https://m-salihalbdrany.blogspot.com/ فكــــــر اليقظـــــــة Mindfulness: 2025https://m-salihalbdrany.blogspot.com/

بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 27 ديسمبر 2025

220 - حلول بديهية للحرب الروسية الاوكرانية

 رابط عربي 21


ما استشرف المقال على لسان ترامب الآن

في 24  شباط/ فبراير 2022 نشر مقال لي في روداوو وصحف أخرى كان استشرافا ما زال فاعلا يرسم سيناريو التقدم المتوقع للقوات الروسية نحو كييف وعدم دخولها وانسحابها لتحقيق أهدافها في السيطرة على الموانئ وتامين الشرق، في ذلك المقال الذي يمكن تلخيصه كالاتي:

- أن الهدف الروسي ليس كييف أو غرب أوكرانيا، بل تأمين الشرق والمنفذ البحري في القرم.

- أن التقدم سيكون تدريجيا نحو شرق نهر الدنيبر ثم التوقف عند خطوط دفاعية، مع الاكتفاء بالسيطرة على دونباس والساحل.

- أن منح روسيا هذا المنفذ على البحر الأسود (سواء بالقوة أو بالتفاوض) قد يوقف التصعيد، وإلا فالطريق مفتوحة نحو "العدمية".

ما حدث فعليا حتى كانون الأول/ ديسمبر 2025 يطابق هذا الاستشراف بنسبة عالية جدا:

- روسيا سيطرت على معظم دونباس وأجزاء من زابوريجيا وخيرسون، مع التركيز على الساحل والموانئ.

كلما طالت الحرب فهي بعقلية الغرب استمرار لاستنزاف روسيا من خلال تفكيرهم المادي، لكن بوتين مؤدلج، وهو من النوع الحريص على ما يؤمن به، وما يراه كأيديولوجيا هو معايير الأخلاق عنده وليس السلوكيات بحد ذاتها


- لم تحتل كييف أو غرب أوكرانيا، بل اكتفت بخطوط دفاعية شرقية.

- الهجمات الأوكرانية على أسطول البحر الأسود أجبرت روسيا على نقل سفنها إلى نوفوروسييسك، مما أكد أهمية القرم كمنفذ استراتيجي.

أما النهاية، فهي بالفعل تراوح بذات الاحتمالات، بعد أربع سنوات، لا يزال الصراع عالقا بين خيارين يشبهان ما حذرت منه:

1- السلام عبر التنازل: اعتراف دولي بالقرم والأراضي الشرقية مقابل وقف النار (وهو المقترح الذي يُناقش الآن بقوة مع عودة ترامب)، وهو منطقي منذ أول يوم كما لاحظنا في المقال.

2- الانزلاق نحو العدمية: استمرار الحرب الاستنزافية، مع مخاطر تصعيد نووي إذا شعرت روسيا بتهديد وجودي، أو إذا فشلت كل المفاوضات، وهذا السيناريو الثاني الذي استشرافه المقال بسبب ظن البعض من العنجهيين أن بوتين لن يتخذ هكذا قرار، وهذا خطأ كبير في التقدير لشخصية كشخصية بوتين الذي يضمن البعض أنه يقرأها أو يتصور أن له تأثير عليها، أو أنه يتحدث عن جهل بلغة السياسة مع الشرق رغم أنه عاش في الكونغرس، وقد يعبر عن دهشته يوما ما عندما تتحول الحالة إلى حرب عالمية ونووية.

اختلاف اللغة:

كلما طالت الحرب فهي بعقلية الغرب استمرار لاستنزاف روسيا من خلال تفكيرهم المادي، لكن بوتين مؤدلج، وهو من النوع الحريص على ما يؤمن به، وما يراه كأيديولوجيا هو معايير الأخلاق عنده وليس السلوكيات بحد ذاتها، فإيصاله إلى الزاوية مستحيل لأنه سيذهب كأي شرقي كما ذهب شمشون وأي رجل شرقي مقتنع بما يقول وليس دكتاتورا أو طاغية فارغ. البعض يعامل روسيا بوتين كما صمم وضعها أنها مخزن لبقايا الاتحاد السوفييتي وأن بوتين من تركات الكي جي بي.. هذا خطأ لأن بوتين ليس شيوعيا وإنما روسي وطني يعتبر نفسه منتصرا بانحسار الشيوعية. له فكرة يعمل عليها وقد يستعيد ما يراه روسيا الكبرى عند انهيار الأوروبيين بتخلي أمريكا عن الحرب الأوكرانية، وهو ما يبدو متحققا ومن خلال تقدم القوات الروسية أثناء كتابة هذا المقال، لكن قوى مثل ليندسي غراهام ربما توصل للعدمية، تدري أو غرورا.

روسيا تمتلك بالفعل موانئ كبيرة مثل نوفوروسييسك (أكبر ميناء تجاري في البحر الأسود) وأوست-لوغا وغيرها، لكن مقترحات السلام التي تشمل "إعطاء" روسيا سيطرة رسمية على موانئ القرم (مثل سيفاستوبول وفيودوسيا وكريتش) مقابل إنهاء الحرب في أوكرانيا تظل هدفا لروسيا لأسباب استراتيجية وعسكرية عميقة، والتفسير على السياق التاريخي والجيوسياسية حتى كانون الأول/ ديسمبر 2025

1- الأهمية الاستراتيجية لموانئ القرم (خاصة سيفاستوبول):

موانئ ماء دافئة غير متجمدة: معظم موانئ روسيا الرئيسية تقع في الشمال (مثل مورمانسك أو فلاديفوستوك)، حيث تتجمد المياه في الشتاء، مما يعيق العمليات البحرية، أما سيفاستوبول في القرم، فهو ميناء عميق (عمق قناة الدخول 6.4-7.6 متر، وراسيات تصل إلى 9.2 متر) ودافئ طوال العام، مما يجعله قاعدة مثالية لأسطول البحر الأسود الروسي، هذا يمنح روسيا قدرة على الانتشار البحري السريع في البحر الأسود، والمتوسط، والشرق الأوسط دون قيود جوية.

حتى لو كان لروسيا ساحل طويل على البحر الأسود (مثل نوفوروسييسك بعمق 10-15 متر)، فإن هذه الموانئ محدودة المساحة أو أقل ملاءمة للسفن الكبيرة والعمليات العسكرية الواسعة، بسبب الجغرافيا الجبلية أو نقص البنية التحتية العسكرية المتطورة، القرم يوفر "جسرا" طبيعيا للسيطرة على المنطقة بأكملها.

2- السيطرة العسكرية والاقتصادية على البحر الأسود:

السيطرة على القرم تعني السيطرة على مداخل البحر الأسود، مما يعزز نفوذ روسيا في التجارة (نفط، غاز، حبوب) والطاقة. على سبيل المثال، تضم القرم موارد طاقة بحرية هائلة، وتسمح ببناء جسور عسكرية مثل جسر كيرتش، الذي يربط روسيا مباشرة بالقرم، فقدان هذا قد يعني إعادة بناء روسيا لقواعد بحرية أخرى بتكاليف باهظة.

إذا شعر بوتين بالخسارة الكاملة، فسيلجأ إلى أسلحة نووية تكتيكية لفرض شروطه، مما يهدد بكارثة عالمية تشمل أوروبا والولايات المتحدة؛ هذا التحذير ليس مبالغة، فبوتين أظهر في تشرين الثاني/ نوفمبر أن ترسانته النووية هي أداة رئيسية في محادثاته مع الغرب.

