السبت، 28 ديسمبر 2024

141- شذرات في القيادة الادارية

 


رابط عربي 21

مفتاح للفهم:

"وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ".

"فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۗ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ ۖ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْما، وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْما" (طه: 114-115). هاتان الآيتان مفتاح في القرآن لو فهمناهما لأجبنا عن أسئلة كثيرة، ولعلمنا كيف نتعامل مع الكون ونتكامل في الحياة، لأدركنا أن التجديد والحركة تكليف، وليس كما نحن تقليديون نقدس الماضي، معطلين للقرآن بتجميده بشروحات وفهم للشريعة من عصور أخرى، رغم أنها أوقفت الشورى بالتغلب مثلا.

* للقرآن تفاسير موضوعية عبر العصور، فَمَتْنُهُ من العلي القدير لحالات ودرجات وظروف وأحوال متعددة ومختلفة، وإن الفتح من الله على عباده في تأويل كلماته وتفسيرها في كل عصر من العصور، ولا يصح تقديس اجتهاد عالم أو صحابي لعصره، إنما يجتهد لكل ظرف عصر. وكذلك هم فعلوا في زمانهم، ومن أمثله ذلك، أوقف عمر بن الخطاب الحدود في سنة الرماد، وأوقف حصة المؤلفة قلوبهم، وأوقف توزيع الأرض على الفاتحين، وإنما أبقاها ليد من يزرعها، وما زالت الأرض أميرية للدولة لعصرنا هذا. ولعل من يخرج في عصرنا باجتهاد كهذا، يكون عرضة للتسفيه، بيد أنه كان مجتهدا بين أناس يفهمون المقاصد، ومعنى الإسلام ومهمته في الناس أجمعين.

آدم أعطي المعرفة في حافظته، بيد أن المعلومة إن لم تُدَرْ ستنسى، وإن العزم في التفكير والفهم واستنباط معاني للسلوك في معالجة الحياة وصروفها، وإن أبانا آدم لم يتعامل مع المعلومة، فنسي أن ما يتلقاه من إبليس ليس في صالحه؛ لأنه يكرهه.

* الحرام بيّن واضح في القرآن ومفصّل تفصيلا لا مخفيا ولا رمزا، ومن الحرام أن تحرّم بهواك ما لم يحرم الله، والآيات متعددة التي تمنع أن يصدر تحليل وتحريم بالهوى أو وكالة الإنسان على الإنسان بالقوة، أو فرض أي شيء على الناس بدعوى التمكين، فالتمكين للناس وليس على الناس.

من أجل هذا، سنحاول الإجابة عن: كيف ينبغي أن يفهم الإسلام في الشذرات الآتية:

الإسلام في الحكم: تمكين المجتمع لا التمكن عليه

1- أي سلطة أو دولة أو منظومة الحكم، هي منظومة تعاقدية مع الشعب وفق مفهوم الشورى وبآليات متعددة وفق المتاح لزمنها، ولا يضر إن سميت خلافة أو رياسة أو أي اسم، المهم المحتوى المؤسساتي لديمومة المهام، وإقامة العدل لتمكين الشعب لا للتمكن عليه.

2- غاية الحكم كمنظومة إسلامية، هي الإنسان وحماية منظومته العقلية بالأساس وأمانه وأهليته في الخيار، بلا تسلط أو وكالة من أحد، فما كان بينه وسره فهو بينه وسره، ولا يحاسب إلا وفق القانون المرعي بحماية المجتمع من النزوات والجريمة، وما يلحق ضررا بالمنظومة العقلية للإنسان أو الأمن والسلم المجتمعي.

3- مسؤولية الدولة مسؤولية تنظيمية وتمتلك المؤسسات والقوة، لكن هذا لا يعفي المجتمع من الحفاظ على البيئة، من حيث مسارات الحياة المتعددة، فالمال مال عام، والنهضة تتم بتعاون الجميع، والنظم تبنى ولا تفرض.

4- لا تدخل الدولة في تفاصيل حياة الناس أو افتراض المسارات السلبية ووضع القوانين على هذا الافتراض، بل للناس خياراتهم إلا إن أثرت على سلامة المجتمع، فالفرد مكلف بامتحان الحياة والدولة واجبها حماية منظومته العقلية، وليس فرض عقيدة أو رأي، وإنما السلوك الضار يكون بقوانين يتعاقد عليها الشعب.

حصر القرآن بالماضي يخالف صلاحيته عبر الزمن ويجعل الأحكام متخلفة عن العصر، كما هو حال الأمة التي ما زالت تستحضر الخلافات التاريخية لتحتكم إليها، وبعقلية جهل تجعل الأمور أكثر تطرفا من زمن حصولها، فيكون الدين أديانا وأمما وطوائف وأفهاما قاصرة، كل يسمي نفسه بغير اسم الإسلام ليتميز عن بقية المسلمين، وما يقود هذا من فساد في العقائد والسلوك والجهالة المغلفة بالدين على أنها تمسك به، وحب للظلم بين هذه الفرق، وهو ما جعل الأمة على الهامش منكوبة من نفسها وتزعم أنها منكوبة بالتآمر، متناسية أن العرب والشرق أمم تبحث عن مصالحها، ووجدت أمة متخلفة غائصة بالجهل فاستغلتها.

لم يمنح الإسلام الوكالة على البشر لا لحاكم ولا لرسول: "وما جعلناك عليهم حفيظا"، "وما أنت عليهم بوكيل"، "إن عليك إلا البلاغ"، "فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر" (الغاشية: 21- 22]، وقال "فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب" (الرعد: 40).

فالرعوية وتشويه الأفكار وزرع الفتنة والكراهية وذم المخالف وشيطنته، ينبغي أن يسيطر عليها بقانون مجتمعي، وليس لأحد فرض عقيدة أو رأي وتعطيل منظومته العقلية؛ والإنسان يحدد موقعه وفق سلوكياته ويحاسب على أدائه. وهذا النوع من الرقابة مطلوب في منظومة الدولة، لحماية النمط الحياتي ومنظومة الاستقرار والنزاهة في إدارة الدولة.

المعاملة فطرة الصالحين: "وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ" (24-الحج)

إن التنوع إيجابي محفز للفكر متى ما كان الطرح بين الأفكار المتعددة طرحا لرؤية الحقيقة في مناقشة موضوعية، لكن إن بدأ بالتسفيه والبهتان أو الاجتزاء وخلط التاريخ والجغرافية وغيرها، بهدف الحفاظ على الرعوية ومراكز ومناصب وهالات، فلا أحد يكون خارج سلطة القانون الذي يرتضيه المجتمع.

