https://m-salihalbdrany.blogspot.com/ فكــــــر اليقظـــــــة Mindfulnesshttps://m-salihalbdrany.blogspot.com/

بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، 4 أغسطس 2025

194 - طلاق اليهودية للصهيونية لا عدة ولا نفقة

رابط المصــــــــــــــــــــــــــدر 


اليهودية والصهيونية:

الهوية والأخلاق اليهودية تقوم على قيم خاصة بها وتعرف حدود التمكين بدقة لذا أكد الحاخامات المناهضون للصهيونية (7)، مثل الحاخام موشيه فريدمان، أن الأفعال الإسرائيلية في غزة، بما فيها "الإبادة غير المسبوقة"، تتناقض مع القيم اليهودية الأساسية، هؤلاء الحاخامات، ومعهم شخصيات مثل ستيفن كابوس، الناجي من الهولوكوست، يرون أن الصهيونية، التي استغلت الحنين اليهودي لجبل صهيون، انحرفت عن اليهودية التقليدية التي تربط عودة اليهود إلى أرض الميعاد بحدث إلهي مرتبط بالماشيح المنتظر، وليس بمشروع استعماري بشري، أي رفع أي نوع من الارتباط باليهودية.

 

 

الصهيونية، منذ نشأتها في أواخر القرن التاسع عشر، كانت حركة علمانية تهدف إلى إقامة دولة يهودية في فلسطين، متجاهلة الاعتراضات اليهودية الأرثوذكسية التي اعتبرتها "كفرًا" و"خيانة" للعقيدة؛ على سبيل المثال، رفض مجلس الحاخامات الألماني في عام 1897 عقد المؤتمر الصهيوني الأول في ميونخ، مما أجبر ثيودور هرتزل(العلماني) على نقله إلى بازل. هذا الرفض يعكس الصراع الداخلي بين اليهود المتدينين والصهيونية، التي رأى فيها العديد من الحاخامات تهديدًا لهوية اليهودية الأصيلة.

صياغة الفكرة الصهيونية:

هذا الدعم المسيحي للصهيونية الكاره لليهود، كان يعكس معاداة السامية السائدة في أوروبا بأسلوب إعطاؤهم حلم، حيث رأى الكثيرون أن إقامة دولة يهودية ستخلّص القارة من اليهود الذين اعتبروهم "غرباء" غير قابلين للاندماج.

 والحقيقة أن الحركة الصهيونية الصهيونية الفاقدة للشرعية والغطاء الآن لها كجذور للفكرة الصهيونية سبقت هرتزل بقرون، وكانت متأصلة في أفكار لاهوتية وسياسية مسيحية في أوروبا، مدفوعة بمزيج من النبوءات الدينية والمصالح الاستعمارية؛ لعلنا نستعرض بعضهم:

  • جون داربي (1800-1882): أفكاره أثرت على الصهيونية المسيحية في بريطانيا وأمريكا (3).
  • اللورد شافتسبوري (أنتوني آشلي كوبر، 1801-1885): إنجيلي بريطاني بارز تحدثنا عنه في مقال سابق في عام 1839، اقترح خطة لتوطين اليهود تحت حماية بريطانية (2).
  • ويليام هيكلر (1795-1878): دعا إلى إقامة دولة يهودية في فلسطين، متأثرًا بالنبوءات الدينية والرغبة في تقليص الوجود اليهودي في أوروبا (1).

هؤلاء المفكرون المسيحيون لم يكونوا مجرد داعمين عَرَضيين، بل وضعوا الأسس الفكرية التي استندت إليها الصهيونية لاحقًا، دوافعهم لم تقتصر على الإيمان الديني، بل شملت أيضًا أجندات سياسية واستعمارية تهدف إلى تعزيز النفوذ الغربي في الشرق الأوسط، ومعالجة "المشكلة اليهودية" في أوروبا عبر إبعاد اليهود.

 

نهاية المهمة المستحيلة:

 الكيان الذي أُسس عام 1948 على أنقاض فلسطين كبديل لأفكار سابقة ولان فيه فكرة مركزية، لم يفشل وإنما انجز المهمة ولم يعد له أهمية بل بات عبئا على مصالح العالم ومانع للاستقرار عندما يريد إخضاع أمة بالقوة، وسيترك على مدى قدرته على خداع العرب الذين يتجاوز الغرب المنطق بتعامله معهم من ضمن استراتيجية الكيان.

تدمير منهجي للوجود وحق الحياة في حرب غزة المستمرة منذ أكتوبر 2023، ولم تك هي البداية وإنما معاناة الفلسطينيين منذ 1948 في تهميش وظلم وتهجير إقصاء لكن 7 أكتوبر كانت الكاشفة للمسلمين والفاضحة للصهيونية بحقيقتها الإجرامية حول العالم بما لا يحتمل بعضه اليهود لينسب لهم بما عرفه العالم ولا نحتاج إلى ذكره من تجويع والم لا يقوم به إنسان وان كان مختلا،

هو الفشل ليس فقط عسكريًا أو سياسيًا، بل هو فشل أخلاقي وسوسيولوجي تتشاركه الولايات المتحدة؛ ففي الوقت الذي تتردد فيه إدارة ترامب في إدانة الجرائم الإسرائيلية، يوحد العالم صوته ضد هذه الانتهاكات، بما في ذلك أصوات يهودية شجاعة (7) ترفض الصهيونية وتتمسك بالقيم الإنسانية هذا التوحد العالمي إلى جانب صمود الشعب الفلسطيني، يشير هذا إلى أن المنطقة على أعتاب مرحلة جديدة بعد رفع الغطاء اليهودي والشرعية الوهمية، حيث يمكن للعدالة والتعايش أن يحلا محل الاحتلال والصراع.

 

 

الإبراهيمية سذاجة الفكرة وجهل المفكر:

ظهرت محاولات للترويج لما يسمى "الإبراهيمية" كدين جديد يهدف إلى توحيد اليهودية، المسيحية، والإسلام تحت مظلة واحدة، نوع من السذاجة في فهم الدين والتطاول على رب العالمين لكن هذه الفكرة، التي تُروج لها بعض الأطراف الصهيونية والغربية، تفتقر إلى الجذور التاريخية والثقافية في المنطقة العربية. الإسلام، كرسالة للآدمية، يقدم بالفعل إطارًا شاملاً للتعايش بين الأديان، حيث يعترف باليهودية والمسيحية كديانات، ويضمن لأتباعها الحرية الدينية تحت مفهوم "أهل الذمة". في الفقه الإسلامي، واهل الذمة مفهوم يشمل جميع المعتقدات، وهم تحت حماية المنهج الإسلامي، قال رسول الله، (من قتل معاهدا في غير كنهه حرم الله عليه الجنة) هذا المبدأ يعكس التزام الإسلام بحماية حقوق المعتقدات حتى عابد "الفأر"، ليس كأقليات وإنما جزء مميز في المجتمع محميا بذمة رسول الإسلام، كما يُشار في التراث الإسلامي، يُحترم حقه في العيش بسلام طالما لم يؤذِ الآخرين، لأن إيذاء أي إنسان هو إيذاء لرسالة الإسلام نفسه.

 

مستقبل المنطقة: تبني الجذور باتت مسالة وقت الكيان الصهيوني انتهت مهمته كقاعدة متقدمة للغرب وكممثل لليهود في العالم والمنطقة بتاريخها العريق وتنوعها الثقافي، لا تحتاج إلى مشاريع استعمارية أو أديان مصطنعة مثل "الإبراهيمية"؛ الإسلام بقيمه العادلة وتاريخه الطويل في احتضان الأديان الأخرى، يبقى الإطار الأنسب لتحقيق التعايش والسلام وتبقى أمريكا في قفص الاتهام ما لم تتبرأ من هذا الثقل الغير مبرر حمله.

 

 

 

المراجع

  1. Hechler, W. (1845). Restoration of the Jews. London.
  2. Hodder, E. (1886). The Life and Work of the Seventh Earl of Shaftesbury. London: Cassell.
  3. McDonald, J. (2017). Christian Zionism: Road-map to Armageddon? IVP Academic.
  4. Mendes-Flohr, P. (1998). The Jew in the Modern World. Oxford University Press.
  5. Ravitzky, A. (1996). Messianism, Zionism, and Jewish Religious Radicalism. University of Chicago Press.
  6. Stein, L. (1961). The Balfour Declaration. Simon and Schuster.
  7. UN OCHA (2025). Gaza Humanitarian Overview. United Nations.
  8. Webster, C. (1951). The Foreign Policy of Palmerston. G. Bell & Sons.

الجمعة، 1 أغسطس 2025

193- أ- غرور الجاهل بين وهْم المعرفة وتواضع التعلم: قراءة في أثر دانينغ-كروجر (1-3)

 رابط كصدر النشر عربي 21



هكذا قالت الحياة

في كل زمان ومكان، الجاهل أكثر جرأة من العارف، يقف الجاهل فوق قمة من الوهم يوزع اليقين بلا تردد ويتصدر ويتنمر ويتهم الآخرين بالجهل والتردد وأنه حامل الشعلة، بينما ينزوي العارف في ظلال الشك، حين يتكلم يتحفظ حتى إن تيقن فيظن الناس أنه ضعيف لا يثق بعلمه؛ لماذا يحدث هذا؟ وهل يتحول غرور الجاهل إلى تواضع حين يبدأ التعلم؟ هنا تلتقي حكمة الفلاسفة مع علم النفس الحديث فيما يعرف بـ"أثر دانينغ-كروجر، حيث يرسم المنحنى النفسي للثقة رحلة العقل الإنساني بين وهم المعرفة وحقيقة الإدراك.

دانينغ وكروجر

في عام 1999، قدم العالمان الأمريكيان ديفيد دانينغ وجاستن كروجر دراسة تصف مفارقة بشرية عميقة وما لاحظه الفلاسفة في عمق التاريخ: الجاهل لا يدرك جهله، بينما العارف يزداد وعيا بحدود علمه. هذه الظاهرة التي حملت اسميهما (تأثير دانينغ-كروجر) ترسم منحنى نفسيا تبدأ فيه الثقة بالنفس عند القاع ثم تصعد مع قلة الخبرة إلى ذروة وهمية، لتنهار لاحقا مع بداية الوعي، قبل أن تعود إلى الصعود بثبات مع التعلم الحقيقي: الجهل لا يولّد فقط ضعفا، بل قد يمنح صاحبه ثقة زائفة تتجاوز حدود الواقع. هذه الظاهرة، المعروفة اليوم بـ"تأثير دانينغ-كروجر"، تكشف أن الإنسان قليل الخبرة يميل إلى المبالغة في تقدير معرفته ومهاراته، بينما يصبح الشخص واسع الاطلاع أكثر وعيا بحدوده، وأقل اندفاعا للثقة المطلقة، رغم أنهما أغفلا حالة الإحباط والإحساس بالدونية التي تولدها البيئة والتربية السيئة.

إنها اللحظة التي يتلاشى فيها الغرور ليحل محله تواضع أصيل. التواضع هنا ليس ضعفا، بل وعيا ناضجا بأن الحقيقة أعقد مما ظن، وأن المعرفة رحلة لا تنتهي


بين الجهل والوهم

التأثير يبدأ "قمة الغباء الواثق"، حيث يظن الجاهل أنه يمتلك الإجابات لكل شيء. هذا ليس غرورا واعيا، بل نتيجة مباشرة لغياب الوعي الكافي للتقدير الدقيق لما لا يعرفه. المفارقة أن هذا الغرور الزائف قد يمنح صاحبه جاذبية اجتماعية مؤقتة؛ فالثقة، ولو كانت بلا أساس، تستهوي كثيرين. لكن حين يواجه الواقع -سواء بفشل عملي، أو نقاش جاد، أو بداية رحلة تعلم- ينكشف الوهم. خذ مثالا:

* موظف جديد يقرأ بضعة مقالات عن "الإدارة الحديثة" أو ينبهر بمعلومة يتصور أنه مالكها، في عمل يحتاج خبرة فيبدأ بانتقاد المخضرمين.

* أناس لا يطورون أنفسهم ويظنون أنهم ذوو رؤية رصينة فيطرحون رؤيتهم الخطأ بل يفرضونها على الآخرين.

* أو ناشط سياسي يتحدث بيقين عن "حلول نهائية" دون أن يبحر في الاقتصاد أو علم الاجتماع ليرى نفسه خبيرا.

هذا اليقين المزيّف ليس مجرد ثقة زائدة؛ إنه نتاج لغياب القدرة على تقييم الذات.

إحباط ما بعد الانكشاف

عند أولى خطوات الوعي، يدخل الإنسان فيما يمكن وصفه بـ"وادي الإحباط". تبدأ الثقة بالنفس في الانحدار الحاد:

* يسعى المرء لإدراك حجم ما يجهله.

* يتساءل إن كان قادرا أصلا على الإحاطة بالمجال.

* قد يشعر بالخجل من غروره السابق.

هذه المرحلة قاسية نفسيا، لكنها ضرورية. إنها اللحظة التي يتلاشى فيها الغرور ليحل محله تواضع أصيل. التواضع هنا ليس ضعفا، بل وعيا ناضجا بأن الحقيقة أعقد مما ظن، وأن المعرفة رحلة لا تنتهي.

من الغرور إلى الحكمة

نجد عند استمرار التعلم، يتغير المنحنى تدريجيا. يبدأ الشخص باستعادة الثقة، لكن هذه المرة مدعومة بفهم حقيقي، وخبرة عملية، وإدراك لحدود المعرفة الإنسانية. هنا يولد ما يسميه بعض الفلاسفة "تواضع العارف"، ذلك التوازن بين الثقة بقدرات الذات والتواضع عن علم، مطيحا بأنماط التفكير السطحية. لكن هذا كما أراه تعميم قد لا يمثل الواقع وهو من ضمن ما نطوره في الجزء الثاني.

لماذا يهمنا هذا اليوم؟

اليوم مع انفجار المعلومات، أصبح الخبير الوهمي ظاهرة اجتماعية: الآلاف ينشرون مقاطع عن السياسة أو الطب أو الدين دون أي تأهيل. المؤثرون الجدد يملكون ثقة أعلى من العلماء في مؤتمراتهم، لا يفكرون بالكلام من العالم بل كيف يتداخلون معه أو يسفهونه


في زمن التواصل السريع والإعلام المفتوح، أصبح تأثير دانينغ-كروجر أكثر وضوحا:

* الآلاف يظنون أنفسهم خبراء بمجرد قراءة مقال أو معرفة لمحة عن أي موضوع.

* النقاشات العامة يمتلئ بها من يملكون ثقة لا تتناسب مع معرفتهم.

* الحقيقيون في الميدان غالبا ما يتحدثون بحذر، إدراكا للمسؤولية ولا يصغي الناس لهم ظنا منهم بالاكتفاء، وأنهم يطرحون أمورا معقدة وسفسطة لا واقع لها ولا طائل منها.

فإدراك هذا التأثير ضرورة أن يصل إلى أكبر عدد ممكن لأنه يساعدنا على أن نصبح أكثر نقدا لذواتنا، وأكثر صبرا مع الآخرين، وفوق كل شيء، أكثر إصرارا على التعلم المستمر.، ليس عيبا أن تجهل أمرا، بل العيب ألا تعلم أو تتكلم بلا علم فتلك ليست مروءة.

للفائدة: السياسي لا بد أن يكون معه مستشارون والمنظمات والإدارات الحكومية، خاصة، أو أحزاب لا بد لها من مراكز دراسية واستشارية، فالقائد والمدير لا يعرف كل شيء ولا ينبغي أن يعرف كل شيء أصلا، الفيلسوف الذي يكتب موسوعات عن المعرفة لكنه ينتهي إلى القول "لا أعلم هذا فدلوني".

اليوم مع انفجار المعلومات، أصبح الخبير الوهمي ظاهرة اجتماعية: الآلاف ينشرون مقاطع عن السياسة أو الطب أو الدين دون أي تأهيل. المؤثرون الجدد يملكون ثقة أعلى من العلماء في مؤتمراتهم، لا يفكرون بالكلام من العالم بل كيف يتداخلون معه أو يسفهونه، ولا نعمم في هذا.

الخاتمة: درس التواضع

درب العلم طويل والعمر قصير، فمن الغرور أن تظن أنك ملكت ناصيته، والله سيحاسبنا لأننا جوّعنا منظومة العقل بالجهل؛ فما بين قمة الغرور ووادي الإحباط تكمن حقيقة الإنسان الباحث عن المعرفة. نظرية دانينغ-كروجر لم تخلق هذه الرحلة النفسية وإنما وصفتها.

الأربعاء، 30 يوليو 2025

192- سورة الماعون وحصار غزة وصمت عين العاصفة

 رابط الشرق القطريـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة


ما بين "سورة الماعون" وحصار غزة: صمت عين العاصفة

أَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ (1) فَذَٰلِكَ ٱلَّذِي يَدُعُّ ٱلۡيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ (3) فَوَيۡلٞ لِّلۡمُصَلِّينَ (4) ٱلَّذِينَ هُمۡ عَن صَلَاتِهِمۡ سَاهُونَ (5) ٱلَّذِينَ هُمۡ يُرَآءُونَ (6) وَيَمۡنَعُونَ ٱلۡمَاعُونَ (7)(سورة الماعون

تكذيب عملي مع تدين شكلي:

في سورة الماعون، ترسم الآيات القليلة صورة لمجتمع انفصلت فيه العبادة عن الأخلاق، والإيمان عن الرحمة، والعبادة عن العمل الاجتماعي. إنها سورة قصيرة، لكنها تنسف النفاق الديني وتفضح زيف التدين الذي ينفصل عن الموقف الأخلاقي تجاه الإنسان، خصوصًا حين يكون هذا الإنسان ضعيفًا أو مظلومًا فما بالكم بغزة العزة وهي تتعرض لإبادة ليس بقنبلة ذرية ولا باجتياح وإنما بأسلوب همجي متخلف من حصار يستطيع من يأكل أن يأكل ومن يشرب أن يشرب وهو يرى إخوته يموتون جوعا وهو يذهب إلى المسجد ليصلي والى أفراحه وأتراحه وكل عناوين اللامبالية، الجاهلية والكفر لم ترض أن يستمر حصار شعب أبي طالب وكانوا يعلمون أن الغذاء يهرّب لهم، لكننا نقبل ونعيش حياتنا وكان شيئا لم يك.

عندما كنا نقرأ هذه الآيات كنت استغرب كيف يكون الويل لمصلي كيف يكون وعيد الله لعباد لا تعلن الكفر، لكن ما نراه في غزة وتجاهل مقيت هو إفراغ لمعنى الدين رغم بقاء التدين الغريزي فأي دين يبقى حين يُترك اليتيم تحت الأنقاض، والمسكين بلا دواء ولا ماء، ثم تُقام الصلوات في قاعات مكيفة دون أن تُقض مضاجعنا من مشهد طفل ينزف على الهواء؟

الصمت العربي: اخرجوا آل لوط من قريتكم

غالبية الأنظمة العربية اختارت الوقوف في المنطقة الرمادية، محتمية إما بالخطاب السياسي البارد أو بالذرائع الجيوسياسية، بينما الدم ينزف بلا انقطاع، المنصات الرسمية في عالمنا العربي تنشغل بالاحتفالات وتعظيم القادة الأفذاذ الضرورة الذين لا تعرف لم وضعت النياشين على صدورهم وبحسابات الربح والخسارة، وكأن الدم الفلسطيني مجرد ملف إقليمي عابر.

هذا يطرح سؤالاً فلسفياً: هل الصمت تجاه الشر، خصوصًا حين يكون جماعيًا، يعكس موقفًا وجوديًا أعمق؟ هل نحن أمام تحلل داخلي للمجتمعات التي لم تعد ترى شيئا مهما أو لها قضية، أم هو عين العاصفة عندما يسود السكون مبشرا بالدمار القادم؟

سورة الماعون: فلسفة الأخلاق.

إن جوهر سورة الماعون ليس فقط فضح المنافق الذي يعبد الله ظاهريًا، بل تفكيك النظام الأخلاقي الذي يسمح له بذلك. وصف لمعنى أمة الغثاء التي لا تشعر بالعار ولا بغبش الفهم، ليست خطابًا تشريعيا بل صرخة فلسفية ضد اللامبالاة الأخلاقية، ضد التطبيع مع الألم، وضد تحييد الضمير.

وهنا يلتقي النص القرآني مع أعمق ما وصلت إليه الفلسفة الأخلاقية الحديثة، من إيمانويل ليفيناس الذي جعل "وجه الآخر" نداءً أخلاقيًا لا يمكن تجاهله، ما يحصل فضيحة وعار أيها السادة سيكتبها التاريخ والاهم ستكتب في صفائح أعمالكم حين تقفون أمام الله.

غزة كاختبار لجوهر الأمة

غزة اليوم ليست فقط قضية فلسطينية، بل مرآة الأمة كلها في لحظة تاريخية، تجتمع فيها الوحشية عارية غير خجلة فممن تخجل، والإفلات من العقاب، وتواطؤ قوى كبرى تكون وسيطا ولكنها مفاوض بينما هنالك من يتاجر بالقضية سيف على إخوته وخنجر بيد أعدائه، فتصبح ردة الفعل أو غيابها – شهادة حية على من نحن حقًا.

حين يصمت من يمتلك القدرة على الحديث، أو يساوي بين القاتل والضحية، أو يتذرع بالواقعية السياسية، فإنه لا يخذل فلسطين فقط، بل يعلن إفلاسه الوجودي وسهوه عن الصلاة ومنع الماعون ليس لأنه لا يصلي، بل لأنه يصلي دون أثر، ويرى أهله يموتون بل وأحيانا يشارك في قتلهم.

الشعوب الأوروبية... وضمير لا يُقهر بالكامل

المفارقة العميقة أن الشعوب الأوروبية التي طالما عُرفت بدعم حكوماتها للعدوان، لم تحتمل هول ما ترى. نزلت إلى الشوارع، مزقت الخطوط الحمراء، وواجهت القوانين القمعية لتعلن: "هذا ليس باسمنا".

هذه الشعوب، رغم بعدها الثقافي والديني، استجابت لـ “الماعون" الإنساني: تقديم الحد الأدنى من النخوة، الإغاثة، الكلمة، الصوت، في المقابل، كان الضمير الإنساني الأوروبي، رغم كل تاريخه الاستعماري، أكثر يقظة، آلاف التظاهرات والاعتصامات، وجماهير غربية تمشي من أجل غزة، أما العالم العربي، الذي يُفترض أنه الأقرب دمًا ولغة ودينًا، فإنه يعاني مما تسميته بـ “أزمة فهم المعنى" فحين يصبح لقد جرفنا تيار الدم إلى مضيق وجودي.

وبعد

كان ملكا يفرض الضرائب ويحذره مستشاروه أن الشعب يصرخ، إلى أن جاءه مستشاره فرحا وقال له: الشعب صمت! فنهض من مكانه وقال ارفعوا عن الشعب الضرائب لأنه الآن بات خطرا وسينفجر.

إذا استمر الصمت العربي، فإن الكارثة في غزة قد لا تكون فقط مجزرة بشرية، بل قد تكون مجزرة داخل الذات العربية، ويل ليس وادي في الآخرة فقط.

الثلاثاء، 29 يوليو 2025

191 - هـــــــل بلغنا شروط هلاك القرى في ضوء القرآن

رابــــط الــــــــــــــــــ صحيفة ـــــــــــــــــــــزمان 



﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ﴾

احذروا فقد حق القول

ليست هذه الآية الكريمة من سورة الإسراء مجرد تقرير لحكم إلهي، بل هي بنية تفسيرية عميقة لحركة المجتمعات وسيرورتها نحو الانهيار، إذ تتحدث بلغة موجزة عن سنة كونية لكل تجربة بشرية آيلة للسقوط إنها لا تشرح العذاب، بل تشرح السبب؛ لا تتحدث عن القوة المدمرة، بل عن لحظة الانهيار التي تصبح فيها القرية عبئًا على ذاتها (والقرآن يصف القرية عندما يتفق أهلها المتنفذين على ما يوجب العذاب ويصمت الناس عنه أو لا ينكروه)، حين تفقد توازنها الأخلاقي والمعنوي.
النص – لمن يتأمله – لا يتحدث عن هلاك كعقوبة منفصلة تصدر فجأة، بل عن سيرورة لصيرورة داخلية، منطقية، تبدأ من تخلخل داخلي وتصل إلى نقطة الانحدار، ثم الهدم.

بين "أمرنا" و"أمرهم": الفعل لا يعني التكليف

قراءة لفظ "أمرنا" في هذه الآية كما لو كان قضاء من الله، أي كأن الله يقول: أمرناهم بأن يفسقوا خطأ كبير فهذا ما لا يستقيم مع العدل الإلهي ولا مع سياق الآيات ولا مع لغة العرب؛ فاللفظ هنا لا يعني التكليف، بل التمكين، أو الإمهال، أو الإغراق في النعمة، أو الكثرة لان الفساد يتوالد؛ بمعنى: بلغ المترفون من القوة والانتشار والتمكين عدد وعدة والسطوة درجةً صار فيها الفسق ليس مجرد حالة فردية بل ظاهرة متعايش معها، كمؤسسة، مُبرّرة، لها شرعيتها وهنا توصف الدول والمدن بالقرية؛ هو اختبار وليس قضاء محتوما فنحن في اختبار للمنظومة العقلية والشجرة حاضرة دوما ومحرمة.

الفاسق – في المفهوم القرآني – ليس الجاهل، بل العارف المائل للفساد وهذا هو أخطر أنواع الفسق: حين يعرف المترف أن سلوكه مخالف للحق، بل هو نمط من الخروج الواعي عن القيم التي يزعمها، عن التوازن، عن العدالة. لكنه ماضٍ فيه لأنه متاح وميسر، الفسق هنا لا يعني فقط ارتكاب المعاصي أو ناتجًا عن فقر في المعرفة أو فقر مال، بل عن طغيان في الإرادة، وخلل في الضمير الجمعي، وتآكل في البوصلة.

وصف الآية يبدأ بالمترفين، لأنه يقوم على الأنا، على إقصاء المعنى، على تقديس المتعة. المترف في بنية النص القرآني ليس ثريًا فحسب، بل هو ابن المنظومة التي جعلت من المال والسلطة معيارًا للنجاح، ومن اللذة قانونًا أعلى من الحق.

والمترف حين يُمكّن، يُفسد، ليس لأنه شرير في ذاته، بل لأن الترف يقتل المناعة الأخلاقية. الفسق هنا ليس خرقًا فرديًا، بل انقلاب جمعي على المعايير: يعرفون الحق ويتكلمون به ويخالفونه؛ يعرفون العدالة ولكنهم يبررون الظلم، يعرفون الفساد ولكن تعريفه عندهم اختلف فقد أصبح الاعتداء على نصيبهم من الغنيمة فالأمانة باتت مغنم، يعرفون الله ويزعمون عبادته، بل يبررون سحق الإنسان باسمه.  

عند هذا لم تعد النخبة تعبر عن مشروع حضاري، بل عن جشع ذاتي منغلق، تتحول فيه أدوات القوة (الثروة، الإعلام، القرار) إلى قنوات لخلخلة الأسس التي قامت عليها الجماعة هنا تتلاقى هذه الرؤية مع تحليلات ابن خلدون عن العصبية ونهاية الدولة، ومع الفلاسفة المعاصرين الذين يرون أن النظم تموت حين تفقد المعنى، لا حين تُغزَى من الخارج.  

فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ:

 "حقّ القول": عندما يصبح الانهيار حتميًا "فحقّ عليها القول" ليست حُكمًا مباشرًا، بل تقرير بأن شروط الانهيار أصبحت مكتملة، الدولة حين تفشل في تصحيح مسارها، وتنتج نخبتها من الفساد بدل العلم، وتخون فيها القوانين وظيفتها لحماية المصلحة العامة، تدخل في منطق السقوط الذاتي، حيث لا يصبح الخارج سببًا بل نتيجة العدل الذي يتنزل في صورة نهاية حين يصل الفسق إلى مرحلة الهيمنة، لا يبقى في القرية من يقاوم المنظومة، بل تنقلب المعايير؛ يُهاجَم المستقيم، ويُسخَر من العدل، بل تستخدم أجهزته في الظلم عندها فقط، يحق القول: لا لأن الله انتقم، فانتقام الله حساب الآخرة؛ بل لأن الشروط اكتملت وبُنى النسيج المجتمعي تهشّمت فالقيم التي تحفظ بقاء الإنسان تم سحقها تحت أقدام المترفين، ولأن القرية صارت خاوية من عوامل البقاء فـ"القول" هنا هو حكم القدر بسنن الكون الذي يحدث حين تكتمل شروط الفساد عن إصرار وعلم وبتمكين.

فدمّرناها تدميرًا:

من الكفاءة إلى الولاء، من القانون إلى الشطارة، من البناء إلى الترقيع، من النقد إلى التبرير السقوط هو نتيجة لانهيار الوعي والمعيار الصمت الجمعي: شراكة في الخراب حين يسيطر المترفون، لا تكون مسؤوليتهم وحدهم هنالك صمت مجتمعي، وخوف مثقفين، ومخدرات إعلامية، ومؤسسات تعقد حياة المواطن بدل تسهيلها، والضرائب غرامات، حتى يصبح الفساد عرفًا، والتفاهة ذكاء، والطائفية هوية، هنا يتحول الانهيار من خيار إلى حتمية.

طريق النجاة: السقوط يبدأ بفساد النخبة، والنهضة تبدأ بإعادة بناء النخبة على أسس العلم، والنزاهة، والإخلاص العام، لا على روابط هابطة ذكرناها أو الولاء للفساد، الدولة لا تقوم بالفوضى ولا بالشعارات، بل بقانون يحمي مواردها لا ينهبها، وولاء لمفهوم الوطن لا لأشخاصه، ونخبة تُختار بالكفاءة لا بالمحسوبية، لابد من حماية إدارة الدولة وبنائها بالمخلصين ومخرجات مراكز الدراسات. 

الخاتمة: الآية ليست خبرًا عن الماضي، بل قانونًا مستمرًا. إنها ليست عن ثمود أو عاد فقط، بل عن كل قرية والعبرة أن الإهلاك لا يُبتدأ من السماء، بل يُصنع على الأرض حين تُترك مفاصل القوة بيد المترفين، فحينما يُسمح للفسق أن يكون رؤية وليس جرما منكرا يبدأ الهلاك.


الاثنين، 28 يوليو 2025

190- إنسانية ميتة على حافة الفناء: هل لا يزال الإنسان جديرًا بالتكريم الإلهي؟

 

رابط الشبكة مباشر


إنسانية ميتة على حافة الفناء: هل لا يزال الإنسان جديرًا بالتكريم الإلهي؟

معالجة انحدار الإنسانية مع نقص الموارد وتغيير المناخ

 حين يموت الضمير قبل الجسد 

في غزة يُهدم الإنسان قبل أن يُهدم الحجر، يُحاصر الملايين بالجوع، ويُترك الأطفال للموت البطيء وسط ركام البيوت والمساجد. والعالم؟ يقف متفرجًا، بل أحيانًا متواطئًا، عندما يفضل البعض حياة الذل والمهانة على نصرة حق الحياة لإخوانهم، وكأن الإنسانية لم تعد سوى شعارا أجوفا يُرفع حين يخدم مصالح معينة ويسقط حين يُذكّر بالعدالة الكونية.  في غزة يُقصف الإنسان قبل أن يُقصف الحجر، يُجَوّع الأطفال حتى الموت، ويُدفن البشر أحياء تحت الركام والعالم أين العالم؟ منشغل بتعريف “مَن هو الإنسان المستحق للتعاطف؟” وكأن الإنسانية أصبحت امتيازًا جغرافيًا أو عرقيًا لا حقًا فطريًا لكل بني آدم إنه مشهد لم يُفاجئ سوى القلوب الساذجة فالإنسان الحديث الذي بنى المدنية على استنزاف الطبيعة واستعباد الشعوب لا يجد غزة استثناءً، مع أنها تعبر عن أزمة أعمق في الإنسانية الحديثة، أزمة تكشف أن الإنسان قد خلع عن نفسه ثوب تكريمه الإلهي، واختار أن يعيش وفق قوانين الغريزة والمصلحة العارية.  لقد صرخ النفاق عاليا عندما احتج الغرب الرسمي على قصف كنيسة اللاتين، ليس لقتل من استشهد فيها وإنما هي كنيسة قد تعمق روح الاحتجاج عند مواطنيهم والا هي في غزة ومن غزة وأهلهم يموتون يوميا بلا رد فعل قطعان الإيل المرتدية جلد البشر وهي تنظر ببلاهة إلى افتراس أختها.

الإنسانية الحديثة… قشرة لازدواجية المعايير الأخلاقية يفضحها صمت عالمي أمام المجازر وسوء اهتمام بالبشرية ومشاكلها الوجودية والتعامل معها بانفراد وبعقلية عدمية بليدة.

 استنزاف الطبيعة ومواردها والعالم يزداد عددًا، فيما الموارد الطبيعية تتقلص بسرعة مرعبة. الغابات تُحرق، المياه الجوفية تُستنزف، المناخ يختل، وكل هذا يُنذر باضطراب عالمي سيعصف حتى بمن يظن نفسه في الجانب الآمن وهنا ستظهر وحشية مشابهة للتعامل وغزة.

 خطر نقص الموارد…موت سبب التكريم

 الإنسان سيواجه مصيره وإذا كان العالم لم يتحرك لإنقاذ حياة إنسانية في غزة، فهل سيتحرك حين يهدده خطر أكبر؟ نقص الغذاء العالمي: تغير المناخ وتدهور الأراضي الزراعية يهددان الأمن الغذائي، حروب المياه المحتملة الأنهار العابرة للحدود قد تصبح بؤر صراع دموي إن لم يستعيد الإنسان ما كرمه الله به الطاقة والمعادن سباق محموم قد ينتهي بانهيار اقتصادات؛ الكوكب لا يفرق بين شرق وغرب إذا انهارت المنظومات البيئية، لن تحمي الأسوار العالية أحدًا، عندما ينشغل قائد اكبر دولة في العالم بالمال والأعمال وجلب الأموال باي طريق ليس مهما إنما أعوض خسارتي في مكان ما حتى ممن يتصور انه صديقي ويكرمني ومن ثم أهينه عندما اعلن استغلاله وهو لا علاقة له بخسارتي.

كيف سيستقبل العالم مشاكل تغيير المناخ كالقطعان المستنفرة بلا تنسيق بينها أو اهتمام وغزة نموذجا شاهدا على هذا التفكير السقيم! دون شك لابد أن ننتبه للكثير.

خطوات من اجل الخلاص:

إن الخلاص ليس بظلم الإنسان وقتله وسلبه وإعداد الساحة لهر مجدون أو أية تسمية من تسميات نهاية العالم ببلاهة وسذاجة لا تتناسب مع التطور العلمي والتقني الذي يستخدم أسوأ استخدام دون أن يحس هؤلاء البشر أن استخدامهم السيء هو مصيرهم في الآخرة وليس أي رواية.

إن اختبار منظومتكم العقلية ليس بالخرافات ولا بالطغيان ولا بما يحصل اليوم وإنما كيف تعالجون حياتكم وتبنون لها كيف تحافظون على السلالة من الانقراض، كيف تكونون أخوة ولكن ليس كقابيل القاتل وهابيل الضحية.... لان التخلف هو من يبعدكم عن العيش المشترك وعن إيجاد الحلول لاستقبال التغيير المناخي القادم وعن التعاون بين الجميع لديمومة الحياة فما نحتاج لمواجهة تحديات قادمة كالمناخ والمياه:

·        إطار حوكمة عالمي متكامل وشفاف إنشاء هيئة دولية مستقلة تجمع الدول بتمثيل عادل لإدارة الموارد العالمية (مياه، طاقة، غابات...)

·        نظام التعاون المالي والتقني متعدد الأطراف صندوق تمويل عالمي لدعم مشاريع التنمية المستدامة والتكنولوجيا النظيفة. تشجيع نقل التكنولوجيا الخضراء بين الدول، خصوصًا من الدول المتقدمة إلى النامية. آليات شفافة لمراقبة صرف الأموال وضمان تحقيق الأهداف

·         شراكات إقليمية لإدارة الأزمات تحالفات إقليمية لإدارة الموارد بشكل عادل (مثلاً الأنهار المشتركة، الأراضي الزراعية). نظم إنذار مبكر لمواجهة الكوارث البيئية قبل تفاقمها.

·        نظام اقتصاد دائري عالمي رقمي (Global Digital Circular Economy) وهو نظام اقتصادي رقمي لكن لنجعله يتجاوز إعادة التدوير إلى إدارة اقتصاد العالم.

الحقيقة أن نظام المشاركة والتوأمة وتفهم مشاكل الآخرين سيقارب بين الناس فالعمل المطلوب كثيرا قبل أن يفقد الإنسان تكريمه لأنه لا يحترم منظومته العقلية ويستخدمها في الصواب فسيصل إلى عيش بسلوك البهائم كصيغة تعبر عن فشل في مهمته الآدمية.

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾(الإسراء:70)

أظن أن القارئ أدرك لم دمجت غزة مع التقصير في استقبال ما نستشعر من مشاكل ستواجه البشرية، لان غزة شاهد على ذلك المخفي بما يغشي البصيرة بتطور التكنولوجية في التدمير بدل بناء الإنسان.

غزة اليوم إنذار مبكر واضح، صوت قاهر جهوري، هي مرآة الآدمية التي تفشل في المهمة كما ستفشل في مواجهة القادم من تغيير في الطبيعة.

غزة اليوم مرآة تكشف موت الضمير الإنساني، ونقص الموارد القادم سيكون اختبارًا أشد قسوة. إذا لم يعد الإنسان إلى مقامه كخليفة عادل، فإن التكريم الإلهي سيُسحب منه، ليس عقابًا سماويًا بل نتيجة فعله وما آل إليه من فشل ذريع وان ما يبنيه اليوم من مظاهر مدنية سيقضي على مدنية الآدمية كنتيجة فهل نحن في عالم يستحق التكريم؟

الجمعة، 25 يوليو 2025

189- مابيــــــــن الثــــــــــابت والجامــــــــد

رابط عربي 21 



بديهية

لا يرى الفرق إلا من تأمل ذاك الخيط الرفيع بين الثبات والجمود، كلاهما يوحيان بالارتكاز ومعبران عن قوة هذا الارتكاز، بيد أنهما ساعة الفعل في التطبيق ضدان؛ فالجمود يرتدي ألبسة متعددة لكي يبدو ثباتا، تارة تراه بزي شيخ الحكمة، وتارة بثياب أحد أساطير أو آلهة الإغريق زاعما الثبات على الرأي أو القيمة أو لاستقرار، وبين الثبات والاستقرار أو زعم أحدهما نحتاج لفهم المعاني قبل التزام المصطلحات.

الثبات: الجذور التي تمنحنا الحياة

الثبات هو إرادة واعية ترفض التفريط بالقيم العليا، إنه أشبه بشجرة تضرب جذورها في الأرض، لكن أغصانها تظل مرنة، تتمايل مع الرياح كي تعود أكثر قوة بعدها. الثابت ليس أسيرا للمظهر، بل مخلص للجوهر. يعرف أن المبادئ قد تكون مطلقة، لكن وسائل تحقيقها نسبية، تتغير مع تغير الزمن والظروف، وعندما يخلط السياسي (مثلا) بين هاتين الفكرتين فهو سيكون صريع مصالحه ومضحيا بمصلحة من يثق به ويعيش معه.

الثابت ليس أسيرا للمظهر، بل مخلص للجوهر. يعرف أن المبادئ قد تكون مطلقة، لكن وسائل تحقيقها نسبية، تتغير مع تغير الزمن والظروف


هنالك جذر مهم يربط السردية لأي فكرة صحية وما يمكن أن تحقق الفكرة وبأي اتجاه، فالثبات على المبدأ لا يعني أبيض وأسود أو لا يوجد ألوان.

لقد شهد التاريخ أمثلة عديدة على هذا الثبات الحي. الرسول eفي صلح الحديبية لم يفكر كما نخبة الصحابة أنه يحمل الدين الصحيح وأن قبول عنجهية الجاهلية بالحلم هو تراجع وهزيمة، بل فكر كقائد ورجل دولة، والتاريخ حكم على قراره.

كان غاندي ثابتا على مبدأ اللاعنف، هو لم يكن يريد شعبا مستعبدا أن يحمل أيديولوجيا ويقاتل في سبيلها، بل أراد أن يحول الاستسلام إلى صمود والقهر إلى صبر والعبودية إلى أمل بالحرية، فأعطاهم النموذج بنفسه، هو نجح بإخضاع المصالح للتوحد لكن قتله التخلف كأي حامل رسالة في شعب جاهل.

ومثال آخر هو اليابان بعد الحرب العالمية الثانية. لم تتخلّ عن هويتها العميقة، لكنّها أعادت صياغتها لتتناسب مع عالم جديد. كانت جذورها ثابتة في الثقافة واللغة والتقاليد، بينما أجنحتها الصناعية والتقنية حلّقت في فضاء التقدم. هذا الثبات المرن هو ما أنقذ اليابان من الانهيار وحوّلها إلى قوة اقتصادية وعلمية.

الثبات إذا هو موقف فلسفي يرى المبادئ كنبع حي، يحتاج إلى الرفد بالأفكار والتجارب الجديدة كيلا يجف.

الجمود: حين تتحول القيم إلى أصنام

على النقيض، الجمود حالة من الانكماش الداخلي، خوف من المجهول، وتقديس للشكل على حساب المضمون. هو وهْم الأمان في البقاء كما نحن، فالبقاء معناه الموت البطيء.

الإمبراطوريات التي انهارت لأنها رفضت التغيير كثيرة، في نهاياتها رغم أنها مجوفة أكلها السوس كالإمبراطورية الساسانية والإمبراطورية العثمانية وغيرهما، تعرضت للتعرية التاريخية فلم تر ما حولها، حتى على مستوى الأفراد. نرى الجمود يتجلى حين يخشى الإنسان مراجعة أفكاره أو تطوير مهاراته، فيجد نفسه بعد سنوات أسير قوالب فكرية لم تعد قادرة على تفسير عالم يتغير كل يوم.

متى يتحول الثابت إلى جامد؟ وفلسفة التوازن

التحول من الثبات إلى الجمود يحدث بخطوات صغيرة لا يلاحظها المرء إلا متأخرا. يبدأ حين نتعلق بالوسائل بدل الغايات، حين نصبح أسرى لشكليات بدعوى حماية الثوابت، وحين نصم آذاننا عن النقد بذريعة الحفاظ على الهوية، نحن كأمة أتانا الإسلام حيا، نصوصه تتيح للبشر الاجتهاد برأي ليس مقدسا وتبني دولة وحكم، لكننا شوهناه بالتفسير وإقحام القدسية على البشر، وأبدلنا الأصنام الحجرية بأصنام بشرية وأخفقنا في التقدم خشية أن نفقد التراث، بينما التراث للعبرة والحاضر تقوده الفكرة.

ألم تر أننا من المجتمعات التي جعلت من التراث أصناما لا تُمسّ، فأوقفت التفكير النقدي والاجتهاد! لم تدرك أن الوفاء الحقيقي للتراث لا يكون بتحنيطه، بل بجعله حيا متجددا يستلهم الماضي ليصنع مستقبلا.

ألم تر سياسيين يحتجون لضعف كفاءاتهم بالثبات على الرأي والإصرار عليه، فأوردوا قومهم دار البوار، ومع هذا هم مستمرون رغم تخليهم عن زعمهم والتكبر الفارغ، ذلك أنهم لم يتجمدوا حفاظا على الرأي أو القيم وإنما خوفا أن لا ينالوا سقط المتاع.

الحل ليس الانسلاخ عن الثوابت، ولا الغرق في الجمود، بل إحياء الحركة داخل إطارها. القيم الكبرى (كالعدل، الكرامة، الحرية) هي الثوابت التي تمنحنا الهوية، أما الوسائل والسياسات والأدوات فهي متغيرة، ويجب أن تتغير كي تحقق تلك القيم في سياق جديد.

هذا التوازن يتطلب شجاعة فكرية وأخلاقية: شجاعة النقد الذاتي، وشجاعة الابتكار، وشجاعة مواجهة الخوف من التغيير.

الثبات قوة عندما يفهم ويتميز عن الجمود ويكون وفق استراتيجية تنفيذية وليس شعارات لأنه سيتحول إلى جمود عاجز، إن الهوية هي التي نتعرف عليها بأصلها وليس التشوّه المنقول المنحول


إن هذا الخلط بين الثبات والجمود هو ما جعل كثيرا من القيم النبيلة تتحول إلى شعارات خاوية، وكثيرا من الأمم العظيمة تنكفئ على نفسها حتى اختنقت. هنا تصبح الأسئلة ملحّة: متى يكون الثبات قوة؟ ومتى ينقلب إلى جمود قاتل؟ وكيف نحيا الحركة داخل الإطار دون أن نفقد هويتنا أو نتحجر باسمها؟

نحن من نقرر

الثبات قوة عندما يفهم ويتميز عن الجمود ويكون وفق استراتيجية تنفيذية وليس شعارات لأنه سيتحول إلى جمود عاجز، إن الهوية هي التي نتعرف عليها بأصلها وليس التشوّه المنقول المنحول الذي لا نطبقه رغم علو الصوت في مدحه وزعم الدفاع عنه بعقليه الجاهل العاجز الذي يعلو صوته آمنا، فإن تعرض لخسارة الدرهم أو رفاهيته انكفأ إلى الصمت المقدس.

التاريخ لا يرحم من جمّدوا أفكارهم حتى انكسرت، لكنه يخلّد أولئك الذين ثبتوا على جوهر القيم بينما ابتكروا ألف طريق لتجسيدها؛ الإصلاح الحقيقي لا يأتي من القفز في المجهول، بل من شجاعة الموازنة، وأن نحافظ على الثابت الحي، وأن نبتكر وسائل جديدة تحقق الغايات النبيلة.

إننا نقلب الثبات جمودا عندما نتشبث بالشكل وننسى الجوهر، عندما نصم آذاننا عن النقد بدعوى الدفاع عن الثوابت. في هذه اللحظة يبدأ الفكر بالتكلس، كالماء الراكد الذي يصبح مع الزمن مستنقعا فيه حياة ولكنها تعني المرض.

فهل نحن مستعدون لأن نسأل أنفسنا بجرأة: هل نعيش الحياة كما هي، أم نحرس الوهم باسم الوفاء؟ وهل نملك الشجاعة لنقول إن ما نمارسه اليوم ليس هو حقيقة ما نزعم أننا ننتمي إليه، وان الأصل مدفون بكم الأفكار المشوهة من أنقاض ما صنعه الجهل.

225- ملحــــــــــــدون

 رابط عربي 21 توصيف الموضوع وفقَ اعتقادي، الإنسان في الأرض لاختبار منظومته العقلية ومدى قدرتها على التفكير السليم، وأن ما زل به آدم وزوجه هو...

يقظة فكرgoogle-site-verification: google25f7d3ebc2fdac29.html