الحل إما بإعطاء روسيا ما تراه حقا لقيصر، أو الغرب سيغرق تماما بأحلام اليقظة عندما ينطلق صاروخ الصمت الأخير


في الحرب الحالية، أدت هجمات أوكرانية على أسطول البحر الأسود إلى نقل بعض السفن الروسية إلى نوفوروسييسك، لكن هذا لم يعوض عن فقدان السيطرة الاستراتيجية في سيفاستوبول، مما يجعل الاحتفاظ بالقرم أولوية للأمن القومي الروسي.

الجاذبية في سياق مقترحات السلام:

- مقترحات مثل تلك المرتبطة بدونالد ترامب تشمل الاعتراف الدولي بسيطرة روسيا على القرم مقابل وقف إطلاق النار، أو تقسيم أراضي مثل دونباس، هذا يشرعن احتلال روسيا للقرم (منذ 2014) دون خسائر إضافية، ويمنع أوكرانيا من استعادته عسكريا، عند بوتين، القرم "غير قابل للتفاوض" ويُعتبر جزءا من الهوية الروسية التاريخية (كان روسيا حتى 1954). روسيا القادمة ستهيمن إن نجحت وليست مخزن لنفايات الاتحاد السوفييتي كما أرادوا لها.

إذن ليست المسألة أرض، بل في الموقع الجيوسياسية والعسكرية ثم الاعتراف الدولي بالقرم كجزء روسي، فإن ذلك يعزز مكانة روسيا كقوة إقليمية، حتى لو كانت تمتلك موانئ أخرى. هذه المقترحات لا تزال محل نقاش في 2025، ومن حيث بدأنا ننتهي لنجد الحل إما بإعطاء روسيا ما تراه حقا لقيصر، أو الغرب سيغرق تماما بأحلام اليقظة عندما ينطلق صاروخ الصمت الأخير.

من الضروري أن أؤكد أن كلامي هذا كمراقب، وبمنتهى الحيادية نشاهد جرائم كل الأطراف حول العالم ومنها "إبادة غزة" التي لا يراها هؤلاء بعين الحقيقة.

السبت، 20 ديسمبر 2025

219- نظرية البدراني في الرياضيــــــــــــــات الفيــــــــــــــزياء الكونيــــــــــــة

 

                                    نظرية البدراني للرياضيات والفيزياء الكونية

آمل ان تروج في الاوساط العلمية

ومن يستطيع ايصاله الى ناسا وسيرن فليفعل خدمة للانسانية سواء نجحت النظرية او لم تقر فالحالتين جيّدتين



نظرية البدراني في الرياضيات اتت استجابة للتطور العلمي والاكتشافات الحديثة:
1- اعادة تعريف الصفر من العدم او الفارغ الى الحاوي لكل شيء
2- حيث ان اللانهاية هي تعبير عن امر غير معلوم وقد باتت الامور معلومة فان اللانهاية تصبح حجر عثرة في طريق التألق في الرياضيات واستيعاب المكتشفات العلمية
نظرية البدراني في الفيزياء:
1- اعادة تعريف الجاذبية بين الكواكب والشموس ومسارت الجميع بواسطة نظرية الاوتار النانوية  والطاقة الذاتية
2- تعريف الجاذبية الكونيـة وتثبيت ان لاشيء اسمه كرافيدون
3- تفسير للطاقة المظلمة والمادة المظلمة ووظيفة كل منها في الكون
4- استقرار الكون لايتم بسماء واحدة
5- تفسير انكسار الضوء وهو ليس تحولي وانما بفعل الاوتار
وغيرها







218 - بين حب الذات والنرجسية: افرادا ومؤسسات

 رابط عربي 21

مقدمات

عندما تنخفض معايير القيم والصرامة داخل النفوس، تنطلق الغرائز والحاجات بلا ضوابط لتؤذي أول ما تؤذي نفس الإنسان ذاته، فالنرجسية مرض صامت يضيع من المبتلى به كثيرا من فرص التعامل مع أناس طيبين ويوقعه في العدمية، والموضوع ككل مهم لمن يسعى لفهم أعماق النفس البشرية، وتأثيرها في المجتمع، والعلاقات، والعدالة.

النرجسية خلل بنيوي

الرجل النرجسي يفقد المروءة ولا يكون جدار أمان، والمرأة النرجسية أول ما تفقد الأنوثة، فلا يعوض الرجلَ مالٌ ولا جاه ولا أي شيء لأنه يعرف نفسه عند هذا الحد وتتعاظم النرجسية عنده لتظهر كاستخفاف أو خفة.

المرأة لا تستعيد أنوثتها بكل أنواع التجميل أو التحول الذي يزيد الطين بِلة عندما يكون الانجذاب لهذه الصورة التي تنكرها هي داخليا، وليس فيها كإنسان، وشتان بين ما يستثير الإنسان كغريزة النوع أو التقييم العقلي الذي يتحول مهابة للإنسان الذي يستحق الإعجاب، فهنالك فرق في مكان التأثر عند الآخرين والقرار أيضا، فالغرائز تتفاعل في الفؤاد أو المخيخ، لكن التقييم العقلي ونواتجه ففي لب الإنسان وموطن عقله للأمور.

في البيئة المريضة يصبح النجاح عرضا بصريا لا حقيقة داخلية، تنتشر لغة التفاخر، ويصبح الاستهلاك وسيلة لتعويض الشعور الداخلي بالنقص، ويؤدي هذا إلى تفكك الروابط الاجتماعية والقيمية، إذ تتحول العلاقات من كونها روابط متوازنة إلى ميدان للتفوق الوهمي غالبا


لمحات من الفرق الفلسفي بين حب الذات والنرجسية

العلاقات تموت -الصادق منها بالذات- مع النرجسية، لأنها تدفعه إلى قراءة العلاقات من زاوية ضيقة، زاوية المنفعة لا المشاركة، ولذا فهو يتخلى عن الصديق حين يشعر بأن العلاقة لم تعد تمنحه التثبيت الذي يحتاجه، ويستخدم الذكاء العاطفي بطريقة ملتوية ليحافظ على صورته، لا ليعطي الآخرين ما يستحقون من ودّ واهتمام.

أما حب الذات الطبيعي، فهو وعي يتيح للإنسان أن يعرف قيمته دون أن يُلزم العالم أن يعترف بها، ويمنحه القدرة على النقد الذاتي دون خوف، وعلى الاعتذار دون أن يشعر أنه ينهار، الفارق بين حب الذات والنرجسية ليس حجم الاهتمام بالذات، بل طريقة بنائها، حب الذات يبني إنسانا واضح المعالم، قادرا على العلاقة وعلى الاعتراف وعلى التوازن، أما النرجسية فتبني واجهة تحتاج صيانة مستمرة، وتبريرا للتناقضات في العقلية والنفسية، وتجعل صاحبها أسير صورته.

حب الذات الطبيعي يتأسس على إدراك عميق للحدود، فصاحبه يعرف ماذا يستطيع، وماذا يعجز عنه، ويقبل ذلك بلا ضجيج، وهو لا يرى في الآخر تهديدا لوجوده، بل شريكا يكمل به العالم، ولذا فهو قادر على بناء علاقة مستقرة، لا تنكسر مع أول خلاف، ولا تتقلب مع أول لحظة انزعاج.

