح والتفسير أو التأويل، هنا المعنى؛ استحضر الله ولا تجعل نفسك تشطط بالأنا والتماد والتعصب لفهمك وإنما هنالك أفهام، فـ"استعذ" أثناء القراءة هي التفكر والتدبر وتحصين نفسك من سوء الشطط.
قل رأيك ولا تسفه الآخرين:
إن كان مسعانا لله ونرجو رحمته، فاحسب أن هذا ما سيستحضر دوما، إقناع الناس ليست مهمتنا وأن يمتدحنا الناس ليس غايتنا، أقول ما أرى بعد دراسة مستفيضة، أتعامل مع الله في العمل كأمانة أقدمها للبشرية ككل، لست وكيلا، لست مسيطرا، هنالك من سيقف ضد ما أرى فلا أنشغل كثيرا بالتحديات لما طرحت، فالأصل أن أطرح لا أن أجبر الناس على الاتفاق معي، فقد أكون مخطئا في الطرح فيصوبون خطئي، هنا لست منشغلا بالرد على الرد وإنما عقل الرد، فإن وجدته ارتجالا سطحيا فسلاما، لأن من يطرح الأمور بشكل سطحي يعبر عن منهج جدلي سفسطائي سيستمر بإلقاء السلبيات من الأفكار والمشاعر وغيرها.
ما نحتاجه فعلا:
ظهرت في الأمة نخبة من المفكرين خارج الصندوق، وطرحوا الكثير من الكلام، والشمولية عادة يحدث فيها الزلل، فهم وقعوا في نفس عيوب منهج السابقين وهو محاولة الإجابة على كل الأسئلة، والقطع في الجواب، ولا يوجد لا أعلم! أي "هذا لا يمكن" و"من قاله فهو لا يفهم".. وهكذا يقعون في مصيدة الشطط فيفسرون أمورا في فهمهم أنها حقائق وبلا "الله أعلم". هنا نحتاج إلى الشمولية في المعايير وليس التفسير، أمور المراجعات الفقهية تحتاج مراجعات غير تقليدية، ونحتاج أن نعد كادرا لمراكز الدراسات، وليس تكرار أو اعتماد الشهرة وإنما وضع معايير للتقرير ومنهج للتدبر والتفكير.
هل هي تسميات أم صفات أم أوجه؟
عندما نأتي إلى القرآن الكريم فهو مفهوم كمصطلح أنه ما بين الدفتين، ونجد كلام الله، يقول: القرآن، والمثاني، والفرقان، والذِكر، الكتاب هدى للمتقين، والكتاب هدى للناس، والإيمان بالغيب، ثم الدعوة إلى التفكر بالخلق وعلوم الفضاء والكيمياء والفيزياء.
هذه شرحت من الأولين والآخرين بعدة طرق والمشترك بينهم أسلوب المسطرة على كل شيء، وعندما أجريت بحثا لاحظت أن شرح الكل صحيح من جانب، فالقرآن بالذات لا يفسَّر بأن هذا يعني كذا وذاك كذا، فقد يختلف المعنى من فهم لفهم ومن عصر لعصر، ففي موضع القرآن بما يعني هو الاسم والوصف، وفي موقف هو الكتاب من حيث محتواه، وهو الكتاب والحكمة، وهو الفرقان في موقف.
الكتاب للمتقين في مرحلة الإيمان الغيبي وهو سيهديهم الطريق، والكتاب للناس عند توسع المعرفة والرسالة، إنها مدلولات لمراحل وليست توقيفية بمعنى واحد، والاختلاف بها قد لا ترى فائدة منه أصلا في تعريف يضعها في صندوق الأحادية وهي مفتوحة منيرة.
علينا أن ندرك أن الإسلام منهج حياة وليس تقديسا للأشياء والآراء والمعاني، وأن هنالك أدوارا موزعة على الأمة متى ما عرفت طريقها متجاوزة الأنا لتستقيم على المنهج، وهذا لا يأتي بالنفاق والشقاق وسوء الأخلاق، أو طلب الدنيا بغير قصد الآخرة، فطلب الآخرة في حقيقته هو طلب الدنيا كمهمة بنظام وقيم وفهم لمعنى الآدمية وكرامة الإنسان، وليس الاستحواذ أو حصولك على المال ولا يهم بأي طريق أو المنصب والجاه، فأنت ستفقد التوازن إن سعيت لواحدة بغير الأخرى. فالله قال "إني جاعل في الأرض خليفة" أي سلالة جديدة، والفساد يأتي من سوء فهم المهمة، فإن أردت الدنيا كغاية فلك هي لكن ليس لك نصيب في الآخرة، وإن أردت الآخرة بشطط وبدع تقلل من قيمة الرسالة والمهمة وعمارة الأرض فإنك ستحاسب بميزان. لكن للآخرة سعي ونظام، ترتصف النفوس لتسير بالصراط المستقيم إلى أبواب الجنان بالعمل والإحسان، والفهم أول البنيان.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق