https://m-salihalbdrany.blogspot.com/ فكــــــر اليقظـــــــة Mindfulnesshttps://m-salihalbdrany.blogspot.com/

بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 17 يناير 2026

223= حداثة بائدة وحداثة رائدة

 رابط عربي 21


حركة البشرية:

منذ انطلاق رحلة التنمية وصياغة قوانين لإدارة الحياة، كانت القوانين لحماية الرأسمالية المتشكلة، وأما القيم فلم يك لها دور إلا بالكلام، فكانت الإنسانية لها معنى يختلف عندما يرى الأوروبي الهندي أو العربي الإحساس بالتفوق، ولأني متفوق أفعل ما أريد بغيري، وهو تفسير ضال واستعارة تعسفية من علوم الأحياء والنشوء والارتقاء في الاجتماع والسياسة بما لا يمكن استعارته.

الحداثة بدأت في تغيير نمط الحياة في أوروبا ومن المدن الساحلية كفينيسيا في المدنية وليس بناء حضاريا فكريا وهذا اختلاف مهم عن الشرق، لكن حكم الغرب أن معيار تفوقه التكنولوجي أو الجنس الأبيض بتفسير سيئ؛ جعله في صراع مع الشرق ورغبته الفاشلة في تغييره، فالشرق حضارات وأمة، أما في الغرب فالدولة هي مؤسسة وشركة، وتنافسه مع أرقى المدنيات في عصرها أنتج هزيمة الاتحاد السوفييتي لأنه خالف الطبيعة البشرية وفق التصور العميق للإنسان والذي يطل برأسه مهما حاول الطغيان إخفاءه.

الحداثة الآفلة:

حداثة الغرب آفلة ولأسباب كثيرة شرحها الباحثون، فهي لا تستند إلى فكر حضاري كي تتجدد ولا تتميز بوحدة اللغة كالصين. وقد تُنتقد الحداثة ودولتها "أنها لبوس زائف يتهاوى أمام أفكار أخرى تواجهها"، وأنها لا تصمد أمام منافس مختلف بالنمط الحياتي لنفس السبب، وهو أنها لا تقوم على فكر وإنما على قيمة النفعية، وهو ما نرى فيه كل إيجابيات السلوك الحسن مع الزبون.

هذه الدولة ليست مجرد هيكل إداري، بل تجسيد للحداثة: تسيطر على الاقتصاد، تنظم المجتمع، وتفرض العقلانية -كما تسميها- على الطبيعة والإنسان.

أما عن "من يتهاوى الآن"، فالسؤال يفتح نقاشا حول أزمة الحداثة أم أزمة الدولة الحديثة. من منظور تاريخي، يرى بعض المفكرين أن الحداثة نفسها تتهاوى، إذ انتهت عصرها مع الحرب العالمية الثانية أو حتى الثمانينيات، مفسحة المجال لما بعد الحداثة (postmodernity) التي تفكك السرديات الكبرى مثل التقدم والعقلانية، وتكشف عن هشاشة الوعود الحداثية في مواجهة العولمة (الانهيار البيئي، والأزمات الرقمية، على سبيل المثال). يتحدث كريستوفر كلارك عن "نهاية الحداثة" في 2025، مشيرا إلى تفكك العولمة والعودة إلى صراعات ما قبل الحداثة، كما في النزاعات الإقليمية والطائفية.

من جهة أخرى، يركز آخرون على تهاوي الدولة الحديثة نفسها، لا الحداثة كمفهوم، بيد أن الدولة الحديثة لم تعد حديثة وتحتاج تحديثا، وهي لا تصمد أمام التقارب الذي يحصل في العالم، حيث الجغرافية أضحت متقاربة بسبب الاتصالات والمواصلات، وانتقال الأمراض أضحى وكأن لا حواجز بين الأمم، وهذا أمر مهم الحقيقة يبين الحاجة إلى تفكير جديد.

الحداثة حداثات:

الحداثة ليست متلازمة مع أمة أو شكل واحد، بعمق التاريخ كان الإسلام يقود حداثة فكرية أخلاقية استطاعت احتضان المدنية، لكن الفهم للإسلام وفكره تراجع من العمق إلى السطحية وما زال، والتراجع سبب تحييد الأمة واستمرار انحدارها إلى يومنا هذا أو على الأقل السبب الذي أضعفها فجعلها فريسة حية تنهشها كل الضباع وهي حية.

إن رفض فكرة الحداثة الواحدة يسمح ببناء النموذج المحلي، مما يجعلها أكثر استدامة وتكيفا مع التحديات المعاصرة لبناء النموذج الحقيقي بلا رتوش، أما الدولة الحديثة التقليدية فقد بُنيت غالبا على أسس عملية مثل احتكار العنف الشرعي (كما وصفها ماكس فيبر)، وهو أمر يشبه ولاية التغلب وشرعية الظلم للحاكم، أما مقاومته فهي إرهاب منتهى التخلف الأخلاقي وخيانة المعلن من المبادئ، وقد تعلن بعنوان التنمية الاقتصادية، دون التركيز الرئيس على الأخلاق. ومع ذلك، هذا لا يعني أن الدولة يجب أن تبقى كذلك؛ بل يمكن إعادة تصورها ككيان أخلاقي يركز على السعادة الإنسانية والعدالة، وعندما يضع الباحثون مثالا على ذلك هو مملكة بوتان، التي اعتمدت "السعادة الوطنية الإجمالية" كمقياس رئيسي للتقدم بدلا من الناتج المحلي الإجمالي، فهو مثال محبط كنموذج مبني على مبادئ بوذية بالنتيجة، يشمل أربعة أعمدة رئيسية: التنمية الاقتصادية العادلة، الحفاظ على الثقافة، الحماية البيئية، والحكم الجيد.. ولكن.. هل هذا حقيقي؟

بوتان تُروج لنفسها كـ"أسعد دولة في العالم" من خلال مفهوم (Gross National Happiness -GNH)، الذي يُقدم كبديل أخلاقي للنمو الاقتصادي، مع التركيز على الرفاهية والثقافة. لكن الواقع مختلف تماما: في التسعينيات، نفذت الحكومة حملة تطهير عرقي ضد شعب اللوتشامبا (النيبالي الأصل)، طردت أكثر من 100,000 شخص، وسحبت جنسياتهم، وأجبرتهم على النزوح إلى مخيمات لاجئين في نيبال. هذه الانتهاكات وُصفت بـ"التطهير العرقي" من قبل منظمات مثل هيومن رايتس ووتش وآمنستي إنترناشونال، واستمرت مشكلات مثل السجناء السياسيين، وقمع حرية التعبير، والتمييز العرقي. شعار "السعادة للجميع" يغطي في الواقع على سياسات "واحدة أمة، واحد شعب" التي تهمش الأقليات غير البوذية.

الولايات المتحدة: "الحرية والمساواة" مقابل الظلم العنصري والسجون. الولايات المتحدة مبنية على شعارات إعلان الاستقلال: "كل الناس خُلقوا متساوين"، مع حقوق الحرية والكرامة. لكن الواقع يظهر فجوة هائلة: السجون الأمريكية مليئة بانتهاكات حقوقية، خاصة ضد السود، مع معدلات سجن تفوق العالم بأسره، وعمل قسري غير مدفوع (يُشبه العبودية الحديثة)، وعزل انفرادي، وتمييز عنصري منهجي. تقارير الأمم المتحدة وهيومن رايتس ووتش تتحدث عن "انتهاكات صارخة للكرامة"، مع تأثير غير متناسب على الأقليات العرقية، مما يعكس إرث العبودية والعنصرية.

الكنيسة الكاثوليكية: "كرامة الإنسان" مقابل الفضائح. التعليم الاجتماعي الكاثوليكي يضع الكرامة الإنسانية في صميم تعاليمه، محذرا من الاستغلال والظلم، لكن الكنيسة نفسها واجهت فشلا ذريعا في تطبيق هذا، اليوم نرى كثير ممن يزعم التدين الإسلامي وهو في الحكم أسوأ نموذج يناله في مؤشر دينيس.

في الجزء الثاني إيضاح وعلاج بإذن الله

السبت، 10 يناير 2026

222- الطائفية الرعناء ولاثنية الحمقاء

 رابط عربي 21



تعريف العنوان:

لا شك أن المصطلحات التي تشكلت كانطباعات عند الكتابة عنها تحتاج لبعض الإيضاح لترميم الانطباع وتكامله. الإثنية مثلا ليست القومية لكنها تشمل القومية، يعرف الذكاء الاصطناعي (موسوعة العصر!) الإثنية (Ethnicity) بأنها تشير إلى هوية اجتماعية لمجموعة من الناس يتشاركون في سمات ثقافية أو أصل مشترك، مثل اللغة، التاريخ، الموطن، الدين، أو التراث، مما يمنحهم شعورا بالانتماء الجماعي المميز عن غيرهم. يمكن أن تكون هذه الهوية متوارثة وتتأثر بالبناء الاجتماعي، وتلعب دورا في تعريف الذات ضمن سياقات ثقافية وسياسية متنوعة.

أما الطائفية: فهي التعصب والانحياز الأعمى لجماعة (دينية، مذهبية، عرقية، سياسية) على حساب الجماعات الأخرى. تتسم بالانغلاق، والكراهية، واضطهاد الآخر، وتُستخدم أحيانا لتبرير أهداف سياسية، وهي تختلف عن مجرد الانتماء للطائفة. وتؤدي إلى التفرقة والصراعات، ويمكن أن تتجلى في أشكال دينية (مذهبية)، قومية، عرقية، أو سياسية (استغلال الدين)، وتضر بالوطن والمجتمع وتعرقل بناء الدولة المدنية.

 أمتنا لا يمكن أن تصلح وتكون قوية وهي تستثير الطائفية بأنواعها، والتي تأخذ شكل الدين والتدين أو الإثنية القومية، وغالبا هذه صناعة خيال ووهم،


الرعونة: تعني الحمق، الطيش، وسوء التصرف، وقلة تقدير الأمور أو الجهل بها، وتصف الشخص الأخرق والأهوج في كلامه وفعله، وتظهر في التسرع وعدم الروية، وتدل على نقص في المهارة أو العلم المطلوب في موقف ما. والشخص الأرعن هو الأحمق الذي يفتقر إلى الفهم السليم، ويتصرف بعجلة واندفاع دون تفكير، وغالبا الأرعن لا يتحسّب للأمور فهو غير كفء في منظومة تنمية التخلف.

الحمق: هو قلة العقل وضعف التصرف، حيث يفتقر الشخص للحكمة ويفعل ما لا معنى له أو لا يدرك عواقب أفعاله، وهو يختلف عن الغباء في أن الأحمق قد يعرف الصواب لكنه لا يعمل به، أو يظن أنه يعرف بينما هو مخطئ.

مجتمعنا ليس قوقعة تنتج اللؤلؤ من الشوائب:

دعونا نسلم جدلا بأن هذه الأمة تجمعها لغة القرآن كعنصر مشترك، يقودها من يُعتبرون من مثقفي الأمة وهم مجموعة التكديس المعلوماتي التي تتخذ من معرفتها مخزونا للمناكفة والجدل العقيم، ولا تدير هذه المعلومة لتُنتج ما يفيد صمودها ووجودها بين الأمم، وهذا ذاته ما أخرج آدم من الجنة، فالمثقف ليس بالكم المعلوماتي وإنما بمعالجة المعلومات وإبداع الجديد المفيد.

نظرة إلى واقعنا فإن أمتنا لا يمكن أن تصلح وتكون قوية وهي تستثير الطائفية بأنواعها، والتي تأخذ شكل الدين والتدين أو الإثنية القومية، وغالبا هذه صناعة خيال ووهم، فما رأيناه وما كان غيره أن هذا النوع من البشر تحركه الغرائز وليس القيم، ومنظومته العقلية مستعمرة من أمراضه النفسية وتاريخ من الحرمان أو التطلعات بعيدا عن قابلياته الفعلية.

الصدمات في تاريخنا الواسع لم تصنع لؤلؤا أو مرجانا، وإنما وسائل من النفاق والازدواج والخداع، وبالتالي معاناة الشعوب أنها لم تك أمة ولا دولة، وإنما واقعة تحت فوضى الغرائز من حب السيادة والتملك وتصور الظالم أنه مظلوم وليس ظالما، وأن ما يفعله ليس ما كان يستنكره أو ثار عليه، فكرهه للظلم ليس كرها لماهية الظلم بل لأن الظلم واقعا عليه، وهو يتمنى مكان الظالم.

السلطة الحقيقية فهي أن ينال المواطن كل المواطنين حقوقهم ويشاركوا في بناء أوطانهم، وهم يمثلون أنفسهم وما يقترحون لبناء بلدهم


هذا الدوار واللا عقلانية عندما تتحكم العصبيات الطائفية بأنواعها بالإنسان، وتبدو مسخا مقززا عندما يتبناها مثقف يزعم أنه مفكر أو باحث حتى لتشعر بالغثيان، وهذا منتهى الرعونة خصوصا عندما يتبناها أناس يظنون أنهم من قومية معينة يتعصبون لها أو مذهب أو دين، هذه الطائفية ماحقة لا تبني دولة ولا أمة ولا تقاد بها حياة، فالأنظمة لم توجد لتقاسم سلطات ولنقول إن هذا لي وذاك لك، وإنما أتت لتقاسم المهام والمسؤولية عنها، وكانت الحاجة إلى مركزية وهو أمر لا بد منه بل واجب ومن الحمق العمل بغيره في بداية الحكم في أمة يمكن أن تثار فيها النعرات والطائفية. والمركزية لا ينبغي أن تفرض أيديولوجيا معينة أو تدعو لها بل والتنمية بفروعها، ثم إن احتاج الأمر فلا مركزية إدارية في مسائل تسهيل الخدمات والتخطيط كالأوراق الثبوتية الرئيسة، ويمكن بالاتمتة أن تنتفي الحاجة لأي نوع من تشتت السلطة.

فالسلطة ليست حقا ولا مكاسب وإنما مهام ومسؤوليات، ومن يفشل في إدارة البلاد يغادر لأنه ليس إلا موظفا عند الشعب لا أكثر من هذا، فلا ينبغي أن يسيّد الأجير على سيده وإلا أزيح بكل الوسائل المتاحة.

بناء الأمة والدولة:

في مقالات سابقة ذكرنا معنى بناء الأمة والدولة، وأن لا دولة بلا أمة وبناء الأمم لا يأتي من الاعتراف بالتقسيمات والمكونات بل بالعيش مع بعضها دون حاجة لتكون فيصل في السياسة والحكم. ولقد رأينا أن ما بني على التقسيمات لم يؤد إلا إلى أذى ودماء، وإقصاء الكوادر البنّاءة وشيوع الجهل والفقر وتفسّخ البلد والتعليم وانتشار الفساد، وضياع الثقة بالحياة نفسها وليس الحكم فقط. من أجل هذا فأولى خطوات بناء الدولة الحديثة أن تكون مركزية ولا تعير اهتماما للطامعين بالسلطة على حساب قومهم، وما هم بمنصفي قومهم وإنما يثيرون العصبيات الطائفية بأنواعها من أجل التربح والفساد في الأرض، وأن العدل أساس الملك وهو ما يهم الشعب لأنه يعني العيش الكريم والكرامة الإنسانية.

وأما السلطة الحقيقية فهي أن ينال المواطن كل المواطنين حقوقهم ويشاركوا في بناء أوطانهم، وهم يمثلون أنفسهم وما يقترحون لبناء بلدهم، فإن استقرت الأمور فلكل حادث حديث من أجل ما يحتاجه البلد للارتقاء.

الجمعة، 2 يناير 2026

221- حتى انت يا برودتس

 عربي 21



القيصر كنموذج

هذه ليست حكاية عن سقوط طاغية اسمه يوليوس قيصر، بل عن سقوط نموذج كامل في التفكير السياسي، نموذج يبدأ بحاكم قوي، مستقر، ممسك بمفاصل الدولة، لكنه يخطئ الخطأ الأقدم: يظن أن القوة تُغني عن النصح، وأن الاستقرار القائم لا يحتاج إلى مراجعة بل إلى حماية فقط، في هذا الوهم، تبدأ النهاية إنها قصة تتكرر في التاريخ عندما يغلب الطغيان النفوس وتحب النفوس الظلم لكنها تكرهه حين يقع عليها أو تتمنى موقع الظالم وتتحين الفرص.

الحاكم في هذا النموذج ليس شيطانا خالصا، بل عقلا بارعا في إدارة الواقع ثم إدارته وفق أهواءه الشخصية، يعرف كيف يُمسك العامة بالخُطَب، وبالرموز، وبمزيجٍ دقيق من الخوف والمنفعة، يستثمر في الجماهير كما يُستثمر في الموارد يوزّع ما يكفي لإبقائهم هادئين، ويحجب ما يكفي لإبقائهم محتاجين. العامة هنا لا يُخدعون تماما، بل يُستَخدمون؛ لأن الاستخدام أسهل من الإقناع، وأسرع من بناء وعي طويل الأمد.

كل سلطة، مهما بلغت، تحتاج إلى دائرة ثقة، حتى الطاغية لا يحكم وحده، ولا يستطيع أن يشك في الجميع في آنٍ واحد، يحتاج إلى صديق، لا ليحبه، بل ليطمئن، إلى شخص يظن أنه خارج منطق المصالح


لكن كل سلطة، مهما بلغت، تحتاج إلى دائرة ثقة، حتى الطاغية لا يحكم وحده، ولا يستطيع أن يشك في الجميع في آنٍ واحد، يحتاج إلى صديق، لا ليحبه، بل ليطمئن، إلى شخص يظن أنه خارج منطق المصالح، أو على الأقل أقلهم استعدادا للخيانة كما يسميها، هنا يظهر بروتس بوصفه ضرورة نفسية قبل أن يكون فاعلا سياسيا.

أهي من أجل القيم كما قيل ليموت قيصر؟ أم أن القيم امتطيت من أجل الغيرة والحسد؟ فخنجر بروتس هنا في هذا السياق ليست مفاجأة أخلاقية، بل نتيجة منطقية، فحين يُغلق الحاكم أبواب النصح، لا يبقى أمام القريبين منه إلا خياران: الصمت حتى الاختناق، أو التآمر باسم الخلاص. الصديق الذي لا يُسمَع، يتحول إلى خطر، لا لأنه شرير، بل لأنه مقتنع أن النظام لا يُصلَح من داخله بعجزه هو.

غير أن السؤال الأخطر لا يتعلق بالخيانة نفسها، بل بما بعدها: هل كان التغيير فعلا مدروسا، أم مجرد انفجار غضب أخلاقي؟ هل كان الهدف بناء ما هو أفضل، أم التخلص مما هو قائم فحسب؟ هنا ينكشف العطب الأكبر في هذا النموذج: الرغبة في التغيير سبقت التفكير في البديل، تحالفات هشة أسقطت روما القوية، وأناس كان يوليوس قيصر يقمع الأنا عندهم انفجرت بعد رفع غطاء الضغط بذبابة الخنجر؛ وهنا، ليست الأمور انسيابية فالكل متساو بالقيمة أمام نفسه عندما يزال الطاغية، وكل يرى هو الأمثل، قصة يوليوس قيصر تشرح تكرارا يزداد غربة عن الإنسانية مع الأيام.

من يهدم بيتا من أجل باب يبقى في العراء طويلا

الدولة التي سقطت لم تكن هشة، كانت قوية، مستقرة، تعمل، عيبها لم يكن في وجودها، بل في عماء الطغيان وأنانية لا تسمح بالتنفس حتى لبروتس، وفي ضيق صدرها عن النصح، وفي تحويل النقد إلى تهديد، لكن معالجة العيب لا تكون بكسر الهيكل كله، فمن يهدم بيتا لأن بابه يصدر صريرا، سيبقى في العراء طويلا.

"حتى أنت يا بروتس، فليمت القيصر" ليست دهشة رجلٍ مطعون، بل علامة استفهام متأخرة بأن السلطة التي لا تسمع تموت


التغيير بلا تخطيط لا يُسقط الطغيان فقط، بل يُسقط معه ما تبقى من النظام العام، وحين يغيب النظام، لا تنتصر الحرية تلقائيا، بل تظهر قوى أكثر فوضوية، أقل أخلاقا، وأكثر جوعا للسلطة، عندها تكتشف الشعوب أن الطغيان لم ينته، بل تغير من شكله القديم، وأن القيم بلا فهم وحرص على الفعل الإيجابي للأمة في منعطف ليس هو مصالح، ومن يريد إنقاذ ظمآن في صحراء لا يعطيه حاوية الماء.

العامة، الذين استُخدموا في زمن الحاكم، يُستَخدمون مرة أخرى في زمن التغيير، يُستدعَون بالخطاب، ويُحرَّكون بالعاطفة، ثم يُتركون أمام واقع أكثر قسوة وتعقيدا، فالخطابة تهدم بسرعة، لكنها لا تبني، والحشود تهتف جيدا، لكنها لا تُحكم، ولا تَحكم، كذلك فعل بروتس وأخفق أنطونيوس وكليوباترا.

المفارقة الفلسفية القاسية أن الحاكم الذي رفض النصح باسم القوة، سقط لأن أحدا لم ينصحه بصدق، ولأن الصديق الذي كان يمكن أن يكون جسر الإصلاح، اختار أن يكون معول الهدم، كلاهما أخطأ، لكن خطأ الهدم كان أفدح؛ لأنه لم يُبقِ شيئا يمكن إصلاحه.

حتى أنت يا بروتس

يوليوس قيصر مشغول بالتصفيق وزخرف السلطة، ثم "حتى أنت يا بروتس، فليمت القيصر" ليست دهشة رجلٍ مطعون، بل علامة استفهام متأخرة بأن السلطة التي لا تسمع تموت، وأن التغيير الذي لا يخطط يقتل ما لا يقصد قتله، النموذج كله فشل، لا لأن الطاغية كان قويا، بل لأنه كان أعمى عن النصيحة، ولا لأن عدوه كان جريئا، بل لأنه ظن أن الهدم وحده يكفي.

العبرة الأخيرة موجعة: بعض الدول لا تحتاج ثورة، بل شجاعة قول الحقيقة في الوقت المناسب، تحتاج ناس مؤهلة للنصح، تحتاج الابتعاد عن التصور أن الشعب المتفرق أسهل للقيادة وديمومة وبقاء لأن بروتس سيقوم بالمهمة، تحتاج ألا تمر بالنكران وعندما تُؤجَّل النصيحة طويلا، تأتي الخيانة في شكل خلاص.. وعندما يمعن في تمزيق الأمة بدل بنائها، وبالتالي لا دولة بلا أمة تجمع الكل تأتي يقظة، فموجة فوضى لا تدري أين ومتى تترك الجميع بلا دولة.

السبت، 27 ديسمبر 2025

220 - حلول بديهية للحرب الروسية الاوكرانية

 رابط عربي 21


ما استشرف المقال على لسان ترامب الآن

في 24  شباط/ فبراير 2022 نشر مقال لي في روداوو وصحف أخرى كان استشرافا ما زال فاعلا يرسم سيناريو التقدم المتوقع للقوات الروسية نحو كييف وعدم دخولها وانسحابها لتحقيق أهدافها في السيطرة على الموانئ وتامين الشرق، في ذلك المقال الذي يمكن تلخيصه كالاتي:

- أن الهدف الروسي ليس كييف أو غرب أوكرانيا، بل تأمين الشرق والمنفذ البحري في القرم.

- أن التقدم سيكون تدريجيا نحو شرق نهر الدنيبر ثم التوقف عند خطوط دفاعية، مع الاكتفاء بالسيطرة على دونباس والساحل.

- أن منح روسيا هذا المنفذ على البحر الأسود (سواء بالقوة أو بالتفاوض) قد يوقف التصعيد، وإلا فالطريق مفتوحة نحو "العدمية".

ما حدث فعليا حتى كانون الأول/ ديسمبر 2025 يطابق هذا الاستشراف بنسبة عالية جدا:

- روسيا سيطرت على معظم دونباس وأجزاء من زابوريجيا وخيرسون، مع التركيز على الساحل والموانئ.

كلما طالت الحرب فهي بعقلية الغرب استمرار لاستنزاف روسيا من خلال تفكيرهم المادي، لكن بوتين مؤدلج، وهو من النوع الحريص على ما يؤمن به، وما يراه كأيديولوجيا هو معايير الأخلاق عنده وليس السلوكيات بحد ذاتها


- لم تحتل كييف أو غرب أوكرانيا، بل اكتفت بخطوط دفاعية شرقية.

- الهجمات الأوكرانية على أسطول البحر الأسود أجبرت روسيا على نقل سفنها إلى نوفوروسييسك، مما أكد أهمية القرم كمنفذ استراتيجي.

أما النهاية، فهي بالفعل تراوح بذات الاحتمالات، بعد أربع سنوات، لا يزال الصراع عالقا بين خيارين يشبهان ما حذرت منه:

1- السلام عبر التنازل: اعتراف دولي بالقرم والأراضي الشرقية مقابل وقف النار (وهو المقترح الذي يُناقش الآن بقوة مع عودة ترامب)، وهو منطقي منذ أول يوم كما لاحظنا في المقال.

2- الانزلاق نحو العدمية: استمرار الحرب الاستنزافية، مع مخاطر تصعيد نووي إذا شعرت روسيا بتهديد وجودي، أو إذا فشلت كل المفاوضات، وهذا السيناريو الثاني الذي استشرافه المقال بسبب ظن البعض من العنجهيين أن بوتين لن يتخذ هكذا قرار، وهذا خطأ كبير في التقدير لشخصية كشخصية بوتين الذي يضمن البعض أنه يقرأها أو يتصور أن له تأثير عليها، أو أنه يتحدث عن جهل بلغة السياسة مع الشرق رغم أنه عاش في الكونغرس، وقد يعبر عن دهشته يوما ما عندما تتحول الحالة إلى حرب عالمية ونووية.

اختلاف اللغة:

كلما طالت الحرب فهي بعقلية الغرب استمرار لاستنزاف روسيا من خلال تفكيرهم المادي، لكن بوتين مؤدلج، وهو من النوع الحريص على ما يؤمن به، وما يراه كأيديولوجيا هو معايير الأخلاق عنده وليس السلوكيات بحد ذاتها، فإيصاله إلى الزاوية مستحيل لأنه سيذهب كأي شرقي كما ذهب شمشون وأي رجل شرقي مقتنع بما يقول وليس دكتاتورا أو طاغية فارغ. البعض يعامل روسيا بوتين كما صمم وضعها أنها مخزن لبقايا الاتحاد السوفييتي وأن بوتين من تركات الكي جي بي.. هذا خطأ لأن بوتين ليس شيوعيا وإنما روسي وطني يعتبر نفسه منتصرا بانحسار الشيوعية. له فكرة يعمل عليها وقد يستعيد ما يراه روسيا الكبرى عند انهيار الأوروبيين بتخلي أمريكا عن الحرب الأوكرانية، وهو ما يبدو متحققا ومن خلال تقدم القوات الروسية أثناء كتابة هذا المقال، لكن قوى مثل ليندسي غراهام ربما توصل للعدمية، تدري أو غرورا.

روسيا تمتلك بالفعل موانئ كبيرة مثل نوفوروسييسك (أكبر ميناء تجاري في البحر الأسود) وأوست-لوغا وغيرها، لكن مقترحات السلام التي تشمل "إعطاء" روسيا سيطرة رسمية على موانئ القرم (مثل سيفاستوبول وفيودوسيا وكريتش) مقابل إنهاء الحرب في أوكرانيا تظل هدفا لروسيا لأسباب استراتيجية وعسكرية عميقة، والتفسير على السياق التاريخي والجيوسياسية حتى كانون الأول/ ديسمبر 2025

1- الأهمية الاستراتيجية لموانئ القرم (خاصة سيفاستوبول):

موانئ ماء دافئة غير متجمدة: معظم موانئ روسيا الرئيسية تقع في الشمال (مثل مورمانسك أو فلاديفوستوك)، حيث تتجمد المياه في الشتاء، مما يعيق العمليات البحرية، أما سيفاستوبول في القرم، فهو ميناء عميق (عمق قناة الدخول 6.4-7.6 متر، وراسيات تصل إلى 9.2 متر) ودافئ طوال العام، مما يجعله قاعدة مثالية لأسطول البحر الأسود الروسي، هذا يمنح روسيا قدرة على الانتشار البحري السريع في البحر الأسود، والمتوسط، والشرق الأوسط دون قيود جوية.

حتى لو كان لروسيا ساحل طويل على البحر الأسود (مثل نوفوروسييسك بعمق 10-15 متر)، فإن هذه الموانئ محدودة المساحة أو أقل ملاءمة للسفن الكبيرة والعمليات العسكرية الواسعة، بسبب الجغرافيا الجبلية أو نقص البنية التحتية العسكرية المتطورة، القرم يوفر "جسرا" طبيعيا للسيطرة على المنطقة بأكملها.

2- السيطرة العسكرية والاقتصادية على البحر الأسود:

السيطرة على القرم تعني السيطرة على مداخل البحر الأسود، مما يعزز نفوذ روسيا في التجارة (نفط، غاز، حبوب) والطاقة. على سبيل المثال، تضم القرم موارد طاقة بحرية هائلة، وتسمح ببناء جسور عسكرية مثل جسر كيرتش، الذي يربط روسيا مباشرة بالقرم، فقدان هذا قد يعني إعادة بناء روسيا لقواعد بحرية أخرى بتكاليف باهظة.

إذا شعر بوتين بالخسارة الكاملة، فسيلجأ إلى أسلحة نووية تكتيكية لفرض شروطه، مما يهدد بكارثة عالمية تشمل أوروبا والولايات المتحدة؛ هذا التحذير ليس مبالغة، فبوتين أظهر في تشرين الثاني/ نوفمبر أن ترسانته النووية هي أداة رئيسية في محادثاته مع الغرب.

الحل إما بإعطاء روسيا ما تراه حقا لقيصر، أو الغرب سيغرق تماما بأحلام اليقظة عندما ينطلق صاروخ الصمت الأخير


في الحرب الحالية، أدت هجمات أوكرانية على أسطول البحر الأسود إلى نقل بعض السفن الروسية إلى نوفوروسييسك، لكن هذا لم يعوض عن فقدان السيطرة الاستراتيجية في سيفاستوبول، مما يجعل الاحتفاظ بالقرم أولوية للأمن القومي الروسي.

الجاذبية في سياق مقترحات السلام:

- مقترحات مثل تلك المرتبطة بدونالد ترامب تشمل الاعتراف الدولي بسيطرة روسيا على القرم مقابل وقف إطلاق النار، أو تقسيم أراضي مثل دونباس، هذا يشرعن احتلال روسيا للقرم (منذ 2014) دون خسائر إضافية، ويمنع أوكرانيا من استعادته عسكريا، عند بوتين، القرم "غير قابل للتفاوض" ويُعتبر جزءا من الهوية الروسية التاريخية (كان روسيا حتى 1954). روسيا القادمة ستهيمن إن نجحت وليست مخزن لنفايات الاتحاد السوفييتي كما أرادوا لها.

إذن ليست المسألة أرض، بل في الموقع الجيوسياسية والعسكرية ثم الاعتراف الدولي بالقرم كجزء روسي، فإن ذلك يعزز مكانة روسيا كقوة إقليمية، حتى لو كانت تمتلك موانئ أخرى. هذه المقترحات لا تزال محل نقاش في 2025، ومن حيث بدأنا ننتهي لنجد الحل إما بإعطاء روسيا ما تراه حقا لقيصر، أو الغرب سيغرق تماما بأحلام اليقظة عندما ينطلق صاروخ الصمت الأخير.

من الضروري أن أؤكد أن كلامي هذا كمراقب، وبمنتهى الحيادية نشاهد جرائم كل الأطراف حول العالم ومنها "إبادة غزة" التي لا يراها هؤلاء بعين الحقيقة.

السبت، 20 ديسمبر 2025

219- نظرية البدراني في الرياضيــــــــــــــات الفيــــــــــــــزياء الكونيــــــــــــة

 

                                    نظرية البدراني للرياضيات والفيزياء الكونية

آمل ان تروج في الاوساط العلمية

ومن يستطيع ايصاله الى ناسا وسيرن فليفعل خدمة للانسانية سواء نجحت النظرية او لم تقر فالحالتين جيّدتين



نظرية البدراني في الرياضيات اتت استجابة للتطور العلمي والاكتشافات الحديثة:
1- اعادة تعريف الصفر من العدم او الفارغ الى الحاوي لكل شيء
2- حيث ان اللانهاية هي تعبير عن امر غير معلوم وقد باتت الامور معلومة فان اللانهاية تصبح حجر عثرة في طريق التألق في الرياضيات واستيعاب المكتشفات العلمية
نظرية البدراني في الفيزياء:
1- اعادة تعريف الجاذبية بين الكواكب والشموس ومسارت الجميع بواسطة نظرية الاوتار النانوية  والطاقة الذاتية
2- تعريف الجاذبية الكونيـة وتثبيت ان لاشيء اسمه كرافيدون
3- تفسير للطاقة المظلمة والمادة المظلمة ووظيفة كل منها في الكون
4- استقرار الكون لايتم بسماء واحدة
5- تفسير انكسار الضوء وهو ليس تحولي وانما بفعل الاوتار
وغيرها







218 - بين حب الذات والنرجسية: افرادا ومؤسسات

 رابط عربي 21

مقدمات

عندما تنخفض معايير القيم والصرامة داخل النفوس، تنطلق الغرائز والحاجات بلا ضوابط لتؤذي أول ما تؤذي نفس الإنسان ذاته، فالنرجسية مرض صامت يضيع من المبتلى به كثيرا من فرص التعامل مع أناس طيبين ويوقعه في العدمية، والموضوع ككل مهم لمن يسعى لفهم أعماق النفس البشرية، وتأثيرها في المجتمع، والعلاقات، والعدالة.

النرجسية خلل بنيوي

الرجل النرجسي يفقد المروءة ولا يكون جدار أمان، والمرأة النرجسية أول ما تفقد الأنوثة، فلا يعوض الرجلَ مالٌ ولا جاه ولا أي شيء لأنه يعرف نفسه عند هذا الحد وتتعاظم النرجسية عنده لتظهر كاستخفاف أو خفة.

المرأة لا تستعيد أنوثتها بكل أنواع التجميل أو التحول الذي يزيد الطين بِلة عندما يكون الانجذاب لهذه الصورة التي تنكرها هي داخليا، وليس فيها كإنسان، وشتان بين ما يستثير الإنسان كغريزة النوع أو التقييم العقلي الذي يتحول مهابة للإنسان الذي يستحق الإعجاب، فهنالك فرق في مكان التأثر عند الآخرين والقرار أيضا، فالغرائز تتفاعل في الفؤاد أو المخيخ، لكن التقييم العقلي ونواتجه ففي لب الإنسان وموطن عقله للأمور.

في البيئة المريضة يصبح النجاح عرضا بصريا لا حقيقة داخلية، تنتشر لغة التفاخر، ويصبح الاستهلاك وسيلة لتعويض الشعور الداخلي بالنقص، ويؤدي هذا إلى تفكك الروابط الاجتماعية والقيمية، إذ تتحول العلاقات من كونها روابط متوازنة إلى ميدان للتفوق الوهمي غالبا


لمحات من الفرق الفلسفي بين حب الذات والنرجسية

العلاقات تموت -الصادق منها بالذات- مع النرجسية، لأنها تدفعه إلى قراءة العلاقات من زاوية ضيقة، زاوية المنفعة لا المشاركة، ولذا فهو يتخلى عن الصديق حين يشعر بأن العلاقة لم تعد تمنحه التثبيت الذي يحتاجه، ويستخدم الذكاء العاطفي بطريقة ملتوية ليحافظ على صورته، لا ليعطي الآخرين ما يستحقون من ودّ واهتمام.

أما حب الذات الطبيعي، فهو وعي يتيح للإنسان أن يعرف قيمته دون أن يُلزم العالم أن يعترف بها، ويمنحه القدرة على النقد الذاتي دون خوف، وعلى الاعتذار دون أن يشعر أنه ينهار، الفارق بين حب الذات والنرجسية ليس حجم الاهتمام بالذات، بل طريقة بنائها، حب الذات يبني إنسانا واضح المعالم، قادرا على العلاقة وعلى الاعتراف وعلى التوازن، أما النرجسية فتبني واجهة تحتاج صيانة مستمرة، وتبريرا للتناقضات في العقلية والنفسية، وتجعل صاحبها أسير صورته.

حب الذات الطبيعي يتأسس على إدراك عميق للحدود، فصاحبه يعرف ماذا يستطيع، وماذا يعجز عنه، ويقبل ذلك بلا ضجيج، وهو لا يرى في الآخر تهديدا لوجوده، بل شريكا يكمل به العالم، ولذا فهو قادر على بناء علاقة مستقرة، لا تنكسر مع أول خلاف، ولا تتقلب مع أول لحظة انزعاج.

أما النرجسية فهي علاقة مختلة مع الذات قبل الآخر، علاقة تقوم على صورة مُتخيّلة أكثر مما تقوم على حقيقة، فالنرجسي لا يحب ذاته، بل يحب انعكاسها عليه، ويطلب من الناس أن يثبتوا له ما لا يستطيع تثبيته داخل نفسه، وكلما اهتزّ الخارج اهتزّ هو، لذلك يبدو واثقا لكنه هش، ولامعا لكنه قلق.

من هنا يظهر الفارق الجوهري: حب الذات يحرر الإنسان بينما النرجسية تستعبده، الأول يبني توازنا، والثاني يبني قلقا متضخما، طبعا لا أنصح أن يبدأ القارئ بمقارنة ومعارفه، فهذا منحدر زلق يقود إلى المرض، فالمواقف مَن تحكم على الصديق فيكون صديقا لا يحتاج إلى إثبات أهلية.

النرجسية على مستوى الفرد

يظهر الفرد النرجسي عادة بثلاث صفات مركزية، 1- حاجة مفرطة للإعجاب، 2-شعور متضخم بالأهمية الذاتية، 3- افتقار للتعاطف الحقيقي مع الآخرين، وقد يرد على نصحك بدل شكرك أنه يعرف ما نصحته به. هذه الصفات لا تُقرأ كسماتٍ منفصلة، بل كشبكة تشكل رؤية النرجسي للعالم، فهو يضع ذاته كمرجع لكل شيء، ويُعيد تأويل الأحداث بطريقة تخدم صورته الذاتية مهما كان الثمن، وعلى عكس ما قد يبدو، لا ينبع هذا السلوك من ثقة راسخة بالنفس، بل من هشاشة داخلية تدفعه إلى طلب التثبيت الخارجي بلا توقف.

من آثار النرجسية على الفرد أنه يعيش صراعا دائما بين وهْم التفوق والخوف من الانكشاف، قد ينجح في بناء واجهة لامعة، لكنه ينهار بسهولة أمام أي نقد حقيقي، كما أن علاقاته غالبا ما تكون مشروطة بقدر ما يقدمه الآخرون من دعم لصورة الذات، لا بقدر ما يقدمه هو من تفاعل إنساني، وحين يواجه النرجسي فشلا ما، يميل إلى إلقاء اللوم على الظروف أو على الأشخاص المحيطين، لأن الاعتراف بالخطأ يهدد بنيته النفسية كلها.

التعامل مع النرجسية لا يعني شيطنة كل شكل من أشكال الاعتزاز بالذات، فهناك مستوى صحي يجب أن يمتلكه الإنسان كي يحمي نفسه ويحقق أهدافه، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الذات إلى مركز الكون، وحين يصبح كل ما حول الإنسان مجرد مرآة تُستخدم لتمجيد صورته


في البيئة المريضة يصبح النجاح عرضا بصريا لا حقيقة داخلية، تنتشر لغة التفاخر، ويصبح الاستهلاك وسيلة لتعويض الشعور الداخلي بالنقص، ويؤدي هذا إلى تفكك الروابط الاجتماعية والقيمية، إذ تتحول العلاقات من كونها روابط متوازنة إلى ميدان للتفوق الوهمي غالبا؛ لأن المرض إن أصاب مجتمعا يجعله متأرجحا في الوهم وأسهل انقيادا للمغامرين. النرجسية لا تؤذي الآخرين فقط، بل تؤذي صاحبها أيضا، فهي تحرم الشخص من العلاقات العميقة، وتضعه في حالة دفاعية مزمنة، وتدفعه إلى البحث عن الاعتراف من مصادر متقلبة، وفي النهاية يجد نفسه عالقا في دائرة الاضطراب العاطفي مهما بدا متماسكا من الخارج.

النرجسية في المؤسسات

حين تتسرب النزعة النرجسية إلى المؤسسات، وخاصة تلك المعنية بالقرار السياسي أو الاقتصادي، تظهر نتائج خطيرة، يصبح القائد النرجسي منشغلا بتثبيت صورته أكثر من اهتمامه بحل مشكلات الواقع، يستبدل التخطيط العميق بالشعارات، والإنجازات الحقيقية بالاستعراضات، وعلى المدى البعيد تقع المؤسسات في فخ القرارات المتسرعة، والفساد المؤسسي، وانعدام الثقة بين أفرادها.

أما في بيئة العمل، فالنرجسية تُولد ثقافة خانقة، الموظفون يشعرون بأن الجهد غير معترف به، وأن النجاح يُنسب دائما للفرد المتصدر، بينما تُلقى الأخطاء على الفريق، هذه الديناميكية تخلق بيئة طاردة للمواهب، لأن المبدعين لا يجدون مساحة للنمو في ظل احتكار الأضواء.

نحو فهم واقعي

التعامل مع النرجسية لا يعني شيطنة كل شكل من أشكال الاعتزاز بالذات، فهناك مستوى صحي يجب أن يمتلكه الإنسان كي يحمي نفسه ويحقق أهدافه، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الذات إلى مركز الكون، وحين يصبح كل ما حول الإنسان مجرد مرآة تُستخدم لتمجيد صورته.

العلاج يبدأ بالوعي، وعي الفرد بميله إلى تضخيم ذاته، ووعي المجتمع بخطورة تحويل التفوق الظاهري إلى قيمة مركزية، ومن الخطوات المهمة أيضا تعزيز ثقافة مصارحة الذات وتحمل المسؤولية، وتشجيع النقد البنّاء، وإعادة الاعتبار لفكرة الإنجاز الهادئ لا الصاخب.

السبت، 13 ديسمبر 2025

217- نخبة المعرفة الجاهلة لجهلها

 رابط عربي 21


جدلية المعرفة والتعلم:

في زمن مر وما زال أثره فاعلا عُرّف المثقف أنه يعلم شيئا من كل شيء، ثم عُرّف النابغ هو الحافظ لأقوال وأشعار وكتب، بل إن التعليم عندنا نشأ على إعداد موظفين للدولة ولم ينشأ على التعلم من أجل التفكير بالمعارف وتطويرها، لأن من أنشأ التعليم الحديث عندنا هو المستعمر، والمستعمر عدده قليل نسبة للبلد فيحتاج متدربين على تفكيره من أهل البلد لتسيير مصالحه، وعلّمهم اختبار الحفظ وليس الفهم، والسرية في المعلومة بأن تحصر بيد عدد معين، وليس عدم تهويلها، فترى المدير ولحد الآن يمنع الوثائق والمعلومات عن أصحاب الاختصاص ويبقيها بيد الموالين له فلا يزداد البلد إلا تخلفا.

المشكلة تزداد تعقيدا عندما يثق مكدّس المعرفة بمعرفته بلا معالجة تلك المعرفة؛ فيجعلها معيارا، أو يستقيها من الموبايل والحاسوب ويمكن أن يطلع على أي شيء جديد عليه ليضيفه إلى المخزن، ويسرب منها إلى التواصل الاجتماعي فيعمل المادحون على تأكيد وهْم الصفة بأنه مثقف، ليخرج إلى المجتمع معارضا مناقشا أدق المقدسات، وهو لم يعالج معرفته، وإنما ينقلها (قال فلان) أو يقتبس بلا مصدر الاقتباس، وهو في حقيقة الأمر لم يعالج المعلومة وإنما قبلها كما سمعها بلا تفكير.. إذن هو لا يحتاج إلى التعلم، ومن يحس أنه لا يفهم قوله أو يأتي بأسلوب جديد يسفهه وينتقده، ويوجه إليه عبارات بنبرة التقليل من شأنه.

خطورة الخزان للمعرفة:

خزان المعرفة لا قدرة له على حل مشكلة ولا إبداع، لأنه أصلا غير مؤهل لكنه من بيئة منظومة تنمية التخلف، فاكتسب مكانة ربما لم يكتسبها المثقف العالم الذي غالبا ما يكون مهمشا في مجتمع سلبي لا يعالج أي موضوع في منظومته العقلية وإنما يأخذها انطباعا جاهزا وربما يضعها سهوا أو عمدا في رف المقدسات، لأن المقدسات لها مكانة عند الناس فهم يرفعونها ويعظمونها؛ لا لأنها تؤمن بها وتدير سلوكها بل لأنها تحتاجها في تحقيق غريزة حب السيادة والتملك وغيرها، فالبحث والاستقصاء مفقود والناس يسمعون بألسنتهم ويحولون ما يسمعون ككرة الطائرة.

جدلية الجودة والسوء:

ما كنا نلاحظه في جيل سبقنا ومات في جيلنا وفُقد في الجيل الحالي هو أمر جلل، ومنه الصرامة والدقة وعدم التساهل في الصواب، بدءا من المظهر، وكان الشاب يقول نخرج عربجية، أي لا يرتدي الزي الرسمي لدخول السينما مثلا أو الجلوس في القهوة (التي تسمى الآن كافي)، أو عبارة "شرب له على قدر فلوسه"، أي أن جودة عملك ومهارتك وفق ما تحصل عليه من مال، فلم تعد المهارة والإخلاص جزءا من الذات الداخلية، بل أصبحت تحت تأثير التعرية والأحداث بدل أن تكون ضمن الثوابت.

والمهارة نوع من الثقافة التي يملكها عامل البناء المخلص، والقصّاب، والتاجر، ومصلح السيارات بصنوفها، وهكذا، عندها ستجد أن كل ذي مهنة معتز بمهنته، ويحاول أن يطور نفسه بها وأن نجاحه هو في قدرته على تطوير الذات، فالناس الذين انشغلوا بتقييم الآخرين من خلال ذاتهم هم أناس متخلفون وعاجزون بالعجز المسبب للإحباط، فالتقييم هو تقييم الذات! أنا فلان كنت في العام الماضي كذا؛ هل تحسنت في إنتاجي أو مهارتي أو خدمتي للمجتمع؟ ولكن هذا لن يكون عند امتلاكي المعرفة وإنما عند انغماسي في التعليم، والصرامة تجاه نفسي أولا، وسنجد أن هذا النوع يطفئ اللهفة ويسد النقص ويستر العورة، بسيط مهتم لأمر نفسه ليس بغرائزه وحاجاته، وإنما بإنجازه ودوره في البناء ومساعدة الآخرين. فالحلول والابتكار هي واجب المثقف ومعيار ثقافته وليس قدر معرفته، فالمعرفة تحصيل حاصل، بيد أن تهذيب النفس هو تثقيفها لذا قالت العرب على تهذيب الرماح تثقيفها.. فصورة الفشل تتمثل فقدان الدقة والمهارة والانتماء إلى الأمة بتوسيع الحجم.

هذه الصرامة وما تحدثنا عنه، هي من تجعلنا ننبهر بدقة زخرفة وإتقان بيت قديم، أو أثري للسكن، يمكن أن يكون بلا ملامح لغياب الأجهزة والعدة، بينما الآن هنالك عدة تختصر زمنا طويلا، ولكن الجودة مفقودة والثمن مرتفع وربما بلا ذوق، ولأن المجتمع أمرضه اليأس تجد الناس يتجنبون بعضهم ليس لأنهم سيئون وإنما لأن قدرتهم على العطاء ضعفت. وهذا سببه سوء سلوك البعض، فضاعت الحقوق وهدرت السمعة، فوجد المسالمون السلامة بالاعتزال لدرجة الانفراد وفيها يجد نفسه.

ما هو الحل؟

بكلمة: التوازن! والتفصيل كثير لأن التوازن يتطلب إعادة تنظيم حياة المجتمع وإعلاء القيم، وهو لا يأتي بضخ الكتب المقدسة وحكمة الأولين في ذاكرة الناس، وإنما استعادة الصرامة والثبات على القيم على قلة ما تعلم. فالمعرفة ليست مشكلة أبدا، وإنما تطويرها واستثمارها والصدق، وغيرها من القيم وأهمها أن تكون صادقا مع نفسك، وليس وصفك الناس بالسوء لأنهم لا يحققون رغباتي ولا يعطوني قيمة أفترضها لي، وهي ليست حقيقة أو تساير أهوائي.

التعلم الفردي وغياب المجالس العفوية ومعاني المدرسة والحوارات الصافية، والخلاف من أجل الوصول إلى الحقيقة وليس الاختلاف من أجل المصالح الضيقة، وسيادة الأشخاص الإمعة الفارغين وقيادة الطامعين الجاهلين، واستغلال المواهب بلا تشجيعها، وكذلك الطيب وعطائه بلا إنصافه، والغدر بالصديق وغياب المروءة.. كلها عوامل تحتاج إلى دراسة ومنظومة تدريب وتطوير وتنسيق مع الحكومة لإسقاط ما يتعلمونه على الواقع، وإلا كمن يخطب بالأخلاق وينزل عن منصته لترى سوء الخلق متجسدا به.

إن اكتفاءنا بما عندنا من علم، وما نقدمه من خدمة دون تطوير ذواتنا، هو مشاركة في سقوط وانحدار مجتمعنا. واليوم العالم كله يغلي بالظلم والظالمين، بل وحب الظلم بقدر كره من يحب الظلم أن يقع هذا الظلم عليه، ولو تتبعت تجد أن الظلم مصدره ظلم هؤلاء الناس لأنفسهم بضلال الطريق، وهذا هو المرض الذي أعطينا حلا واحدا له وهو إنشاء مراكز دراسات وتأهيل تنسجم معها أنظمة المجتمعات.

225- ملحــــــــــــدون

 رابط عربي 21 توصيف الموضوع وفقَ اعتقادي، الإنسان في الأرض لاختبار منظومته العقلية ومدى قدرتها على التفكير السليم، وأن ما زل به آدم وزوجه هو...

يقظة فكرgoogle-site-verification: google25f7d3ebc2fdac29.html