أما النرجسية فهي علاقة مختلة مع الذات قبل الآخر، علاقة تقوم على صورة مُتخيّلة أكثر مما تقوم على حقيقة، فالنرجسي لا يحب ذاته، بل يحب انعكاسها عليه، ويطلب من الناس أن يثبتوا له ما لا يستطيع تثبيته داخل نفسه، وكلما اهتزّ الخارج اهتزّ هو، لذلك يبدو واثقا لكنه هش، ولامعا لكنه قلق.

من هنا يظهر الفارق الجوهري: حب الذات يحرر الإنسان بينما النرجسية تستعبده، الأول يبني توازنا، والثاني يبني قلقا متضخما، طبعا لا أنصح أن يبدأ القارئ بمقارنة ومعارفه، فهذا منحدر زلق يقود إلى المرض، فالمواقف مَن تحكم على الصديق فيكون صديقا لا يحتاج إلى إثبات أهلية.

النرجسية على مستوى الفرد

يظهر الفرد النرجسي عادة بثلاث صفات مركزية، 1- حاجة مفرطة للإعجاب، 2-شعور متضخم بالأهمية الذاتية، 3- افتقار للتعاطف الحقيقي مع الآخرين، وقد يرد على نصحك بدل شكرك أنه يعرف ما نصحته به. هذه الصفات لا تُقرأ كسماتٍ منفصلة، بل كشبكة تشكل رؤية النرجسي للعالم، فهو يضع ذاته كمرجع لكل شيء، ويُعيد تأويل الأحداث بطريقة تخدم صورته الذاتية مهما كان الثمن، وعلى عكس ما قد يبدو، لا ينبع هذا السلوك من ثقة راسخة بالنفس، بل من هشاشة داخلية تدفعه إلى طلب التثبيت الخارجي بلا توقف.

من آثار النرجسية على الفرد أنه يعيش صراعا دائما بين وهْم التفوق والخوف من الانكشاف، قد ينجح في بناء واجهة لامعة، لكنه ينهار بسهولة أمام أي نقد حقيقي، كما أن علاقاته غالبا ما تكون مشروطة بقدر ما يقدمه الآخرون من دعم لصورة الذات، لا بقدر ما يقدمه هو من تفاعل إنساني، وحين يواجه النرجسي فشلا ما، يميل إلى إلقاء اللوم على الظروف أو على الأشخاص المحيطين، لأن الاعتراف بالخطأ يهدد بنيته النفسية كلها.

التعامل مع النرجسية لا يعني شيطنة كل شكل من أشكال الاعتزاز بالذات، فهناك مستوى صحي يجب أن يمتلكه الإنسان كي يحمي نفسه ويحقق أهدافه، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الذات إلى مركز الكون، وحين يصبح كل ما حول الإنسان مجرد مرآة تُستخدم لتمجيد صورته


في البيئة المريضة يصبح النجاح عرضا بصريا لا حقيقة داخلية، تنتشر لغة التفاخر، ويصبح الاستهلاك وسيلة لتعويض الشعور الداخلي بالنقص، ويؤدي هذا إلى تفكك الروابط الاجتماعية والقيمية، إذ تتحول العلاقات من كونها روابط متوازنة إلى ميدان للتفوق الوهمي غالبا؛ لأن المرض إن أصاب مجتمعا يجعله متأرجحا في الوهم وأسهل انقيادا للمغامرين. النرجسية لا تؤذي الآخرين فقط، بل تؤذي صاحبها أيضا، فهي تحرم الشخص من العلاقات العميقة، وتضعه في حالة دفاعية مزمنة، وتدفعه إلى البحث عن الاعتراف من مصادر متقلبة، وفي النهاية يجد نفسه عالقا في دائرة الاضطراب العاطفي مهما بدا متماسكا من الخارج.

النرجسية في المؤسسات

حين تتسرب النزعة النرجسية إلى المؤسسات، وخاصة تلك المعنية بالقرار السياسي أو الاقتصادي، تظهر نتائج خطيرة، يصبح القائد النرجسي منشغلا بتثبيت صورته أكثر من اهتمامه بحل مشكلات الواقع، يستبدل التخطيط العميق بالشعارات، والإنجازات الحقيقية بالاستعراضات، وعلى المدى البعيد تقع المؤسسات في فخ القرارات المتسرعة، والفساد المؤسسي، وانعدام الثقة بين أفرادها.

أما في بيئة العمل، فالنرجسية تُولد ثقافة خانقة، الموظفون يشعرون بأن الجهد غير معترف به، وأن النجاح يُنسب دائما للفرد المتصدر، بينما تُلقى الأخطاء على الفريق، هذه الديناميكية تخلق بيئة طاردة للمواهب، لأن المبدعين لا يجدون مساحة للنمو في ظل احتكار الأضواء.

نحو فهم واقعي

التعامل مع النرجسية لا يعني شيطنة كل شكل من أشكال الاعتزاز بالذات، فهناك مستوى صحي يجب أن يمتلكه الإنسان كي يحمي نفسه ويحقق أهدافه، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الذات إلى مركز الكون، وحين يصبح كل ما حول الإنسان مجرد مرآة تُستخدم لتمجيد صورته.

العلاج يبدأ بالوعي، وعي الفرد بميله إلى تضخيم ذاته، ووعي المجتمع بخطورة تحويل التفوق الظاهري إلى قيمة مركزية، ومن الخطوات المهمة أيضا تعزيز ثقافة مصارحة الذات وتحمل المسؤولية، وتشجيع النقد البنّاء، وإعادة الاعتبار لفكرة الإنجاز الهادئ لا الصاخب.

السبت، 13 ديسمبر 2025

217- نخبة المعرفة الجاهلة لجهلها

 رابط عربي 21


جدلية المعرفة والتعلم:

في زمن مر وما زال أثره فاعلا عُرّف المثقف أنه يعلم شيئا من كل شيء، ثم عُرّف النابغ هو الحافظ لأقوال وأشعار وكتب، بل إن التعليم عندنا نشأ على إعداد موظفين للدولة ولم ينشأ على التعلم من أجل التفكير بالمعارف وتطويرها، لأن من أنشأ التعليم الحديث عندنا هو المستعمر، والمستعمر عدده قليل نسبة للبلد فيحتاج متدربين على تفكيره من أهل البلد لتسيير مصالحه، وعلّمهم اختبار الحفظ وليس الفهم، والسرية في المعلومة بأن تحصر بيد عدد معين، وليس عدم تهويلها، فترى المدير ولحد الآن يمنع الوثائق والمعلومات عن أصحاب الاختصاص ويبقيها بيد الموالين له فلا يزداد البلد إلا تخلفا.

المشكلة تزداد تعقيدا عندما يثق مكدّس المعرفة بمعرفته بلا معالجة تلك المعرفة؛ فيجعلها معيارا، أو يستقيها من الموبايل والحاسوب ويمكن أن يطلع على أي شيء جديد عليه ليضيفه إلى المخزن، ويسرب منها إلى التواصل الاجتماعي فيعمل المادحون على تأكيد وهْم الصفة بأنه مثقف، ليخرج إلى المجتمع معارضا مناقشا أدق المقدسات، وهو لم يعالج معرفته، وإنما ينقلها (قال فلان) أو يقتبس بلا مصدر الاقتباس، وهو في حقيقة الأمر لم يعالج المعلومة وإنما قبلها كما سمعها بلا تفكير.. إذن هو لا يحتاج إلى التعلم، ومن يحس أنه لا يفهم قوله أو يأتي بأسلوب جديد يسفهه وينتقده، ويوجه إليه عبارات بنبرة التقليل من شأنه.