فتجد أن الإنسان الراقي يسير في حواره مع الآخر كما تتحرك أم الطير فوق أفراخها كي لا تؤذيهم، ذلك أنه لا يتعامل بمشاعر إلا الصدق والمحبة كمنهج آدم، وليس الكره أو التعصب الذي هو منهج إبليس، عندها مهما اختلف الناس فلن يتنافروا. إننا خُلقنا في دنيا ونظام متحرك لا يثبت ولا يعاد، فإن سكن مات، والجمود هو ضد سنة الكون المتحرك والمتوسع بالحركة (وإنا لموسعون)، فالجمود على فكرة أو آلية أو رأي، هو موت عمليّا، وخروج عن الزمن والنظام الكوني.

لعل هذه الشذرات، تنفع في الإضاءة والاستدلال لشذرات أخرى، وإنها لذكرى والذكرى تنفع المؤمنين
.

السبت، 14 ديسمبر 2024

140 - قــراءة التاريخ - الفشل برداء النجاح

رابط عربي 21 


بداية الحقبة الضائعة:

الألم أو الإحساس بالظلم والقهر والتخلف بداية حقبة الوعي وتشخيص المشكلة، وهو أمر نختلف عليه وفق الجهاز المعرفي المنقول، ونستمر بالاختلاف ولا نرضى بقيادة ولا زعامة إلا أن تكون من فئة "ب"، وتمحق الزعيم أو القائد الذي يظهر من أي حرف آخر في بيئة منظومة تنمية التخلف، وتسفّه الحروف ما ظهر عند غيرها، إلى أن ينعزل ويموت الأمل فيه. كذلك يفعل الآخرون مع من يظهر من أي حرف، فأحادية النظرة من ضمن المنقول في الجهاز المعرفي المشكل لمنظومة تنمية التخلف؛ فأنا الفاهم والواعي والمؤمن والوطني الذي يملك الحلول، حتى لو كنتُ واضح التفاهة، وغيري الجاهل والخائن والكافر، وإن كان في رزانة الدعوة للحق والمنطق.

في ذات الفئة "ب" هذه، تظهر الفردانية أنانية تهمل عالمها والعلماء أو المفكرين وهم أقل الناس قدرة للدفاع عن أنفسهم، وإنما يحتاجون غالبا إلى قادة وزعماء لترويج أفكارهم، فعندما يواجهون بتسفيه المجموعة وتسفيه المجموعة للمفكر، حاضر عكس اجتماع المجموعة على رأي واحد صواب. فالعمل الفرداني دون مؤسسة لا ينجز؛ لأنه سيواجه التحديات بلا قوة صد ويفتقد للتنسيق ومتابعة التطبيق وتصويبه، فلا تكون مخرجات قوية دالة على الفكرة، وتضعف بالتشويه الذي يحصل فيموت الشخص والفكرة ليس مهما من السابق للموت.

بطل واحد! فاهم واحد! خبير واحد! هذه العقلية قادتنا إلى التخلف والعدمية وصنع الفاشل من الناجح؛ الإنسان يستطيع تحقيق طموحه الشخصي منفردا، بيد أن طموح الأمة لا يحققه إلا مجموعة منتظمة في عمل مؤسساتي، فالإحساس والتشخيص والذهاب إلى الحلول ما لم يكن مؤسساتيا، فهو سيقود إلى الفوضى بتراكم الإحباطات، والخضوع والركود إلى حالة انفجارية لا تضبطها قوانين وأعراف.

فكرة الإصلاح والتغيير:

الإصلاح لا يأتي كنشاط على فوضى أو هياكل ليست معرفة المهام أو شعوب لا تعرف ما تريد، وإنما تتحسس الألم فقط وتبحث في خيالها عن المنقذ وتذهب إلى الأوهام والخزعبلات، أو تستحضر تراث الاستسلام للواقع وللظلم وكأنه قدر مقدور. هذا الوصف، يحتاج مراجعة كبرى وإلى تغيير بعزيمة مؤسساتية مترابطة بين مجموعة من المفكرين، ومجموعة من القادة وزعماء تنفيذيين للأفكار والمعالجات والمتابعة. أي تشكل منظومة بها أفكار ومعالجات لهذه الأفكار ومخرجات تستلمها البيئة والحاكم والمحكوم، ثم تعاد التغذية بمواطن الإخفاق ومحتمل النجاح وهكذا أو بتغيير شامل، لكن يضاف له برامج مكثفة للتوعية وتثبيط الرعاع وتهدئة الغوغاء، ليتمكن العاملون من إجراء قواعد التغيير.

أما الإصلاح، فهو عملية ضمن مسار منظومة فاعلة، تحدث إخفاقات في بعض أنشطتها فتدرس وتوضع بدائل تدخل التجربة إلى تصويب العمل. الإصلاح والتغيير عمليّا، يرتكزان على الاستقراء للواقع، ثم استنباط الحلول وهذه الملاحظة مهمة؛ لأن القوالب الجاهزة من تجارب التاريخ أو تاريخ الشعوب الأخرى ليست صالحة، وإنما تضيف جروحا جديدة للمجتمع.

الإصلاح يحتاج إلى تشخيص وأفكار للحل وكوادر مؤمنة بالحل وتعمل عليه وقبول من البيئة، وهذه أمور داخلية، لكن بغياب أي منها لا تثمر، الإثمار له أيضا واجبات رعاية وديمومة وصيانة وهذا أمر مهم.

أما التغيير، فيتضمن معادلة الإصلاح وقبولا إقليميا وقبولا دوليا وضمان مصالح الجميع حقيقة. وطبعا بغياب أي من هذه الأمور، فسيوضع في المعادلتين صفر وكل ما يضرب بالصفر، فالنتيجة الصفر رياضيا أو بمنطق الفكرة، يعني الفشل.

الفشل برداء النجاح:

عندما نتحدث عن النجاح، فإننا نتحدث عن أمر مدروس مقصود، وعندما أردنا النهوض وأتينا بالتقليدية والعقلية الفردية، عجزنا أن ننتج مدنية أو نستحث حضارتنا الفكرية فاستعنّا بالاستعمار لجلاء الاستعمار، فترك من منظومة متوافقة مع الخضوع للمتغلب فينا مما نراه إلى اليوم، وهو لم يخرج فعلا، وإنما ربح خسائره وزاد من خسائرنا، وأرهقتنا المظاهر الصوتية التي تتحدث عن إزالة الفقر بأفكار مستوردة، والجهل بنظم مستوردة، وكلها قوالب تضعنا في ضيق وتمزق أجزاء منا، وتسبب لنا النزف من قطوع وجروح.

دعونا للديمقراطية فأخذناها مستأصلة من نظم تصويبها وتصفق الجماهير لوعود الوهم، فإن صدف أن حدثت طفرة فيها، فهنالك قوى منك تثبطك بل تنهي أي فكرة أو أمل، وأنت مخدر تصفق لجلادك. إن التغيير والإصلاح الحضاري والمدني، لا يأتي إلا منك ومن خلال الاستقراء والاستنباط السليم، عندما نتخلص من الثرثرة التي لا تبني ثقافة ومثقفا بل مضيعة للعمر، ونروض أنفسنا على الاستماع والحوار بدل الجدل، والسعي للأفضل بدل الظن بامتلاكنا الأفضل، فإن ثبت أن ما لدينا الأفضل فهذا خير، وإن عرفنا أننا لا نملك الأفضل فهو خير أيضا.