خطورة الخزان للمعرفة:

خزان المعرفة لا قدرة له على حل مشكلة ولا إبداع، لأنه أصلا غير مؤهل لكنه من بيئة منظومة تنمية التخلف، فاكتسب مكانة ربما لم يكتسبها المثقف العالم الذي غالبا ما يكون مهمشا في مجتمع سلبي لا يعالج أي موضوع في منظومته العقلية وإنما يأخذها انطباعا جاهزا وربما يضعها سهوا أو عمدا في رف المقدسات، لأن المقدسات لها مكانة عند الناس فهم يرفعونها ويعظمونها؛ لا لأنها تؤمن بها وتدير سلوكها بل لأنها تحتاجها في تحقيق غريزة حب السيادة والتملك وغيرها، فالبحث والاستقصاء مفقود والناس يسمعون بألسنتهم ويحولون ما يسمعون ككرة الطائرة.

جدلية الجودة والسوء:

ما كنا نلاحظه في جيل سبقنا ومات في جيلنا وفُقد في الجيل الحالي هو أمر جلل، ومنه الصرامة والدقة وعدم التساهل في الصواب، بدءا من المظهر، وكان الشاب يقول نخرج عربجية، أي لا يرتدي الزي الرسمي لدخول السينما مثلا أو الجلوس في القهوة (التي تسمى الآن كافي)، أو عبارة "شرب له على قدر فلوسه"، أي أن جودة عملك ومهارتك وفق ما تحصل عليه من مال، فلم تعد المهارة والإخلاص جزءا من الذات الداخلية، بل أصبحت تحت تأثير التعرية والأحداث بدل أن تكون ضمن الثوابت.

والمهارة نوع من الثقافة التي يملكها عامل البناء المخلص، والقصّاب، والتاجر، ومصلح السيارات بصنوفها، وهكذا، عندها ستجد أن كل ذي مهنة معتز بمهنته، ويحاول أن يطور نفسه بها وأن نجاحه هو في قدرته على تطوير الذات، فالناس الذين انشغلوا بتقييم الآخرين من خلال ذاتهم هم أناس متخلفون وعاجزون بالعجز المسبب للإحباط، فالتقييم هو تقييم الذات! أنا فلان كنت في العام الماضي كذا؛ هل تحسنت في إنتاجي أو مهارتي أو خدمتي للمجتمع؟ ولكن هذا لن يكون عند امتلاكي المعرفة وإنما عند انغماسي في التعليم، والصرامة تجاه نفسي أولا، وسنجد أن هذا النوع يطفئ اللهفة ويسد النقص ويستر العورة، بسيط مهتم لأمر نفسه ليس بغرائزه وحاجاته، وإنما بإنجازه ودوره في البناء ومساعدة الآخرين. فالحلول والابتكار هي واجب المثقف ومعيار ثقافته وليس قدر معرفته، فالمعرفة تحصيل حاصل، بيد أن تهذيب النفس هو تثقيفها لذا قالت العرب على تهذيب الرماح تثقيفها.. فصورة الفشل تتمثل فقدان الدقة والمهارة والانتماء إلى الأمة بتوسيع الحجم.

هذه الصرامة وما تحدثنا عنه، هي من تجعلنا ننبهر بدقة زخرفة وإتقان بيت قديم، أو أثري للسكن، يمكن أن يكون بلا ملامح لغياب الأجهزة والعدة، بينما الآن هنالك عدة تختصر زمنا طويلا، ولكن الجودة مفقودة والثمن مرتفع وربما بلا ذوق، ولأن المجتمع أمرضه اليأس تجد الناس يتجنبون بعضهم ليس لأنهم سيئون وإنما لأن قدرتهم على العطاء ضعفت. وهذا سببه سوء سلوك البعض، فضاعت الحقوق وهدرت السمعة، فوجد المسالمون السلامة بالاعتزال لدرجة الانفراد وفيها يجد نفسه.

ما هو الحل؟

بكلمة: التوازن! والتفصيل كثير لأن التوازن يتطلب إعادة تنظيم حياة المجتمع وإعلاء القيم، وهو لا يأتي بضخ الكتب المقدسة وحكمة الأولين في ذاكرة الناس، وإنما استعادة الصرامة والثبات على القيم على قلة ما تعلم. فالمعرفة ليست مشكلة أبدا، وإنما تطويرها واستثمارها والصدق، وغيرها من القيم وأهمها أن تكون صادقا مع نفسك، وليس وصفك الناس بالسوء لأنهم لا يحققون رغباتي ولا يعطوني قيمة أفترضها لي، وهي ليست حقيقة أو تساير أهوائي.

التعلم الفردي وغياب المجالس العفوية ومعاني المدرسة والحوارات الصافية، والخلاف من أجل الوصول إلى الحقيقة وليس الاختلاف من أجل المصالح الضيقة، وسيادة الأشخاص الإمعة الفارغين وقيادة الطامعين الجاهلين، واستغلال المواهب بلا تشجيعها، وكذلك الطيب وعطائه بلا إنصافه، والغدر بالصديق وغياب المروءة.. كلها عوامل تحتاج إلى دراسة ومنظومة تدريب وتطوير وتنسيق مع الحكومة لإسقاط ما يتعلمونه على الواقع، وإلا كمن يخطب بالأخلاق وينزل عن منصته لترى سوء الخلق متجسدا به.

إن اكتفاءنا بما عندنا من علم، وما نقدمه من خدمة دون تطوير ذواتنا، هو مشاركة في سقوط وانحدار مجتمعنا. واليوم العالم كله يغلي بالظلم والظالمين، بل وحب الظلم بقدر كره من يحب الظلم أن يقع هذا الظلم عليه، ولو تتبعت تجد أن الظلم مصدره ظلم هؤلاء الناس لأنفسهم بضلال الطريق، وهذا هو المرض الذي أعطينا حلا واحدا له وهو إنشاء مراكز دراسات وتأهيل تنسجم معها أنظمة المجتمعات.

السبت، 6 ديسمبر 2025

216 - امتلاك الحقيقة وهم مرضي

 رابط عربي 21


الكل يناقش

كل إنسان يناقَش فكره، والكمال لله، ولولا الوحي وما ينطق عن الهوى لنوقش خير البشر، ورغم ذلك نوقش ولم يضجر ممن يناقشه، لكن هذه الحماية ليست لشخصه وإنما محددة لمسار ومعايير فكره من أجل هذا نزه الله قوله ورفع ذكره، وإلا فلا يحمل القول الثقيل من لان ستار بنيانه وأضحى قوله كقول البشر في أمر الوحي. لذا ميز الرسول نفسه بين قولين له في أمر الدين والدنيا. ومن ثم علينا أن نميز بين الحضارة المحمية كفكر وعقيدة، وبين النشاط المدني فهو للناس.

نحن في امتحان القلوب

فالله وضعنا على الأرض ليمتحن تفكيرنا، فنحن لسنا مالكي الأرض وإنما هو الإنسان فيها كقاعة امتحان تمر فيها وعلى رحلتها أجيال من الممتحنين، فمنهم من يعبر إلى أعلى المراتب ومنهم من يرسب ويعيد وربما يطرد من القاعة. فالله يمتحن البشر وليس ليسيّر أمورهم بالحتمية أو رسم مسارهم بالتفصيل ويلغي كينونتهم. في علم الله كل أمر معروف لكن الله وضع المقادير ووضع السنن، فمن وافق سنن الكون بحسن إدارته فاز ومن خالفها خسر. وتمكين الرعاع ليس لمطابقتهم سنن الكون وإنما لانحسار الصالحين عن مطابقتها، فالشر من أنزل آدم لكن لإحساسه بذنبه أعطاه الله كلمات.. نقص عزمه، أي تفكيره وفهمه لعلم عنده ولأهميته، لكن نقص الفهم عليه عقاب والانتباه هو الخط الصواب.. أما أن نرجو الصلاح عصبية أو بدعم لتافه كي نرفع شانه وكأنه بفساده يمثل أمة نكاية بغيره، فهذا ليس لذي حجر.

فهم الرسالات

لم نفهم رسالة الإسلام، وهي التفكير ومعالجة المعطيات لبناء الأمم. والصبر صمود على أداء القيمة والمهمة وليس تحمل الظلم والألم، وإنما المطاولة من أجل مقاومة الظلم والظالمين حتى يعودوا إلى الرشاد، فهي تدبير وعمل وليس استسلاما وكسلا. فالله لم يخلق الكون عبثا ولم يجعلنا في الأرض إلا لاختبار منظومتنا العقلية. ولا يكافأ مسلم جاهل بدينه ومعانيه، مختل التفكير والسلوك، ولا مسيحي لأنه يظن أن الخلاص حاصل له بقبول المسيح، ولا ليهودي يظن أنه من شعب مختار، هذا العبث في التفكير يفقد الحياة معناها ويخلق التشظي بين البشر وهو ما نراه اليوم من فساد كبير، بينما لو ترك كل إنسان أخاه الإنسان إلى رأيه وما يحمل من معتقد، مكتفيا بإبلاغه دون التترس ضده، واتجه إلى المشتركات التي تنفع الناس عند الاثنين، لما وُجد هؤلاء الرعاع ولا المرضى بالنرجسية ولا المخبولون في إدارة العالم ودفعه نحو الفساد حتما عندما تختل المعايير وتنتشر الكراهية نتيجة الاستقطاب، فتنكرها الفطرة الآدمية فتذهب إلى الحيرة، وعندما لا تجد جوابا أو ليس لها قدرة على الجواب تذهب إلى الإلحاد والكفر بكل شيء قبل أن تتصالح مع آدميتها، لكنها لا تجد الطريق في المتاهات التي ولدتها الاستقطاب والمتاريس التي سدت الطرق.

طريق الضباب:

لو جئنا إلى المتدينين وهم يضعون أنفسهم وكلاء الله في الأرض وهذا ما لم يُمنح لنبي أو رسول، أو هم يقدمون قدسية مصطنعة لإنسان عالم أو فقيه اجتهد وربما جافاه الاجتهاد عن أصول الفكر السديد، ويقيمون بحجته حجة على الله وكتابه، فهذا أمر عجيب.. فآدم ميّزه الله بالمنظومة العقلية والكرامة الإنسانية والسعة في الاختيار والإبداع، كذلك علمت الملائكة وأعلمها الله أنها لم تعلم ميزات هذا المخلوق، فما السر في هذا النفور؟

إنه طريق الضباب والتعنت والتمسك بما عرفت وأنه الحق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، رغم أنه اجتهاد يقابله اجتهاد.. هو نوع من إيقاف المنظومة العقلية وتعطيلها، وبهذا لا تجد تفاهما منفتحا من الجميع على الجميع.

المشكلة عامة ولا تقتصر على دين أو متدين أو ملحد أو علماني، فالكل يتترس مكتفيا بما عنده، ولا يرى إلا أنه صواب ويحاكم الآخرين، ولو عاش -ولا أقول تعايش- هؤلاء الناس لكانت حياة سوية، أن من أمامك أخ لك وما يهمك منه أن يكون إيجابيا في المجتمع، وإن احتجتم لبعضكم تكونون حاضرين

طريق النور:

إن الله خلق الإنسان لاختبار منظومته العقلية، هو في الأرض لعمارتها، والعمارة لا تأتي بالفوضى وعدم الاستقرار، وانشغال الناس بمعتقدات بعضهم تجاوز على خالق الكون، فهو وحده من يحكم بين الناس فيما هم فيه الآن مختلفون، فلا بد أن ينظر إلى قابليات أي إنسان في تحقيق الهدف وهو التعارف والبناء، وأن الكرامة عند الله التقوى، وباب الوصول إلى التقوى هو صفاء الفؤاد من الأحاسيس السلبية ونقاء المنظومة العقلية من الأفكار السلبية.

السبت، 29 نوفمبر 2025

215 - بيـــــن وهــــج الضيــــاء وغربــــــــــة العتمـــــة

 رابط عربي 21

وهج


الظلام والنور:

ألم تر أن الظلام لا يُذكر إلا والنور صنوه مُخالِفُهُ ماحِقُهُ، وكلما اتسع الظلام بان اختراقه من الوميض أو تلألؤ شعلة من نار مهما بعدت لتكون هداية إلى السبيل، لكن النار لا بد من وجود من يشعلها ولا بد من تحول المشاعل إلى رماد، فإن أتى الصبح بعد ليل بلا قمر استيقظت النفوس الساهرة منها والنائمة. أما الساهرة فمعايش نهضة الشمس يحس بأطياف الشعاع وهو ينتشر، والنائم يحتاج إلى وقت ليدرك أنه في الصباح بيد أنه لم يك يحس بمعاني الظلمة عندما يقترب الخوف مع معانقة غريزة البقاء خيال البشر وأسر تفكيره، كل هذا لا يصف الظلام ولا النور إلا من معاناة من لم يحس بمعاناته من ظرفه.

أما معنى الظلام فهو الفضاء كله لكنه يتمزق عندما تجهد بدورانها الكواكب لتواجه الشمس فتشرق، بيد أن الشمس ليست آمنة إلا في كوكب كالأرض تحيطه دروع تصفي وتنقي أشعة الشمس التي تستنير بها والتي لولا دروع الأرض لأبادت من على الأرض، لذا كانت الأرض الأم للبشرية ليست كتراب فحسب، بل كطبقات الهواء التي تغلف الأرض إلى يوم الوعيد،وفي المقابل حين تلامسنا الشمس بنورها ترسم الظلال الممتدة، كأن الضوء لا يكتمل إلا بصحبة العتمة. الطفل يخاف الغرفة المظلمة، والعجوز يغلق عينيه أمام توهج النهار، كلاهما يواجه حقيقة أعمق: النور والظلام ليسا خارجنا فقط، بل فينا ومعنا.

الظلام والنور: جدلية الوجود والعدم بين الرمز والحقيقة

النور هنا ليس فقط ما يُرى بالعين، بل ما يُدرك: لحظة الوعي التي تُبدد الجهل، فكرة تولد وسط الفوضى، أو حب يسطع في قلبٍ مظلم باليأس، أما الظلام فهو الشر والجهل كناية عما لا يدرك


ومع توالي المدنيات، أصبح الظلام والنور رمزين متلازمين للخير والشر، الجهل والمعرفة، الغياب والحضور، بل وحتى الحياة والموت. لكن، هل هما خصمان يتصارعان في كينونة الكون والإنسان؟ أم أنهما وجهان متكاملان لحقيقة واحدة؟ النور دائما مرادفا للوعي، والحقيقة، والإلهام كما الظلام يصف الجهل في الانطباع العام، هكذا تعارف الناس واصطلحوا على فهمه، وشبهوا الشر بالسواد ولا يختلف في تشبيه الشر أفريقي أسود عن ناصع البياض؛ في الفلسفة اليونانية، اعتبر أفلاطون النور صورة الخير الأسمى في "محاورة الكهف"، حيث يخرج السجين من الظلام إلى ضوء الشمس، فيكتشف الحقيقة بعد الوهم. والنور صفة إلهية: "اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ"؛ أي أنه مبدأ الإشراق والمعرفة والوجود. النور هنا ليس فقط ما يُرى بالعين، بل ما يُدرك: لحظة الوعي التي تُبدد الجهل، فكرة تولد وسط الفوضى، أو حب يسطع في قلبٍ مظلم باليأس، أما الظلام فهو الشر والجهل كناية عما لا يدرك، هو خيالات كهف أفلاطون، هو أنت في الأمس نسبة إلى معرفتك ووعيك اليوم، لذا كان وما زال الانتقال من الجهل بالله إلى الإيمان تغييرا ثوريا يصعب تفسيره إلا بشروق يوم أو مرحلة جديدة من الحياة.

الظلام هو السائد لكن النور القليل يجعل تعريفا للواقع هذا معروف وهذا ليس معروفا، فمن بقي على انطباعات أهل كهف أفلاطون فهو سيبقى في الظلام رغم وجود النور الخلفي الذي لا يولد إلا الخيالات، المؤامرة التي هي قدر مقدور، الأنا الطاغية، الركض وراء الأوهام وتسخيف العلم والعلماء، كذلك هم سجناء خيالات كهف أفلاطون.

إن لم تبحث فأنت ستكون بعلمك كالكرة الأرضية من الظلام مع شمعة في صحراء تسمع عواء الذئاب وينسكب ماؤك، فلا أنت تنام ولا تشرب ولا تستطيع السير بعيدا، ذلك مثل من وصل تمام العلم في ظنه وراح يحكم على العلم والعلماء من ظلام جهله، لكن الحقيقة أن الإنسان مهما بلغ من علم ومعرفة فهو ما زال لم يصل الغاية، وإنما عليه أن يبحث ليفهم وليكون خروجه من الحياة أفضل حينما يترك شموعا يستنير بها من بعده فيكمل صناعة الحياة.

جدلية التوازن: المعرفة شموع لم تشعل فتائلها

الثنائية بين النور والظلام سباق مساحات يتقدم فيها نور المعرفة فإن وجد من يتفكر وينمي ويستنبط بعد قراءة واقعه انحسر الظلام عن مساحة أوسع، فإن لم يجد فإن المعرفة شموع مكدسة لا تكون فاعلة إلا إن وجدت من يشعل الفتيل


الثنائية بين النور والظلام سباق مساحات يتقدم فيها نور المعرفة فإن وجد من يتفكر وينمي ويستنبط بعد قراءة واقعه انحسر الظلام عن مساحة أوسع، فإن لم يجد فإن المعرفة شموع مكدسة لا تكون فاعلة إلا إن وجدت من يشعل الفتيل، لذا فالمعرفة لا تطرد الجهل بل قد يستعين الجهل بها ما لم يك تفكرا يشعل فتائل المعرفة لتكون نورا، أو تكون كمن اشترى سلاحا يقتله. ولعلنا نميز بين الظلام وظل الضوء، عندما يأتي المفكر بالجديد فتتصوره ظلاما، فلا ظل إلا نابع من مصدر ضوء، وليس مدرك النور حين يدركه مثل من جرّب الظلام.

الظلام هو إطار للنور، محيط به؛ من أجل هذا قال الإسلام إننا لا نكره الإنسان بل نكره فعله أو انحرافه عن الرأي السديد ولكل علاجه وظرفه؛ فإن تاب أتى كما ولدته أمه "وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ" (التوبة: 6). من أجل هذا كان سيف الله المسلول وكان عمر أمير المؤمنين، وتحول كفار الأمس إلى دعاة هداة للعالمين، وإلا فإن قتلت مخالفك فلا دعوة ولا عزوة ولا حياة؛ الحكمة تكمن في التوازن بين من عاش في النور الدائم وقد يعمى عن التفاصيل، ومن غرق في الظلام فقد يغطي عينيه منبهرا ويعود إلى الكهف ما لم يشهد نسائم الصبح وخيوط الشمس تبشر بيوم جديد.

خاتمة:

إن الظلام واسع، والشر قادر ومتمكن لأنه الأكبر دوما، فتفعيل البصيرة غير البصر، وكم من أعمى يرى ما لا يراه ذو العينين. نحن في الأرض لامتحان منظومتنا العقلية، فعلى قدر فاعليتها يتسع النور من حول الناظر، فإن أغمض عينيه أو لم يشعل شموع المعرفة بقيَ قانعا بظلمة انطباعاته أو ما تلقى، ويظن أنه يعيش في النور، فلا بد من إشعال شموع المعرفة ولا يكتفي بتكديسها أو القناعة بها انطباعا وظنا وتجميد الفكر؛ ذلك مثله كالحمار يحمل أنواعَ الغذاء وهو جائع.

الجمعة، 21 نوفمبر 2025

214 - الحب والاحترام: من الذات إلى الدولة

رابط عربي 21


لمسة

الدارج حين تُذكر كلمة "حب" أن يتبادر إلى الذهن ذلك الانجذاب بين الرجل والمرأة، فيُختزل المعنى في غريزة النوع، غير أن هذا الفهم ضيق، فالحب في حقيقته كلمة جامعة لا تخصيص فيها، إنه شعور يتجاوز الجسد إلى الوجدان، ويتسع ليشمل الناس جميعا، أصدقاء كانوا أم رفقاء طريق، إنه تكامل وجداني وعقلي، يدفع الإنسان للتعاون مع الآخرين في بناء أو إصلاح أو إبداع، بينما الانجذاب بين الجنسين -إن اندمج بالحياة ومشاركاتها- فهو عشق أو مودة، أما المحبة فهي القبول النفسي والرضا العميق، والتسامح الذي يجعل الإنسان يرى في الآخر ما يتجاوز المحددات.

الحب والمحبة في القرآن

وردت كلمة حب في القرآن تسع مرات، وكلها تعبّر عن معانٍ مثلا: طاعة، ورهبة، وحرص، واحترام له. قال تعالى: "وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ" (البقرة: 195)، وقال: "وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ" (البقرة: 222)، وقال أيضا: "فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ" (آل عمران: 76).

الحب في المفهوم القرآني ليس عاطفة سطحية، بل منظومة قيمية تجمع بين السلوك والإيمان


وهنا يتضح أن الحب في المفهوم القرآني ليس عاطفة سطحية، بل منظومة قيمية تجمع بين السلوك والإيمان، وفي المقابل، يصف القرآن أيضا شغف امرأة العزيز بيوسف عليه السلام: "قَدْ شَغَفَهَا حُبّا" (يوسف: 30)، وهو حب تغلب فيه الغريزة وتجند المنظومة العقلية للتخطيط لكن تفشلها بالاندفاع.

أما المحبة، فهي حالة عقلية لا تحتاج إلى تأسيس، وتستقر في النفس بثبات ورضا، قال تعالى: "وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّة مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي" (طه: 39). فالمحبة هنا تتصل بالمنظومة العقلية، لا بالهوى. وقد أثرت هذه المحبة حتى في قلب فرعون، لكنها احتاجت إلى منطقٍ وسبب، كما قالت زوجه: "قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ. لَا تَقْتُلُوهُ".. (الآية). فكما نرى، هي تحتاج إلى رابط لتتجاوز العواطف السلبية.

الحب وتنمية العلاقات

فالاحترام أساس بناء ثابت أو غرسة نبات والحب هو القمة النامية للاحترام، فلا حب بلا احترام، وإن وُجد الاحترام بلا حب، فهو نبتة بلا قمة نامية؛ تبقى حية لكنها لا تزدهر، ومع ذلك، يبقى الاحترام قادرا على صنع ديمومة للعلاقات حتى حين يخفت وهج الحب.

أما الخوف من المآل أو ردة الفعل، فليس احتراما، بل بذرة كراهية. واحترام القانون مثلا ينتج إبداعا وفنا في إدارة الأعمال وتطويرها، بينما الخوف منه لا ينتج إلا رتابة وتقليدية، كذلك حب الحياة يثمر اكتشافات واختراعات، أما مجرد العيش بلا رؤية أو حب حقيقي للحياة، فهو مرور باهت أشبه بسحابة بيضاء لا تحمل مطرا تحجب الشمس ثم تنقشع.

احترام الذات

احترام الذات لا يعني التكبر أو الانعزال أو سوء الظن بالناس، إنه وعي بقدرك من غير تضخيم، وثقة دون غرور، أما من يحاول إثبات ذاته بالمخالفة أو التردد، فإنه يهدمها من حيث لا يشعر. فالتردد، وفقدان الثقة، توأمان في هدم الإنسان، فكم من فرص ضاعت بسبب الخوف من القرار! والتردد ليس تفكيرا، بل إرجاء للفعل، أما القرار السليم، فيُدرس ويُهَيَّأ له، ثم يُنفذ بثقة.

والكبار في التفكير لا يحتاجون إلى صراخ لإثبات الوجود؛ أسلوبهم الحوار، والنقاش الهادئ، والتبادل الفكري الحر، غير أن بعض الناس، بدعوى الكرامة أو الكبرياء، ينتظرون المبادرة من الطرف الآخر، فيضيع الوقت والعمر، وتضيع معه فرص الإصلاح أو الوصال.

الحب والاحترام ليسا من الكماليات المعبرة عن الرفاهية، وليس تعبيرا مخصصا للغرائز رغم أنها أساسا نوع من حلقات الحياة بمفهوم التفاهة بل أساس التوازن في الحياة الشخصية والاجتماعية والسياسية


ولعلنا نلخص هذا بكلمات: "غالبا تضيع الفرص بالتردد، ونفقد أجمل ما في الوجود ونحن نحاول إثبات الوجود"، فلا بد ونحن نسير في حياتنا أن نضع أولويات ونوازن بينها والا سنفقد حتما ما نظن أننا سنحصل عليه بنسيان الأولويات.

السلبية في الدول

كما في الأفراد، كذلك في الدول: التردد أخطر الأمراض، فدولة يتردد قادتها تصبح رهينة خيارات الآخرين في السلم أو الحرب، وإذا خشي صاحب القرار من طرح رأيه لأنه يخاف السخرية أو الرفض، فذلك انتحار سياسي بطيء، والأسوأ حين لا يكون له رأي أصلا لغياب التفكير الاستراتيجي والاستشراف في التخطيط أو لغياب الاهتمام سيان ضعف الكفاءة.

في كثير من الدول، تتحول المناصب إلى مكافآت سياسية، لا إلى مواقع مسؤولية علمية أو مهنية، وحين تُدار الدولة بالعلاقات لا بالكفاءات، يصبح القرار رهين المزاج لا الرؤية، عندها، لا تعني الأزمات نقص الموارد، بل نقص التفكير والتخطيط، وتتحول البيانات الرسمية الطويلة إلى محاولات تبرير وتوزيع للّوم على الآخرين.

إن السلبية ليست موقفا عارضا، بل منهج تفكير يبدأ من الفرد الذي يخشى القرار، وينتهي بالدولة التي تخاف المبادرة، ومثلما أن الحب بلا احترام يموت، فإن القرار بلا شجاعة يعد موؤودا؛ وما بين الاثنين، يمسي عالم فوضى، بلا حب، بلا حركة، بلا نهضة.

خلاصة القول:

إن الحب والاحترام ليسا من الكماليات المعبرة عن الرفاهية، وليس تعبيرا مخصصا للغرائز رغم أنها أساسا نوع من حلقات الحياة بمفهوم التفاهة بل أساس التوازن في الحياة الشخصية والاجتماعية والسياسية، فحيثما نبت الحب، نما الإبداع، وحيثما مات الاحترام، نمت السلبية، وما بينهما يقرر مصير الإنسان والدولة معا.

السبت، 15 نوفمبر 2025

213 - الكبار يعشقون ايضا

 رابط عربي 21


سردية النفس والجسد:

في ثنائية النفس والجسد قصة غربة وامتلاك وأُلفة ثم إدراك للفراق، هذه علاقة نفس الإنسان مع جسده، والنفس هي الإنسان ذاته تلتحم بالجسد في رحم أمه أو في مختبر، فهو التحام غريبين، ويتحرك الجنين بعشوائية مثل من يتعلم القيادة للسيارة، أو دراجة هوائية، ثم يضبط الحركة لكن بينه وبين الجسد علاقة مصلحة ووجود، ويستمر بالأنا حين يكبر وكأنه آدم لوحده أو حواء، فان أسميتها حواء، ستقول لك عندما تحتاج شيئا حواء تريد كذا، ولا تقول أنا أريد كذا، بل تلك التي تسميها حواء تحتاج أكلا أو شرابا، ثم تحس أن الجسد هذا ملكها، فتعامله بامتلاك وتحميه، ومع تقدم العمر يأتلف الإنسان مع جسده ثم يقبل أنه يوما سيفارقه..

العلاقة بين الجسد والنفس علاقة خالد بفاني، وعلاقة شاب طموح بجسد لا يتوازن في فهم النفس، ثم يتوازن ثم يهرم وتبقى النفس شابة طرية، فمشاعر الكبار حية شابة كالنفس البشرية لا يمر عليها الزمن، بيد أنها أكثر حساسية وتنمو بسرعة وتحبط بسرعة عندما تكتشف أن الجسد لم يعد قادرا على أمانيها؛ فإما أن تستجيب له وهو غالبا ما يحصل، أو تتمرد فتنتقد من بيئة تشكلت انطباعاتها على قاعدة القرود الخمسة المحبطة. هذه هي ببساطة سردية النفس والجسد.

ألحان المشاعر مع العمر:

عند الطفولة المشاعر سطحية في ظاهرها عميقة في أهدافها شفافة تتبع الملاطفة ظاهرا، لكنها مرتبطة بالأنا جذرا، تحتال على التملك، فلا يلبث أن تتحول عنده هذه المشاعر ومسبباتها إلى تقدير وامتنان، فهي مشاعر تجري عقلنتها بإدراك ومعرفة أنواع العلاقات والأعراف الاجتماعية والدينية والأخلاقية.

وتنقاد المشاعر عند الشباب بالمشاعر الفؤادية والأحلام التي غالبا نتائجها في المسار والتفكير إيجابية الأهداف متناسية العثرات، وهنا تتجاوب النفس الشابة مع الأهواء التي تولدها الغرائز بل تخطط لها وتراقب وتتابع وتختار طرق التنفيذ.



هذه المشاعر التي تعني أن طريق النجاح ممهد ولم تدرس أن هنالك تخطيطا مطلوب، وإعداد ودراسة، ستنتهي إلى الركون لإحباط ندر ما يتسلق جرفه أحد، وقد تأتي مصادفات الحياة -كما يسمونها- وأرزاقهم المرسومة برافعة لهذا الإنسان؛ فإما وعي وتصويب أو فشل في مرحلة لاحقة. والنجاح غالبا لا يظهر إلا إن كان معبرا عن طموح، فهنالك من هو ذكي ومتمكن لكن لا يظهر إلى الواجهة إما لاسباب تتعلق بالبيئة وإما أنه لا يريد أكثر من العيش بسلام وفق تعبيره، فليس سهلا أن تكون متميزا في مجتمع عدمي تقليدي يثبط الطاقات أو يرفض وينكر الجديد، بل هنالك حاسد وعدمي ليس كفئا ولا يريد أن يظهر أحد كفئا، وهو متنفذ قادر على تحييد الآخرين. وعادة ما لا يهبط النابغة أو العالم أو المبدع لأساليب هؤلاء السلوكية، فيبدو النوابغ أضعف الناس قدرة في الدفاع عن أنفسهم، وهنا تظهر قوة النفس وما كونت من شخصية فعّلتها بالصمود.

وعموما فهذه المسارات تقدها وغرائز حب السيادة والتملك وتعينها المنظومة العقلية التي تجند لأهدافها عند السلوك الحسن والسلوك السيئ، وتبقى الأخلاق كأي قيم تعرف وقد لا يلتزمها الكثير ممن يعرفونها في سلوكهم، وهو يخوضون منحدرات إثبات الوجود النفسي والتي تمثل نوعا من صراع الإرادات أحيانا.



وأما العواطف المتعلقة بجنس الإنسان فغالبا تقودها غريزة النوع وتهذبها الأعراف، وهنا تذرف الدموع في واقعنا اليوم؛ عندما ارتخت الأعراف في مجتمعات تعرضت إلى أزمات وصراعات وحروب وتشتت في نسيج المجتمع، وكل هذا معبر عن عجز الروابط كمنظومة بفاعلية متدنية.

عندما يكبر الإنسان ليتجاوز الستين تستيقظ الروافد الجافة وتبحث عن الرطوبة والماء، وهنا يبدأ صراع النفس الفتيّة التي غالبا إن لم تُقمع فهي شابة نشطة في العشرين؛ مع الجسد الذي تناوله الهرم وأضناه تعب السنين، لكن النفس تبحث عن خضرتها وتحاول نجدتها


في هذه المرحلة والتي هي ما بين العشرين والستين يتعرض الإنسان إلى أنواع من الشد عدا شد الاضطراب المجتمعي ويتشعب الامتداد ويتفرع، فهو يتعرض إلى شد الاختيار وطلب الاستقرار العاطفي والاجتماعي ليستطيع أن يتوجه لسد حاجاته الأخرى وإشباع غرائزه والاستقرار النفسي في العلاقات العامة. كثيرا ما يكون هذا منقوصا لغياب التدريب والتعليم لهذه المواضيع، فيبدو أن الشاب قد تصرف بقرار استراتيجي بشكل غير مدروس وغير مخطط له وآني البعد، فهو عامل الاستراتيجية بالتكتيك واتخذ عامل النزوة وغريزة النوع قاعدة قراره وهذه تنتهي تأثيراتها خلال أيام؛ من هنا، نشاهد كم حالات الطلاق في المجتمعات التي فارقها العرف المجتمعي والاستقرار، وغياب فاعلية الرأي الرشيد أو منظومة التأهيل والإرشاد، فبناء الأسر من أخطر أنواع الأبنية المجتمعية.

كما يتعرض لشد الأطفال وحاجاتهم حيث مع نموهم تكبر مشاكلهم، وهذا الشد يمثل حالة نشاط عاطفي أكثر من الطاقة لموازنته مع صعوبة الامتداد في الحياة، فيتولد عند الأكثرية خوف من المستقبل وعلى أبنائهم، وهو خوف يولده واقع سيئ في بيئة مضطربة، وهنا تنعكس الأمور إلى تجفيف الروافد اللاشعوري.



ويتعرض لشد من الأعلى من الوالدين وتجاربهما واستمرار حرصهما عليه أو عليها، وكل يبدي رأيا من تجاربه وأحيانا لا تتلاءم التجارب مع الواقع الجديد، وكثيرا ما تُرفض كلمات التجربة من الشباب ربما لفرق الإدراك، والعيش في التجربة ليس كمن مر بها، لكنه شد يحتاج حوارا، وغالبا يفضي الحوار لأمر حسن.

وعندما يكبر الإنسان ليتجاوز الستين تستيقظ الروافد الجافة وتبحث عن الرطوبة والماء، وهنا يبدأ صراع النفس الفتيّة التي غالبا إن لم تُقمع فهي شابة نشطة في العشرين؛ مع الجسد الذي تناوله الهرم وأضناه تعب السنين، لكن النفس تبحث عن خضرتها وتحاول نجدتها. وهنا يصبح الشد عكسيا من الأسرة ومن المجتمع، وتقبل النفس أن الإنسان في هذا العمر استلم طريق القبر أو لا بد أن يتعفف عن غرائزه والميول العاطفية وتسليته فهي تثلم من هيبته، كذلك هم قمعوا ودرّسوا القمع للمجتمع، وقد تمزق أسرته أو بعبارة أصوب تكشف تمزقها.

ما المطلوب؟

المطلوب جليّ، أن تعقيدات الحياة إن لم يتجاوب معها الإنسان بعقلانية فلا بد من مراكز تأهيل تعنى بهذه الانتقالات الحادة العمرية لتجعلها انتقالا تدريجيا واعيا من خلال المؤسسات والإعلام والزيارات الميدانية، بتقسيم المدن كما تقسم البلدية أقساما وتكون هنالك تدريبات، وخلق نشاطات وتشجيع على إزالة العقبات ومواجهة المشاكل كمجتمع واعتبارها نوعا من العمل في سبيل الله، لكن بجدية وقواعد بيانات.. والحديث ذو سعة.

225- ملحــــــــــــدون

 رابط عربي 21 توصيف الموضوع وفقَ اعتقادي، الإنسان في الأرض لاختبار منظومته العقلية ومدى قدرتها على التفكير السليم، وأن ما زل به آدم وزوجه هو...

يقظة فكرgoogle-site-verification: google25f7d3ebc2fdac29.html