إن ميلنا إلى أن نكون مستهلكين للمنتج المدني، هو أحد إخفاقات أنتجها من صمم الناس الذين خلفوا الاحتلال في الإدارة، التعامل مع عقيدتنا الإسلامية وكأنها عنكبوت، وتقديس غير المقدس من أشخاص وتاريخ، يجعلنا ننسى أن أمتنا ككل كانت ما بين الهامش كالعرب، والظلم والاستعباد لأمم كان وطأة إمبراطوريتين لا تحوي عوامل الكرامة الإنسانية والقيم العليا.

إننا لو نظرنا إلى دورة التاريخ، سندرك أن الإسلام ليس دينا، وإنما فكر وقيم ترتقي بالإنسان وبناء المدنية وإبراز الجمال في العالم، رغم كل التشوية والتضليل.

إن الكلمة الأولى "اقرأ" وليس ثرثر بأي كلام، فالقراءة انطلاقة إلى التغيير الدائم والإبداع والعلم والمعرفة، متى ما هجرنا الإسلام عدنا كما كنا، أمة جامدة وأخرى تبعية، وأخرى هامشية وأخرى تجد الظلم مكرمة، من أجل هذا لا بد أن نتطرق إلى تاريخ مهم، وهو محاولة لطرح سؤال: لماذا لم تستمر مدنيات كالصين في قيادة العالم، أو مدنية وحضارة كالإسلام، ليعود أتباعها إلى الغفلة والجاهلية؟ وما نراه يكفينا الوصف.

الجمعة، 6 ديسمبر 2024

139 -قراءة التاريخ - حلول للدراسة

 رابـــــــــط عربي 21


لتقليدية مشكلة وليست حلا:

النظر إلى صُلب الحياة المدنية وكأنها من صُلب الدين كثوابت أو تقديس الأشخاص المجتهدين في عصورهم أو أيٍّ من الصحابة وآل البيت دون فصل حياتهم المدنية عن مكانتهم في الدين أو معرفتهم واجتهادهم في العبادات؛ معضلة أمام تفسير حقيقي للتاريخ والاعتبار منه أو التقدم إلى الأمام، لأن أي رأي تجد من يعيدك إلى مقدس ليس مقدسا كرأي فقيه أو مجتهد وظرف عصر مختلف.

فالمشكلة الكبرى وهي الفتنة، بدأت باغتيال لخليفة وهدأت بإدارة خليفة رفض الاستمرار (الحسن رضي الله عنه) وحل المشكلة سياسيا، بشرط عودتها للأمة وهي من قواعد الشورى الفكرية في الحضارة الإسلامية، أي حكم الشعب لنفسه من خلال حقه في تنصيب أدوات الحكم وإبدالها أو خلعها، وهي مسألة قيمية إرشاديه للحياة المدنية وأهم ما فيها هو الاستقرار بإنشاء حكم أمين رشيد.

السؤال: هل كان يمكن تفادي الفتنة؟ الجواب افتراضيا نعم، لأنها في واقع الحال مشكلة سياسية تطورت إلى الاتجاه السلبي وأخطاء بشرية من الطرفين، رغم أن موقف معاوية كان به خلل في بعض المفاصل كمواجهة جيش فيه الخليفة ونهضة العصبية القبلية، ثم بعد صلحه والحسن t لم يلتزم بشرط الصلح وهو إعادة الولاية إلى الأمة وإنما جعلها ملكا وأسس لولاية التغلب التي ما زالت فاعلة الأمر الذي تسبب في حيثيات خروج الحسين رضي الله عنه، وما زال المتغلب لحد الآن مدنيا أو مغامرا أو عسكريا يحكم الأمة، وقد أصبح كالسيد الذي يسوس العبيد بلا إرادة ويكرر ما قاله فرعون في وصف المصلحين بما وصف فرعون موسى عليه السلام "لا أريكم إلا ما أرى"، "وأخاف أن يفسد عليكم دينكم"، وهو في الحقيقة يخاف أن تزول ركائز حكمه وظلمه.

كيف تحل مثل هذه المعضلة:

في التاريخ مهما كتبنا من حلول فهي محض رأي لا ينتج عنه أمر إلا تبريرات المخالفين له وجدل بيزنطي لا غرض لنا فيه. لذا فنحن ننتقل بالحالة إلى واقع اليوم مستفيدين من التطور المدني في مسائل القيادة والسيطرة والإدارة والحكم ونظم التعامل بين الجمهور والحاكم، ليس نقلا عن نظام ليبرالي رأسمالي فهذا النظام اقتُبس من الفلاسفة اليونانيين وتجربة أثينا ليحمي أصحاب المصالح أو النظام الرأسمالي ككل؛ بل نلجأ إلى ما يوافق العقيدة من فكر مستخدمين الآليات المتاحة لحين يلد الواقع والتجربة آلية مناسبة لمجتمع التكافل وسيادة الشريعة التي ليست الشريعة المنقولة من اجتهاد البشر، وإنما ما ينتج بشكل نظام أو قوانين من خلال استقراء الواقع ثم الاستنباط من القرآن والسنة والسيرة النبوية التي هي تاريخ يحمل خصوصية سير الشريعة على الأرض، وفق نظام معرف فيه الثابت والمتغير وما هو رأي بشري وما هو قول نبوي وما هو نص منزّل، وكيف يتعامل الحاكم، وكيف يتعامل القاضي وكيف يكون تقييم الرأي الشرعي والرأي المدني ضمن فكرة الإسلام ككل لحماية الأهلية للمواطن وخياراته لأنه من سيحاسب على قراراته الخاصة، أما ما يتعلق بأعماله وأقواله وفعل ما له تأثير على أرض الواقع على الناس ومعتقداتهم والدولة والحكم؛ فهنالك القوانين التي تحاسبه وتقدر كيف يكون عقابه أو إصلاحه إن كان ممكنَ الإصلاح أو يعد خطرا على المجتمع، وعندها فكل القوانين ستكون معرّفة مستنبطة على استقراء الواقع.

الحل الأمثل:

الحكم كان فرديا عندما كانت الحياة بسيطة والدولة لا تدخل التفاصيل في حياة الأفراد، لكن اليوم تشعبت الوسائل والحاجات والمخاطر والتحديات، وأضحت بيئة الدولة تتقبل الكثير ومنفتحة وتحتاج إلى تجاوز هذه المواقف التي حصلت في صفّين والطف، بل وضعها في نظام لا يقبل التمرد، بل يضع خيارات الأمة هي الحكم وبشكل واضح، ففقدان الفهم والوضوح نتيجة توسع الدولة بلا وسائل الإفهام والتعليم والاجتهادات المنفردة، بعيدا عن المركزية لضعف التواصل وفقدان المؤسسات أوجد تلك الحالات.

بالعمل المؤسساتي تنتهي تلك المشكلة عندما يكون كل أمر مؤسساتي من الحكم وإدارته كمؤسسة الخلافة، وفيها تفاصيل تقود حركة الحكومات، إلى مجالس توظف الخبرة، فلا يوجد حاكم مدى الحياة حتى النظام الملكي، بل هنالك تغيير وفق إرادة الشعب، لكن منظومة الحكم لا تتبدل وإنما تحدّث وتبقى المشاريع متابعة وعن طريق مجلس التخطيط الاستشاري يتابع كل أمر دون أن يتدخل في إدارة الدولة، وإنما يستمر العمل والمخطط بحيث يكمل كل جديد من سبقه ويضع مشروعاته لينفدها ويكملها أو يكملها من يليه (هنالك مقالات للكاتب حول هذه الحلول مفصلة؛ ومنشورة سابقا) وكل فقرة بها شرح مهام وتفاصيل.

ألم بلا عواقب:

إن الإحساس بألم الظلم أولى الخطوات التي تحرك نحو الحرية، لكن لهذا شروط وأهمها الفهم ووضوح الرؤية، وكسر قيود التقليد والتحجر، وإبعاد التأليه والتقديس لكل ما هو قديم وبناء مدنية تعبر عن المجتمع ذاته من مخرجاتها وتشارك العالم في بنائها.

هذا الكلام هو مقدمة لما سنتحدث عنه في الجزء الثالث من قراءة التاريخ..

السبت، 30 نوفمبر 2024

138- السياسة وإدارة الموارد المائية

رابط : المقال منشور في عراقيون 


أين المشكلة: هنالك تغييرات تحصل بما يمكن تسميته بيئة الموارد المائية، اضطراب مناخي، سدود تنشأ في دول المنبع، إدارة ضبابية للمياه في العراق حيث تصدر تصريحات بها نوع من الغرابة في المعايير العلمية وهي أخبار بان هنالك عجز وكوارث محتملة وان مشاكل كثيرة في الأفق متوقعة منها الجفاف في العراق بعد بضع سنين، وكلمة الجفاف مبالغ بها حتما.

المحللون والجهات المهتمة تسارع إلى التحليل وإبداء الراي بلا دراسة معمقة أو استبيان الأمور، وغالبا ما تلجأ إلى الحل الأسرع والأسلم والوحيد وهو إلقاء اللوم على دول المنبع بانها تحجز المياه، وفي ذات الوقت تعبر عن الشحة والاضطراب المناخي وكأنه في العراق فقط، وهذا امر طبيعي أن يتجه الإنسان إلى ما يرد إلى ذهنه، لكن من غير الطبيعي أن بلدا يمر به نهران، ليس فيه دراسات استراتيجية حقيقية وان كان هنالك تسميات، لكن لو كانت فاعلة لرأينا حلولا وليس أوهاما أمام واقع سياسي في المنطقة ليس طبيعيا وليس مستقرا.

مازلنا نفكر في الأهوار بأسلوب تقليدي وكذلك في البحيرات الطبيعية التي كانت ملجأ المياه الفائضة وهي ممالح بمجملها ومسطحات للتبخر، وتسمع كثيرا كلاما يفتقر للمهنية والعلمية.

حديث الفانتازيا الذي تصفق له العامة:

مفهوم الراي العام عندنا مفهوما سياسيا بان الناس يجب أن تعرف التفاصيل، لكن ما تعرف الناس من تقنيات الموارد المائية وإدارتها والعلاقات الدولية وصيغة المعاهدات وهل هنالك التزام لمن نريد أن نفرض عليه التزاما في الزمن الصعب والفوضى السياسية والمناخية والإدارية في المنطقة، حتى ما له علاقة في سد النهضة الأثيوبي على سبيل المثال لا الحصر.

العراق ليس بينه وبين الجوار إلا ما ورد في اتفاقية الجزائر مع إيران، وهذه المعاهدة المعنية – لا تعلم إن كانت فاعلة أم ملغاة – 54% من واردات دجلة تقريبا محسوبة كواردات داخل العراق ، لان أساسها هو سياسي، وتبقى خاضعة للتفسيرات مالم يحصل تفاهما عليها، أما تركيا فلا يوجد اتفاق حول المياه أكثر من المشافهة ومعالجة ظروف آنية ونتيجة زيارات ولقاءات لساسة البلدين، أما الحديث عن إجبار الجوار على معاهدة ما، فهو نوع من كلام بلا خلفية أو سند.

واقع المياه في دول المنبع والمصب:

دول المنبع كناية عن المنابع التي تشكل البحيرات الأم أو الروافد من منابعها في ايران وتركيا، هذه الدول لديها احتياجاتها المائية ومتعرضة للاضطراب المناخي والشحة وبالتالي فهي لا تصنع المياه أو تنتجها صناعيا وترسلها انهارا، وهذا يعني بالمجمل أنها بغياب اتفاقات دولية تسد حاجتها وتطلق المتبقي مع ما تخرجه سدودها نتيجة التوليد للطاقة وبرنامج الخزن والتفريغ السنوي وفق الفصول سد جزرة مثلا والذي سعته النشطة وفق اكثر التقارير منطقية(لا تتوفر معلومة دقيقة) هي 88مليون مهو ضروري لتنظيم إطلاقات أليسو البالغة 1200م3/ثا من المحطة بطاقتها الكلية فقط.



التفكير الاستراتيجي:

التفكير الاستراتيجي للمياه يقوم على فرضيتين:

الأولى: فرضية عودة الأوضاع المناخية بعد استقرار حكة لب الأرض والمغناطيسية إلى وضعها الأول فنعتمد استراتيجيات تعاونية.

الثاني: أن يحدث انقلاب مغناطيسي وبها احتمالات منها

  • يحل الجفاف النسبي وتغيير المواسم وشحة للمياه متوقعة
  • فيضانات وأمطار غزيرة تحتاج إلى إدارة ضد الكوارث

ممكن أن يتوقع العلماء أنماطا لكن تأكيدها وفق حسابات معهود بيد إنني أرى أن هذا تغييرا في النظام العام للأرض ينبغي الاستعداد لدراسته بشكل إنشاء قواعد بيانات للحالة المتغيرة، وهذا ليس معلوما متى يستقر بسنة أم عشرات السنين

توضيح الفرضيات والتفكير خارج الصندوق

الفرضية الأولى تستوجب تعاونا وإدارة مشتركة بين دول المنبع والمصب ووفق مؤسسة موحدة ومعرّفة المهام تساعدها تنفيذيا الوزارات في البلدان المرتبطة بهذه المؤسسة من حيث إنشاء السدود وبرامج التنمية الزراعية والثروة الحيوانية والاستفادة من تفعيل الموارد البشرية، فنحن نحتاج إلى معرفة بأمان سدود تركيا من حيث الزلازل والإنذار المبكر وهو ما نخشى منه أكثر من حجز المياه، وبحاجة إلى اتفاقات إدارة المياه ومعالجة سياسية تحويل مجرى الأنهر التي تتبعها إيران وهي معنية بنصف واردات دجلة وحياة شمال شرق العراق

كذلك إحياء مشاريع بتصاميم جديدة وأهداف جديدة كمشروع الأنابيب من نهري سيحان وجيحان وشبيهتها مع تركيا والتعاون مع إيران بطريق مرضية.

الفرضية الثانية: العراق لابد أن يتجه إلى منظومة خارج المعروف، كالاتجاه لتحلية المياه وتخزينها وضخها بشبكة أنابيب تشمل كل تجمع سكاني، واعتماد الطاقة الشمسية بشكل واسع في العمل ومحطات الضخ والتقوية لتبقى المياه آمنة ونظيفة ومتاحة دون مفاجآت.

علينا أن نخرج من صندوق الحصص المائية وليس معنى هذا التوقف عن التفاوض حوله لكن الجمود عليه مضيعة للوت وانكشاف أمام الكوارث، كما أن الرثاء والعتب والاتهامات والكلام عن مؤامرات كلها تصب في خانة العجز… فالمطلوب التوجه نحو الحلول وبمديات متعددة ووفق الاحتمالات كافة:

  1. فليس معقولا أبدا ما يتحدث عنه تراثيا حول مسطحات مائية كالأهوار وهي تستنزف بالتبخر أرقاما عالية جدا من المياه أو نتحدث عن خزين استراتيجي في ممالح طبيعية كالرزازة والثرثار دون السعي لتصميم أرضية الثرثار مثلا بإبدال التربة وصب الأرضيات وكل ما يمنع ملامستها لما تلامس المياه اليوم، العملية مكلفة لكننا نحصل على سد مرن وناظم ولدراسة الجدوى الفصل.
  2. نقول علينا تغيير الأساليب التقليدية في المياه التي تهدر الموجود ونجلس دون تخطيط لذلك أو إعادة تدويرها.
  3. دراسة المياه الجوفية في المنطقة الغربية وما بين النهرين “كاحتمال وجود مجرى” أكثر من كونه خزين بحكم طبيعة الجيولوجيا من تكوين قنوات وفوالق وإقرار نظام للاستفادة من استثمار الأرض لسد حاجة النمو السكاني وفرصة المدى العمري الحالي للعمر الفاعل.
  4. إنشاء مراكز دراسات وتأهيل للتطوير الإداري والفني استشرافية بحثية عملية منفردة ومتشاركة مع دول أخرى.


الجمعة، 29 نوفمبر 2024

137 - قراءة التاريخ (1-3) الزوايا المظلمة

 رابط عربي 21


فلسفة التاريخ:

تجارب وأحداث يمكن أن نفيد منها العبرة وكثير منها لا يفيد، والأسوأ هو التضليل للذات في اختيار النموذج ووصفه وعبادة الرموز بعد تأليهها، وهي بشر تلمس طريقها في الحدث، أصابت مرة وأخطأت أخرى، نتحدث بتمجيد حتى عن الأساطير التي تُستقى من حدث حقيقي أحيانا كالطوفان، وتختلط بالخرافات، فتغدو أسطورة يكتبها مبدع شعرا أو نثرا، ليجعل من طغيان شخصية جلجامش نموذجا.

ذات الشيء، عندما يُغفِل التاريخ جانبا من السردية ليبقي جانبا مضيئا منها، كسردية صلاح الدين وبيت المقدس مع أنه ترك الساحل للصليبيين، وإغفال السلطان قلاوون وابنه أشرف خليل الذي أنهى الاحتلال الإفرنجي نهائيا، استكمالا لإنهاء احتلال كان بسبب ضعف الدولة استمر 198 عاما لعكا؛ التي تعرضت لمذبحة وجريمة ضد الإنسانية باسم الصليب قام بها ريتشارد قلب الأسد، إلى سقوط حصن حراس المعبد، الذين كانت نهايتهم سيئة جدا، بعد أن اتهمهم البابا كليمينت الخامس بالهرطقة، واختلاس الأموال من فيليب الرابع (ويكبيديا).

التاريخ ينقل حدثا، الاستقرار عنده واجتراره نتيجة الجهل والتخلف هو امتهان للكرامة الإنسانية، وإحياء وتخيل الفتن منه بالتأكيد يضعف أهمية التاريخ، بل يجعل منه ثقلا في بحر الظلمات التي تعيش به الأمة عائمة غير مستقرة.

الفردانية التي تبرز في التاريخ وهي تتحدث عن البطل، تضع أساطير أو ما يشبهها وتضفي قدسية تقارب التحول إلى مرتبة الآلهة، وهذا يفقد الأمة القدوة والإيمان بالعمل الجماعي، فلا قائد يمكن أن ينتصر بغير جند أشداء مؤمنين بما يفعلون؛ ليس من ناحية عقدية فحسب، بل مهنية عندما تصبح الفروسية مثلا قيمة أو الجندية قيمة أو المجد قيمة.

حاضر في تاريخ معتم:

الأمم التي تهتم بالرموز والنقاط المضيئة في التاريخ وتهمل مهامها أو تتعظ من السلبيات والزوايا المظلمة فيه، هي أمة ماهرة في صنع الأصنام، لكنها لا تصنع الحياة، تنجذب لتعظيم شروط للتخلف لأنها لا ترى المستقبل، والكسل ديدنها؛ لأنها بلا دافع للبناء ولا دافع التنمية، والغرائز ضمن القانون ولا دافع من فهم القيم. يفكر السواد الأعظم منها بما له لا بما عليه، فهو يرى العمل موارده لا مهامه، والحياة تتأرجح وفق غلبة الغرائز وأيها تطغى، فمن طغت عنده غريزة التملك سعى للمال، ومن طغت عنده حب السيادة سعى لقمع محيطه، وهكذا بقية الغرائز قياسا لنصل إلى إنسان التخلف والضياع ومجتمع يغلب فيه الفساد ويطغى، فلا يحاسب ليكون الفساد طبيعيا وليس منقصة عندما يحضر فاعلها.

وهذا نراه واقعا ليس تحليلا؛ لأننا نرى المصفقين ونرى من ينتقدون المفكر المصلح ويسفّهونه ويحاولون تبيان نواقص فيه، بينما ذات الأشخاص وهم ناقدون للفساد يداهنون الفاسدين ويحاولون التقرب منهم، ويبحثون عن الطموح الذي داخلهم والنفعية الغازية لضمائرهم في أشخاص تافهين، هم في شغل عن الذين لا يرون نفعا منهم، سواء صالح مصلح أو منافق وصولي.

معظم نخبة القوم ومن يزعمون أنهم يتصدون لقضايا الأمة أو عقيدتها أو قيمها، أول من يكذب معظمهم عليه هو أنفسهم، ولا يرى انكشافه وتفاهته التي أحيانا كثيرة تكون واضحة أمام الناس، هذه الفئة أنواع شتى وغالب أنواعها طاقتها ضد نهضة أمتها، وهنالك منها ما يسعى لمجده هو، فلا يبحث عن الحقيقة بل يعدّ جهله غاية في العلم، وربما يفرضه على مجتمعه أو يخونهم، إن لم يك بتوجه ديني، وإن كان متدينا أو واعظا، فإنه يكفّر مخالفه وكلاهما يفعلان بتعميم لأمر ليس عامّا.

دوافع التخلف:

دوافع الهزيمة والتخلف هي دوافع للنهضة، لكن ينقصها الفهم وليس بالضرورة تنقصها المعرفة، فرواد التخلف مثقفون ومتكلمون متفانون وذوو حجة، بل إصرار وتضحية حتى بالنفس لكنهم في ضلال.

فأمة التخلف تشخص كدعاة النهضة وربما تتطابق معهم أحيانا، فهو إحساس بالألم، وهو يبحث عن حل وإنقاذ، بيد أنه لا يخرج من الصندوق، ويبقى في دوار الأفكار المهيمنة، ويبقى يأتي إلى حلول معادة تتناوب الإحلال مع بعضها. ولا شك أننا نستطيع أن نضيف المنبهرين بمدنية الغرب المتقدمة أو الشرق، ولكن دون فهم أسسها أو آليات إدخالها إلى المجتمع، فالأفكار هذه مخرجات مدنية، لكنها فُصّلت وارتديت في مجتمعات أخرى، ومضى زمن على تطبيقها، جرى إصدار أشكال متجددة بالخبرة والمستجدات وفق قراءة أو استقراء الواقع، لكن مجتمعا لا يمكن أن تُدخل عليه النظام في التطبيق الاقتصادي، الذي تطور لمئات السنين كقوانين ضرائب أو مستشفيات القطاع الخاص أو غيرها، بلا آليات موجودة تخفف عن كاهل المواطن، ولو طُبقت بشكل تقليدي بلا فهم آلياتها عندنا، فستكون قاتلة للمواطن ومعاشه؛ لأنها تأخذ بمبدأ لكل شيء ثمن، ولكن بلا آليات صنعتها التجربة مع الزمن.

المجتمع تعرض لصدمات ومتغيرات ونظم متعددة، لهذا حتى تطبيق النظام الإسلامي كنظام سياسي لرعاية الأهلية وحفظ المعتقد لمواطنيه، يحتاج استقراء وقراءة للواقع وإنتاج ما يناسب المجتمع، ووضع آليات لتحديث قوانين الدولة وإداراته بشكل مؤسساتي، ففهم معنى صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان دون استقراء أو تحديث للآليات، لن يكون نظاما ناجحا ذا ديمومة، وإنما حاله حال أي نظام دخيل، لكنه سيتحول إلى الهوى، وهذا معنى الثيوقراطية، فليس من دين فعلا أو شريعة، وإنما باسم الدين تحل الفوضى والظلم.

من المهم القول: لا بد أن تمخر قوارب اليقظة في بحر التاريخ لتبحث عن العبرة وفي السلبيات وحقيقة المواقف والأحداث لنجيب على سؤال مهم: لماذا أعجزنا الإسلام أن يستمر في قيادة المدنية وتتلاشى حضارته الفكرية، لتغرق بالأوهام والخزعبلات وشتى التسميات التي تحمل التخلف والجهل، ويحارب المجددون الفاهمون لفكرة الإسلام والخليقة، وكأنهم وباء وليسوا عناصر إحياء الموات والبوار الذي نحن فيه؟ هذا ما نحاول وضع أسس للإجابة عليه في الجزء الثاني.

الجمعة، 22 نوفمبر 2024

136- جدلية ازدواج الشخصية في المجتمعات.. استعمار الأفكار (2-2)

 رابط عربي 21


صراع قيمي

الذي في مجتمعنا مهما كان دينه، هو متعرض لإضافة قناعات إلى فِكْرِهِ من مراجع فكرية متعددة غزت المنطقة والآن الكثير منها في الإنترنت، لكن لا تواجه هذه المستجدات أفكارٌ جديدة تخاطب الواقع عندنا بل يهاجَم من يحاول الاجتهاد والتجديد؛ وأساليب المقاومة للسلوكيات السلبية من الوعاظ في كل الأديان أصلا ليست مجهولة للمنصوح، بل هو يستهجنها خفاء أو علنا لأنها لا تتماشى مع ما وصل إليه البشر من علوم وابتكارات.

هذه الأفكار نفسها تتصارع في الإنسان، فبعضها يبيح الفعل وبعضها يحرمه فتجد صراعا مستمرا ما بين القيم الأساسية والمنتحلة واضطراب نفسي سلوكي لمعالجة الحاجة. في العصر العباسي كان تبني للأفكار وتطويرها من جنس منهجها ومقاربات هزيلة شوهت الفكر الإسلامي رغم محاربتها لكنها دخلت في الشروح والفقه وجعلت الخزعبلات والخوارق مقبولة وهي من اصل الفلسفة الشرقية والغربية، وروج سوء الفهم للإسلام ومهامه بشكل مجحف.. "تُؤَدُّنَّ الحُقُوقَ إلى أهْلِها يَومَ القِيامَةِ، حتّى يُقادَ لِلشّاةِ الجَلْحاءِ، مِنَ الشّاةِ القَرْناءِ"، هذا حديث يقال على المنابر بينما المكلف هو الإنسان، والحيوان مسخر غريزي لا منظومة عقلية له لتحاسب، وهذا للمثل إن أُخذ بنصه لغير العبرة فهو تشويه لفكرة الخليقة في القرآن، ونرى فرقا اليوم تخرج الإسلام عن مهمته بأسماء متعددة.

صراع نفسي:

مجموعة القيم والأفكار في صراعها سيواجه الإنسان مشكلة الاستقرار، واضطرابات نفسية في الحكم على غيره بممارسة ممكن أن يفعلها هو، وكلما زادت الأفكار التي تدخل المنظومة العقلية وتجيب عن أسئلة فيها فتكون من المدرك بالضرورة، تزداد المعاناة النفسية، وتأتي مقاربات كمقاربة معجبي الرأسمالية والشيوعية ومتبنيهما مع الإسلام، مثل مقاربة التكافل بالاشتراكية، والملكية الفردية بالرأسمالية، لكن يمكن تبني الأمور المدنية كالانتخابات لحين أن يفرز المجتمع أسلوبا يناسبه.

تفاعل الفكر والشروحات تجعل الميل إلى الخرافات من المضافات كمعجزات أو خوارق، وهذا في كل المعتقدات كمثل من حدد أن نهاية العالم 2000 أو 2012، ونبوءة المايا وضرب "ليون مستنغر" أمثال متعددة على فشل النبوءات كعودة المسيح، وأن مناحيم مندل قد يكون هو المسيح لكنه مات بسكتة دماغية 1994 فقالوا إنه سيعود "فالمسيح يستيقظ من بين الأموات"، ذات الشيء عن التنبؤ الحسابي بنهاية الكيان الصهيوني سنة 2023 وانتقل الآن إلى 2027.. والأمثلة كثيرة.

عندما يريد الإنسان أن تكون له مكانة وتفوق ويجد من هو أفضل منه فإنه يحاول تسفيهه بافتراض أنه مزايد أو دجال، على قاعدة العنب الذي لا يُطال حامض، بدل السعي للتكامل معه. غالبا الشخص الجيد ليس هو الذي يوقظ الناس وإنما هو من يطرح ما يفكرون هم به ليقودهم إلى حيث يريد وهو ليس ما يريدون، كذلك نرى الشعوب تلفظ المصلحين وتخضع للطغاة الذين يقمعونهم بحجة التحديات من الإمبريالية والاحتلال للجوار أو البلد أو فكرة مضادة.

معادلة مهمة: هي معادلة قبول الفكرة لنرى صيغة رياضية لها وبتحقيقها يحصل التناقض:

توافق الفكرة بمقاربة مع الفكرة الأساسية (افتراضية) + مقاربة مع النفسية والمزاج (مماهاة) + فقدان وسائل المعالجة (المجتمع وازدواج الأفكار عنده) + قيمة الفكرة (بها إطلاق) + الفعل الغريزي (وهو الأهم في التأثير) = التصالح بين مجموعة الأفكار المتناقضة على مجمل الإخفاقات.

في بيئتنا التي حصل بها ازدواج الأفكار وتعاظم في الحاجات مع تطور المدنية فنجد رفضا لمسالة تعدد الزوجات ونجد هنالك زنا ممن يحرّمه، وهذا يعبر عن خلل، بينما تصالح الغرب على أن هنالك عشيقا أو عشيقة دون أن يكون أمرا شاذا، وكل أمر يتطور يُرفض بداية ثم يُتوافق على وجوده كواقع حال بقانون تستجيب لشذوذه حتى الكنائس! يحتاجها للمصالحة مع غريزة التدين وليس فكرة الدين المناهض أصلا لهذا، وليكون مقبولا اجتماعيا، وكثير من الأمثلة صدرت بها تشريعات تنظيمية للمحافظة على مرتكبيها ضمن سلطة الدولة التي حلت محل الإله عمليا.

عند المجتمعات الشرقية يمر القبول في دورات أطول فتوافق مجتمعنا مع الرأسمالية ليس بسببها وإنما بسبب آليات فيها، والتي تحتاج إلى وقت وأنظمة وقوانين لضبط السلوكيات السلبية التي تنتج عنها. ويبدو شاذا ومشوها من يقر الشذوذ مثلا علنا، في حين أنه يكثر في مجموعات بشرية تهرب من المسؤولية أو يعتاد الإنسان وضعه من الشذوذ نتيجة استغلاله من أناس شاذين متنفذين بصيغة أو أخرى، ولا وسائل للمعالجة ويكتفي المجتمع بالإنكار.. لكن معظم حدود المعادلة متحققة.

مجتمعنا لا يحتاج أمرا كثيرا لكنه كبير والمقاومة له من منظومة التخلف في مجتمعنا استدعاء الماضي وافتراض أن الاجتهادات القديمة تناسب العصر أو أنها صحيحة والعالم الذي نحن فيه خطأ ولا يعالج، نعم الواقع خطأ ولكن استدعاء الماضي خطأ أيضا


معالجة هذا:

إن مجتمعنا لا يحتاج أمرا كثيرا لكنه كبير والمقاومة له من منظومة التخلف في مجتمعنا استدعاء الماضي وافتراض أن الاجتهادات القديمة تناسب العصر أو أنها صحيحة والعالم الذي نحن فيه خطأ ولا يعالج، نعم الواقع خطأ ولكن استدعاء الماضي خطأ أيضا، فنحن في خطأ مركب وهذا تمام معنى الكارثة، ولا يمكن إقامة فكر بلا آلياته وتنقيته، فالغرائز ستسيطر ويصبح التبرير والشعور بالذنب مرضا نفسيا.

بدل أن نتصالح مع أن المسلمين شيعة وسنة ونقر روابط هابطة؛ الأفضل أن نستحضر أصل القرآن ونرفع كل ما أضيف للإسلام من معوقات الإصلاح عبر أشخاص، وتُختصر المذاهب بتعاليم للعبادة مناسبة بكراريس صغيرة دون الدخول في تفاصيل أوجدها الهروب من واقع مر للسياسة، وبدل تبرير نوع الولاية نذهب إلى الشورى ونستمر في تحسين الأداء والآليات. الإسلام ينزل قرآنا كل يوم لكن نحن لا نفهم هذا ونحسبه آتيا من التاريخ، وهذا ليس مفهوم الإسلام لنفسه.

كل الأديان الأخرى لها ما للمسلمين وعليها ما عليهم، وحتما ستكون تفاهمات اجتماعية لترشيد الرعوية عند القسس والواعظين والتي هي أساس خلخلة الانتماء وتزرع الكراهية بدل الاتفاق على بناء البيئة المشتركة، وهي مهمة الإنسان المحمية من أي حكم إسلامي الذي غايته الأساس حماية الأهلية والاختيار وفاعلية المنظومة العقلية، لحين ذاك فمنظومة تنمية التخلف تزيد من عمق جرف التخلف الهاري.

الجمعة، 15 نوفمبر 2024

135- جدلية ازدواج الشخصية في المجتمعات.. وصف الظاهرة (1-2)

رابط عربي 21


"مجتمعنا مضغوط بالعيش في التاريخ ويستدعي التاريخ فتطغى خلافات التاريخ على إضاءاته، فإضاءاته مدنية وخلافاته أُلحقت بالعقائد"

 سمة المشكلة:


هنالك في هذه الجدلية نوعان من الازدواج، وكل نوع مركب من أطياف، وهي ليست مرضا ليعالج، وإنما اضطراب في تكوين الشخصية، وهي ليست متعلقة بدين أو عرق أو طائفة، وإنما هي متعلقة بتركيبة المجتمع ككل، ومفرزات هذا الازدواج أن هنالك حياة غير طبيعية، وأمة ليست قويمة غير قادرة على البناء ولا التعامل مع الواقع بشكل سليم.

1- دعوتنا ليست للدين، وإنما لتدين لا يفيد إلا سد غريزة التدين، بينما يمكن أن يحصل نقيض الدين في كل خلق وسلوك. نقول: الإسلام فيه الحل ولا نعرف أو نبحث كيف هو الحل! فإن أتانا من يدلنا سفّهناه وكفّرناه، واحترمنا الخزعبلات والانحرافات لأنها تبرر الكسل والضعف والفشل.

2- النمطية والأحادية في كل شيء، من الحاكم إلى الرأي الفردي.

3- يحكم بتطرف على خطأ غيره أو ما يقترف، في حين أنه قد يكون مرتكبا لنفس الخطأ.

4- فقدان للقواعد والقيمة وتعريف المهام، وتكرار الأخطاء وتبرير نتائج الفشل بقضاء الله.

5- مجتمعنا مضغوط بالعيش في التاريخ، ويستدعي التاريخ فتطغى خلافات التاريخ على إضاءاته، فإضاءاته مدنية وخلافاته أُلحقت بالعقائد، رغم أنها سياسية مدنية أيضا في أصلها.

6- هنالك الكثير من السلبيات، لكنها كلها تعود إلى أسباب المسارات الحضارية والمدنية، وتراكم أفكار متعددة متصالحة في العقلية، وتؤدي إلى اضطرابات في النفسية، فما هو حلال في بعض الأفكار، حرام في أفكار أخرى. وما هو حسن في أحدها، فهو قبيح في أخرى. وما يسد النقص هنا، لا يصلح هناك. وهذا السبب الرئيس لازدواج ثنائي وثلاثي وأكثر في الشخصية، نتيجة الاضطراب في العقلية والنفسية، وهو ما يفسر انفصال السلوك عن الخطاب وبتعايش تام هو المشكلة.

ما جدلية الاضطراب وما علاجه؟

الإسلام عموما، أتى إلى بيئة في وقت بعيد عن التقنيات الحديثة، وأهم هذه التقنيات التي تفيد الإسلام كفكر، ليكون بعيدا عن تشويه الفكرة والنقاء حينها هي الاتصالات والمطابع، فالناس يتداولون المعلومة بطريق النقل والحفظ كما اعتادوا أن يتناقلوا الشعر والكلمة، ومنها الشروحات والرأي، فلم تترسخ الفكرة بشكل صائب، وإنما هي ظنون في الفكرة عند العامة من الناس، مع تصور أنهم معلمون ولهم رأي، وهو أمر جاذب في مجتمع تأتيه الحرية بعد قمع الامبراطوريات، وهي أحد أسباب الفتنة التي أدت إلى حكم التغلب لاحقا. فالفكرة، قد تبدأ بسلوك أو حدث مهما كان بسيطا، فإن لم تصحح تكبر، وربما ينظَّر لها لتكون أيديولوجيا، فإهمال الإخفاقات أو الانحرافات، أدى إلى صراعات وتعاظم للتخلف مستمر حتى الآن.

ثم اصطدمت الحضارة الفكرية التي استقر عليها الناس باختلافاتهم على الأمور البسيطة بمخرجات الفلسفة اليونانية، فكانت مادة للجميع لإرساء تنظيرات كل لفكره وإصراره عليه بمنطق تصوره مع غياب الفهم العميق للإسلام، ظهرت أسئلة الفلسفة اليونانية التي هي ليست أسئلة الفلسفة، أو فكر الحكمة الإسلامي، فماهية الإله الذي طرحته نظرية الفيض، هي ليست سؤالا في الإسلام، فالإسلام يأخذ الجانب المؤثر في الحياة.

أسئلة مثل: الإنسان هل هو مخيّر أم هو مسيّر؟ خلقت فرقا متعددة، وهي فكرة لا وجود لها لمن يفهم الإسلام، وهو يعرف ماهية الإنسان والحياة، وما انفك الناس يناقشون هذه الأمور دون فهم لتضارب الأفكار بين أمور محلولة أصلا، فلا يوجد هذا السؤال في الفكرة؛ لأن الإجابة أصلا موجودة بشرح السؤال، والسؤال عن القضاء والقدر مجاب، مثله مثل معنى الروح والقلب والفؤاد. الإسلام يجيب عن كل هذا ضمنا، بينما ما زال الناس يسألون والمفسرون والوعاظ والخطباء والكتاب يستخدمون كل هذه الأسئلة الوهمية والمصطلحات، عالم وهم يدورون في تيه افتراضي لا مخرج منه، كذلك هو حال الأمة اليوم.

عقدة التغيير وتراكم الأسئلة:

الأمة في منطقة ذات ثروات فتتصارع عليها الدول بأيديولوجياتها وأساليبها المتعددة للهيمنة عليها، من التعليم لإنشاء موظفين بأسلوب غربي، إلى إدخال لغات المحتلين وثقافتهم، إلى الأيديولوجيات كالشيوعية إلى انغلاق الفقهاء ورجال الدين، ورفض أي تجديد حتى يفرض نفسه أو محاولة مقاربته بالإسلام، تماما كما فعل السابقون مع الفلسفة، وهي ثقافة وفكر يحوي اختلاف الجوهر إن عومل كفكر حضاري وليس كمخرجات مدنية.

ولكوننا نحاول التأصيل في الدين لكل شيء اختلطت علينا الأمور فتفشل الفكرة عند التطبيق، هنالك من تحسس هذا ولم يدرك منه الحل له فقال؛ "إننا لن ننهض إلا إذا أخذنا ما عند الغرب كله بإيجابياته وسلبياته". وهذا يمثل حالة الخلط التي نوهنا إليها؛ لأننا نعتبر كل أمر عقدي، في حين أن المدنية تراكم للجهد البشري، أما الفكر الحضاري، فهو توسع بغرض الفهم لفكر عقدي أنزل كمنهج للإنسان وكقيم تستند عليها معايير السلوك وتصويبه، واستعاض الغرب عنها بالقانون وسيادة القانون وتقديس قوة الدولة وسيادتها، نجد هنا الدولة الإله ونجد القوانين بدل قيم الشريعة.

السلوكيات السلبية والمزدوجة:

السلوكيات المزدوجة عندما تلاحظ أن رجلا متدينا يحكم على مخالف الشرع بكل قسوة، وهو يمكن أن يزني ولا يؤثر هذا على شدة حكمه على الزاني مثلا. ما التوصيف والعلاج؟ هذا ما نحاول الإجابة عنه في الجزء الثاني.

167- نحو معالجة فكرية للموروث في الشرق والغرب

رابط عــــ 21ـــــــربي  عوامل فاعلة: عوامل نتحدث من زاويتها حول انحدار أو سقوط الأمم بعد ارتقاء، وهي  الفكر  والزمان، والقدرة على التجدد وم...